بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 30 آب 2010م الموافق لليلة العشرين من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

التوحيد أصيل والشرك عَرَضيّ

«... فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَى عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغَوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَ دَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيم‏».
تقول مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) مشيرة إلى الحكمة من وراء بعثة الأنبياء ولاسيّما النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله): لقد تمّ الإعداد لبعثة نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) قبل خلق هذا العالم فقد خلق الله سبحانه وتعالى نوره وعيّنه لمهمّة ختم الرسل. وحينما اقتضت الحكمة الإلهيّة بَعَثه عزّ وجلّ في هذا العالم للنبوّة من أجل أن يطبّق على أرض الواقع ذلك التصميم الذي وضعه سبحانه للخلقة، خصوصاً خلقة الإنسان.
وحينما بُعث الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة واجه مشهداً عالميّاً كان العالم فيه بأسره يخوض في بحر الضلالة والجهالة والإبهامات. فالناس قد تشتّت مذاهبهم أشدّ ما يكون التشتّت واختلفت آلهتهم حتّى عكفت كلّ فرقة منهم على إله تعبده؛ وفي خضم ذلك شاب الإبهام طريقَ الله المستقيم ولم يعرف طالبوا الحقيقة سبيل السعادة القويم؛ ومن أجل هذا فقد بُعث النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لينهض بتلك المهمّة الخطيرة المتمثّلة بهداية الناس إلى الصراط المستقيم الذي يضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة. وهذه هي خلاصة ما أستُهلّت به المحاضرة من كلام الزهراء (عليها السلام).
ونرى أن ما هو مناسب لهذا البحث هو تحليل قضيّة افتراق الناس في أساليب العبادة وظهور أديان ومذاهب شتّى ومتضادّة. وبعض ما يمكن أن يطرح في هذا الصدد من أسئلة هو: منذ متى ظهر هذا الافتراق في الدين؟ وكيف وُلدت تلك الأديان والمذاهب المختلفة؟ وما هي الحلول التي خطّط لها الباري تعالى من أجل رفع مثل هذه الخلافات؟ وأخيراً ما هو الدور الذي اضطلع به نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) في مواجهة تلك الأديان والمذاهب المختلفة؟

التفسير المادّي لكثرة الأديان

هناك نظريّتان تبحثان في كيفيّة ظهور و تأسيس الأديان المختلفة. النظريّة الاُولى هي النظريّة التي يتبنّاها علماء الاجتماع؛ فمؤسّسو هذا العلم عموماً كانوا يتصفون بنزعات مادّية ولازال أكثر علماء الاجتماع الي الآن يحملون هذه الميول. يقول مؤسّس علم الاجتماع السيّد اوجست كُنت: ينقسم تاريخ حياة البشر إلى ثلاثة عصور: العصر الأوّل هو عصر الأساطير والسحر والشعبذة والدين. فالبشر في ذلك العصر لم يكونوا قد نالوا النصيب الكافي من العلم وما كانوا قادرين على تفسير وجود الظواهر المختلفة؛ ومن أجل ذلك فقد كانوا يستندون إلى عوامل ما وراء المادّة في تفسيرهم لها. أمّا العصر الثاني فهو عصر ظهور الفلسفة. فلقد عمد الفلاسفة إلى إسناد تلك الظواهر إلى الصور النوعيّة فقالوا: إنّ العالم يُدار بواسطة تلك العوامل الغيبيّة الكامنة في قلب هذا العالم. وقد كان ذلك حتّى تطوّرت العلوم التجريبيّة  وأقصت الفلسفة جانباً، وكلّما ازداد تطوّر العلم اتّضح المزيد من الحقائق، حتّى أدركنا أنّه لم يكن للأرواح، ولا للآلهة، ولا للعوامل الفلكيّة، ولا لغيرها أيّ دور يذكر في هذا المجال. لقد وضع كُنت الدينَ جنباً إلى جنب مع السحر والشعبذة والأساطير واعتبرها جميعاً منبثقة من مقولة واحدة. وقد ترعرع سائر علماء الاجتماع في بيئة من هذا القبيل.
ومن جملة المسائل التي يطرحها علم الاجتماع هي منشأ ظهور الدين حيث يدور البحث في هذا المجال حول أنّه هل كان البشر في بادئ الأمر يدينون بدين واحد ثمّ تشعّب بعدها إلى أديان شتّى، أم كانت هناك في البداية أديان متعدّدة وقد تمّ دمجُها فيما بعد مع بعضها لتصبح ديناً واحداً أو بضعة أديان؟ في عهد ما قبل الثورة الإسلاميّة ألقى أحد المجدّدين في الفكر، والذي كان يُعرف أحياناً كخبير في الشؤون الإسلاميّة، محاضرة مطوّلة في جامعة طهران تحت عنوان «التحليل الاجتماعي للشرك». تلخّصت هذه المحاضرة في أنّ البشر كانوا يعيشون في بادئ الأمر ضمن قبائل مختلفة وكان أفراد كلّ قبيلة يكنّون لرئيسها الاحترام. وبعد موت رئيس القبيلة كانوا أحياناً يتّخذون له رمزاً أو تمثالاً ويحتفظون به في مكان معيّن كتعبير عن احترامهم وإجلالهم له. وبمرور الزمان تحوّلت تلك التماثيل إلى أصنام، وشيئاً فشيئاً صارت لتلك الأصنام آداب ومناسك تحوّلت فيما بعد تدريجيّاً إلى ديانة خاصّة. من أجل ذلك فقد كان في البدء أديان كثيرة حيث كانت لكلّ قبيلة ديانة خاصّة تدين بها. لكنّه بعد التطوّر الذي شهدته الحضارة البشريّة وكما حاولوا التقرّب من بعضهم البعض في الاُمور السياسيّة والاجتماعيّة حتّى ضُمَّت المدن الصغيرة في مدينة كبيرة واحدة واُدغمت المدن إلى بعضها لتصبح دولة، فقد سعوا إلى الاتّحاد على صعيد الدين أيضاً فدُمجت الديانات المختلفة مع بعضها. ومن هنا فإنّ الخطّ البيانيّ يتّجه من الكثرة إلى الوحدة. وهذا هو أحد تفاسير ظهور الأديان حيث يرى أنّ الأديان بدأت من الكثرة واتّجهت نحو الوحدة.

التفسير الإلهيّ لكثرة الأديان

السبيل الاخري لتفسير هذه الكثرة هي الرجوع إلى المصادر الإسلاميّة والوحي والقرآن الكريم. فلننظر إذن ماذا يقول القرآن في هذا المجال. إنّ كلام القرآن الكريم يقع في الطرف المقابل تقريباً من كلام علماء الاجتماع. فعلى أساس التعاليم القرآنيّة فإنّ النوع البشريّ قد ظهر بخلق آدم وحوّاء (عليهما السلام) وأنّ آدم (عليه السلام) كان نبيّاً وموحّداً يعبد الله سبحانه وتعالى. ومن الطبيعيّ أنّه عندما يبلّغ هذا النبيّ للتوحيد وعبادة الله الواحد في مجتمعه الصغير المتكوّن من اُسرته فسوف ينتهج هؤلاء، الذين خُلقوا حديثاً، ويختارون نهج والدهم. والقرآن الكريم يصرّح بهذا الأمر في قوله تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ‏ِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ»1؛ كما وقد جاء في الحديث الشريف: «کانوا قبل نوح امة واحدة‌ علي فطرة الله»2؛ أي إنّ جميع البشر كانوا بادئ الأمر موحّدين. ثمّ يشير العزيز القدير إلى أنّ الاختلاف قد نشب بين البشر تدريجيّاً حتّى بعث الله الأنبياء كي يطرحوا منهاجاً للحياة البشريّة ويبيّنوا للبشر طريق السعادة. لكنّ فريقاً منهم، وبدافع البغي والتعالي والعدوان، كانوا قد أشاعوا الاختلاف في نفس هذا الدين الواحد الذي أنزله الله تعالى. ولا زال هذا الأمر مستمرّاً إلى يومنا هذا. فلقد انبثقت في كلّ من الأديان الكبيرة المئات من الفرق؛ فمذهب البروتستانتيّة في الديانة المسيحيّة لوحده قد تشعّب إلى خمسمائة فرقة أصليّة، وكذا الأمر في سائر المذاهب. يقول القرآن الكريم إنّ العامل الوحيد الذي يثير هذه الاختلافات هو تكالب مؤسّسي هذه الفرق على السلطة وحرصهم علي التعالي والبغي وهي امور تعود إلى الهوى الذي يؤدي الي تأسيس هذه الفرق: «فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ»3. فالقرآن الكريم يرى أنّ دين الحقّ كان واحداً، وأنّ جميع الأنبياء جاءوا ليبلّغوا نفس هذا الدين؛ بالطبع من الممكن أن يأتي أحد الأنبياء بأحكام معيّنة تتناسب مع زمانه فيأتي مَن بعدَه لينسخ بعض تلك الأحكام؛ إلاّ أنّ القرآن الكريم يُرجع جميع هذه الأديان إلى أصل واحد، واُسس ثابتة ويطلق عليها جميعاً اسم الإسلام. وقد كانت وصيّة الأنبياء عند رحيلهم عن الدنيا لذويهم ومقرّبيهم: «فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ»4. غير أنّ القرآن يعدّ هذه الاختلافات مقصودة ويرى أنّها ناشئة عن البغي، والطغيان، والتعالي، والتكالب على متاع الدنيا واللهث خلف السلطة وما إلى ذلك. فلو أنّهم غضوا الطرف عن تلك الاُمور لما نشب الاختلاف. فقد بيّن الأنبياء سبيل الحقّ بكلّ وضوح بحيث يتسنّى لكلّ طالب حقيقة أن يبلغها. غير أنّ البعض قد عمد إلى تعكير صفو المياه وتحريف دين الحقّ عن طريق إثارة الشبهات وإلقاء البدع. إذن حسب رأي القرآن الكريم فإنّ الرسم البيانيّ للاختلافات في الأديان يسير من الوحدة نحو الكثرة.

كيفيّة ظهور التحريفات

من اللافت للانتباه أنّ هذه التحريفات لم تكن في أوّل نشوئها على الشاكلة التي نراها عليها اليوم. فعلى سبيل المثال نجد اليوم أنّ الاعتقاد بالتثليث في الربوبيّة (الأب، والابن، وروح القدس) يشكّل ركناً من أركان المسيحيّة، بينما لم يكن لهذه المسألة وجود في المسيحيّة عند بزوغها كما وأنّها لم تظهر دفعة واحدة. ففي بادئ الأمر كان أتباع اليهوديّة، ثمّ تلاهم أتباع النصرانيّة، يستخدمون تعابير مجازيّة، كزعمهم أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى‏ نَحْنُ أَبْنَـٰؤُاْ اللهِ وَأَحِبَّـٰؤُهُ‏»5، فهذا التعبير هو تعبير شكليّ ومجازيّ. فقد قالت اليهود في عُزَيْر الذي عاد إلى الحياة بعد مضيّ مائة عام على موته: إنّه ابن الله: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ»6. وقد كان أولى بالمسيحيّين أن يدّعوا مثل هذا الادّعاء بالنسبة للمسيح (عليه السلام) إذ لم يكن له أبٌ جسمانيٌّ. لكنّ هذه الادّعاءات المجازيّة اتّخذت شيئاً فشيئاً طابع الجدّية حتّى صارت ركناً من أركان الدين. وقد حارب القرآن الكريم قضيّة اتّخاذ الله للولد محاربة شديدة. كما أنّهم عدّوا ـ من ناحية اخرى ـ الاُصول الحقيقيّة للدين مجازاً فصاروا يؤوّلونها حتّى حذفوها بالتدريج. لذا فإنّهم قد مارسوا التحريف في الدين من جانبين. وفي زماننا الحاضر توجد أيضا مثل هذه النزعات ولابدّ من توخّي اليقظة والحذر في هذا المجال.

إنّ تصوّرنا الابتدائيّ اليوم عن عبادة الأصنام هو أنّ عُبّادها يعتقدون بأنّ تلك الأصنام هي التي خلقت العالم؛ غير أنّ المسألة ليست بهذه البساطة. فأغلب المبتلين بالشرك كانوا يقرّون بشكل أو بآخر بوجود الخالق الواحد. فالقرآن الكريم يقول على لسان عبّاد الأوثان: «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى»7؛ أي إنّهم كانوا يعتقدون بوجود الله بعنوان كونه خالق السماوات والأرض. كما أنّ بعض عبدة الأوثان كانوا يعتقدون بأنّ لله بنات يحبّهن كثيراً وهنّ الملائكة. فكانوا يقولون: بما أنّنا لا نستطيع الاتّصال بهنّ فنحن نحترم هذه الأصنام لكونها رموزا تشير الي الملائكة؛ وإذ أنّ تلك الملائكة تُسَرّ من عملنا فإنّهم يشفعون لنا عند الله! وقد قيل أيضاً بخصوص عبدة النار في إيران: إنّهم يقدّسون النار بعنوان كونها رمزا للقداسة من أجل أن يرضى الله عنهم بسبب ذلك، ولم يكونوا يعتقدون بأنّ نفس هذه النار التي يضرمونها بأيديهم هي التي خلقت السماوات والأرض. بالطبع لقد كان هناك من لا يعتقد أصلاً بأيّ خالق بل يؤمن بنمط من أنماط النزعة الطبيعيّة، حيث يقول هؤلاء: «هذه الطبيعة كانت منذ الأزل مع كلّ ما فيها من تحوّلات، غير أنّ بإمكان بعض الأشخاص أن يكون لهم دور مؤثّر في تلك التحوّلات!». فنمرود وفرعون كانوا من جملة من قالوا بربوبية أنفسهم؛ لكنّهم ما كانوا يقولون بأنّ للعالم خالقاً. وخلاصة القول فليس معنى العبادة أنّ المعبود هو ذات الخالق.

التعدّدية الدينيّة؛ انحراف خطير

قد يصادف المرء أشخاصاً يحملون مثل هذه المعتقدات لكنّه يلاحظ عليهم النُّبْل وحبّ الخير للآخرين. فبعض المرتاضين، على سبيل المثال، يمشون حفاة الأقدام حاملين معهم مكنسة ناعمة يكنسون بها الطريق أمام أقدامهم باستمرار لئلاّ يطأوا نملة تمرّ من أمامهم! فهم إلى هذا الحدّ يحترمون الكائنات الحيّة. فعندما يشاهد المرء أمثال هؤلاء يتساءل بينه وبين نفسه: ألا يكون أشخاص كهؤلاء مع ما يتمتّعون به من صفاء الروح من أهل الجنّة؟
علينا أن نعلم أنّه إذا عاش الإنسان في ظروف معيّنة بحيث تيقّن أنّ الطريق المعوَج الذي يسلكه هو الطريق الصحيح من دون أن يحتمل خلاف ذلك فهو مُستضعَف وقد يغفر الله له، بشرط أن لا يكون قد قصّر في تشخيص الحقّ ويكون قد عمل ضمن حدود فهمه وإدراكه. بيد أنّ البعض يروّج للفكرة القائلة بأنّ عَبَدة الأوثان ليس أنّهم طاهرون فحسب، بل إنّهم من أهل الجنّة أيضاً. فدعاة مذهب التعدّدية في الدين يصرّحون بأنّه ليس هناك امتياز للشيعة على السنّة ولا للسنّة على الشيعة؛ وليس هناك فضيلة للمسلم على الوثنيّ ولا للوثنيّ على المسلم فإنّ «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». فكلّ واحد من تلك المذاهب يمثّل الصراط المستقيم، وإنّ لدينا عددا کبيرا من الصراط المستقيم و ليس صراطاً واحداً. فهذه الطائفة من عُبّاد الأصنام يحترمون الأصنام لاعتقادهم بتأثير هذا الاحترام في حياتهم. ورغم أنّ اعتقاداً كهذا هو اعتقاد خاطئ لكنّه لا يسوّغ لنا اتّهامهم بأنّهم يعبدون إلهاً آخر.
إنّ هذه هي إحدى النزعات الانحرافيّة. وكما أشرتُ سابقاً فإنّ مسألة التثليث في المسيحيّة قد ابتدأت كضرب من المجاملة وقول المجاز. وشيئاً فشيئاً عندما شاهدوا أنّه ليس لعيسى (عليه السلام) أب، قالوا: عيسى ابن الله. لكن لاحظوا الكيفيّة التي تعامل بها القرآن الكريم مع هذه القضيّة. إذ كان يمكنه القول: «إنّ لقب ابن الله الذي أطلقه النصارى على عيسى لم يكن إلاّ لقباً شكليّاً ومجازيا وما كانوا يقصدون من ورائه أنّ الله هو أبو عيسى في الواقع». فلو كان تعامل القرآن في هذا المجال بهذه الكيفيّة لتوطّدت علاقاتنا مع المسيحيّين أكثر ولتحقّقت التعدّدية الدينيّة أبكر. لكنّ القرآن يقول في هذا الصدد: «تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَداً»8. فالقرآن يقول في مقام الاحتجاج: فلننطلق من أصل مشترك واحد وهو أن لا نعبد إلاّ الله: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى‏ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاّ اللهَ»9، لكنّه يقول باُسلوب قاطع وحازم في مجال محاربة العقيدة الفاسدة: إنّ كلامكم هذا هو على جانب من الخطأ والقبح بحيث إنّ العالم بأسره يكاد يخرّ وينهار بسببه. فهل يسعنا مع هذه المعصية العظيمة أن نقول: إنّ هذه العقيدة تمثّل صراطاً مستقيماً كما تمثّل عقيدتنا نحن صراطاً مستقيماً أيضاً؟!
فصحيح أنّ القرآن الكريم يقول: «إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَـٰرَىٰ وَالصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»10، لكنّ هذه الآية لا تعني أنّه حتّى وإنْ بقي هؤلاء على لجاجتهم ولم يؤمنوا بنبيّ الإسلام ـ بعد بعثته بالرسالة، وإتمام الحجّة عليهم، وتجلّي حقيقة أنّ الدين الحقّ هو دين نبيّ الإسلام، وأنّ أحكام دينهم قد نُسخت ـ فإنّه لا فرق أيضاً بينهم وبين المؤمنين. فالآية ترمي إلى القول: إنّ الله يثيب المتّبع لأيّ دين إذا كان قد عمل بواجبه عندما كان يُراد منه اتّباع هذا الدين، لكنّه إذا لم يعمل طبقاً لتكليفه في حينها، فإنّه لن يذوق طعم السعادة حتّى وإن كان يُلَقّب بألقاب ضخمة ورنّانة.
علينا أن ندرك ونلتفت إلى أنّه من أهمّ واجباتنا هي مسألة الحفاظ على أصل الدين، والمذهب، والمعتقدات وإنّ العبء الأكبر فيما يتعلّق بهذا الواجب يقع على كاهل علماء الدين.

وفّقنا الله وإيّاكم


1. سورة البقرة، الآية 213.

2. بحارالانوار، ج 11، ص 10، باب معني النبوة و علة بعثة الأنبياء.

3. سورة الجاثية، الآية 17.

4. سورة البقرة، الآية 132.

5. سورة المائدة، الآية 18.

6. سورة التوبة، الآية 30.

7. سورة الزمر، الآية 3.

8. سورة مريم، الآيتان 90 و91.

9. سورة آل عمران، الآية 64.

10. سورة البقرة، الآية 62.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org