بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 22 آب 2010م الموافق لليلة الثانية عشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

أنواع معرفة الله

العلم الحضوريّ والعلم الحصوليّ

«وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاَصَ تَأوِيلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَهَا، وَأَنَارَ فِي الْفِكْرَةِ مَعْقُولَهَا».
لقد ميّزت السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) الشهادة بالتوحيد بثلاث خصائص: أوّلها أنّها ليست مجرّد بيان لفظيّ، بل إنّ لها حقيقة هي غاية في العمق ولابدّ من الاجتهاد لبلوغها؛ وهذه الحقيقة هي الإخلاص. وقد تناولنا بحث هذا الموضوع في المحاضرة السابقة على قدر ما وفّقنا الله إلى ذلك. ثمّ تقول (عليها السلام): لقد أودع الباري جلّت آلاؤه قدرة الظفر بهذه الحقيقة في قلوب الناس، وبتعبير آخر: فطر القلوب على التوحيد. أمّا البيان العقليّ والتعقّلي لها، وهو ما يمكن تحقّقه في ذهن الإنسان وفكره، فهو الآخر قد جعله الله عزّ وجلّ نورانيّاً وواضحاً. وسأتناول في هذه الليلة البحث حول الجملتين الأخيرتين والفرق بينهما. ومن أجل إلقاء الضوء على البحث الذي أودّ طرحه لابدّ من بيان مقدّمتين.
المقدّمة الاُولى تتلخّص بأنّ العلم على نوعين؛ فنحن قد ندرك أحياناً وجود إحساس معيّن في أنفسنا، وهذا الإدراك هو عين وجود ذلك الإحساس في أرواحنا. فإدراكنا بالنسبة إلى الجوع، مثلاً، هو عين إحساسنا بالجوع. لكن أحياناً اُخرى يقال: إنّ الجوع هو عبارة عن حالة تنتاب البدن نتيجة خلوّ المعدة وهبوط مستوى الطاقة. في الحالة الأخيرة نحن لم نحسّ بالجوع ولا وجود للجوع في أنفسنا؛ لكنّنا، ومن خلال هذه المفاهيم، أدركنا المعنى العقليّ للجوع. إذن فالإحساس بالجوع هو نوع من الإدراك، أمّا تصوّر معنى الجوع فهو لون آخر من الإدراك. أمّا ما يقوله أهل المعقول في ذلك فهو: إنّ القسم الأوّل هو الإدراك الحضوريّ، والقسم الثاني هو الإدراك الحصوليّ، وفي الإدراك الحضوريّ يكون المعلوم والعلم شيئاً واحداً.

الإدراك عن وعي، وعن غير وعي

المقدّمة الثانية هي أنّ العلم أو الإدراك ينقسم، من ناحية اُخرى، إلى قسمين أيضاً؛ فقسم يكون عن وعي وآخر عن غير وعي. فتارة يعلم المرء شيئاً وهو يعلم أنّه يعلم، وهذا ما يطلق عليه الإدراك عن وعي. وتارة اُخرى يعلم الشخص شيئاً لكنّه غير ملتفت إليه بتاتاً، حتّى تحدث ظروف معيّنة يفطن الإنسان عندها أنّه كان يعلم بذلك، وهذا هو الإدراك عن غير وعي.
كلّ منّا قد مرّ على مسامعه الحديث الشريف الذي يقول فيه النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله): «كلّ مولود يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه»1؛ أيّ إنّ كلّ امرئ هو مخلوق على فطرة التوحيد إلاّ أنّ والديه هما اللذان يجعلانه يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً. كما وقد تكرّرت كثيراً في تراثنا الروائيّ عبارة: «فطَرَهم على التوحيد»2، وإنّ المفسّرين في ذيل الآية الشريفة: «فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»3 يرون أنّ المراد من الفطرة في الآية هي فطرة التوحيد. وكذلك رأي علمائنا في باب معرفة الله حيث يعتبرون أنّ معرفة الله مسألة فطريّة. لكنّ السؤال هو: ما معنى أن يقال إنّ الإنسان هو عارف بالله بالفطرة؟ فإذا لم يتعلّم امرؤ من الآخرين شيئاً، ولم يسمع اسم الله من أبويه، ولم يقرأ ذلك في كتاب، ففي هذه الحالة هل يا ترى سيصبح عارفاً بالله بشكل عفويّ؟ هذه المسألة في رأيي قابلة للحلّ إذا أخذنا بنظر الاعتبار المقدّمات الآنفة الذكر. فإنّ لدينا معرفة عن غير وعي؛ أي هناك علم نحن غير ملتفتين إليه، والأمثلة على هذا النوع من الإدراكات في حياتنا اليوميّة كثيرة. والإدراك عن غير وعي هو الآخر ينقسم إلى قسمين: فقسم منه إدراك عن نصف وعي؛ وهو عندما يتذكّر المرء بالتنبيه البسيط فيلتفت إلى علمه. أمّا القسم الثاني فهو الإدراك عن غير وعي؛ وكأنّ الإنسان في حالة كهذه يكون قد نسي علمه ولا يمكنه الالتفات إلى وجود شيء كهذا في أعماق ذهنه إلاّ بشقّ الأنفس. فعلى سبيل المثال عندما يسمع الأطفال الصغار صوتاً تراهم يجولون بطرفهم هنا وهناك بحثاً عن مصدر الصوت. وإن أردنا بيان ذلك بالمصطلحات العقليّة نقول: إنّهم يبحثون عن علّة هذه الظاهرة؛ لأنّهم يعلمون أنّ هذا الصوت لا يصدر بلاسبب ولابدّ أن تكون له علّة، أمّا إذا سألت طفلاً له من العمر ثلاث سنوات: هل أنت معتقد بقانون العلّية؟ فإنّه لا يفهم هذا السؤال. فهذا هو نوع من الإدراك عن غير وعي، لكنّه بمحض أن يعثر المرء على مورده فإنّه يقوم بتطبيق ذلك الإدراك الكلّي على هذا المورد. فالإنسان يعلم بأصل العلّية؛ لكنّه غير واع بما يعلم.

الفطرة التوحيديّة للإنسان

مع بالغ الأسف فإنّنا نمرّ على بعض آيات القرآن الكريم مرور الكرام؛ فمثلاً يقول عزّ من قائل: «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ»4؛ أي: إذا سألت عبَدَة الأوثان هؤلاء: مَن خلق هذا الكون العظيم بكلّ تلك الأسرار والحِكَم؟ فسيقولون: لا شكّ أنّ الذي خلق هذا العالم يتمتّع بقدرة خارقة للعادة من جهة، وهو عالم من جهة اُخرى. لعلّهم لم يكونوا يفكّرون بهذه المسألة أساساً؛ لكنّه عندما يُطرح مثل هذا السؤال يلتفتون إلى عظمة هذا العالم وما فيه من الحِكَم فيقولون: لا يمكن لموجود غير ذي شعور أن يخلق كلّ ذلك، كما ويستحيل أن يحصل ذلك صدفة؛ فلا ريب أنّ الذي خلق هذا العالم هو موجود عالم وقادر. والقرآن الكريم كثيراً ما يطرح من هذا النمط من الأسئلة؛ وكمثال على ذلك الآية الشريفة: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ»5؛ أي: اسألهم: من الذي يعطي و يلبي حاجة الشخص المضطرّ إذا دعاه وطلب منه؟ هذا النوع من الأسئلة موَجّه إلى فطرة الإنسان؛ أي إنّ الإنسان يعلم جوابها، لكنّه غير ملتفت إلى هذا العلم، فبعد أن يُطرح عليه السؤال ويتأمّل فيه فسيكون قادراً على الإجابة. وهذا هو ما يدعى الإدراك عن نصف وعي.
لكنّ الناس قد ينكرون أحياناً ما تنطوي عليه أعماق أذهانهم فلا يدركونه لما ران عليه من كثرة الغبار والرين؛ فكلّ واحد منّا، مثلاً، يعلم بوجود ذاته وهو يدرك أنّه موجود، لكنّه عندما يقول: «أنا»، فهل يقصد بذلك هذا البدن؟! فالبدن لا يعدو كونه مجموعة من الخلايا التي ليس لها شعور، وحتّى الخلايا الدماغيّة فهي تحمل طابع الأداة وليس لها إدراك بذاتها. في الحقيقة إنّها روح الإنسان التي تقول: «أنا»، وليس البدن سوى أداة بيد تلك الروح. في الواقع إنّها الروح التي تسمع، وترى، وتتّخذ القرارات، وتتكلّم، و...الخ. لكنّ البعض على الرغم من تمتّعهم بهذه الروح يقولون: ليس هناك وجود للروح أساساً!
لقد ثبت في العلوم العقليّة أنّ العلم بالنفس هو عين ذات النفس وهو لا ينفكّ عنها. وهذا هو المصداق البارز للعلم الحضوريّ حيث يصبح العلم والعالِم والمعلوم شيئاً واحداً؛ لكن، في الوقت ذاته، فإنّ المنكرين للروح يقولون: نحن، أساساً، لسنا سوى هذا البدن! فهل إنّه لا علم لهؤلاء بهذه الروح؟ لقد قلنا إنّ العلم بالنفس هو عين النفس، ومن المستحيل أن لا يكون لديهم هذا العلم؛ لكنّ هذا اللون من الإدراك هو على جانب من الضعف وحالة انعدام الوعي بحيث يلتبس الأمر عليهم فيعتقدون أنّ «أنا» تعني هذا البدن. وعندما يزكّي المرء نفسه وتقوى روحه فإنّه سيدرك تدريجيّاً أنّ هناك شيئاً إلى جانب البدن يسمّى الروح، وبتكامل الروح سيدرك جيّداً أنّه ليس للبدن أيّ علاقة باﻟ «أنا» وهو لا يعدو كونه آلة ووسيلة تحت تصرّف الروح. هناك آيات في القرآن الكريم تشير إلى هذه الحقائق؛ كقوله تعالى في سورة العنكبوت: «فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَّجَـٰهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ»6، والقرآن يذكر هذا المعنى بألوان شتّی من البيان7. كما وقد اُشير في الروايات أيضاً إلى هذا العلم الذي يكون عن نصف وعي أو عن غير وعي.
إذن فعندما نقول: إنّ الإنسان مفطور على التوحيد، فليس المراد من ذلك أنّنا نعلم عن وعي بوجود ربّ بمثل هذه الأوصاف؛ بل إنّ إدراكنا هو من النوع الذي يكون عن نصف وعي، وإنّنا لن نلتفت إلى أنفسنا فيزاح ذلك الستار الرقيق المسدَل على علمنا ويتحوّل إلى حالة الوعي إلاّ عندما نُسأل: «من خلق السماوات والأرض». غير أنّ هذا الستار يكون أحياناً غاية في السُّمْك ولا يُزاح بهذه البساطة إلاّ أن تتحقّق ظروف استثنائيّة للغاية يعود بواسطتها الإنسان إلى رشده. فمثلاً عندما يكون المرء مسافراً في طائرة، وينتبه فجأة إلى أنّ الطائرة تعاني من عطل فنّي وهي معرّضة للسقوط. في مثل هذه الحالة بِمَن سيتعلّق رجاء الإنسان؟ ومَن الذي باستطاعته أن ينجيه من هذا المأزق؟ في هذه الحالة سيكتشف المرء دفعة واحدة أنّ أمله متعلّق بشيء ما، وأنّه ملتفت في أعماق قلبه إلى أحدٍ ما. وهذا هو عين ذلك الإدراك الذي أسميناه علماً حضوريّاً عن غير وعي. فهذا العلم لا يأتي عن طريق الاستدلال والتفكير؛ بل إنّ المرء يكتشف ويجد شيئاً ما. هاتان المقدّمتان يمكن الإفادة منهما في مباحث اُخرى أيضا ومن الممكن أن تشكّلا انطلاقة لأهل البحث والتحقيق.

نوعان من معرفة الله

ومع الأخذ بهاتين المقدّمتين في نظر الاعتبار نعود إلى الجملتين اللتين ذكرتهما الزهراء (سلام الله عليها) بعد الشهادة بالتوحيد: «وضمَّن القلوبَ موصولَها، وأنار في الفكرة معقولَها». فالسيّدة الزهراء (عليها السلام) هنا تؤمن بمقولتين فيما يتعلّق بالاعتقاد بالتوحيد: أوّلهما أنّه موصول، وثانيهما أنّه معقول. فالموصول يعني الواصِل أو المُستَلَم. فتارة نحن نحصل على حقيقة التوحيد ونصل إليها، وتارة اُخرى نتعقّلها فحسب؛ وبعبارة اُخرى: ففي مرحلةٍ يتمّ نيل هذه الحقيقة، وهو ما يُصطلح عليه بالعلم الحضوريّ، وفي مرحلة اُخرى يتمّ تعقّلها، وهو ما نصطلح عليه بالعلم الحصوليّ. فالعلم الحصوليّ يرتبط بالفكر والذهن، أمّا العلم الحضوريّ فيرتبط بالقلب. فالقلب هو مرحلة من مراحل روح الإنسان وساحة من ساحاته، ومن جملة وظائفه هي شهود الحقائق. فالقلب يرى؛ كما يقول عزّ وجلّ في سورة النجم: «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ»8؛ فهو لا يقول: «ما كذب الفؤاد ما علم». فإذا تحقّقت في القلب حقيقة ما فإنّه يكون قد حصل عليها ونالها. والفعل الذي ينسب إلى القلب هنا هو في مقابل الفكر. بالطبع إنّ للقلب إطلاقات متعدّدة، بيد أنّ المراد من القلب في الغالب هو تلك الحيثيّة التي تتمتّع بإدراكات شهوديّة وحضوريّة وهي تجد الإحساسات والعواطف في داخلها؛ لا أنّها تعلم بمجرّد وجودها.
تقول سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها): لقد أودع الله سبحانه وتعالى نيل التوحيد والحصول عليه في أعماق القلوب؛ وكأنّ التعبير الآخر الذي يكون من سنخ هذا المعنى هو: إنّ الله قد خلق القلوب على فطرة التوحيد. فإن كانت عين القلب مفتوحة، وليس من حجاب يحجبها فهي سترى بوضوح وجلاء. فالله سبحانه وتعالى يملك مثل هؤلاء العبيد، والنموذج البارز والناصع لهم هم حضرات المعصومين، وتخصّ بالذكر المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله عليهم أجمعين). نحن لا يساورنا أدنى شكّ في أنّ هؤلاء كان لهم علم بالله حتّى في ساعة ولادتهم؛ بل كانوا يسبّحون الله حتّى في بطون اُمّهاتهم. ولعلّ هناك من أولياء الله تعالى مَن قد اكتسب في أيّام طفولته معرفة عالية بالله عزّ وجلّ. فنحن لا نملك الحقّ في أن نخوض فيما لا نعلم ونزعم انّه: لا وجود لذلك، أو هو مستحيل! فثمّة الكثير من الاُمور التي نخالها مستحيلة لكنّ الله أحياناً يرينا أنّها ممكنة. فأحياناً يعلم الأشخاص العاديّون من الاُمور ما لا يعلمه الآخرون، بل ويبلغون أحياناً من الكمالات المعنويّة ما لم يصله الباقون، بل وتحصل لديهم من المكاشفات ما لا يُدرَى إن كان سيحصل مثلها للشيوخ من ذوي العلم والزهد ولو بعد سنين طوال! حيث «ذَ ٰلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ»9.
إذن فمعرفتنا بالتوحيد لها نمطان؛ الأوّل هو ما يوجود فی النفس. ففي هذا النمط يجد المرء حضور الله في قلبه بالضبط كما يجد المحبّة فيه. فوجود الله بالنسبة لاُناس كهؤلاء ليس قابلاً للشكّ على الإطلاق؛ كما نقرأ في دعاء عرفة: «أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المُظهِر لك»10. فالله قد أعطانا جميعاً المرتبة الضعيفة من هذا اللون من الإدراك وهو عبارة عن الإدراك الفطريّ الذي يختبئ في أغلب الأحيان خلف حجاب وستار ولا يُدرَك جيّداً؛ لكنّه موجود ويظهر في الفرصة المناسبة. وهذا النوع من الإدراك هو الإدراك الذي يجده الانسان فی أعماقه.
والنمط الآخر من معرفة الله هو الإدراك المعقول. فعندما يدور الحديث عن معرفة الله ونريد أن نعرف الله من خلال الاستدلال فإنّ المراد هنا هو هذا النمط من المعرفة. ونتيجة لهذا الاستدلال تتولّد في أذهاننا قضيّة لها موضوع ومحمول ونحن ندرك العلاقة بين موضوعها ومحمولها. وهذا اللون من المعرفة تفصله عن إدراك ذات الله تعالى فاصلة كبيرة، فهذا المفهوم هو صنيعة أذهاننا. وحسب قول الإمام الباقر (صلوات الله عليه): «كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم»11؛ أي إنّ ما تصوغونه بأذهانكم ـ من المفاهيم العقليّة، والفلسفيّة، والعرفانيّة، و...الخ ـ كلّها صنيعة أذهانكم وكلّما أدركتموه بدقّة فإنّكم تدركون أحد مخلوقات أذهانكم. فمن أجل العثور على الله ومعرفته لابدّ أن يلقي هو نوراً في قلوبكم كي تتمتّعوا بالنظر إلى تجلٍّ من تجلّياته. إذن فإنّ لدينا إدراك هو ممّا يجده المرء وهو ما أوجده الله تعالى في قلوبنا: «ضمّن القلوب موصولها» وهو ما نكون أحياناً على علم به؛ فطوبى لمَن هم على هذه الشاكلة، أو الذين كانوا هكذا منذ البداية، كالأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، أو الذين نالوا ذلك العلم الشهوديّ فيما بعد عبر الرياضات والعمل بأحكام الشرع. وهذا العلم إنّما يتعلّق بالقلب وليس بالذهن والفكر. لكنّ الشكل العقليّ لهذا الإدراك وإثباته عن طريق العقل فهو من مختصّات الفكر: «وأنار في الفكر معقولها». وقد تلطّف الله جلّ وعلا فأقام على هذا النمط أيضاً من الأدلّة الواضحة التي لا يسع معها أيّ عاقل أن يتذرّع بافتقاده الدليل على وجود الله؛ ومن هذا المنطلق تقول مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها): «أنار في الفكر معقولها»؛ أي إنّ الله قد أودع معقوليّة التوحيد واضحة جليّة في عالم الفكر والذهن.
نسأل الله العليّ القدير أن يوفّقنا لإدراك المرتبة العقلانيّة للتوحيد على نحو أفضل، وأن يفيض علينا بنسمة من الإدراك الشهوديّ والحضوريّ له سبحانه؛ إن شاء الله.


1. بحار الأنوار، ج58، ص187.

2. بحار الأنوار، ج64، ص44.

3. سورة الروم، الآية 30.

4. سورة الزخرف، الآية 9.

5. سورة النمل، الآية 62.

6. سورة العنكبوت، الآية 65.

7. سورة الأنعام، الآية 63؛ وسورة لقمان، الآية 32.

8. سورة النجم، الآية 11.

9. سورة المائدة، الآية 54.

10. بحار الأنوار، ج64، ص142. 

11. بحار الأنوار، ج66، ص292.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org