بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 31 آب 2010م الموافق لليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

رسالات النبي

«... فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَى عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغَوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيم»1.
بعد الإشارة إلى الحكمة من وراء بعثة الأنبياء، وعلى وجه الخصوص بعثة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) تُخبر الزهراء (سلام الله عليها) عن حال العالم في زمان بعثته (صلّى الله عليه وآله). في نهج البلاغة وعندما يقوم أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصف وضع سكان العالم في زمان بعثة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) فإنّه يشير إلى الأبعاد المختلفة للمجتمع البشريّ في ذلك الحين، العقائديّة منها والأخلاقيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة؛ لكنّ سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) تكتفي هنا ببيان الرذائل الدينيّة التي كانت سائدة آنذاك. وقد يُعلَّل ذلك بأن الهدف الرئيسيّ للزهراء (سلام الله عليها) من إلقائها لهذه الخطبة هو إتمام الحجّة بخصوص مسألة الرسالة وما يعدّ استمرارا لها، أي قضيّة الإمامة، ولم يكن ذكر مسألة فدك إلاّ ذريعة لأداء رسالتها (سلام الله عليها) والقيام بما يمكنها من دور لهداية الاُمّة؛ ذلك الدور الذي لم يكن بمستطاع أيّ أحد النهوض به. وسيتّضح في سياق الخطبة أنّ القضيّة التي حازت أهمّية أكثر من غيرها لدى فاطمة الزهراء (عليها السلام) والتي أكّدت عليها تأكيداً واضحا هي قضيّة خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّ ما نال اهتمامها في هذا الجانب هو دور الإمام في المجتمع بعد رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ألا وهو إكمال وإتمام رسالة النبيّ في الاُمّة. فبالإضافة إلى إبلاغ الوحي وتلاوة آيات الذكر الحكيم، كانت مهمّة تعليم آيات الله وتبيين وتفسير أحكامها تقع هي الاُخرى على عاتق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان قد أدّى هذه المهمّة بشكل تدريجيّ على مدى ثلاثة وعشرين عاماً تلت بعثته (صلّى الله عليه وآله)؛ لكنّه، وبسبب عمره الشريف القصير نسبيّاً والاُمور الجمّة التي كانت تشغله، لم تُتَح له الفرصة لبيان جميع الأحكام بشكل كامل، هذا مضافاً إلى أنّ تبيين الكثير من الأحكام كان يتطلّب ظروفاً خاصّة. لهذا فكما أنّ الله سبحانه وتعالى قد خطّط بتقديره العلميّ لبعثة الأنبياء واختتامهم بخاتم الرسل (صلّى الله عليه وآله)، فإنّه قد رسم خارطة لإستمرار مسيرة النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله) عبر إعداده لظهور اثني عشر من الأئمة المعصومين من بعده. كان جُلّ جهد الزهراء (سلام الله عليها) في هذه البرهة من الزمن مُنصبّاً على إفهام الناس هذه المسألة وهي أنّ رسالة النبيّ في تبيين أحكام الدين لم تنته بعد وأنّه لابدّ من وجود شخص يكون باستطاعته القيام بهذا الدور على أتمّ وجه وإنّ مهمّة تشخيص وتعيين شخص كهذا ليست هي ممّا يستطيع الناس القيام به. باختصار فإنّه لابدّ لخليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكون رجلاً معصوماً ويحمل علماً إلهيّاً كي يكون بمقدوره بيان حكم أيّ موضوع من جانب الله عزّ وجلّ.
من السهل علينا ونحن نعيش في هذا العصر أن ندرك مثل هذه المباحث؛ لكنّ فهم ذلك لم يكن بالأمر اليسير على أهل ذلك العصر. فالشخص الذي طرح نفسه في ذلك الحين كخليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يكن ملتزماً تطبيقيّا بالعمل وفقاً لآيات القرآن أو كلام النبيّ، فما بالكم بأن يعتقد الناس بضرورة كونه معصوماً ونسخة مطابقة للأصل عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله). ففي ظروف كهذه كان ينبغي طرح هذا الموضوع باُسلوب مدروس وموزون كي يكون له أبلغ الأثر. وانطلاقاً من هذه النقطة فإنّ إحدى غايات السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) من هذه الخطبة هو أن تبيّن للملأ أنّ هؤلاء المدّعين لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عاجزون حتّى عن حلّ أبسط المسائل الفقهيّة. ولتوضيح الأمر فهي تقول بادئ ذي بدء: إنّ فدك كانت هبة أعطانيها النبيّ وإنّ لديّ شهوداً على هذا المدّعَى وبما أنّني ذات يد فإنّ على الطرف الآخر وهو المدّعي أن يأتي ببيّنة على كلامه. ثمّ تطرح بعد ذلك مسألة الإرث فتقول: إذا أنكرت الادّعاء الأوّل وقلت إنّ الهبة غير ثابتة يتعيّن عليك أن تذعن بأنّ فدك هي من أموال النبيّ نفسه وأنا وريثته، وهذا إثبات آخر على أنّ فدك ملكي. فمسألة الفيء والإرث ليستا في باب واحد؛ لكنّ مولاتنا الزهراء (عليها السلام) قد احتجّت على القوم بهذه الكيفيّة كي تثبت لهم أنّ المدّعين لهذا الأمر ليسوا هم أهلاً له.

رسالتا النبيّ التعليميّة والتنفيذيّة

يجب الالتفات هنا إلى قضيّة أنّ للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) مهامّ عديدة وشؤوناً مختلفة. فأوّل مهامّه كانت إبلاغ الرسالة: «مَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاَغِ»2 وكان ينبغي في هذه المرحلة أن يعلّم الناس المعرفة الصحيحة والرؤية الصائبة، حيث لم يكن هناك أيّ معنى للإكراه والإلزام. ففي هذه المرحلة ينبغي أن يفهم الناس الحقّ وتقام الحجّة عليهم: «رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»3. فإذا قبل بعض الناس بهذه الشريعة وعزموا على العمل بأحكامها فستُلقى على عاتق النبيّ بعد إبلاغ الرسالة مسؤوليّة اُخرى ألا وهي إدارة المجتمع الإسلاميّ. فالمهمّة الاُولى كانت تتّسم بطابع تعليميّ، أمّا المهمّة الثانية فهي تتّخذ صبغة تنفيذيّة. فالقسم الأعظم من الأحكام الإسلاميّة يرتبط بالمسائل الاجتماعيّة وإنّ الأخيرة بحاجة إلى منفّذ ومدير وقائد. وهذه الوظائف بعينها سوف تُلقَى على عاتق خليفته من بعده أيضاً. نستنتج من ذلك أنّ المهمّة الأساسيّة لخليفة النبيّ ستكون بيان الأحكام وإتمام الحجّة على الناس. لكنّه من الممكن في هذه المرحلة أن لا يقبل الناس بكلامه؛ وفي هذه الحالة لن يكون مكلَّفاً بأيّ واجب في هذا المجال؛ لكنّه إذا قبل الناس وقالوا: نحن على استعداد للعمل بأوامرك، فستُعهد إليه مهمّة اُخرى ألا وهي مسألة الإمامة على الصعيد العمليّ والتنفيذيّ. إنّه في مرحلة كهذه يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر... لألقيتُ حبلَها على غارِبِها»4؛ أي لولا أنّ الناس قد حضروا وتعهّدوا بالنصرة لَما قبلت بالخلافة؛ وفي ذلك إشارة إلى المهمّة الثانية. بالطبع إنّ مشروعيّة هذه المهمّة قد عُيّنت مسبقاً من قِبل الله تعالى؛ لكن بما أنّ الناس لم ينصروه ولم يبايعوه قبل ذلك الحين فإنّه لم تكن على عاتقه أيّ مسؤوليّة.

حفظ القيم الدينيّة هي من واجبات الحكومة الإسلاميّة

الذين ينكرون اليوم حكومة الوليّ الفقيه فإنّهم في الحقيقةـ يخلطون بين هذين المبحثين ويجعلون الأمر مبهماً؛ فهم يقولون: ليس للحكومة أن تُلزم الناس بالعمل بأحكام الإسلام لأنّ القرآن يقول: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»5، والحال أنّ هذه الآية تتعلّق بالقبول بأصل الدين. إذ أنّ قوام أصل الدين هو الإيمان القلبيّ وهو ما لا يمكن إيجاده بالإكراه والقوّة. لكنّه عندما يقبل جماعة من الناس بالدين اختياراً، فإنّه لا يعود الموضوع مرتبطاً بهذه الآية كي يتّخذ حكمها، بل إنّ الدور هنا يكون قد وصل إلى تنفيذ الأحكام الإسلاميّة وإنّ تنفيذ الأحكام الاجتماعيّة للدين يحتاج إلى مسؤول ومدير تنفيذيّ، وهي مسألة جديدة تماماً. ومن هذا المنطلق فإنّه إذا حاول البعض، بعد تشكّل المجتمع الإسلاميّ والقبول بقيادة وليّ أمر المسلمين، القيام بانقلاب عسكريّ فلابدّ حينئذ من التصدّي لهم واستخدام القوّة في ردعهم، وهذا هو عين ما قام به أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب الجمل وصفّين والنهروان. ففي مقام تنفيذ الأحكام الجزائيّة لابدّ من قطع يد السارق إذا سرق؛ فليس من المنطق أن نقول للسارق: تعال لنقدم لك درسا في الأخلاق وندخلك في دورة ثقافيّة! فإنّ من جملة وظائف الحكومة الإسلاميّة هي صيانة القيم الإسلامية والمُثُل الدينيّة، حيث يتعيّن أن يكون ظاهر المجتمع المسلم ظاهراً إسلاميّاً يرضى به الله عزّ وجلّ، ومن هنا لابدّ من قمع عوامل الفساد الأخلاقيّ والجنسيّ في المجتمع. نعم إذا ارتكب أحدهم ما يخالف الشرع في السرّ وفي ضِمن حريمه الشخصيّ الخاصّ، فلن يصنَّف ذلك أصلاً ضمن المسائل الاجتماعيّة ولن يتعرّض للمُساءلة الحکومية.

الظلم والتعالي عاملان لإنكار الحقّ

تصف الزهراء (سلام الله عليها) في هذه الخطبة أحوال الزمان في فترة بعثة النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة؛ لكنّه لمّا كانت بغيتها تبيين خصوصيّات النبيّ وسمات خليفته من بعده فقد اكتفت بالإشارة إلى ما كان سائداً من أنماط الرذائل الدينيّة حينها.
تقول سيّدتنا الزهراء (عليها السلام): «فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا» ففي زمان بعثة النبيّ كانت أديان الناس متفرّقة ومذاهبهم شتّى، «عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا»؛ فجماعة كانت عاكفة على عبادة النار في المعابد المخصّصة لذلك، «عَابِدَةً لأَوْثَانِهَا»؛ وطائفة يؤمّون معابد الأصنام لعبادتها، «مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا»؛ وفرقة أنكرت الله بعد أن عرفته. ولعلّ في هذه الجملة إشارة إلى المعرفة الفطريّة بالله تبارك وتعالى الموجودة عند جميع البشر، أو قد يراد منها معنى أرقى وهو أنّ هؤلاء الناس، وعلى الرغم ممّا كانوا يتمتّعون به من أشكال المعرفة الظاهريّة التي أتمّت الحجّة عليهم، فقد أنكروا الله. إنّ من الصعب على المرء أن يصدّق بفرض كهذا؛ وهو أن ينكر الإنسان شيئاً على الرغم من معرفته به. لكنّ هذا ليس ممّا يثير العجب كثيراً؛ فنحن نشاهد في حياتنا اليوميّة نماذج من هذا القبيل، فقد يتفلّت المرء أحياناً من قبول الحقيقة مخافة أن يُخدش كبرياؤه، أو من أجل الحصول على مكسب معيّن أو التهرّب من مسؤوليّة ما. وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من هؤلاء؛ فعندما بُعث موسى وهارون (على نبيّنا وآله وعليهما السلام) بالنبوّة وذهبا إلى فرعون يدعوانه، وقالا له: إنّنا من جانب الله ربّ العالمين، التفت فرعون إلى الملأ فقال: «مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيرِْي»6، قال موسى (عليه السلام): «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»7؛ أي إنّك تعلم يقيناً أنّ هناك ربّا للسماوات والأرض وأنّه هو الذي أوجد هذه المعجزات. فأيّهما كان يقول الحقيقة؟ إنّ من المسَلّم به أنّ موسى (عليه السلام) لا ينطق بالكذب؛ أي إنّ فرعون كان يعلم بذلك. إذن فلماذا أنكر؟ يقول عزّ من قائل: «وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً»8. فهناك عاملان هما اللذان يدفعان البشر إلى إنكار ما يعرفونه؛ أحدهما التطاول على حقوق الناس ظلماً وعدواناً، والآخر محاولة التعالي على الآخرين والتسلّط عليهم. فهذان الدافعان النفسيّان من شأنهما أن يقودا المرء إلى إنكار ما يعرفه. وقد يوجد هذان العاملان فينا نحن أيضا؛ فحينما لا يقنع المرء بحقوقه، ويحبّ أن يقول للآخرين، سواء عن غير وعي أو عن نصف وعي أو عن وعي كامل: إنّني أفضل منكم! فهو في الحقيقةـ ينكر حقّ الآخرين.
يقول القرآن الكريم: «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً»9؛ فالسعادة الاُخرويّة هي من نصيب من لا يصبوا إلى التعالي على عباد الله عزّ وجلّ. فجذور جميع المفاسد الاجتماعيّة تكمن في رغبة الإنسان في العلوّ على الناس، وهذه الصفة هي من موجبات فساد المرء وتعاسته. فأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في هذا المجال: «إنّ حبّ الرجل أن يكون رباط حذائه أفضل من رباط حذاء غيره هو من طلب العلوّ»10. فإنّ ما جعل من فرعون فرعوناً هي خصلة التعالي والتعجرف تلك؛ فالباري عزّ وجلّ يقول في محكم كتابه الكريم: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ»11. فأصل جميع المفاسد هو في تلك الكلمة. فإذا لم نحبّ أن نكون فرعونيّين فما علينا إلاّ أن ننأى بأنفسنا عن السعي خلف العلوّ والتكبّر وأن نجتهد، عوضاً عن ذلك، في أداء ما علينا من واجبات. نستخلص من ذلك أنّ قول الزهراء (عليها السلام): «مُنكِرَةً للهِ مَعَ عِرفَانِها» ينطلق من هذه النقطة وهي على الرغم من معرفة البعض بالله فلو انهم ارادوا طاعة الله فانّ رغبتهم في التعالي لن يتمّ اشباعها.

الحكمة، والموعظة، والجدال بالتي هي أحسن هي وسائل التعليم

إذن فما الذي كان ينبغي للنبيّ فعله في ظروف كهذه؟ «فَأَنَارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَى عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا» فقد بدّل الله بمحمّد (صلّى الله عليه وآله) الظلمات إلى نور، ورفع الإبهامات عن القلوب، وأزاح الحجُب القاتمة عن الأبصار. «وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغَوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ»؛ فالسلاح الوحيد الذي يمكن استخدامه من أجل هداية الناس هو بيان الحقائق. لقد استخدم النبي في هذه السبيل ثلاثة أصناف من الأسلحة، فقد أمره القرآن في هذا المجال بهذا الأمر: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»12؛ فهو يأمره أوّلاً بأن يُشفع حديثه بالدليل المتقن كي لا يتسنّى للناس إنكار كلامه بسهولة. لكنّ هذا الاُسلوب غير كاف لوحده من أجل تربية الناس؛ ذلك أنّه أوّلاً: ليس لجميع الناس القدرة على التمييز بين الدليل الصحيح والغير الصحيح، وثانياً: قد تقبل أذهانهم بالدليل من دون أن تميل إليه قلوبهم. لهذا فلابدّ من القيام بما من شأنه أن يحفّز دوافع الناس إلى القبول بالحقّ، والموعظة هي التي تتصدّى لهذا الدور الخطير. فالموعظة تحرّك الأحاسيس والعواطف وتحفّز لدى المرء الدافع للعمل بما يعلم والاجتهاد في سبيل فهم الحقيقة. فالموعظة تتعامل مع القلوب أمّا الاستدلال فيخاطب الأذهان والعقول. لكنّ الأمر لن ينتهي بالموعظة أيضاً. فقد تُطرح في مقابل الأدلّة المتقنة شبهات تجعل عمليّة القبول بالدليل عسيرة، وهذا ما يُبتلى به شبابنا اليوم أشدّ الابتلاء. فقد أدرك الأعداء أنّ المانع الوحيد الذي يقف أمام تقدّمهم وتسلّطهم الظالم على العالم هو الإسلام، وأنّ الرمز الذي يمثّل الإسلام في عصرنا الحاضر هو ولاية الفقيه؛ ولهذا فهم يسعون بشتّى الوسائل للنيل منها ومحوها من الوجود. لكن كيف يجب التعامل مع هذه المعضلة؟ فمن أجل محاربة هذه الظاهرة يتحتّم علينا طرح الشبهات والإجابة عليها بغية إقناع الطرف المقابل؛ وهذا هو ما يُدعى بـ«الجدال». فالمراد من الآية: «وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» هو: ينبغي ان تطرح الشبهات، ثمّ تجيب عليها حتّى يقتنع المخاطب بكلامك. فقد لا يكون الجواب المعطى برهانيّاً لكنّه يكون مُقنعاً للطرف المقابل، وهذا هو الجدال بالتي هي أحسن.
فهذه الطرق الثلاثة هي التي يمكن من خلال الإفادة منها رفد الناس بالرؤية الصائبة أو إتمام الحجّة عليهم على الأقل. ولحدّ هذه اللحظة فإنّ كلامنا ما زال يدور حول أصل الإسلام وتوضيح الدور الأوّلي للنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في مواجهته للظلمات وبُهَم الشبهات؛ أمّا المسائل المتعلّقة بإدارة المجتمع الإسلاميّ وتنفيذ أحكام الإسلام الاجتماعيّة فإنّها تُطرح بعد أن يعتنق مجموعة من الناس الإسلام وبعد أن يعتقدوا بالأحكام الاجتماعيّة له. وحينئذ فقط يأتي الدور لطرح المباحث الاُخرى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة المائدة، الآية 99.

3. سورة النساء، الآية 165.

4. نهج البلاغة، الخطبة 3.

5. سورة البقرة، الآية 256.

6. سورة القصص، الآية 38.

7. سورة الإسراء، الآية 102.

8. سورة النمل، الآية 14.

9. سورة القصص، الآية 83.

10. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «إنّ الرجل ليُعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها أي تحت الآية: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً»، (تفسير نور الثقلين، ج4، ص144).

11. سورة القصص، الآية 4.

12. سورة النحل، الآية 125. 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org