بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 2 أيلول 2010م الموافق لليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

لقاء الحبيب

«ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَرَغْبَةٍ وَإِيْثَارٍ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ فِي رَاحَةٍ، قَدْ حُفَّ بِالْمَلائِكَةِ الأَبْرَارِ، وَرِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَمُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، صَلَّى اللهُ عَلَى أَبِي نَبِيِّهِ وَأَمِينِهِ عَلَى الْوَحْيِ وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه‏»1
بعد شهادة السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) برسالة أبيها (صلّى الله عليه وآله) وبيان الدور الذي نهض به في هداية الناس تقول: «ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَرَغْبَةٍ وَإِيْثَارٍ». وقد ذهب بعض شُرّاح الخطبة الشريفة إلى أنّ الرغبة والإيثار في كلامها (سلام الله عليها) كانا من جانب النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بمعنى: انّ الله قد قبض روحه برأفة وهو قد نبذ الدنيا ورجّح الحياة عند الله على الحياة الدنيا؛ أي لم تكن ثمّة بوادر عدم الرضا عند أيٍّ من الطرفين. فالله عزّ وجلّ من جهةـ أراد أخذه من عالم الدنيا وإنقاذه من ابتلاءاته، وهو أيضاً من جهة اخرى ـ كان راغباً في الإياب إلى الله مختاراً له. ثمّ تُضيف (عليها السلام): فقد ارتاح أبي من تعب هذه الدنيا وهو محاط بملائكة الله الأبرار ومشمول برضوان الربّ الغفّار ليذهب إلى جوار الإله المتعال. ثمّ تصلّي بعد ذلك على أبيها بهذه الكيفيّة: «صَلَّى اللهُ عَلَى أَبِي نَبِيِّهِ وَأَمِينِهِ عَلَى الْوَحْيِ وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه‏».

السيّدة السماويّة

نستشفّ من هذه العبارات بضعة اُمور؛ منها: انّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان راغباً في لقاء ربّه ولم يكن ذلك مفروضاً عليه. لكنّ الأهمّ من ذلك هو قولها (عليها السلام): إنّه (صلّى الله عليه وآله) كان قد ارتاح من تعب الدنيا وهو محاط بملائكة الله. وليس لأحد قول ذلك إلاّ أن يمتلك من العلم ما يفوق الذي عند الأشخاص العاديّين منه. فمعنى قولها هذا هو: انّني أعلم، بل لقد رأيت أنّ الملائكة كانت تحفّ به. فكأنّها أرادت أن تشير في قولها هذا إلى: أنّ ما نعرفه نحن وما لدينا من المعلومات ليس هو من سنخ ما لديكم.

لقاء الله وسؤاله طولَ العمر

يا ترى هل يتعيّن على الإنسان أن يحبّ الموت والانتقال عن هذا العالم، وأن يجتهد دوماً في طلب الموت؟ أم على العكس، لابدّ أن يحبّ الحياة الدنيا، على الأقلّ بعنوان كونها نعمة معطاة من الله، فيكون نتيجة لذلكـ كارهاً للموت؟
عند التفتيش في كلمات أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) نلاحظ حيناً ـ ما يدلّ على أنّهم كانوا شديدي الرغبة في لقاء الله، والذي تستلزمه هذه المرتبة من اللقاء هو الرحيل عن هذا العالم. لكنّنا نلاحظ ـ حيناً آخرـ في بعض أدعيتهم (عليهم السلام) أنّهم كانوا يسألون الله طول العمر. ويبدو للوهلة الاُولى، إذا نظرنا إلى المسألة نظرة سطحيّة، أنّ الجمع بين هذين الأمرين مشكِل بعض الشيء. فعندما يطرق مسامعنا أنّ الزهراء (سلام الله عليها) كانت تدعو الله أن يقبض روحها، أو أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد دعا الله عزّ وجلّ أن يأخذه ويخلّصه من هؤلاء القوم، فقد نتوهّم أنّ حالة الضيق التي حلّت بهما كانت من الشدّة بحيث دفعتهما إلى الرضا بموتهما! لكنّ تصوّراً كهذا لا يعدو كونه تصوّراً ساذجاً.
بعض آيات الذكر الحكيم تدلّ على أنّ من صفات أولياء الله تمنّي الموت. فمن أجل إثبات كذب مَن يزعم كاذباً أنّه وليّ لله يقول القرآن الكريم: «قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِين»2؛ حيث يُستشفّ من ذلك أنّ كون المرء وليّاً لله هو ملازم لتمنّي الموت. إذن فتمنّي أولياء الله للموت ليس هو للخلاص من العذاب والبلاء والمعاناة.
يقول الباري عزّ وجلّ في حديث قدسيّ: «لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل مخلصاً لي حتّى اُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها»3. فعندما تعظُم عبادة العبد لربّه ويسلّم له تسليماً محضاً لا تعود له إرادة من نفسه، ولن تمرّ عليه لحظة من دون التفكير بما يريد الله منه كي يبادر إلى إنجازه، فهو لا يفكّر بما تريده نفسه. فإذا بلغ هذا المبلغ فانّ الله سيصبح عينه وسمعه، وسيعتني عناية خاصّة بتدبير شؤونه. ولا ريب أنّ الأئمّة الأطهار (سلام الله عليهم أجمعين) هم المصداق الأبرز لهذا المعنى، فهم لا يشاءون إلاّ ما يشاء الله. فقد ورد في الخبر أنّ: «قلوبنا أوعية لمشيّة الله فإذا شاءَ شِئنا»4. فالذين لا يريدون شيئاً من أنفسهم ولا يرغبون إلاّ أن يكونوا عباداً لله فإنّ الله يجعل من قلوبهم أوعية لمشيئته؛ بمعنى أنّ كلّ ما يريده الله يتبلور في قلوبهم. وفي هذه الحالة سيتولّد لديهم، بمعونة الإلهام الإلهيّ، اطمئنان من أنّ كلّ ما يخطر في قلوبهم فهو متناغم مع مشيئة الله. فإذا سأل أمثال هؤلاء الموتَ أو الحياة فمعناه أنّ الله هو الذي أراد ذلك.

هل الرغبة في الموت حسنة أم سيّئة؟

اُصولاً، هل الإنسان بالفطرة طالب للحياة أم للموت؟ لا شكّ ولا ريب أنّ الإنسان يحبّ وجوده ويرغب في كمال نفسه، فهو لا يرضى بالنقص أو الفناء بأيّ حال من الأحوال. لكنّ البعض يتصوّر أنّ وجوده وحياته متمثّل في هذه الحياة الدنيا، وأنّ الموت هو عدم وفناء. فإن كانت رؤية المرء هي هذه فهو لن يتمنّى الموت إطلاقاً وسيتمنّى البقاء على قيد الحياة أطول ما يمكن. وقد يتوهّم إنسان كهذا، بسبب ما يقاسيه من مشاقّ الحياة، أنّه سيرتاح من هذه المحن ويهدأ باله إذا فارق الدنيا، ممّا قد يدفعه إلى الانتحار. غير أنّ هذا التفكير خاطئ؛ هذا وإنْ كان الإنسان، حتّى في هذه الحالة، يسعى وراء راحته أيضاً. لكنّه على أساس الرؤية المادّية، فإنّه ما من وجه معقول أبداً لمحبّة الموت.
أمّا إذا اعتقد المرء بوجود عالم آخر بعد هذا العالم، وأنّ العالم الآخر ليس أنّه يمثّل جزءاً من الحياة فحسب، بل إنّ الحياة الحقيقيّة هي فيه: «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»5، وأنّ لذّات ذلك العالم غير قابلة للقياس مع لذّات هذه الحياة الدنيا، فبطبيعة الحال سيحبّ مثل هذا الإنسان الحياةَ في ذلك العالم أكثر، لاسيّما إذا حظي بنفحة من الحبّ لله تعالى وهو يعلم أنّ انتفاعه من المظاهر الإلهيّة سيزداد في ذلك العالم، فسيكون لقاء المحبوب ذا قيمة أكبر بالنسبة له وسينتاب قلبه الشوق للوصول إليه. وهذه علاقة طبيعيّة. فإن كان المرء رفيقاً لله، فسيحبّ لقاءه عزّ وجلّ. فمن غير الممكن أن يحبّ المرء أحداً ولا يحبّ لقاءه، لأنّه في هذه الحالة لن يكون صادقاً في محبّته.

سرّ بُغض الموت

لو أنّنا فتّشنا في أعماق قلوبنا لاكتشفنا أنّنا غير راغبين في الرحيل عن هذا العالم على الرغم من اعتقادنا بعالم الآخرة وأوصافه ومحبّتنا لله وأهل البيت (عليهم السلام). بل إنّ اسم الموت قد يزعج البعض أحياناً، وإذا شاهد أمثال هؤلاء من يحبّ الموت اعتبروه إنساناً غير سويّ ومصاب بخلل نفسيّ. فما السرّ وراء هذه الحالات؟
سأل رجل أبا ذرّ فقال له: يا أبا ذرّ ما لنا نكره الموت؟ قال: «لأنّكم عمّرتم الدنيا، وخرّبتم الآخرة فتكرهون أن تنتقلوا من عمران إلى خراب»6. فالناس العاديّون على الرغم من اعتقادهم بوجود الآخرة وما فيها من الأجر، إلاّ أنّهم يخشون الموت لأنّهم لا يعلمون إن كانوا سيصيبون هذا الثواب أم لا.
أمّا الوجه الآخر لهذا القلق، الذي يبدو معقولاً أكثر، فهو رغبتنا في التزوّد بالمتاع من أجل الآخرة والتكفير عن الذنوب، فعندما نشاهد خطوات الموت تقترب منّا نشعر بضياع هذه الفرصة من أيدينا. فنحن نودّ لو بقينا على قيد الحياة كي نأتي بالمزيد من الصالحات ونعوّض عمّا فاتنا خلال أعمارنا. فهذان العاملان المتضادّان؛ وهما جاذبيّة النعم الاخرويّة والقرب الإلهيّ من جهة، وتمنّي الإتيان بصالح الأعمال من جهة اُخرى تؤثّر فينا دوماً تأثيراً متضادّاً. فالأوّل يدفع باتّجاه حبّ الموت، والآخر يسوق صوب حبّ الدنيا. وقد يتساوى أحياناً هذان العاملان في القوّة إلى درجة التردّد بينهما إذا كان لابدّ من اختيار أحدهما.
في حديث قدسيّ معتبر يقول الباري جلّ وعلا: «ما تردّدتُ في شي‏ءٍ أنا فاعله ما تردّدت في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابدّ له منه»7؛ فأنا أعلم ـ من ناحيةـ أنّ خير المؤمن يكمن في الرحيل عن هذه الدنيا لكنّه يكره الموت، وأنا لا اُريد إيذاءه والإساءة إليه. بطبيعة الحال إنّ الله لا يتردّد في شيء، لكنّ تعبيراً كهذا يشير إلى أنّ الحكمة من وراء الأمرين هما على جانب من التشابه والتساوي ممّا يدعوا إلى التردّد. والمُلفت للنظر أنّه على أساس هذه الرواية ورد دعاء تُستحبّ قراءته عقيب كلّ صلاة: «اللهمّ إنّ رسولك الصادق المصدّق صلواتك عليه وآله قال إنّك قلت ما تردّدت في شي‏ء أنا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، اللهمّ فصلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل لأوليائك الفرج والنصر والعافية ولا تسؤني في نفسي»8، فإنّ مَن يواظب على هذا الدعاء بعد كل فريضة يجنّبه الله تعالى موت الفجأة.
إذن على أساس إيماننا فإنّه يتحتّم علينا ـ أصالةً ـ حبّ الآخرة؛ لكنّنا، على أيّ حال، مبتلون بالقصور والتقصير ونرجو أن نتمكّن من جبرانه قدر المستطاع؛ ولهذا فإنّنا لا نحبّ الموت كثيراً. ومن هنا فإنّ عدم حبّ الموت بالعرض معقولٌ أيضاً بالنسبة للمؤمن؛ وبالطبع فإنّ طلب طول العمر إذا ترافق مع السلامة في الدين فهو أمر معقول. فهذه نعمة يمنّ الله بها على الإنسان بحيث يمنحه فرصةً أكبر للطاعة.

الدنيا سجن العاشق

إذا كان المرء محبّاً لله حقّاً فسيكون البقاء في الدنيا مطلوبه بالعرَض، وهذا البقاء سيكون بمثابة الرياضة بالنسبة له. فالمحبّ يحبّ وصل الحبيب؛ أمّا إذا كان المحبوب هو الراغب بالفراق فإنّه يقدّم مشيئة المحبوب على مشيئته. فإن قال له: إذهب! فلا بأس بتحمّل فراقه لبضعة أيّام اُخر؛ لكنّ الفراق شاقّ عليه، ولابدّ أن يتجشّم عناءه كرياضة روحيّة. فالمؤمن أصالةًـ يحبّ قرب الله تعالى، ولا يودّ فراقه ولو للحظة واحدة. فهو يحبّ أعلى درجات القرب من الله عزّ وجلّ ولا يتيسّر مثل هذا القرب في هذا العالم؛ فمادامت الروح متعلّقة بالبدن ومشغولة بتدبير شؤونه فلن تستطيع الاستغراق دوماً في مشاهدة المحبوب والالتذاذ بقربه. فمن لوازم هذا الاشتغال بالمحبوب أن لا تتوجّه الروح أساساًـ للبدن وأن تنسى الطعام والشراب بل والتنفّس أيضاً. ولعلّ ما ذُكر هو أحد مصاديق الموت الاختياريّ. ومن هذا المنطلق فإنّ البقاء في الدنيا بالنسبة لهؤلاء يُعدّ رياضة.
إذن فالجواب على سؤال أنّه: هل على الإنسان أن يحبّ الموت أم البقاء في الدنيا؟ هو كالتالي: بالنسبة لأولياء الله المخلَصين الذين لا يساورهم شكّ في أنّهم إذا فارقوا الدنيا فسيُشمَلون بالعنايات الإلهيّة الخاصّة، فلا ريب أنّ مرادهم الحقيقيّ والأصيل هو بلوغ ذلك العالم وإنّ بقاءهم في هذه الدنيا هو بمثابة تجشّم مشقّة الرياضة الروحيّة لا غير. فأمير المؤمنين (سلام الله عليه) يقول: «والله لابنُ أبي طالب آنَس بالموت من الطفل بثدي اُمّه»9؛ أي: من جهتي، فإنّ البقاء على قيد الحياة هو بالعرَض وبمنزلة الرياضة وأنا أقبل به لأنّ إرادة الله تعالى هي التي تقتضيه، وإلاّ فإنّي راغب بالرحيل إلى ذلك العالم كي يتسنّى لي الاُنس بالله أكثر.
أمّا إذا أراد المؤمن أن يعمّر في الدنيا أكثر، فلا ضير في ذلك. فما دمنا نشكوا التقصير ولا ندري إذا كان قد تمّ تلافيه أم لا، فنحن نرجو أن يشملنا الله ببركة اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) والمشاركة في مجالس ذكرهـ بعنايته بل ويوفّقنا للتوبة وجبران ما فات كي نكون على اُهبة الاستعداد للرحيل نحو الآخرة. فمثل هذا الطلب في إطالة العمر المترافق مع العبادة وأداء التكليف هو أمر مطلوب؛ لكنّ مطلوبيّته هي أمر ثانويّ؛ أي ما دام أنّه يؤدّي إلى إعمار الآخرة فهو مطلوب؛ فإن رجى المرء طول العمر من أجل الاستمرار في أخطائه وآثامه، فلن يكون هذا الأمر مطلوباً.
من هنا فإنّ السرّ في محبّة المؤمن الحقيقيّ للموت هو أنّ الاُنس مع المحبوب ومشاهدة تجلّياته وكذا الاُنس مع أولياء الله الصالحين هو أكثر يسراً في ذلك العالم. يروي المرحوم الشيخ غلام رضا فقيه الخراسانيّ وهو من كبار علماء يزد خبراً مفاده: أنّ المؤمنين في الجنّة يكونون متنعّمين بنعيم ربّهم فإذا بنور ساطع يملأ سناه أرجاء الجنّة، فتصيبهم الدهشة من شدّة ابتهاجهم لرؤية ذلك النور. فإذا انتهت حالة الدهشة سألوا: ما كان ذلك النور؟ فيقال: كان ذلك بفعل ابتسامة فاطمة (سلام الله عليها) في وجه أمير المؤمنين (عليه السلام). فبشعاع لحظة خاصّة من الحياة المشتركة لفاطمة وعليّ (عليهما السلام) يتنعّم هؤلاء المؤمنون أيضاً. أليس ذلك ممّا يُحَبّ ويُرجى؟ ألا ينبغي للمرء أن يتمنّى الذهاب إلى حيث يتنعّم بمثل هذا النعيم؟

محبّة أهل البيت (عليهم السلام) أفضل رأسمال

لكنّ المشكلة هي: أنّى لنا أن نعلم أنّه سيُفسح لنا المجال بالذهاب إلى هناك؟ فأكثر ما يدعو إلى الأمل والرجاء هو حبّ أهل البيت (عليهم السلام)، وليس صلواتنا أو صيامنا أو عباداتنا؛ فليس من المعلوم أنّها ستُقبل. فنحن لم نكتسب هذه المحبّة ولم نَشْقَ من أجلها، بل إنّها هديّة من الله تعالى. نسأل الله أن يُعلي من درجات آبائنا واُمّهاتنا وأساتذتنا وعلمائنا بأن هيّأوا لنا مقدّمات هذه المعرفة وهذا الحبّ؛ أمّا المحبّة نفسها فهي هدية ربّانية، ويمكننا القول: اللهمّ إنّ هذا الحبّ الذي وهبتَنا أنت إيّاه علامة على أنّ إرادة خيرٍ موجودة فينا؛ فاجعلنا ببركة أهل بيت نبيّك (عليهم السلام)، محطّ مغفرتك ورحمتك، بمشيئتك يا ربّ العالمين.


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة الجمعة، الآية 6.

3. إرشاد القلوب، ج1، ص91.

4. بحار الأنوار، ج25، ص336.

5. سورة العنكبوت، الآية 64. 

6. إرشاد القلوب، ج1، ص182.

7. بحار الأنوار، ج67، ص16.

8. مكارم الأخلاق، ص284.

9. بحار الأنوار، ج28، ص234.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org