بسم الله الرحمـٰن الرحيم

النعمة الحقيقية

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 17 آب 2010م الموافق لليلة السابعة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الاختلاف بين الحمد، والشكر، والثناء

سوف ننهج في شرح خطبة السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) نهجاً بحيث لا نسهب في البحث فيها فيأخذ منّا زمناً طويلاً، ولا نأخذ جانب الإجمال فلا نعطي الموضوع حقّه. نسأل الله تعالی أن يوفّقنا لأن نوضّح هذه الخطبة الشريفة باُسلوب وسط ومعتدل.
طبقاً لما تواترت عليه النقول فإنّ الخطبة المباركة للسيّدة الزهراء (سلام الله عليها) قد استُهلّت بهذه الكلمات: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَالثَّنَاءُ بِمَا قَدَّم»1؛ حيث ابتدأت الجملة الاُولى بالحمد، والثانية بالشكر، والثالثة بالثناء. والفارق الذي يمكن ملاحظته إجمالاً بين هذه المصطلحات الثلاثة هو أنّ مفهوم الثناء أعمّ من مفهومي التعبيرين الآخرَين؛ حيث يستخدم الثناء في العربيّة كلّما اُريد المدح والإطراء، سواء أكان الممدوح عاقلاً أم غير عاقل، حيّاً أم جماداً، وسواء أكان على فعل اختياريّ أم غير اختياريّ، إذ يمكن استعمال تعبير الثناء في جميع تلك الموارد؛ أمّا الحمد فلا يُستعمل إلاّ عندما يكون الفعل المأتيّ به خيراً وقد صدر من فاعل مختار وذي شعور، سواء أعاد ذلك الفعل بالفائدة على الحامد أم لم يعد. وأمّا الشكر فهو أخصّ من الحمد؛ إذ هو الثناء على من جاء بفعل خير وقد عاد الأخير بالنفع على الشاكر.
الملاحظة الاُخرى فيما يتعلّق بالسبب في ترتيب هذه الألفاظ الثلاثة: الحمد، والشكر والثناء وأنّه لماذا جاء الحمد أوّلاً، ثمّ تلاه الشكر، فتبعه الثناء؟ نقول: لعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّه مادام المقام هو مقام حمد الله سبحانه وتعالى، وأنّ الله هو عين الحياة والعلم، وأنّ له أعلى مراتب الحياة والقدرة والعلم والاختيار، فإنّ على الإنسان بالطبع أن يحمده على أفعاله الحسنة والاختياريّة، إذ ليس لله فعل غير اختياريّ؛ وإنّ كلّ ما يصدر منه عزّ وجلّ من آثار الخير فهو باختياره، ولا يصدر منه عمل جبريّ على الإطلاق. إذن فلفظة الحمد تناسب مقام الثناء على الله جلّ وعلا. كما أنّ الله تعالى أيضاً قد استهلّ كلامه في القرآن الكريم بالحمد.
وفي الجملة الثانية يتوجّه الثناء إلى الله سبحانه على ما خصّ به المُثنِي من العطاء، وإنّ ما يليق بالمقام هنا هو لفظة الشكر. ثمّ بعد أن حمدت (عليها السلام) اللهَ ثمّ شكرته على ما خصّها به من آلائه، أرادت تعميم هذا الحمد بما يشبه ذكر العامّ بعد الخاصّ؛ فاستعملت تعبير الثناء.

الحياة هي أعظم النعم الإلهيّة

الملاحظة الثالثة التي تسترعي الاهتمام في هذه العبارة هي قولها (سلام الله عليها): «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ».
إنّ كلّ ما يفعل الله عزّ وجلّ من الخير فهو نعمة لعباده؛ ومن هذا المنطلق فإنّه عندما يحمد المرء ربّه، يكون الدافع من وراء حمده هو التفاته إلى نعمه جلّ شأنه. لكنّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا: ما هو المراد من النعمة؟
الإنعام هو إعطاء النعمة، والأصل في النعمة هو «نَعَمَ» وهو من النعومة واللطافة. فلفظة النعومة تُستخدم لوصف القماش الليّن الملمس أو ورقة الزهرة اللطيفة الملمس. أمّا العلّة في تسمية النعمة بهذا الاسم فهي كونها مناسبة ومفيدة للمتنعّم وهو يعيش في دعة وطمأنينة بوجودها. فإن أصاب الإنسانَ شيء يضرّه فلا يُقال لهذا الشيء نعمة. وإذا أردنا أن نطبّق هذا المعنى اللغويّ على مصطلح أهل المعقول نقول: النعمة هي كلّ ما يؤدّي إلى كمال الشيء. فكما أنّ الكمال نفسه هو نعمة للموجود، فإنّ ما يوجب الكمال هو كذلك أيضاً؛ أمّا الشيء الذي يأتي بالضرر والنقص للموجود، أو الذي يؤدّي إلى زواله فهو لن يكون نعمة له.
وعبر تحليل عقليّ دقيق يمكننا القول بأنّه: عندما تكون كمالات الوجود مطلوبة بالنسبة لنا، فإنّ الوجود نفسه سيكون مطلوباً بطريق أَولى؛ ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ كلّ كائن حيّ فهو يحاول جهده المحافظة على حياته والبقاء على قيد الحياة؛ وحتّى الحشرات، فهي تُبدي حركة مهما أمكنها لعلّها تعيش للحظة إضافيّة. وهذه الحالة نابعة من حقيقة أنّ الحياة هي أكثر ما يُطلب من الاُمور. وعليه فكما أنّ كمالات الوجود مطلوبة للإنسان وهي نعمة له، فإنّ أصل الوجود هو نعمة للإنسان أيضاً.
في مثل هذه الموارد التي تحتاج إلى تحليل عقليّ ولا يسع اللغة والتركيبات اللفظيّة والمفاهيم العرفيّة أن تعطي المبحث حقّه فإنّنا نستعمل اللفظ، مع بعض المسامحة والتصرّف، بكيفيّة تساعد ولو بنحو من الأنحاءـ على إيصال المعنى إلى الأذهان. فعندما نقول: إنّ الله يهبنا الوجود، فأیّ شيء «نحن» كي يهبنا الله الوجود؟! فنحن لم نكن شيئاً أصلاً قبل أن يمنحنا الله الوجود. وبتعبير آخر، عندما نقول: إنّ الله «يمنحنا» الوجود، فما هي هذه اﻟ«نا» كي يمنحها الله الوجود؟! فإنّ اﻟ«نا» و«الوجود» لا يمكن فصلهما إلاّ بالتحليل العقليّ، وإلاّ فإنّ «نحن» هي عين وجودنا. ولعلّ التفكيك بين الماهيّة والوجود ينبع من هذه النقطة. وأمثال هذه التعابير موجودة حتّى في القرآن الكريم. ففي سورة يٰس يقول الباري عزّ وجلّ: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»2؛ فعندما يريد الله تعالى أن يُوجِد شيئاً، فإنّه يقول له: كن! فيتحقّق ذلك الشيء. فقبل أن يقول الله: كن، لم يكن هناك شيء أصلاً ليقول «له»: كن؛ فمَن هو المخاطَب إذن؟ أي: عندما يقول الباري عزّ وجلّ: «يقول له»، فلِمَن تعود هذه «الهاء» في «له»؟ وهذا هو عين التحليل الذي لا مفرّ من اللجوء إليه عندما يُراد إفهام حقيقة تعلّق كلّ الاُمور بإرادة الله عزّ وجلّ. فحينما يُراد القول: إنّ الله لا يقول لشيء: كن، إلاّ ويكون، فلا مناص من أن نفترض أنّه عبارةٌ عن ماهيّة وشيء. وهذه المصطلحات هي من أجل مساعدة أذهاننا على الفصل بين المفاهيم على نحو أفضل. فالتفكيك في المباحث العقليّة بين الوجود والماهيّة وما شاكلهما هو من هذا القبيل أيضاً؛ ولذا نحن نقول: إنّ أحدهما هو اعتباريّ والآخر هو حقيقيّ.
فعندما تكون كمالات من قبيل العمر الأطول، والقدرة الأكبر، والعلم الأغزر، وما إلى ذلك هي نعمة، أفلا تكون حياتنا ذاتها نعمة؟! أجل، هي كذلك، بل هي أعظم النعم. فإنّ أعظم نعمة يعطيها الله تعالى لأيّ مخلوق هي نعمة الوجود والحياة. فإنّ عمليّة إيجادي من قبل الله عزّ وجلّ، وحقيقة أنّني أصبحت وجوداً، لَيتطلّب منّي من الشكر أكثر من أيّ شيء آخر؛ ذلك أنّ كلّ ما نملك هو فرع لهذا الوجود؛ إذ أنّ كلّ الاُمور التي نملكها هي مطلوبة من باب أنّها تكمّل الوجود. فإنّ هبة الحياة لنا من قبل الله لحظة بعد لحظة هي نفسها نعمة؛ فإنْ أمسك تبارك وتعالى لحظة واحدة، فلن يعود هناك شيء أبداً. فكلّ هذه الاُمور هي نِعم يفيض الله تعالى علينا بها باستمرار. فعندما نلتفت إلى حقيقة أنّ الله قد وضع تحت تصرّفنا كلّ تلك النعم (من نعمة الوجود، إلى الشعور، إلى السلامة، و... الخ)، فلابدّ حينئذ من أن نقول: «الحمد لله على ما أنعم».
لاحظتم في هذا البحث أنّنا قد استنتجنا معنى لغويّاً للنعمة انتزعناه من قياس شيء بشيء آخر ملائم له، ومن ثمّ قمنا بتعميمه عبر التحليل العقليّ حتّى شمل نفس الوجود.
وفي بعض الاستعمالات الاُخرى تُستعمل لفظة النعمة بشكل مختلف. ففي أحد الإطلاقات تقسّم الحوادث التي تجري في العالم ويكون لها ارتباط بنا إلى قسمين: نِعم وبلايا. فما يرضينا منها ابتداءً وفقاً لإدراكاتنا وما نستمتع به فهو يُعد نعمة، لكنّ ما لا يكون كذلك كالأمراض، والشدائد، والإهانات، وغيرها فإنّنا لا نعدّه نعمة؛ بل بلاءً. لكنّنا إذا نظرنا إلى الاُمور نظرة توحيديّة، وهو ما يعلّمنا إيّاه القرآن الكريم، فسوف نتوصّل إلى نتيجة بالغة الدقّة مفادها أنّ معظم ما يفرح به الإنسان وما يعتبره نعمة إنّما يشكّل سبباً لامتحانه، لكنّه هو الذي يفشل ويسقط في هذا الامتحان؛ فالإنسان على سبيل المثالـ يفرح كثيراً بحصوله على الثروة؛ لكن هل يا ترى أنّ الثروة التي تقوده إلى البخل، أو تدفعه لترك الواجب من الحقوق تعدّ نعمة أيضاً؟! وهل تظلّ الثروة نعمة إذا التذّ المرء واستمتع بها حتّى وإن كانت من موجبات تعاسته في الدنيا والآخرة؟! ومن ناحية اُخرى فإنّ الإنسان يستاء من بعض الاُمور، كالمرض، والعوز، والشدّة، ...الخ؛ لكن إذا دفعه كلّ ذلك إلى الترقّي وقوّة الاستحکام في الدنيا من جانب، ونيله لعظيم الأجر والثواب في الآخرة من جانب آخر فهل ستكون تلك المصاعب التي يظهر عليها عنوان البلاياـ بلايا حقّاً، أم هي نِعم؟
يقول بعضهم: إنّ كلّ ما يستعمله الإنسان في الوصول إلى قرب الباري عزّ وجلّ فهو نعمة حقيقيّة، أمّا تلك الاُمور، التي قد تجلب له المتعة والذّة، بل وقد يكون دائم الشكر لله على ان أعطاه إيّاها، لكنّها في النهاية ستكون سبباً في عذابه الاخرويّ، فإنّها لن تمثّل نعماً بالنسبة له.

النعمة الحقيقيّة

يُطرح هاهنا بحثان هما أيضاً لا يتّسمان بطابع عرفيّ، بل كلاهما من سنخ البحث التحليليّ العقليّ الذي بإمكانه تقديم الحلول لهذه الاختلافات. هناك اُمور في هذه العالم تشكّل بذاتها أهدافاً لنا، بمعنى أنّنا نسعى وراءها لأنّنا نحبّها بذاتها. وفي المقابل هناك الكثير من الأشياء تكون مطلوبة ولعلّها تعدّ مصدراً للمتعة واللذّة أيضاً، غير أنّها لا تمثّل هدفنا الأساسيّ؛ بل إنّنا نستخدمها كوسيلة لبلوغ أمر أسمى وأرفع. فهدف المريض من تناول الدواء، مثلاً، هو نيل السلامة. فهذه الجهود والمساعي ليست مطلوبة بذاتها بالنسبة له، بل هي مطلوبة بالغير؛ إذ أنّ المطلوب الذاتيّ هو السلامة. فجميع البشر يجعلون من بعض الاُمور مطلوباتهم الذاتيّة حتّى تصبح اُصولاً بالنسبة لهم. فبالنسبة للكفّار فإنّ نفس هذه الملذّات الدنيويّة هي مطلوبة بالذات؛ فهم أساساً يعيشون ليلتذّوا وليس لهم مراد آخر! أمّا بالنسبة للمؤمن فإنّ لذّة الدنيا ليست هي المطلوبة بالذات؛ لأنّه يعلم أنّ هذه الدنيا بأسرها ليست هي إلاّ مقدّمة وممرّ سفر؛ وأنّ المقصد يكمن في مكان آخر. فإن عمل المؤمن بمقتضى إيمانه فإنّه لن ينظر إلى أيّ شيء دنيويّ بعنوان كونه مطلوباً بالذات؛ فهو يطلب كلّ شيء في سبيل تلك النتيجة الأبديّة. فمطلوب المؤمن هو السعادة الأبديّة، ولا يكون لكلّ هذه الاُمور العابرة بالنسبة له إلاّ طابع الوسيلة.
إذن فقد توصّلنا هنا إلى لونين من النعم: نعمة بالذات، ونعمة بالتَّبَع؛ يعني إنّ النعمة الحقيقيّة للمؤمن هي بلوغ ذلك الكمال النهائيّ، أمّا باقي النعم فهي بالنسبة له نِعم بالتبع أو بالعرَض. وهذا التحليل له شاهد قرآنيّ في سورة الحمد. فكلّنا نقرأ سورة الحمد في اليوم والليلة عشر مرّات على أقلّ تقدير، ونقول فيها: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»3. فهل نطلب من الله في الصلاة أن يهدينا إلى سبيل أصحاب رؤوس الأموال الأمريكيّين؟! إنّ ممّا يدعوا إلى الأسف أنّ بعض الشخصيّات المرموقة يستدلّون بهذه الآية قائلين: أجل، إنّ جمع المال أمر حسن؛ فالثروة نعمة من الله، ونحن نقول في الصلاة: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»! أي: علّمنا كيف نجمع الثروة؛ الحلال طبعاً! والحال أنّ القرآن نفسه قد عرّف مَن هم «الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» حيث قال في موضع آخر: «وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ»4؛ فالذين أنعم الله عليهم هم أربعة أصناف من الناس: الأنبياء، والصدّيقون، والشهداء، والصالحون. ونحن نقول في الصلاة: «صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»؛ أي: اهدنا صراط هؤلاء الناس؛ وليس صراط الأثرياء، أو صراط أصحاب رؤوس الأموال الغربيّين، أو صراط الظَّلَمة؛ فصراط هؤلاء هو صراط العذاب والشقاء!
فالنعمة التي نسألها من الله تعالى في صلاتنا هي تلك النعمة النهائيّة والمطلوبة بالذات التي يطلبها المؤمن؛ أي سبيل اولئك الذين أوصلْتَهم إلى المقصد النهائيّ والذين يقسّمهم القرآن الكريم إلى أربعة أصناف. ثمّ يقول عزّ من قائل: هناك أشخاص يكونون في معيّة هؤلاء، وإنّ شرط هذه المعيّة هو طاعة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله). فهذا المقام خاصّ بتلك الأصناف الأربعة من البشر، وإذا اُلهمنا نحن التوفيق من الله عزّ وجلّ، وشمّرنا عن سواعدنا، وضاعفنا الهِمَم في مجال طاعة الله وطاعة رسوله (صلّى الله عليه وآله) نكون قد نلنا اللياقة لتلك المعيّة. إذن فالنعمة هي ما منّ الله به على الأنبياء (عليهم السلام) وكلّ ما دون ذلك لا يُطلق عليه مصطلح النعمة إلاّ مجازاً. وانطلاقاً من هذه الرؤية فإنّ النعمة هي كلّ ما يبلغ بالإنسان إلى المحطّة النهائيّة، وفي المقابل فإنّ كلّ ما لا يوصل المرء إلى ذلك الهدف فهو عقيم ولا قيمة له، بل إنّه إذا شكّل مانعاً من الوصول إلى ذلك الكمال فهو نقمة حتّى وإن كان مدعاةً لمتعة الإنسان والتذاذه.
لقد عبّرت الأحاديث الشريفة عن الشيء الذي يوصِل الإنسان إلى الهدف النهائيّ بمصطلح «الولاية»؛ فقد جاء في الخبر أنّ المراد من «النعيم» في الآية الشريفة: «ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»5 هو ولاية أهل البيت (عليهم السلام)6. فهذه هي النعمة الحقيقيّة.
أمّا التحليل الآخر فإنّه يتعيّن أن نأخذ بنظر الاعتبار المحيط الذي استُخدمت فيه اللفظة. فمن خلال إطلاق آخر، فإنّه من المسلّم أنّ كلّ ما أعطاه الله لنا هو نعمة؛ فالهواء الذي نتنفّسه، والقدرة على إغماض العين وفتحها، بل وحتّى القدرة على الكلام كلّها من نعم الله علينا. إذن فكيف نقول: إنّ النعمة هي ذلك الهدف النهائيّ؟
وهنا أيضاً، وطبقاً للاصطلاح، فإنّه ينبغي أن نسمّي كافّة العطايا الإلهيّة نعماً شأنيّة؛ وهي الشيء الذي يمكن الإفادة منه للوصول إلى الكمال النهائيّ. فإن نحن أفدنا منها على النحو الصحيح، كانت نعمة ولكنّنا إذا أسأنا استخدامها، فإنّنا نكون قد بدّلنا النعمة الشأنيّة لله تعالى إلى نقمة وبلاء؛ نظير قوله: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ»7. إذ أنّ الغاية من عطاء الله لنا كلّ ما أعطانا هي استعمال تلك الاُمور للوصول إلى الكمال، أي إلى قربه عزّ وجلّ. إنّ كافّة نعم الله، من دون استثناء، هي أدوات من أجل بلوغ ذلك الهدف النهائيّ، إلى ذلك المجال الذي لا نعلم تحديداً أين هو، وجُلّ ما نعلمه هو أنّه: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ»8. ذلك الموضع الذي سألَتْه امرأة فرعون من ربّها بقولها: «رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ»9، فإنّ كلّ ما في هذا العالم هو تحت تصرّفنا من أجل أن نستعين به للوصول إلى ذلك المقام.
إذن فإنّ لدينا نعمة بالذات، ونعمة بالعرض. فالنعمة بالذات هي تلك التي تختصّ بأولياء الله تعالى؛ وهي ما يوصلنا إلى الكمال النهائيّ، والنعم بالعرض هي تلك الاُمور التي يمكن أن تشكّل مقدّمة للكمال. ومن زاوية اُخرى فإنّ لدينا نعمة شأنيّة ونعمة فعليّة. فالنعمة الشأنيّة هي كلّ ما يمكننا استخدامه لبلوغ الكمال؛ بيد أنّنا قد نُسيء استعمالها أحياناً، فإن أحسنّا الإفادة من النعمة الشأنيّة واستعملناها في سبيل طاعة الله عزّ وجلّ فإنّنا أيضاً سنصبح مصداقاً للآية الشريفة التي تقول: «وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ».

جعلَنا الله وإيّاكم من أهل هذه الآية الشريفة


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة يس، الآية 82 .

3. سورة الحمد، الآيتان 6 و7.

4. سورة النساء، الآية 69.

5. سورة التكاثر، الآية 8 . 

6. بحار الأنوار، ج10، ص209.

7. سورة إبراهيم، الآية 28.

8. سورة القمر، الآية 55.

9. سورة التحريم، الآية 11.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org