بسم الله الرحمٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين في شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ يوم 13 آب 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الوحدة والاختلاف

مدخل

نبارك لجميع محبّي الإسلام ونهنئهم بحلول شهر رمضان المبارك سائلين العليّ القدير بحقّ الوجود المقدّس لوليّ العصر (أرواحنا فداه) أن يشملنا جميعاً في هذا الشهر الشريف بعناياته الخاصّة.
لقد اقتُرح علينا التطرّق إلى بحث خطبة السيّدة الزهراء(عليها‌ السلام) في هذا الشهر الفضيل وكذا في السنة القادمة إن‌ شاء الله‌ تعالی. في الحقيقة منذ أكثر من 25 عاماً وأنا أحضر في خدمة الأخوة الأعزّاء من طلبة العلوم الدينية وغيرهم أحياناً في كلّ ليلة خميس لنستعرض آيات من الذكر الحكيم وأقوال عن أهل البيت (عليهم ‌السلام) آمل من خلالها أن أحظى بلياقة نيل شفاعتهم(عليهم ‌السلام). إنّه لطالما راودتني فكرة الخوض في بحث حول كلمات السيّدة الزهراء(عليها ‌السلام)؛ لكنّ الذی كان يمنعني من ذلك غالباً هو شبهة أنّ طرح خطبهاقد يثير حساسيّة الاُخوة من أهل السنّة بل قد يؤجّج المزيد من الخلاف؛ لكن بعدما تمّ توثيق خطبة السيّدة فاطمة الزهراءهذا العام وطُبعت ونُشرت بأعداد ضخمة، وبعد أن أيّدها وأمضاها مراجع التقليد العظام (حفظهم الله) فقد تبادر إلى ذهني في مقابل ذاك السؤال سؤال آخر وهو أنّه: بعد انتشار هذه الخطبة بين عامّة الناس، فهل يبقى هناك مبرّر معقول للإعراض عن شرحها وبيانها؟ أساساً كيف يمكن تحقّق تلك «الوحدة» التي هي مطلوبة أصلاً؟ هل لابدّ أن تبقی الكثير من الحقائق في طيّ الكتمان ولربّما تجابَه بالإنكار بعد تقادم العصور؟ أم إنّه ينبغي للمسائل العلميّة التي تتطلّب البحث والتحقيق أن تُبيَّن بمعزل عن التعصّبات وبدافع الإفادة من المعارف؟ إنّ هذه الحقائق هي التي تنهض بدور جوهريّ في حفظ الإسلام وأهدافه ويجب أن تُطرح في المحافل العلميّة على طاولة البحث باُسلوب حياديّ كي تُمهّد الأرضيّة لخروج المشتبهين والملتبسة عليهم الاُمور من دائرة الشبهة والالتباس.
إنّه لَيساورني شعور بأنّ قلب الزهراء (سلام ‌الله‌ عليها) سيكون أكثر سروراً إذا تناولنا في بادئ الأمر البحث في أصل مسألة حفظ الوحدة. إذن فلنكرّس بضع محاضرات نتناول فيها قضيّة الوحدة والاختلاف ثمّ نُتبعها بالبحث حول نفس الخطبة الشريفة، التي تُعدّ من أفصح وأبلغ الكلمات المرويّة عن أهل البيت (صلوات ‌الله‌ عليهم) والتي لم يعد أيضاً أيّ مجال للتشكيك فيها من الناحية التاريخيّة، علّنا نُشمَل بالعنايات الخاصّة لهذه السيّدة الطاهرة.

الثورة التي أحيت اسم الزهراء

في الحقيقة إنّ إحدى بركات الثورة الإسلاميّة هي عودة اسم فاطمة الزهراء إلى الحياة في أوساط المجتمع. لقد أمضينا نحن الجانب الأكبر من شبابنا في مرحلة ما قبل الثورة ولم يكن آنذاك، حتّى في مدينة يزد التي تُصنّف ضمن المدن الدينيّة، ما يسمّى بالعشرة الفاطميّة أو ما شاكلها. إنّ هناك عوامل متعدّدة هي التي أدّت إلى عودة اسم الزهراءإلى الحياة في مجتمعنا على وجه الخصوص الأمر الذي أتحف العالم الإسلاميّ أجمع بعظيم البركات. فمن جملة العوامل التي أعرفها أنا شخصيّاً هي أقوال الإمام الراحل (رضوان ‌الله ‌تعالى ‌عليه) بخصوص السيّدة الزهراءالتي يندر صدور نظيرها من شخص آخر. في الحقيقة لقد كان رحِمَه الله من الأشخاص الذين أحيوا اسم الزهراءفي هذا العصر، الأمر الذي اقترن بما غمر صفوف المجاهدين في ذلك الوقت من انجذاب معنويّ نحو شخصيّة الزهراءوهو ما لا يسعني تفسيره عبر الأسباب العاديّة. وإلى جانب ذلك يكمن عامل آخر أيضاً ألا وهو مبادرة عدد من مراجع الدين العظام في مدينة قمّ إلى إحياء أيّام العشرة الفاطميّة حيث يشاركون بأنفسهم، بل وحفاة الأقدام أحياناً، في مجالس العزاء المقامة بالمناسبة. حتّى آلت الاُمور أخيراً في هذا العام إلى توثيق خطبة الزهراءعلی أنّها سند تاريخيّ وقد أيّدها وأمضاها مراجع الدين على نحو منقطع النظير، ولعلّ هذا هو السبب من وراء اقتراح البعض تقديم بحث حول هذه الخطبة.

الوحدة؛ تقوية للملاكات المشتركة

يتبادر إلى الذهن هنا سؤال هو: هل إنّ التعريف بأهل البيت(عليهم‌ السلام) وبمواقفهم وتاريخهم يخالف الوحدة يا ترى إذا ما طُرح هذا الموضوع على نحو صحيح وعلميّ وبحثيّ؛ أم على العكس من ذلك، إنّ عامل وحدة الاُمّة الإسلاميّة أساساً هو مسألة الإمامة والولاية؟ على خلفيّة هذا النمط من التساؤلات أحسستنوعاً ما بتكليف شرعيّ يدفعنی الی عرض بحث جامع فيما يتعلّق بمسألة «الوحدة والاختلاف» ليتمّ في خضمّ البحث طرح أسئلةٍ يکون الهدف منها هو متابعتها من قبل الأعزّاء من أصحاب البحث والتحقيق علّهم يصلون من خلالها إلى النتيجة المرجوّة.
إنّ المعنى الحقيقيّ للوحدة هو أمر بديهيّ لا مجال للإبهام فيه، لكن من أجل أن يتّسم البحث بالجامعيّة نطرح فيما يلي بعض الاحتمالات. إذا كان المراد من إيجاد الوحدة هو أن يكون جميع الناس شيئاً واحداً تماماً، أي أن لا يكون فيهم أيّ تعدّد، فالكلّ يعلم أنّ شيئاً كهذا هو أمر غير ممكن بتاتاً. فالفردان من الإنسان هما موجودان اثنان ولن يكونا موجوداً واحداً على الإطلاق. فمن غير الممكن مطلقاً أن تحصل وحدة حقيقيّة بين جميع أفراد المجتمع.
وهناك مسألة طرحها علماء الاجتماع وهي: هل يمكن لمجموعة البشر الذين يشكّلون مجتمعاً واحداً أن تكون لهم وحدة حقيقيّة؛ أي أن تكون لهم هويّة جديدة هي غير هويّة الأفراد؟ وهذا البحث هو ممّا ينبغي طرحه في نطاق فلسفة الاجتماع، لکنّ هذه المسائل ليست محلّ بحثنا حاليّاً. فالوحدة التي هي مدار البحث هنا هي كالتالي: إلى أيّ مدى يتعيّن علينا، نحن الناس الكثيرین الذين نؤلّف مجتمعاً واحداً ولكلّ واحد منّا وجوده المستقلّ، إلى أيّ مدى يتعيّن علينا السعي لجعل ميولنا وحدويّة مع كلّ ما لدينا من اختلافات؟ فالمراد من إيجاد الوحدة هنا ليس هی الوحدة الحقيقيّة الفلسفيّة؛ بل المقصود هو تشخيص الملاكات المشتركة بيننا ثمّ نسعى إلى تقوية تلك الملاكات من جانب، وتقليل وتضعيف العوامل التي من شأنها أن تؤدّي إلى التشتّت والعداوة من جانب آخر. فالمقصود من إيجاد الوحدة هنا هو الوحدة بالمصطلح الاعتباريّ، وليس المراد بها حذف أشكال الكثرة والاختلافات بالكامل. وهذا يشبه ما نصبوا إليه في قضيّة وحدة الحوزة والجامعة، ووحدة الشيعة والسنّة، ووحدة جميع الطوائف التي تتقاسم العيش المشترك في البلاد، وهو أن نشخّص الملاكات المشتركة بين الأطراف ثمّ نحاول أن نجعل تلك الملاكات تحظى باهتمام أكبر، وأن تكون أكثر قوّة، لتتضاءل في ظلّ تقوية تلك الملاكات دواعي الاختلاف وموجباته.
فهذا المقدار من مدلول الوحدة معلوم؛ لكنّه تُطرح أحياناً مسائل لا ندري إن كانت الوحدة تقتضي صرف النظر عنها أم إنّ المطلوب هو شيء آخر؟ ومن جملة المسائل المرتبطة ببحثنا والتي كانت تشغل ذهني واهتمامي هي أنّه عندما نتحدّث عن الوحدة بين الشيعة والسنّة فهل يُقصد من ذلك حذف المسائل الخلافيّة بين الشيعة والسنّة من الأساس وأن نركّز البحث على أصل حقّانية الإسلام، والنبوّة، والمعاد بذريعة أنّ طرح المسائل الخلافيّة يورث تفريق القلوب؛ ولذا علينا أن نترك الخوض فيها أساساً؟ هل هذا هو المراد من الوحدة يا ترى؟!

أنواع الاختلاف

الوحدة في المباحث العقليّة تُطرح في مقابل «الكثرة»؛ أمّا في بحثنا هذا فإنّه يتمّ طرحها في مقابل «الاختلاف». فالوحدة هنا تعني عدم الاختلاف. وعندما ندعوا إلى الوحدة فإنّنا نصبوا في الواقع إلى وضع الخلافات جانباً؛ إذن فلابدّ في الحقيقة أن نقيس مفهوم الوحدة مع مفهوم الاختلاف. وبما أنّ الوحدة في بحثنا هذا تقع في مقابل الاختلاف فدعونا أوّلاً نتعرّض لمناقشة معنى الاختلاف.
من الممكن أن يكون هناك موجودان متماثلان تماماً؛ كالأشياء التي تُصنع في المصانع طبق اُصول فنّية معيّنة عادةً. فمن الصعب بمكان أن نميّز أيّ هذين الشيئين هو «أ» وأيّهما «ب»؛ لأنّ هناك «كثرة» لكنّه ليس ثمّة «اختلاف»، إذ أنّ الشيئين متماثلان. إذن فالوحدة هنا لا هي متنافية مع المثليّة ولا هي متعارضة مع الكثرة والتعدّد. أمّا الاختلاف فيعني عدم التماثل، فحينما لا يكون الشيئان متماثلين يُقال إنّهما مختلفان. ولا يعني الاختلاف في هذا الباب القتال والنزاع، بل هو وجود التفاوت والتباين. فهل وجود مثل هذا الاختلاف أمر مذموم؟ وهل وجود الفرق التكوينيّ بين شيئين هو أمر قبيح؟ أو فلنطرح السؤال بصورة اخری: لو لم يكن هناك اختلاف، فهل كان سيوجَد عالَمٌ أصلاً؟ فإن لم تكن هناك اختلافات تكوينيّة فإنّه لن يتمكّن إنسان من العيش ولن يتشكّل مجتمع بشريّ أساساً. وأساس هذا الكون هو هكذا أيضاً؛ فلو لم تكن هناك اختلافات تكوينيّة لم يكن هذا الكون ليتحقّق من الأساس. وإذا لم توجد اختلافات تكوينيّة بين الرجل والمرأة لن يصبح الجيل قابلا للبقاء. ولهذا فإنّ أصل الاختلافات التكوينيّة التي لا صلة لها بأعمالنا واختيارنا هي من لوازم وجود هذا العالم؛ فلو أنّها لم تكن لاُغلق الباب أمام الفيض الإلهيّ. انّ بقاء هذا العالم بكلّ ما يحويه من عناصر الجمال رهن باختلافاته، وهذا هو عين الجمال: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ»1. وتأسيساً على ذلك فإنّ هذا المعنى من الاختلاف ليس هو محطّ بحثنا.
هناك لون آخر من الاختلاف بحيث يكون لاختيار الأشخاص في الجملة دور فيه، والنموذج البارز لذلك هو الإفادة من المواهب الطبيعيّة لهذا العالم والتي نتيجتها أن تتمتّع جماعة بالثراء وتُبتلى اُخرى بالفقر. فبقطع النظر عن المسائل القيميّة الاُخرى، هل إنّ نفس هذا الاختلاف في طاقات وقدرات الأشخاص والذي يكون مدعاةً لحصولهم على منافع اختياريّة واكتسابيّة جديدة هو أمر حسن أم سيّئ؟ فإرادة الناس وأفعالهم مؤثّرة أيضاً؛ بيد أنّ منشأ هذه الاختلافات الطبيعيّة هو من الله عزّ وجلّ. فالذي يتمتّع بذكاء أوفر، وطاقة أعظم يكون أكثر قدرة على توظيف قواه البدنيّة، وأشدّ قدرة على الابتكار والإبداع، وهذا كلّه يوفّر أرضيّة خصبة لحصول هذا الإنسان على المزيد من المكاسب المادّية. هذا الأمر بعيد كل البعد عن الجبر قطعاً، لكنّه في الوقت ذاته مأخوذ بنظر الاعتبار في نظام الخلقة وتدبير الكون. فالله جلّت آلاؤه يقول: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَٰئِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَٰكُمْ»2؛ فالله قد جعلكم مختلفين من حيث المواهب التكوينيّة عبر جعل بعضكم أعلى درجة من البعض الآخر كي تتوفّر بيئة لامتحانكم وابتلائكم. فإذا حاز أشخاص على مواهب مادّية أكثر تعلّقت بهم تكاليف خاصّة، الأمر الذي يمهّد لامتحانهم. فهذا العالَم أصلاً مبنيّ على جعل مختلف الناس في معرض امتحانات شتّى ليختاروا مسيرتهم بأنفسهم ويُعلم مدى طاعتهم لربّهم. فإنّ ما أعطاه الباري عزّ وجلّ لنا هو موهبة ذاتيّة. فهذه الاختلافات الموهوبة من قبل الله ستشكّل أرضيّة لحصول أفراد المجتمع على فرص متفاوتة تقتضي تكاليف مختلفة وهذا بدوره يعني أرضيّات للامتحان. فهذا هو لون من ألوان الاختلاف. فهل الاختلاف من هذا القبيل هو حسن أم قبيح؟ فلو لم توجَد مثل هذه الأرضيّات لما تحقّقت تلك الامتحانات وإنّ عدم تحقّق الامتحانات يتسبّب في عدم التكامل، وفي هذه الحالة لا يتحقّق الغرض من الخلقة. إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان أساساً من أجل أن يختار مسيرة حياته بنفسه ويبلغ ذلك الكمال الذي جعله الله جلّ وعلا في ظلّ عبوديّته وطاعته. فلو لم تكن هذه الاختبارات، لم يكن بالإمكان العثور على تلك الكمالات. فاختيار الإنسان هو في الجملة مؤثّر في ظهور هذه الاختلافات التي تشكّل بدورها جزءاً من عناصر جمال الخلقة وهي مأخوذة بالحسبان في أصل الهدف منها ولابدّ من وجودها.
وهناك أيضاً نوع آخر من الاختلافات التي يكون سهم اختيار الإنسان فيها أوفر. وهذا النوع يرتبط بالهدف النهائيّ للخلقة ألا وهو مسألة العبادة والطاعة لله تعالى. وهنا بالتحديد تُطرح قضيّة الدين. وهذه الاختلافات لا تكون تكوينيّة وجبريّة؛ بمعنى أنّ القضيّة ليست هي أنّ المرء ابتداءً يأتي إلى الدنيا حاملاً ديناً معيّناً بشكل جبريّ. فاختيار الدين والطريقة تتعّلق بالأشخاص أنفسهم حيث تؤثّر على ذلك عوامل عديدة وتوجد لذلك صيغ معقّدة للغاية. وقصدنا من الدين هنا هو تلك السلسلة من المعتقدات التي تُطرح تبعاً لها مجموعة من القيم وتؤدّي الأخيرة إلى أعمال وسلوكيّات معيّنة؛ فالمراد من الدين هو مجموعة المعتقدات والقيم، والسلوكيّات الناتجة عنها. فعندما تُطرح مسألة انتخاب العقيدة، والقيم، والأحكام والعمل بالأحكام تتفاقم الاختلافات إلى حدّ كبير ويتّسع نطاقها يوماً بعد آخر. ففي الدول الغربيّة قد لا يمضي يوم من دون أن تنشأ فرقة دينيّة جديدة. ففي كلّ عام عادةً تظهر للوجود في الغرب، ولاسيّما في أمريكا، المئات من الفرق الدينيّة! وهنا تأتي قضيّة المؤاخَذة والتكاليف الشرعيّة أيضاً.
يقول القرآن المجيد: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَٰبَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ»3؛ فقد كان الناس اُمّة واحدة يتمتّعون باقتضاءات واحدة من الناحية الفطريّة؛ لكنّه حصل الاختلاف فيما بينهم. وهذه الاختلافات أدّت شيئاً فشيئاً وبعيداً عن المسائل العقائديّة إلى طرح قضايا قيميّة؛ ذلك أنّ بعض الناس يحاولون انطلاقاً من دوافع وأغراض شخصيّة الحصول على منافع أكثر من غيرهم والاعتداء على الآخرين. وهنا تظهر مدى أهميّة مسائل العدل، والظلم، والقانون، وما إلى ذلك. لكنّ نفس اُولئك الأشخاص الذين يريدون سنّ القانون لا تخلوا نفوسهم من دوافع الاختلاف أيضاً، الأمر الذي يؤدّي إلى انعكاس تلك الدوافع على قوانينهم. لذا فإنّه من غير الممكن لأحد وضع قانون حقيقيّ إلاّ أن يكون منزّهاً عن دوافع الاختلاف وغير محتاج لها أساساً. وهنا تأتي قضيّة: «فبعث الله النبيّين...»؛ فالله هو الذي يبعث النبيّين في سبيل رفع تلك الاختلافات.
وحيث إنّ ابن آدم هو موجود عجيب فإنّه يزرع الاختلاف في نفس العوامل التي من شأنها ان تمحو الاختلافات. فالله عزّ وجلّ قد بعث النبيّين وأرسل معهم الكتب السماويّة من أجل إزالة ما وقع بين الناس من اختلافات؛ أي إنّه فعل ذلك كي يرضخ الجميع للقانون، و حينئذ ينفّذون ما هو حقّ ولا يظلم بعضهم بعضاً لينعموا بحياة هانئة سعيدة؛ لكنّ هذا الإنسان الناكر للجميل يأتي ليزرع الاختلاف في نفس الدين: «وما اختلف فيه إلّا الذين اُوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغياً بينهم».
إنّ تأكيد الآية الشريفة ينصبّ علی الاختلاف الذي يأتي عن بغي واعتداء وعصيان وظلم. «فالبغي» هنا هو في مقابل الحقّ؛ أي: الأشخاص الذين أحدثوا الاختلاف في الدين عن غير حقّ. هؤلاء الأشخاص يزرعون الاختلاف في الدين عن طُرق شتّى. فمنها أن يقول أحدهم: إنّ قصد الله هو هذا، ويقول الآخر: لا إنّ قصده هو ذاك! بل إنّ الأمر قد بلغ إلى أن ينسبوا إلى الله ما اختلقته أيديهم: «فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ»4. فإنّ ما أحدثوه في كتاب الله من هذه التحريفات هو أكثر شيوعاً من غيره، و هذا هو التحريف المعنويّ؛ بمعنى أنّهم حرّفوا مقصود آيات الله. وهذا الأمر هو ما يلقى اليوم رواجاً تحت شعار تعدّد القراءات. وهذا هو من فنون إبليس الذي ربّى التلاميذ من قبيل هؤلاء و هم الذين بحثوا عمّا أراده الله عزّ وجلّ سبباً للوحدة، وسبيلاً لبلوغ الحقّ، ومدعاةً لنيل السعادة، ثمّ جعلوا منه وسيلة وأداة لبثّ الاختلاف، ونشر الضغينة، وإشعال النزاعات، والتسبّب بالشقاء في الدنيا والآخرة: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ‏ عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ»5؛ فأيّ عمل أشنع من هذا؟ ففي مرحلة ما قبل نزول الدين والكتاب كان في أيديهم العذر، فقد كان بإمكانهم القول نحن لا نميّز بين الحقّ و الباطل، وما هو الأمر الذي يُرضي الله؛ لكن بعدما أنزل الله الكتاب وبعث الأنبياء، وقام الأنبياء بهداية البشر، فلماذا أحدثوا الاختلاف في نفس وسيلة الوحدة تلك؟! فهذا هو أسوأ ألوان الاختلاف التي ظهرت على وجه البسيطة.
أمّا المرتبة الأدنى من تلك فهي أن يقبلوا بالدين و ان يكونوا فعلاً على استعداد لأن يعلنوا عن الحقّ في مقام الإفتاء؛ لكنّهم لا يراعونه في مقام العمل. فعندما يأتي الدور إلى العمل يتدخّل الهوى فلا يسمح للإنسان أن يعمل بما يعلم. فهذه جملة من الاختلافات التي تظهر في المجتمع البشريّ.

توصية القرآن؛ الوحدة حول محور الحقّ

الآن، وبالالتفات إلى الاختلافات المشار إليها، ما الذي ينبغي فعله؟ انّ الطريق الوحيد الذي يضعه القرآن الكريم نصب أعيننا هو الوحدة على أساس الحقّ. فالقرآن يدعوا اُولئك المتصدّين لإصلاح المجتمع، والذين يشفقون على حالهم وحال الآخرين على السواء، وينتابهم الهمّ لکسب دنياهم وآخرتهم معاً، ويكابدون المعاناة لما يشاهدونه من المفاسد ويريدون السعي لمواجهتها، نقول القرآن يدعوا هؤلاء إلى الوحدة على أساس الحقّ. فالكثير من الآيات القرآنيّة تصرّح بالقول: إنّ العنوان الرئيسيّ لدين جميع من بعثناهم من الأنبياء هو: «أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ»6؛ أي: أقيموا الدين ولا تحدثوا الاختلاف والفرقة فيه. اعرضوا الدين بمضامين واحدة وشفّافة وقواعد مسلّمة غير قابلة للتشكيك كي لا يكون سبباً للاختلاف بين الناس. فإذا كان هناك دين واحد وسليم كان بإمكانه أن يفصل في اختلافات الناس ويحلّ مشاكلهم؛ لكنّه إذا وجد الاختلاف في الدين ذاته، فأيّ عامل سيبقى لتولّي حفظ الوحدة؟
إنّ الوحدة المطلوبة هي التي تكون على أساس الحقّ وليست أيّ وحدة كانت. فهل من الحَسَن أن يتّحد الناس جميعا على الظلم؟ وهل هذا هو ما دعى إليه الأنبياء فعلاً؟ وهل هذه هي الوحدة التي يقول بها جميع العقلاء يا ترى؟ ألِمجرّد كونها وحدة فانّه لا إشكال إذن على الإطلاق؟! إنّ الوحدةفي الحقيقة هي وسيلة غايتها اتّساع رقعة الحقّ، والإفادة منه أكثر ما تكون الإفادة، وأن لا يقف أحد عقبة أمام الاستفادة من هذه النعمة الإلهيّة التي جعلها الباري تعالى لجميع العباد. فهل يا ترى طُبّقت هذه النصيحة الإلهيّة على أرض الواقع؟ كلّنا يعلم أنّ الاختلافات ظهرت من أوّل لحظة، وفي نهاية المطاف حتّى في الدين الخاتم، الذي هو آخر موهبة إلهيّة إلى الناس، والذي لابدّ له أن يكون المرهم الشافي لكلّ الآلام والجروح الاجتماعيّة للبشر إلى يوم القيامة، حتّى في هذا الدين نشب الاختلاف منذ اليوم الأوّل لوفاة النبيّ الأكرم(صلی ‌الله ‌عليه ‌و آله).
فإن أحبّ امرؤ أن يكون وفيّاً لهذا الدين وان يقف أمام تلك الاختلافات، فأيّ سبيل يتحتّم عليه سلوكه؟ لقد برزت هذه الاختلافات عندما أخذت عروق الباطل تنبض في جسد الدين. فلو كان الحقّ محضاً لما حصل الاختلاف. وإن أرادوا إزالة الاختلاف فما عليهم إلاّ قطع عروق الباطل تلك كي يصبح الدين الخالص والذي أنزله الله لجميع البشر واضحاً ومهيمناً؛ فالوحدة لا تكون مطلوبة إلاّ إذا كانت على أساس الحقّ. لذا يتعيّن علينا أن نسعى لتبيين الحقّ ووضعه بين أيدي الناس وان نعرّف الناس بعروق الباطل كي لا يُبتلى أحد بها. فهذه هي فكرة عامّة وأساسيّة يجب أوّلاً على الأنبياء انفسهم: «أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه»، وثانياً على أتْباعهم: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَلَا تَفَرَّقُوا»7 أن يكونوا في صدد العمل بها. والمسألة التالية هي أنّه إذا لم يحصل ذلك ونشب الاختلاف فما الذي ينبغي فعله؟ سوف نطرح هذا الموضوع في المحاضرة التالية بمشيئة الله تعالى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة السجدة، الآية 7.

2. سورة الأنعام، الآية 165.

3. سورة البقرة، الآية 213.

4. سورة البقرة، الآية 79.

5. سورة الأعراف، الآية 37.

6. سورة الشورى، الآية 13.

7. سورة آل عمران، الآية 103.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org