بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 27 آب 2010م الموافق لليلة السابعة عشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

المصطفى من الله

المفاهيم اختار، واصطفى، واجتبى

«...وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتَارَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَّاهُ قَبْلَ أَنِ اجْتَبَاهُ، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ، إِذِ الْخَلاَئِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسَتْرِ الأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَة»1.
بعد الشهادة بالتوحيد وبصفات الله عزّ وجلّ، تأتي مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) في هذه الخطبة الشريفة على ذكر الشهادة بالرسالة. نحن لدينا اطّلاع على معاني الألفاظ «أرسل»، و«ابتعث» أو «بعث»؛ فالإرسال يعطي معنى البعث، والبعث يعني الإيقاظ والنشر، غير أنّ القرآن الكريم يستعمل أوصافاً اُخرى للأنبياء مضافاً إلى تلك، مثل «الاختيار» و«الاصطفاء»، و«الاجتباء» التي تتقدّم في الرتبة على الإرسال والبعث. فالقرآن الكريم يقول في موسى (عليه السلام): «وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ»2؛ أي اخترتك للنبوّة. وقد استُخدمت لفظة الاصطفاء في حقّ الكثير من الأنبياء أيضاً؛ نظير: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»3. كما وقد استُعمل الفعل «اجتبى» أيضاً في المجال ذاته؛ إذ يقول عزّ من قائل في سورة آل عمران: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللهَ يجَْتَبِي مِنْ رُّسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ»4. والألفاظ المذكورة، وإن أعطت جميعها في الفارسيّة معنى الاختيار والانتخاب، غير أنّ المعاني المأخوذة في كلّ منها في اللغة العربيّة مختلفة. «فالاصطفاء» مأخوذ من «الصفو»، وهو تصفية الشيء وجعله زلالاً. أمّا «الاجتباء» فمأخوذ من الاستخلاص وسحب عصارة الشيء. وأخيراً «الاختيار» الذي هو من مادّة «الخير»؛ وهو انتقاء الشيء بعنوان کونه خيراً.
هذه الأوصاف قد استُعملت في حقّ النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) أيضاً، بيد أنّ هناك اُموراً قد لوحظت في هذه الخطبة نرى من المهمّ الالتفات إليها. فالسيّدة الزهراء (عليها السلام) تؤكّد هنا أنّ الاختيار والاصطفاء قد سبقا الإرسال والبعث. وقد يتبادر إلى الذهن من هذا الكلام للوهلة الاُولى أنّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد بُعث بالنبوّة في الأربعين من عمره الشريف، لكنّ الله قد اختاره واصطفاه قبل ذلك الحين ببضع سنوات. إلاّ أنّ الجمل التالية توحي بغير ذلك. دعوني استعرض في بادئ الأمر العبارات التي تلوتها في مطلع المحاضرة ومن ثمّ أتطرّق إلى شرحها.
تقول مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها): «أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتَارَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَّاهُ قَبْلَ أَنِ اجْتَبَاهُ»؛ إذ تُطلق كلمة التسمية على عمليّة تعيين شخص لإنجاز مهمّة ما. «وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ»؛ والابتعاث هو البعث الذي يكون بحساب ودقّة. كما أنّها (عليها السلام) تبيّن في هذه العبارة أنّ الاصطفاء كان قبل البعثة؛ لكن كم من الوقت قبله؟ هي تقول: عندما كانت المخلوقات في هذا العالم غيباً مستوراً وشيئا مكنوناً وحينما كانت تسترهم حُجب عجيبة وسُتر مهولة فكانوا محفوظين ومصونين بها. أمّا العبارة الأخيرة «بِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَة» فقد فسّرها من قام بشرح هذه الخطبة كما يلي: لقد كانت الموجودات معدومة منذ الأزل وهذا العدم قد امتدّ إلى زمان نشوء هذا الوجود، وقد كانوا يوجَدون في آخر مرحلة من مراحل العدم. غير أنّ هناك احتمالاً آخر يبدو لي أقوى من سابقه وهو أنّ المراد من النهاية هو التأكيد علي کونها معدوميّة؛ بمعنى أنّه لم يكن ثمّة أيّ شيء حينذاك. على أيّة حال فهي (سلام الله عليها) تقول: «لقد اختار الله النبيّ واصطفاه وسمّاه للرسالة في الوقت الذي كانت فيه الخلائق في ذلك الوضع، ومن ثمّ بعثه للرسالة في هذا العالم في زمان معيّن».

نور رسول الله هو أوّل المخلوقات

لقد طرقت مسامعنا بعض الروايات التي تحمل مفاهيم من قبيل أنّ أنوار النبيّ الأعظم والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) قد خُلقت قبل خلق هذا العالم. فقد جاء في الخبر عن جابر بن عبد الله أنّه قال: قلت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما هو أوّل شي‏ءٍ خلقه الله تعالى ؟ فقال: «نور نبيّك يا جابر»5. ولعلّ بالإمكان القول إنّ مضموناً كهذا، وهو أنّ مخلوقاً باسم النور قد وُجد قبل خلق هذا العالم المحسوس وهو متّحد مع الوجودات المقدّسة للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، قد تجاوز حدّ التواتر، بل وقد ورد حتّى في كتب الحديث عند أهل السنّة. غير أنّ إدراك حقيقة هذا المبحث هو غاية في الصعوبة؛ فنحن نقبل به تعبّداً من دون أن نفهم كنهَه. يعتقد البعض من السطحيّين في الفكر أنّ هذا النور هو أشبه بنور المصباح أو نور الشمس؛ غير أنّ التأمّل في الرواية يُظهر أنّ هذا النور يختلف تماماً عن تلك الأنوار. فالنور المنسوب إلى الوجودات المقدّسة للنبيّ الكريم والأئمّة الطاهرين (صلوات الله عليهم) هو شيء خُلقت الجنّة من أشعّته، كما وخُلقت الملائكة، واللوح، والقلم، وما إلى ذلك منه أيضاً. ويزداد الوضع صعوبة بالنسبة لنا عندما نسمع أنّ هذا النور كان له من العلم ما يفوق العلوم التي في حوزتنا الآن؛ بل إنّ علوم جميع ما بعده من المخلوقات هو مستقىً منه، بل وإنّ الملائكة قد تعلّموا تسبيح الله منه كذلك!
بالطبع في ذلك الحين لم يكن ثمّة مكان، أو فضاء، أو زمان؛ لأنّ هذا النور كان أوّل المخلوقات. فأيّ نور هو هذا؟ إنّ عقولنا غير قادرة على إدراك ذلك لكنّ الذي يطمئن بال المرء هو أنّ الله قد عرّف نفسه بالنور أيضاً بقوله: «اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»6. فنحن نعلم، على نحو القطع واليقين، أنّ الله ليس هو نوراً حسّياً. فذلك النور الذي خلقه من نوره لابدّ أن يكون من سنخه، وليس من سنخ هذه الأنوار المادّية والحسّية. إنّنا ننزّه نور الله من النقائص فنقول: إنّ الله هو نور، لكنّه ليس له حجم أو زمان أو مكان، وليس هو بحاجة إلى جوهر يقوم به، ولا هو ممّا يقبل التجزئة أيضاً؛ ونحن لا نفهم كنهه، مثلما أنّنا لا نفهم نور رسول الله أيضاً، وكلّ ما نعرفه بشكل إجماليّ من خلال الأحاديث هو أنّه يوجد لله مخلوق كهذا. فكلّ ما يمكننا نحن قوله هو أنّ هذا النور هو على جانب من الطهارة بحيث لو أردنا العثور في عالمنا المادّي هذا على شيء يكون شبيهاً له، فلابدّ أن نقول: هو مثل النور، وكما أنّ إضاءة أيّ جسم في هذا العالم محتاجة إلى النور فإنّ موجودات هذا العالم هي بحاجة إلى ذلك الموجود بنفس تلك الدرجة؛ فلابدّ أن يشرق ذلك النور عليها كي تشرق وتُنوَّر؛ إذ: «وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا»7. جاء في الخبر أنّ ذلك النور الذي ينسبه الله سبحانه وتعالى إليه هو نور أهل البيت (عليهم السلام). فهذه اُمور قد ذكرت في الأحاديث ونحن نشكر الله آلاف المرّات على أن جعل أسماعنا تألف مثل هذه المعارف. فهذه المعاني هي على مستوى من العظمة والسموّ حتّى أنّ مئات من الفلاسفة والحكماء يکونون قاصرين عن إدراك حقيقتها؛ اللهمّ إلاّ اُولئك الذين أراهم الله ذلك النور حضوريّاً، من أمثال عليّ (عليه السلام) الذي اُزيحت الحجب والستر من أمام ناظره حتّى قال: «لو كُشف الغطاء ما ازددتُ يقيناً»8، وهذا يعني انه ينفي الغطاء عن نفسه.

عالم النور

تقول سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها): إنّ نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) قد اختير قبل إيجاد هذا العالم. لكن ما معنى «قبل» هنا؟ هل المقصود من ذلك يا ترى هو أنّه إذا كان عمر هذا العالم مثلاًـ مليار سنة فهو قد اختير على سبيل المثالـ سنة واحدة قبل هذا المليار من السنين؟ جاء في بعض الروايات بخصوص بعض موجودات ذلك العالم ما مضمونه أنّها قد خُلقت قبل ألفي عام. فهل هذا النور هو على هذه الشاكلة أيضاً؟ هل المراد من السنة هنا هو تلك الفترة المقدرة بـ‌365 يوماً، أم إنّ لها معياراً آخر؟ ما نعرضه هنا بعنوان الاحتمال نابع من أنّ فهمنا عادة من هذه «القبلية» و«البعدية» هو «القبلية» و«البعدية» الزمانيّتين؛ لكنّ السؤال هو: هل كان ثمّة زمان قبل أن تُخلق جميع هذه الخلائق؟ فليس من المستبعَد أنّ هذه «القبلية» لا علاقة لها بالزمان؛ لاسيّما وأنّ ارتباط ذلك النور لا يقتصر على الموجودات التي هي علي الحدود بين العدم و الوجود؛ بل إنّه يشرق على جميع الموجودات إلى يوم القيامة. فعندما تكون جميعها مخلوقة من ذلك النور فهي ليست منفصلة عنه بل إنّ هذا النور حاضر فيها جميعاً.
إنّ الإحاطة بجميع الموجودات والحوادث التي هي الآن في طور الحدوث في هذا العالم تحتاج إلى مقدرة علميّة فائقة وواسعة جدّاً؛ لكنّه إذا افترضنا أنّ هناك موجوداً معيّناً يشاهد ما مضى من الحوادث بالضبط كما يشهد ما يجري حاليّاً منها، فإنّه من الشاقّ علينا بمكان إدراك ذلك. إنّ اعتقادنا بالله تبارك وتعالى لا يقتصر على أنّه يعلم الحوادث الماضية والحاليّة فحسب، بل إنّ كلاًّ من الماضي والحاضر والمستقبل حاضر بالنسبة له عزّ وجلّ بنفس القوّة والدرجة؛ فليست القضيّة أنّه إذا أتى اليومُ فإنّ الله لن يرى الأمس والغد. فعِلم الله ليس علماً حصوليّاً وصورة ذهنيّة حتّى نقول: هو يعلم ما الذي كان بالأمس؛ بل إنّ كلّ ماضي العالم وحاضره ومستقبله هو حاضر عند الله؛ إذ «ليس عند ربّك صباح ولا مساء».
ومن أجل تقريب المسألة إلى الذهن ضرب عظماؤنا مثلاً لطيفاً فقالوا: إذا كنتَ جالساً خلف شباك يمرّ من أمامه قطيع أباعر بحيث لا يمكنك أن ترى أكثر من بعير واحد في كلّ مرّة ومن أجل رؤية البعير التالي فلابدّ أن يمرّ الذي قبله، فإنّك في حالة كهذه لا تستطيع رؤية البعير الثاني إلاّ عندما يكون الأوّل قد مرّ ولم يكن الثالث قد أتى بعدُ؛ ولهذا فإنّك لا ترى الأوّل والثالث. لكنّك إنْ صعدت إلى سطح الدار حتّى أشرفت على الطريق فإنّك سترى جميع الأباعر دفعة واحدة وستكون جميعها حاضرة بالنسبة إليك على الرغم من أنّ الأباعر نفسها تصدق «القبلية» و «البعدية» بالنسبة اليها أثناء مسيرها في الطريق. وهذا شبيه بالعالم الذي نعيش فيه فنحن نقيسه بمقياس النافذة التي نراه من خلالها، حيث وفقاً لهذا المقياس فإنّه عندما يكون الثاني لا يكون الأوّل موجوداً ولا يكون الثالث قد أتى بعد؛ لكنّه هناك عالم آخر مشرف على هذا العالم. فإذا تصوّرنا أنّ لعالم المحسوسات حدوداً وسقفاً، وأنّنا إذا تخطّينا تلك الحدود صرنا في عالم آخر محيط بهذا العالم، عندها لن يكون للعالم المحيط ما للعالم المحاط به من التقدّم والتأخّر.
من المؤكّد أنّكم سمعتم أنّ هناك من أولياء الله مَن يعلم بما مضى وما سيأتي من الوقائع. ليس هذا فحسب، بل إنّهم يشهدونها أيضاً. وتفسير ذلك هو أنّ روح الإنسان هي موجود يسمو على هذا القالب المادّي ولقد منحه الله من القدرة ما يتيح له تخطّي عالَم المادّة، حتّى يصل إلى مرحلة يشبه فيها ذلك الشخص المشرف على الطريق من على سطح الدار، فيكون الماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة له سواسية. يُنقل عن نفر من كبرائنا أنّ بعض أولياء الله قد وُفّقوا بعد رياضات مضنية وعبادات مجهدة من مشاهدة يوم عاشوراء. فأيّ قدرة هي تلك؟ ومن أين لهم ذلك؟ التعبير القريب إلى أذهاننا هو قولنا: إنّ ذلك في اللوح المحفوظ، أو لوح المحو والإثبات. هذا اللوح ليس هو كالألواح العاديّة؛ بل هو عالَم تجتمع فيه كلّ تلك الاُمور في وقت واحد. فالذي يستطيع أن يتّصل بذلك المكان فسيتمكّن من مشاهدة جميع الأحداث الموجودة هناك.
فإن كانت هذه الفرضيّة التي قرّبها عظماؤنا إلى الأذهان صحيحة، وهي لا تبدو مستبعدة أيضاً، فإنّه عندما تأتي مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) لتقول: لقد اختار الله سبحانه وتعالى أبي قبل أن يبعثه للرسالة عندما لم تكن مخلوقات هذا العالم قد وُجدت بعد، فباستطاعتنا القول: إنّ ذلك النور الذي خلقه الله قبل خلق الخلائق كان في عالم آخر غير عالم الدنيا هذا الذي نعيش فيه. فذلك العالم محيط بكلّ ما في هذا العالم. فالزمن هو جزء من عالم المادّة، وإنّ ذاك العالم هو فوق الزمن، وهو محيط به.

عالم المادّة هو شعاع من عالم النور

هناك ملاحظة ظريفة في هذا الباب يمكن استظهارها من بعض الآيات القرآنيّة، وهي أنّ كلّ ما في العالم الجسمانيّ إنّما هو بفضل العالم الفوقانيّ وليس هو إلاّ شعاعاً منه. يقول الله عزّ وجلّ في محكم كتابه العزيز: «وَإِنْ مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ»9؛ فكلمة: «عندنا» تشير إلى ذاك العالم الذي هو عند الله وليس عندنا. فهو جلّ وعلا يقول: إنّ كلّ ما تشاهدونه في هذا العالم فإنّ خزائنه عند الله وهو تعالى لا يُنزل من تلك الخزائن إلى هذا العالم إلاّ ضمن حدود معيّنة.
لعلّ هناك المئات من الروايات الواردة في كتب كلا الفريقين تبحث في أصل هذا العالم، وأنا أنقل لكم، على سبيل المثال، رواية عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) يقول فيها: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَدٌ وَاحِدٌ تَفَرَّدَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُوراً، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله) وَخَلَقَنِي وَذُرِّيَّتِي، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحاً فَأَسْكَنَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ النُّورِ وَأَسْكَنَهُ فِي أَبْدَانِنَا، فَنَحْنُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَاتُه»10؛ ومن الطبيعيّ أنّ الكلمة الاُولى التي قالها الله هنا هي عبارة: «قال له كن». كما ويُعلم من صيرورة الكلمة الثانية (التي قالها الله) روحاً أنّ ذلك النور هو غير الروح المتعلّقة بالأبدان في هذا العالم؛ أي إنّ مقامه أسمى حتّى من مقام الروح الإنسانيّة. فلقد أسكن الله الروح في ذلك النور حتّى خُلقت أبداننا وعندها حلّت الروح في أبداننا. وبناءً على ذلك، فإنّ قولها (عليها السلام): اختار الله النبيّ قبل أن تصل الخلائق في عالم الغيب إلى مرحلة الشهود، يعني في عالم هو فوق هذه العوالم وهو ما يطلق عليه «عالم النور».
نسأل الله العليّ القدير أن يشرق على قلوبنا بصيصاً من هذا النور ببركة أنوار المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام).


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة طه، الآية 13.

3. سورة آل عمران، الآية 33.

4. سورة آل عمران، الآية 179.

5. بحار الأنورا، ج15، ص24.

6. سورة النور، الآية 35.

7. سورة الزمر، الآية 69.

8. غرر الحكم، ص120.

9. سورة الحجر، الآية 21.

10. بحار الأنوار، ج26، ص291.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org