بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 29 آب 2010م الموافق لليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

فلسفة النبوّة

نقدّم أسمى آيات العزاء والتسلية لإمامنا الحجّة المنتظر وليّ العصر (أرواحنا فداه) بمناسبة حلول ذكرى استشهاد مولى الموحّدين وإمام المتّقين أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، سائلين العليّ القدير أن لا يحرمنا من ولايته في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.

التقديرات العلميّة والتقديرات العينيّة

«... وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ، إِذِ الْخَلاَئِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعَالَى بِمَآيِلِ الأُمُورِ، وَإِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْدُور، ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِتْمَاماً لأَمْرِهِ، وَعَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، وَإِنْفَاذاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِه».
التفسير اللفظيّ لهذه الجمل هو كالتالي: لقد اختار الله النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يبعثه، في وقت كانت الخلائق فيه مستورة في غيب العالم وتغشاها حُجب عجيبة ومقرونة بنهاية العدم؛ ذلك أنّ الله عالم بخواتيم الأمور ومحيط بحوادث الدهور وعارف بمواقع المقدّرات، فقد بعثه في مثل هذا العالم بغية إتمام أمره، وتنفيذ حكمه، وإنفاذ تلك المقدّرات الحتميّة.
تشير السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) في هذه العبارات إلى مرحلتين: المرحلة الاولى هي تلك التي سبقت خلق المخلوقات ولم يكن هناك إنسان بعد. فإنّ الله تعالى كان قد اختار نبيّه واصطفاه في تلك المرحلة تحديداً ليكون خاتماً للأنبياء. أمّا المرحلة الثانية فهي في هذا العالم؛ فبعد أن خُلقت السماوات والمجرّات والمنظومة الشمسيّة والأرض وباتت الأرض مستعدّة لاستقبال الكائنات الحيّة للعيش على سطحها فقد مرّت آلاف السنين قبل أن يبعث الله الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة. فالزهراء (عليها السلام) تقول تعبيراً عن هذه المرحلة: لقد بعثه الله كي ينفّذ عمليّاً ما كان قد قدّره مسبقاً. إنّه ليس من غير المناسب في مثل هذه الليلة، وهي واحدة من ليالي القدر، أن نتحدّث عن التقديرات الإلهيّة ونقدّم توضيحاً عن مواقعها وأين کانت، وما ترمي إليه ولماذا کانت، وكيف أوصل الله تعالى تلك التقديرات إلى حيّز الإمضاء والتطبيق. ومن أجل أن لا يتّسع البحث كثيراً فإنّني استعرض هذا التوضيح على نحو مفهرَس.
الأصل في كلمة القدر والتقدير هو القياس. فقد جاء في الخبر عن الإمام الهادي (صلوات الله عليه) ما مضمونه أنّ التقدير عبارة عن هندسة العالم. ففي عالمنا البشريّ عندما نهمّ بالتأسيس لمشروع ضخم فإنّنا نقوم في البداية بتحديد الهدف المبتَغَى من ذلك. فعمل كهذا يحتاج إلى معلومات؛ ومن هنا فإنّ مرحلة العلم هي أوّل المراحل اللازمة لمقدّرات العمل. وفي الخطوة التالية نقوم بدراسة المقدّمات الضروريّة لهذا المشروع. فإذا أخذنا كلّ تلك الاُمور في نظر الاعتبار فسوف يتولّد لدينا تصوّر كامل عن تصميم المشروع وعندها سيتسنّى لنا، على غرار هذا التصوّر، وضع الخطّة اللازمة لتنفيذه. فخطّة التنفيذ تمثّل المرحلة النهائيّة لمراحل الإعداد حيث لا يبقى بعدها إلاّ التوكّل على الله والبدء بتنفيذ خطّة المشروع على أرض الواقع. بالطبع نحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى مثل هذه المراحل كي ينجز كلّ واحدة منها في زمن معيّن. فالزمن أساساً ليس له أيّ دخل في أفعال الله عزّ وجلّ. إنّنا نحن الذين نحتاج بسبب ما نعانيه من الضعف الوجوديّـ إلى التفكير بشكل تدريجيّ، والتشاور مع الآخرين كي نضع تصميماً لمشروع معيّن ومن ثمّ نعِدّ الخطّة اللازمة لتنفيذه عمليّاً. فلو أمكننا تصوّر كلّ تلك المراحل في آن واحد فلن نكون بحاجة إلى الزمن حينئذ؛ لكن على أيّة حال فإنّ تلك المراحل تكون من الناحية العقليّةـ مترتّبة إحداها على الاخرى؛ بمعنى أنّه حتّى لو أمكننا تصوّر أنّ جميع تلك المراحل تتحقّق في آن واحد فسيكون لها تقدّم وتأخّر أيضاً؛ أي بمعزل عن التقدّم والتأخّر الزمانيّين فإنّ هناك نوعاً آخر من التقدّم والتأخّر. فمثلاً عندما ندير المفتاح في قفل الباب فإنّ اليد والمفتاح يدوران مع بعضهما؛ لكنّ اليد هي التي تدير المفتاح وإنّ لحركة اليد ودورانها تقدّماً وجوديّاً على حركة المفتاح.
قد يتبادر إلى الذهن هنا السؤال التالي: إذا لم يكن فعل الله تعالى محتاجاً إلى زمن وهو عزّ وجلّ قادر على أن يقول للشيء كن فيكون، فلماذا إذن يقول عزّ وجلّ بخصوص خلق العالم: «خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»1؟
كما قد ذكرتُ في محاضرة سابقة فإنّ ذلك العالم الذي لا يخضع للزمان محيط بهذا العالم. فما دمنا في عالم الزمان فإنّنا ندرك هذا التأخّر والتقدّم في الزمن؛ لكنّه بالنسبة لله تعالى وهو المحيط بهذا العالم فإنّ جميع تلك الاُمور حاضرة عنده في آن واحد. فالمخلوق هو الذي يولَد في ستّة أيام، أمّا الأمر الإلهيّ فلا تدرّج فيه فهو (يقول له كن فيكون). فهذا التدرّج هو من شؤون المخلوق وليس من شؤون الخالق.
فمولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) تتحدّث عن مرحلتين فيما يتعلّق باصطفاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبعثته بالرسالة، وهي تستخدم للمرحلة الاولى تعابير من قبيل اصطفاه، واجتباه، وسمّاه، وللمرحلة الثانية كلمات من أمثال أرسله، وابتعثه، وما إلى ذلك. فالمرحلة الاولى هي مرحلة العلم، وهذا المعنى فيما يخصّ فعل الله جلّ وعلا يطلَق عليه «التقدير العلميّ»؛ وهو يعني أنّه حتّى في عالم علمه سبحانه فإنّ الله عزّ وجلّ يقدّر الأشياء ويقيسها من جهة أنّه ما هو الأمر الذي يجب أن يقع، وفي أيّ موطن، وما هي المدّة الزمنيّة التي يحتاجها لذلك، وكم يتعيّن أن يكون حجمه، وما هي الامور التي ستتعلّق به، والخ. فهذا ضرب من التقدير لكنّه يكون في عالم العلم. أما عندما تُعَدّ خطّة التنفيذ ويبدأ العمل، فستكون لهذا الجانب من العمل مراحل وهو ما يدعى ﺑ«التقدير العينيّ». تقول سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) هنا: «عِلْماً مِنَ اللهِ تَعَالَى بِمَآيِلِ الأُمُورِ، وَإِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْدُور»؛ فلمّا كان الله يعلم بعواقب الامور، ويحيط بجميع الحوادث، ويعرف مواقع تلك المقدّرات فقد عيّن منزلة وموقع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في ذلك العالم بعنوان كونه خاتماً للأنبياء. فالكلام حتّى هذه اللحظة يدور حول العلم والمعرفة وهو ما ينطبق على التقدير العلميّ. لكنّه عندما ينزل جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيقول له: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ»2 فلن يعود هناك كلام عن العلم، بل ستكون هذه مرحلة التنفيذ، وتطبيق الخطّة، وإنزال المشروع إلى مستوى العينيّة؛ ومن هذا المنطلق فإنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) تبيّن هذه المرحلة بهذه الكيفيّة: «ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه»؛ أي إنّ الله قد بعث نبيّه ليُتمّ الأمر، لأنّه كان مصمّماً على إمضاء الحكم الذي أصدره في عالم العلم وتنفيذه في عالم العين: «وإنفاذاً لمقادير حتمه»؛ فما لم تصل المقدّرات إلى مراحلها النهائيّة فهي قابلة للتغيير. وعمل المهندس يشبه هذا أيضاً؛ فعندما يصل العمل إلى تمامه وتوضع آخر لبنة في البنيان يكون العمل قد اُنجز بتمامه. والمقدّرات الحتميّة هي الامور التي لا تقبل التغيير، وقد اُشير في القرآن الكريم إلى بعضها؛ فمثلاً يقول عزّ من قائل: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»3؛ فهي إرادة الله الحتميّة في أن يُبعث النبيّ في آخر الزمان ويُظهر دينه ويجعله الغالب على كافّة الأديان، أو يقول: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»4؛ أي نحن كتبنا في التوراة وفي الزبور ونقولها في القرآن أيضاً إنّ الذين سيرثون الأرض هم الصالحون. فهذا قضاء محتّم. تقول مولاتنا فاطمة (عليها السلام): لقد بعث الله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة من أجل أن تتحقّق هذه المقدّرات الحتميّة، فلو لم يُبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في هذا العالم فلن تصل تلك المقدّرات إلى مستوى الحتميّة. إذن تلاحظون أنّ سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) قد تبنّت اسلوبين في التعبير: فالحديث قبل البعثة يدور حول المقدّرات المتعلّقة بعالَم علم الله؛ وهي المقدّرات العلميّة. أمّا بعد البعثة فقد دار الكلام عن المقدّرات الحتميّة: «إنفاذاً لمقادير حتمه». ومن هنا نستنتج أنّ لدينا نمطين من التقدير؛ أحدهما في عالم علم الله تعالى، وثانيهما في عالم العين، وقد ذُكرت لكلا النمطين الكثير من المصاديق في الآيات القرآنيّة وفي الروايات على حدّ سواء. وحيث تمرّ علينا في هذه الأيّام ليالي القدر أرى من الضروريّ الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ طائفة من التقديرات هي تقديرات علميّة وهي المكتوبة في اللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات. وإنّ قسماً من هذه التقديرات العلميّة هو غير حتميّ والقسم الآخر حتميّ؛ فعلى سبيل المثال عندما يعيَّن لشخص ما أجَلُه فسيكون له أجَل حتميّ وأجَل معلَّق ومشروط. كأن يكون أجله مشروطاً بالصدقة؛ فإن أعطى الصدقة طال أجله وإن لم يعطها قصُر. فهذا يتعلّق بالتقديرات القابلة للتغيير. لكنّ الله يعلم ما إذا كان هذا المرء سيعطي الصدقة في النهاية أم لا وكم سيكون عمره بسبب ذلك. فهذا النمط من التقديرات يمثّل التقديرات العلميّة الحتميّة، وإنّ التقديرات التي تبلغ مرحلة الحتميّة فهي ستصل إلى مرحلة القضاء. إذن أصبح لدينا مرتبتان في عالم العلم، التقدير العلميّ والقضاء العلميّ. وكذا الأمر بالنسبة لعالم العين فإنّ له مرحلتين أيضاً؛ مرحلة مشروطة واخرى حتميّة، والمرحلة الأخيرة هي التي يتمّ إمضاؤها؛ والإمضاء هو انقضاء وتمام الأمر من دون رجعة.

ارتباط البعثة مع التقديرات الحتميّة

وهنا يرد سؤال مفاده: ما هي العلاقة بين اختيار النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبين كون الله عالماً بأنّه أيّ مقدّرات ستكون وكيف ينبغي أن تقع؟ ومن أجل الإجابة على هذا السؤال علينا أن نفهم الهدف من خلقة هذا العالم. لقد سبق لنا القول إنّ الهدف الأساسي لله عزّ وجلّ من خلق عالم الوجود هو أكمل ما يمكن أن يوجد في عالم الخلقة من الموجودات وهو الوجود المقدّس للنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وبما أنّ نور هذه الشخصيّة متّحد مع أنوار المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله عليهم أجمعين) فإنّ اُولئك المعصومين الأربعة عشر هم في الحقيقةـ الغاية الأساسيّة من وراء الخلقة ثمّ يتلوهم أكثر الناس شبهاً بهم وهم أنبياء الله وأولياؤه وخالص المؤمنين، أمّا الباقون فهم عيال على وجود هؤلاء. لكنّ الله لا يشيح بوجهه حتّى عن هؤلاء العيال. ليس هؤلاء فحسب، بل إنّهم إذا لم يذكروا اللهَ سوى لحظة واحدة فهو لن يغضّ الطرف عن تلك اللحظة وسيمهّد لهم الأرضيّة لكي ينادوا الله ويلجأوا اليه. فمن بين المليارات من البشر الذين يعيشون على مرّ العصور من الممكن أن توجد ثلّة من الناس الصالحين والله يعلم كم من الأجيال لابدّ أن تأتي وتذهب كي يظهر إنسان صالح. فإنْ عَلِم الله تعالى بإمكانيّة ولادة إنسان صالح بعد أربعة أجيال من الناس الكفرة فإنّه سيهيّئ الأرضيّة لولادة هذا الجيل الرابع واستمراره بالحياة حتّى يولَد ذلك الإنسان المؤهّل لاکتساب نور الله تعالى. فهذه من ألطاف الله ورحمته التي لا نهاية ولا نفاد لها.
فما الذي ينبغي فعله في مرحلة العلم كي يصير الناس من عباد الله والسائرين على طريق قربه؟ فلابدّ بادئ الأمر أن يودَع في وجودهم ما يلزم لهذا الغرض. إذن ينبغي أن يجعل الله لهم عقلاً يمكنهم بواسطته التمييز بين الخير والشرّ. لكنّ الله جلّ شأنه يعلم أنّهم بحاجة مضافاً إلى العقلـ إلى هادٍ آخر. فلو توفّر مَن يتولّى تربيتهم فقد تتكوّن بينهم وبين الله علاقة تكون السبب في استحقاقهم للجنّة. أمّا إذا لم يرسل الله إليهم الأنبياء فلن تكون عقولهم بمفردها كافية لبلوغها. هذه الامور هي من المباحث المرتبطة بمرحلة العلم، وهذا هو ما يسمّى بالتقدير العلميّ. إذن فمنذ اللحظة الاولى لوضع التصميم الابتدائيّ للخلقة كان لابدّ من أن تؤخذ بعيني الاعتبار قضية مهمة وهي أن تكون لمخلوقات أصيلة أيضاً مرتبةٌ من مراتب الوجود من أجل أن تكوّن روابط مع الآخرين بغية هدايتهم إلى سواء السبيل؛ ومن هنا فإنّ من الضروريّ أن تكون لهذه المخلوقات الأصيلة مراتب متنزّلة تتمثّل في وجوداتهم الجسمانيّة، كما ويتحتّم أن يكونوا في هذا الوجود مثل باقي البشر وإلاّ فلن يكون باستطاعتهم التعاون معهم والأخذ بأيديهم. كما يجب أن يكون لهذا الدليل والهادي ارتباط وثيق بالله عزّ وجلّ: «وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ اللهَ يجَْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ»5؛ فأنتم لم تنالوا الأهليّة اللازمة كي يطلعكم الله على الغيب؛ لكنّه يوجَد من بين البشر من يملك تلك الأهليّة، وقد شاءت إرادة الباري تعالى أن يختار هؤلاء ويُظهر لهم الغيب. فلابدّ أن يأتي هؤلاء الذين هم من سنخكم كي يأخذوا بأيديكم ويهدوكم. وهنا تتجلّى فلسفة النبوّة أيضاً، وتتّضح الإجابة على سؤال هو: لماذا يرسل الله تعالى الأنبياء من أجل هداية البشر؟ ولماذا يوحي لهؤلاء ولا يوحي إلى الآخرين؟ والغرض من هذه المقدّمة هو أنّه يتعيّن في التصميم الابتدائيّ للخلقة، ومن أجل أن يجد الناس الذين سيولَدون بالتدريج بعد مليارات من السنين الأهليّة والاستعداد لتلقّي ما لا نهاية له من أصناف الرحمة الإلهيّة ولا نفاد له من أشكال السعادة الاخرويّة، يتعيّن أن تؤخذ بعيني الاعتبار قضية النبوّة، وإلاّ فسيتعطّل وجود سائر البشر ولن يصلوا إلى الهدف المرجوّ من وجودهم وإنّ في ذلك نقضاً للغرض ومخالفة للحكمة.
لقد اتّضح إلى هنا التكليف الواجب العمل به في عالم العلم. فما الذي ينبغي فعله في عالم العين؟ فمن أجل أن ينَفّذ على أرض الواقع ما قام الباري عزّ وجلّ بتصميمه وإعداده فإنّه قد بعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) «إتماماً لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه».

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة الأعراف، الآية 54.

2. سورة العلق، الآية 1.

3. سورة التوبة، الآية 33.

4. سورة الأنبياء، الآية 105.

5. سورة آل عمران، الآية 179.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org