بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 24 آب 2010م الموافق لليلة الرابعة عشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

أفعال الله

الخلق من العدم

«...ابْتَدَعَ الأَشْيَاءَ لا مِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنْشَأَهَا بِلا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا، كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِه‏»1.
بعد الشهادة بوحدانيّة الله تعالى والإشارة إلى ما منّ الله به على عباده من تيسيره لهم معرفتَه، تقول السيّدة الزهراء (سلام الله عليها): غير أنّه لا سبيل لأيّ أحد إلى معرفة حقيقة ذات الله وكنه صفاته. وبعبارة اخرى: يستحيل أن يحيط المرء علماً بذات الله وبصفاته سبحانه؛ بل ويمكن القول أيضاً: حتّى حقيقة أفعال الله فإنّنا لا ندركها على النحو الصحيح. فنحن نعلم أنّ الله يولج الروح في الجنين ويهبه الحياة، أو أنّه يحيي الموتى يوم القيامة، وما إلى ذلك ونحن نسوق بعض الألفاظ في هذا الباب أيضاً، لكنّنا لا ندرك حقيقتها. أجَل، لعلّ الله عزّ وجلّ قد أرى بعض أوليائه مراتبَ من أفعاله؛ فالمرحوم العلامة الطباطبائيّ (رضوان الله تعالى عليه) يقول: إنّ إبراهيم (عليه السلام) لم يرغب في مشاهدة عمليّة عودة الميت إلى الحياة، بل لقد أحبّ بطلبه هذا أن يدرك حقيقة الإحياء، وقد أظهر الله تعالى له ما هو ممكن من خلال إحياء الطيور على يد إبراهيم نفسه (عليه السلام). ولعلّ معجزات الأنبياء (عليهم السلام) هي في الحقيقة من أفعال الله التي جرت على أيديهم فاكتشفوا بها حقيقة فعل الله عزّ وجلّ؛ أمّا سائر الناس فلا يستطيعون في الظروف العاديّة الوقوف على حقيقة فعل الله؛ فلا يمكنهم أن يفهموا كيف يخلق الله الكائنات؟ وكيف يميتها؟ ...الخ. فنحن لا يسعنا إلاّ أن نطلق المفاهيم على تلك الأفعال الإلهيّة، فنقول على سبيل المثال: «إنّه يحيي»، ونحاول فهم تلك المفاهيم. فهذه المفاهيم هي من قبيل المعقولات الثانية التي تتّخذ طابعاً رمزيّاً بالنسبة للحقائق الخارجيّة.
تقول مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها): «ابْتَدَعَ الأَشْيَاءَ لاَ مِنْ شَيْ‏ءٍ كَانَ قَبْلَهَا»؛ فالله عندما خلق جميع مخلوقات العالم لم يحتج إلى مادّة أوّلية لخلقها؛ ذلك أنّه لو كانت تلك المادّة مخلوقة، لكانت واحدة من تلك المخلوقات. فهي (عليها السلام) تريد أن تقول: إنّ الله لم يخلق مجموع هذا الكون من مادّة اخرى، لأنّ احتياج هذا المجموع إلى مادّة اخرى يستلزم التسلسل؛ فلو جعلنا الله وفقاً لتصوّرنا الذهنيّـ في طرف والكون في طرف آخر، فإنّ عمليّة إيجاد هذا الكون لن تكون بحاجة إلى أيّ شيء عدا الإرادة الإلهيّة.
وأمّا ما جاء في كتاب الله من أنّ بعض الأشياء قد خُلقت من بعضها الآخر؛ نظير: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»2 فلا ينافي كلام الزهراء (سلام الله عليها)؛ لأنّها (عليها السلام) تقول: لم يخلق الله مجموع الأشياء من مادّة سابقة، وليس في ذلك ما ينافي أن تكون بعض الأشياء مخلوقة من بعضها الآخر؛ فالله ليس بحاجة إلى مادّة يشتغل عليها ليخلق تلك المجموعة.
أمّا مصدر هذه الشبهة فنابع ممّا في مخيّلتنا من فهم للفظة الصنع أو حتّى الخلق، وهو أنّه لابدّ من وجود شيء كي تُجرى عليه بعض التغييرات ليتحوّل إلى شيء آخر؛ فمن أجل صناعة الخاتم مثلاً فإنّه يتعيّن وجود الذهب الذي سيصنع الصائغ منه الخاتم عن طريق إذابته وصبّه في قالب وإجراء بعض العمليّات عليه، فنقول حينئذ: «صَنَع الخاتم». فعندما يقال: «الله صانع العالم» يتبادر إلى الذهن أنّه كانت هناك مادّة ما أجرى الله عليها بعض العمليّات والتغييرات فخلق منها العالم؛ فإن لم تكن هناك أيّ مادّة، فكيف لله أن يخلق العالم؟! لكنّ هذه أفكار خاطئة وساذجة. فبسبب ما ألفناه من أعمالنا وأفعالنا فإنّنا لا نستطيع أن ندرك بشكل صحيح أنّ شيئاً يمكن أن يوجَد من العدم المحض. ولا عجب في ذلك؛ لأنّنا لا نستطيع أن ندرك حقيقة ذات الله أيضاً. فلو أقمنا بنياننا على إنكار كلّ ما لا تدركه أفهامنا، لكان لزاماً علينا أن ننكر الكثير من الاُمور في هذا العالم المادّي نفسه.

الخلق بلا نموذج يُحتذَى

أمّا النقطة الاُخرى فهي أنّ الإنسان لا يمكنه فعل شيء من دون اُسوة ونموذج؛ وانطلاقاً من هذا التصوّر فإنّنا نتخيّل أنّه لابدّ من وجود صورة أبديّة وأزليّة يجعلها الله تعالى اُسوة ومثالاً له ليخلق الأشياء على أساسها! لكن علينا أن ندرك أنّ خلق الله لا يستند إلى احتذاء نموذج سابق. ووفقاً للفرضيّة الذهنيّة فإنّنا إذا جعلنا الله في طرف والعالم في طرف آخر فلن يبقى هناك شيء آخر لنقول: هذا هو النموذج المحتذى في عمليّة الخلقة. فإن قيل: إنّ الصور الذهنيّة هي النماذج المحتذاة في الخلقة! قلنا: هل هذه الصور هي مخلوقة أم خالقة؟ فإن كانت مخلوقة، فهي جزء من العالم، وإذا لم تكن مخلوقة فلابدّ أن تكون الإله بعينه، وإلاّ للزمت الكثرة في ذات الله وهذا محال. إذن ليس هناك أيّ نموذج لأيّ شيء قبل خلق الله للأشياء؛ ومن هنا تقول الزهراء (سلام الله عليها): «وَأَنْشَأَهَا بِلا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا، كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ»؛ فالله لم يحتذِ بأمثلة اعتمدها ليخلق الخلق على أساسها؛ فما من مؤثّر في وجود هذا العالم غير القدرة الإلهيّة. ولقد قلنا في بحوثنا السالفة إنّ قدرة الله هي عين ذاته. إذن فلم يكن غير ذات الله المقدّسة، وهي التي وُجد جميع الكون بإرادتها.

المشيئة الإلهيّة

تُستخدم في العربيّة ألفاظ مختلفة للتعبير عن خلق العالم كالإيجاد، والخلق، والإبداع، والإنشاء، والذرْء، وما إلى ذلك، وقد استُخدمت هنا لفظة «الذرء» في قولها (عليها السلام): «وذرأها بمشيئته» وهي لفظة استعملها القرآن الكريم أيضاً في قوله: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِْنِّ وَالإِنْسِ»3. لقد جعل بعض أرباب المعقول لكلّ من تلك الألفاظ مصطلحاً خاصّاً، وخصّصوا كلّ واحدة منها لفئة معيّنة من المخلوقات. وعلى الرغم من انتفاء الحاجة إلى المزيد من التوضيح بوجود المصطلح، وأنّ جعل الأخير هو أمر محبّذ من هذه الناحية، لكن ينبغي أن نعلم أن تلكم المصطلحات لا تطابق بالكامل ما أفادته الآيات والروايات وما جرى عليه العرف من تعابير لغويّة؛ من أجل ذلك فإنّه يتعيّن استخدام كلّ مصطلح في سياقه الخاصّ، وعندما يكون السياق عامّاً فإنّه ينبغي التركيز على المعنى اللغويّ.
بخصوص المشيئة الإلهيّة وأنّ الله قد خلق العالم بمشيئته، فقد اُشبع هذا الموضوع بحثاً ولا يزال، ولن اُشير إلى هذا البحث إلاّ بإيجاز لأترك المجال إلى أهل الفضل لمتابعته وسبر غوره وتحرير الرسائل فيه إن أحبّوا.
السؤال الأوّل الذي لابدّ من الإجابة عليه هو: ما الفرق بين المشيئة والإرادة؟
والسؤال الثاني هو: هل المشيئة والإرادة هما من الصفات الذاتيّة لله أم من صفاته الفعليّة؟
أمّا السؤال الثالث فهو: ما هي العلاقة بين أسماء الله وذاته عزّ وجلّ؟
اعتبر بعض المتكلّمين، ولاسيّما الأشاعرة منهم، الإرادةَ من الصفات الذاتيّة لله تعالى وعدّوها من القدماء الثمانية، فقالوا: إرادة الله قديمة وهي غير علمه وغير ذاته عزّ وجلّ. أمّا البعض الآخر فقد صرّح، استناداً إلى أمثال الرواية القائلة: «خلق الله المشيئةَ بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة»4، بأنّه من المعلوم أنّ المشيئة مخلوقة.
لقد جاء في بعض الروايات أنّ الله قد خلق أسماءً لنفسه وخلق اسماً في ذاته فهو ليس بخارج عنها. ويتعيّن الالتفات إلى أنّ تعبير الخلق هنا ليس هو بمعناه العرفيّ أو ما يُصطلح عليه في الفلسفة، فهو لا يعني أنّ الاسم الذي جعله الله له هو مخلوق قال الله له: كن أيّها الاسم! فلو كان الأمر كذلك لتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: بأيّ شيء أوجد الله هذا الاسم؟ وكوجه من الوجوه يمكنني القول: لعلّ من الأنسب أن نقول: إنّ تعبير الخلق الذي جاء بخصوص الاسم الخاصّ بذات الله هو بمعنى «الظهور».
وهناك تصوّر خاطيء آخر بخصوص خلق العالم عند بعض قدماء المفكّرين وهو قولهم: «إنّ إيجاد العالم من قِبل الله هو ضرب من الجبر؛ أي إنّه عزّ وجلّ لم يستطع إلاّ أن يخلق. فذات الله تقتضي الخلق وليس للإرادة والمشيئة في هذا الباب أيّ دور يذكر»؛ بمعنى أنّ عمليّة خلق العالم من قبل ذات الله تبارك وتعال هي قضيّة جبر، والعياذ بالله. لكنّه في مقابل مثل هذا التصوّر الخاطئ توجد العديد من الآيات والروايات التي تؤكّد تأكيداً مبرماً على تعلّق كلّ شيء بمشيئة الله تعالى. فالله يعلّم رسوله قول «إن شاء الله» إذا أراد فعل شيء: «وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ»5، كما أنّ من آدابنا الدينيّة أن نقول «إن شاء الله» عند كلّ عمل نهمّ بالقيام به وأن نلقّن قلوبنا بأنّه ما من عمل يُنجَز بمعزل عن مشيئة الله تعالى؛ بل لقد استخدم القرآن الكريم أيضاً معنى لطيفاً في هذا الباب عند قوله: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ»6؛ أي: حتّى مشيئتكم فهي غير ممكنة من دون مشيئة الله عزّ وجلّ. فالله يؤكّد بشدّة على ضرورة معرفته بهذه الكيفيّة وهي أن نعتقد بأنّه ما من أمر أو شيء في هذا الكون يمكن أن يتحقّق بمنأى عن مشيئته وإرادته سبحانه وتعالى.
ولعلّ لفظتَي المشيئة والإرداة تعطيان معنيين متفاوتين إذا استُعملتا سويّة؛ لكنّه إذا استُخدمت كلّ واحدة في محلّ الاُخرى لأفادتا معنى واحداً. وعلى أيّة حال فإنّ هناك تأكيداً كبيراً على كلمة شاء، والقرآن يؤكّد من جانبه على ضرورة أن لا نَعدّ الله مغلول اليد. فحينما نظنّ أنّ القضاء حتميّ وأنّ العلّة تامّة فإنّنا نغفل عن وجود جانب آخر من العلّة ألا وهو مشيئة الله تعالى؛ فهو إذا شاء، تهدّم كلّ هذا البنيان. فلا ينبغي أن نعتقد في أيّ حال من الأحوال أنّ الله مغلول اليد وأنّه لم يعد هو الآخر قادراً على التغيير! فالإله المغلول اليد لن يكون إلهاً أصلاً. فهذا التعلّق بمشيئة الله موجود في جميع المخلوقات، سواء القديم منها أو الحادث، المجرّد منها أو المادّي. فوجود كلّ مخلوق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإرادة الله، بل هو بتعبير آخرـ تحقق لإرادة الله عزّ وجلّ.
يقول القرآن الكريم: «إِذَا قَضَىٰ‏ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»7 والجمود على هذه الألفاظ يقتضي القول: إنّه لابدّ بادئ ذي بدء من وجود أمر يكون متعلّقاً بالقضاء، وأنّه لابدّ أن يَعلَم الله أوّلاً، ثمّ يأذن، ليُعمِل بعد ذلك مشيئته ومن ثمّ إرادته فيصل الأمر إلى التقدير ومن ثمّ إلى القضاء. فإذا وصل الأمر إلى القضاء يكون قد بلغ تمامه. فالقضاء يعني إنهاء العمل؛ فعندما ينهي العمل، «يقول له كن فيكون» بمعنى أنّه يقول لذلك الموجود الذي شُمل بقضاء الله: كن! فيكون ويوجَد. وهذا بدوره يعني أنّ هناك قولاً لابدّ من صدوره من الله، وهو «كن»؛ فإذا اجتمعت كلّ هذه الشروط وُجِد ذلك الأمر. إذن ينبغي توفّر هذه الاُمور إلى جانب ذات الله. وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل هذه الأشياء هي عين الله أم هي غير الله؟ فالله ليس كلاماً. الله يقول: كن! وهذا الكلام إنّما يوجَد بقول الله تعالى. فإذا كان هذا الكلام إلهاً، ما كان حادثاً، بل لكان موجوداً منذ الأزل. وإذا كان مخلوقاً، لأمكن نقل القول إليه. أي عندما يريد الله خلق هذا الكلام فلابدّ أن يقول له أيضاً: كن! وهلمّ جرّاً، وهذا يستلزم التسلسل. لأنّه من أجل خلقٍ واحد يتعيّن على الله أنّ يقول: كن إلى ما لا نهاية وهذا هو مقتضى التمسّك باللفظ. لكنّنا إذا تدبّرنا في الأمر مليّاً لاكتشفنا أنّ الله يريد أن يقول لنا عبر بيانه هذا: إنّه ناهيك عن أنّ الله موجود وأنّه يريد إيجاد هذا الأمر، فإنّه لا حاجة لوجود شيء آخر؛ فالقرآن يقول: «كِتَابٌ أَنْزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى‏ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الحَمِيدِ»8، ومعنى الآية هو أنّ الله يهدي بإذنه هو؛ فهل يعني ذلك يا ترى أنّ الله يوجِد في البدء هذا الإذن ومن ثمّ يوجِد الهداية بواسطتها؟ أم إنّ المقصود هو أنّ الله ليس بحاجة إلى إذن من أحد؟ وهذا كما لو سُئل أحدهم: بإذن مَن قمت بهذا الفعل؟ فيقول في جوابه: بإذني أنا! ومعناه: إنّني لست بحاجة إلى إذن من أحد كي أقوم بهذا الأمر؛ ولا يعني: أنّني بحاجة إلى إذني! وهذا التعبير مستعمل في الحوارات العرفيّة والعقلائية. فقولنا: إنّ الله يهدي بإذنه يعني إنّه ليس بحاجة إلى إذن من أحد.
أمّا معنى نصّ الحديث القائل: «خلق الله المشيئةَ بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة» فهو أنّ إيجاد المشيئة ليس بحاجة إلى خلق. فالقول بأنّ الله يخلق العالم بإذنه أو يهديه بإذنه لا يعني أنّ على الله حقيقةًـ أن يوجِد إذناً ومن ثمّ ينجز عمله على ضوء هذا الإذن! بل هو يدلّ على حدّ فهمناـ على أنّ إيجاد المشيئة لا يحتاج إلى واسطة.
أمّا السؤال الآخر فهو: هل إنّ المشيئة والإرادة هما عين الذات أم خارجتان عنها؟ فإنّنا إذا أرجعنا المشيئة والإرادة إلى معنى المحبّة، فستكونان عين الذات. فالصفات الذاتيّة لا تنحصر بتلك المذكورة في كتب علم الكلام. فإن ادّعى أحدهم أنّ حبّ الله لذاته أو لآثار ذاته هو عين ذاته، وأنّ الإرادة والمشيئة تعطيان معنى الحبّ، فستكون الإرادة والمشيئة أيضاً من صفات الذات. هذا وقد وردت الإرادة في القرآن الكريم بمعنى الحبّ أيضاً: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ»9.
تؤكّد مولاتنا الزهراء (عليها السلام) عبر هذه الكلمات على أمرين: الأوّل هو أنّ خلقة مجموع هذا العالم لم يكن من مادّة سابقة بل وجوده إبداعيّ؛ بمعنى أنّه خلقها على نحو الإبداع (لا بمعناه المصطلح). والثاني هو أنّ الله ليس مغلول اليد على الإطلاق وهو يمارس عمله دوماً طبقاً لمشيئته. فكلّ ما يخلق، سواء أكان قصير العمر أم لم تكن لعمره نهاية، فهو متعلّق بمشيئته سبحانه وتعالى أيضاً.

وصلّى الله على محمّد وآله.


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة الأنبياء، الآية 30.

3. سورة الأعراف، الآية 179.

4. بحار الأنوار، ج4، ص145.

5. سورة الكهف، الآيتان 23 و24.

6. سورة الإنسان، الآية 30؛ وسورة التكوير، الآية 29.

7. سورة البقرة، الآية 117؛ وسورة آل عمران، الآية 47؛ وسورة مريم، الآية 35؛ وسورة غافر، الآية 68.

8. سورة إبراهيم، الآية 1.

9. سورة الأنفال، الآية 67.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org