بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 3 أيلول 2010م الموافق لليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

كتاب الله

«... ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ، وَقَالَتْ: أَنْتُمْ عِبَادَ اللهِ نُصُبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ، وَأُمَنَاءُ اللهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبُلَغَاؤُهُ إِلَى الأُمَمِ حَولَكُمْ، وَزَعِيمُ حَقٍّ له فِيكُمْ، وَعَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَهَا عَلَيْكُمْ، كِتَابُ اللهِ النَّاطِقُ، وَالْقُرْآنُ الصَّادِقُ، وَالنُّورُ السَّاطِعُ، وَالضِّيَاءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْيَاعُه، قَائِدٌ إِلَى الرِّضْوَانِ اتِّبَاعُهُ، مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ اسْتِمَاعُهُ، بِهِ تُنَالُ حُجَجُ اللهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَعَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَمَحَارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ، وَبَيِّنَاتُهُ الْجَالِيَةُ، وَبَرَاهِينُهُ الْكَافِيَة»
تنقسم الخطبة المباركة لسيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) إلى بضعة أقسام عامّة، القسم الأوّل منها يتضمّن الحمد لله والثناء عليه والشهادة برسالة النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله) مع بيان الدور الذي نهض به (صلّى الله عليه وآله) في هداية الناس، وهو ما تمّ توضيحه لحدّ الآن. ثمّ توجّه (عليها السلام) خطابها إلى الناس لتعرّج، بعد توضيح المسؤوليّات الملقاة على عاتقهم، على بيان بعض أوصاف القرآن الكريم وجانب من أسراره العامّة، وهذا بمجموعه يشكّل القسم الثاني من الخطبة.

العبوديّة لله؛ أوّل حقّ لله علينا

«أَنْتُمْ عِبَادَ اللهِ نُصُبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ». كان يمكن للزهراء (سلام الله عليها) عوضاً عن قولها: «عباد الله» أن تقول: «أيّها المؤمنون»، أو: «أيّها المهاجرون والأنصار»؛ لكنّها قالت: «عباد الله»، ولعلّ الالتفاتة من وراء هذا الاختيار هي تنبيه القوم بدايةً إلى مسؤوليّتهم المتمثّلة في العبوديّة قائلة لهم: يجب على العبد أن يكون مطيعاً لمولاه. فليست القضيّة أنّكم مستقلّون، وبوسعكم التصرّف وفقاً لرغباتكم، وتأمير من تشاءون من الخلق عليكم، بل يجب أن تنظروا فيما كلّفكم الله تعالى به.
«النُّصُب» هي جمع «نُصْب» وهو ما برز أمام العين، ونَصْب العلامة أيضاً مشتقّ من هذه المادّة حيث قد تكون له مآرب شتّى؛ فحيناً يتمثّل بعلامات المرور المنصوبة في الشوارع من أجل هداية مستخدمي الطرُق والشوارع إلى مقاصدهم، وطوراً تُستعمل في السباقات لإظهار خطّ النهاية؛ وقد استُخدمت في القرآن الكريم بهذا المعنى حيث يقول عزّ من قائل: «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ»1؛ أي إنّ شدّة انتشار الناس يوم القيامة وسرعة سيرهم توحي وكأنّهم يتسابقون نحو هدف معيّن.
ويمكن هنا طرح تعليلين لمخاطبة الزهراء (عليها السلام) للناس بالنصب: الأوّل هو كما أنّ هدف السباق يكون محطّ الأنظار وأنّ الناس يهرعون إليه، فإنّ أوامر الله ونواهيه قد اُنزلت عليكم فكأنّكم خطّ نهاية السباق بالنسبة لها؛ إذ يقول القرآن الكريم: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا»2، بمعنى أنّ أهل مكّة وضواحيها هم المخاطبون بالقرآن بالدرجة الاُولى. فعندما تقول (عليها السلام): إنّكم نصب أوامر الله ونواهيه فهذا يعني: انّكم أوّل المخاطبين بهذه الأوامر والنواهي. أمّا الاحتمال الثاني فهو أنّ النُّصُب تعني العلامات الدالّة والهادية؛ ليكون المعنى: انّكم معالم أوامر الله ونواهيه؛ أي أنتم من يجب عليه إبلاغ أوامر ونواهي الباري تعالى إلى الآخرين؛ لكن يبدو أنّ الاحتمال الأوّل أقوى.
«حَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ». وأنتم أيضاً حملة دين الله ووحيه. فقد نزل الوحي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لكنّ النبيّ قد وضع محتويات الوحي بين أيديكم. فانتم حملة الدين، وإنّ في رقبتكم واجب حفظ هذه الأمانة.
«وَأُمَنَاءُ اللهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبُلَغَاؤُهُ إِلَى الأُمَمِ حَولَكُمْ». فبالنسبة لهذا الدين الذي وُضع أمانة في أعناقكم يجب عليكم أوّلاً: أن تحفظوه بين أنفسكم؛ أي أن تطبّقوا أحكام الإسلام على أرض الواقع في مجتمعكم الإسلاميّ وتحافظوا على المُثُل الإلهيّة، وثانياً: أن تبلّغوه إلى الاُمم الاُخرى من حولكم.
ثمّ تتابع (سلام الله عليها) القول: لقد أودع النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) عندكم وديعة إلهيّة وترك فيكم ميراثاً عظيماً ألا وهو القرآن الكريم. فاعلموا أنّه يتعيّن عليكم الرجوع إلى كتاب الله في معرفة أمر الله ونهيه، وتشخيص ما أنتم مكلّفون به، واستظهار كيفيّة العمل بالدين وإبلاغه.

إبلاغ الدين إلى أنحاء العالم كافّة واجب كفائيّ

عندما نقول: نحن مكلّفون بقبول الإسلام والعمل به، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: ما هو الإسلام؟ الإسلام هو التصديق والإيمان بحقّانية ما جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله). فمن واجبنا الاعتقاد بتعاليم الإسلام العقائديّة، والعمل بأوامره العمليّة. لكنّنا بعد مضيّ 1400 سنة، وبعد كلّ ما قاساه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وأئمّتنا الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) وعلماؤنا الأعلام من متاعب على طول أربعة عشر قرناً من الزمن، لازلنا غير عارفين بكلّ ما في أعناقنا من واجبات اجتماعيّة. فمعظمنا يعتقد بأنّه إذا تعلّم ما عليه من تكاليف فرديّة وعمل بها فلن يعود مسؤولاً. لكنّ هذا الطراز من التفكير يؤدّي إلى ضعف المجتمع وظهور حالة الهشاشة فيه. إذ بمعزل عن التكاليف الفرديّة فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من واجبنا أيضاً. ففضلاً عن عملنا نحن بأحكام الدين، علينا مراقبة عمل الآخرين بها أيضاً. فواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واحد من ضروريّات الدين وفرع من فروعه، بحيث إنّ الشاكّ في وجوبه هو كالشاكّ في أصل الإسلام، وإنّ المنكِر له كالمنكِر لضرورة من ضروريّات الدين وهو ممّا يوجب الارتداد. لقد تمّ التأكيد بشدّة في القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) على هذه الفريضة حتّى عدّوها من أخطر فرائض الدين. يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض»3. فهذه الفريضة هي أوّل واجب ملقىً علينا تجاه الآخرين، لكنّ تكليفنا لا ينتهي عند هذا الحدّ. فواجبنا الثاني هو إيصال هذه الأمانة، ألا وهي الإسلام، إلى أهلها؛ فالله يقول في كتابه العزيز: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»4؛ وأهلها هم كلّ من هو بحاجة إلى الإسلام. فالإسلام قد نزل لجميع البشر: «لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ»5، وهو رحمة أفاضها الله تعالى لتتنعّم بها البشريّة قاطبة.
إنّ لهذا الواجب سلسلة من المراتب؛ فالنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قد أبلغ الإسلام إلى معاصريه، وإنّ أهل مكّة ومن حولها قد أخذوا منه (صلّى الله عليه وآله) وأبلغوه إلى باقي البلدان. ثمّ تعهّد الأئمّة الطاهرون (عليهم السلام) بحمل الرسالة من بعد النبيّ ليوكلوا المهمّة في النهاية إلى العلماء وسائر الناس. وفي هذا العصر فإنّ الناس هم المسؤولون عن حمل هذه الأمانة وإيصالها إلى سائر البشر، وإنْ هم تقاعسوا في إيصالها إلى أهلها يكونون قد قصّروا في أداء الأمانة بل وخانوها أيضاً.
إنّنا غير واعين إلى حقيقة أنّ هذه المسؤوليّة ملقاة على كواهلنا نحن. بالطبع إنّ لهذه المسؤوليّة مراتب كمراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعامّة الناس يتصوّرون أنّ إبلاغ الدين هو واجب العلماء؛ لكنّه ليست القضيّة أنّ شريحة من الناس قد عُيِّنوا لأداء واجب إبلاغ الدين وأنّه ساقط عن الآخرين، بل إنّ العلماء قد نهضوا بهذه المسؤوليّة طواعية وقضوا أعمارهم في هذا الطريق؛ لكنّه إذا لم يَفِ هذا المقدار بالغرض فإنّ الآخرين مسؤولون أيضاً. فإبلاغ الدين هو أشبه ما يكون بالجهاد؛ بمعنى أنّه إذا اضطلعت جماعة بالمسؤوليّة بما يفي بالحاجة والغرض فإنّها تسقط عن الباقين، وإلاّ فالكلّ مسؤول.
إنّني أوجّه سؤالي هنا إلى علماء الدين وأقول لهم: كم من الوقت شغلنا أنفسنا بالتفكير في هذا الموضوع، وهو أنّ من واجبنا السفر إلى أفريقيا، وأمريكا الجنوبيّة، وغيرهما من أجل تعريف أهاليها بالإسلام؟ هناك المليارات من البشر على وجه الأرض متعطّشون لمعرفة الحقيقة. فليس جميع هؤلاء أعداء للإسلام، ومستعمرين، وصهاينة. فهناك الكثيرون ممّن يتلقّى الدعوة السليمة بأذرع مفتوحة. أنا شخصيّاً ومن خلال الأسفار التي قمت بها إلى ما يقارب الأربعين بلداً في العالم أشهد أنّني لمست حقيقة أنّ الناس متعطّشون لمعرفة الحقيقة لمس اليد، وإنّ عطشهم هذا يُثقل كاهلنا بمسؤوليّة أعظم وهي إرواء هذا العطش. السيّد مجتبى الموسويّ اللاريّ (حفظه الله تعالى وكثّر الله من أمثاله) منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وعلى رغم تحمّله أعباء المرض وغياب التمويل الماليّ، فإنّه يقيم تواصلاً مع أكثر من مائة بلد في العالم، ومراسلات بما يزيد على أربعين لغة مع أهلها. إنّ هذا المثال لهو حجّة لله علينا. للأسف فإنّنا نشكوا التقصير في هذا المجال. إنّني أوجّه خطابي لشبابنا الأعزّاء المقبلين بقلوبهم الطاهرة النقيّة على طلب العلم قائلاً لهم: اعلموا أنّ واجبنا يتخطّى تصحيح قراءة رجل قرويّ للحمد والسورة على الرغم من كونه واجباً أيضاً؛ لكنّ في أعناقنا واجباً أثقل وأخطر. فإنّ علينا تعلّم اللغات المختلفة، وتبيين المعارف الإسلاميّة المتقنة والمستدلّة وليس المباحث الذوقيّة والظنّية الضعيفة أحياناًـ لشعوب العالم بما يفهمونه من لغة آخذين بنظر الاعتبار الأجواء الثقافيّة السائدة، لا أن يكون بياننا مجرّد ترجمة لما هو موجود. فمولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) تقول في هذه الجملة القصيرة: إنّ من جانبـ أن تحفظوا الأمانة الإلهيّة في أنفسكم فلا تضعُفوا ولا تهنوا، وعليكم من جانب آخرـ تبليغ رسالة الإسلام إلى ما وراء حدود بلدانكم.

القرآن؛ هو المدّعي لحقّ الله

ثمّ تعرّج سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) إلى دور القرآن الكريم في المجتمع الإسلاميّ. وهنا أودّ الإشارة إلى نقطة مهمّة؛ فلو أنّها قالت أوّلاً: اتّبعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، ما كانوا ليسمعوا كلامها. فهي قد قدّمت كلّ تلك المقدّمات واحتجّت بكلّ تلك الاحتجاجات من أجل إفهامهم أنّكم قد سلكتم الطريق الخطأ في إقصائكم لعليّ جانباً. فإنّ على رأس الاُمور التي من شأنها تمهيد الأرضيّة للاحتجاج والمساعدة في هداية الناس هو القرآن الكريم. لكنّها (عليها السلام) قد بيّنت هذا المعنى باسلوب هو غاية في الروعة والجمال. فقد كان بإمكانها أن تضع القرآن كمبتدأ وتقول: القرآن يحمل هذه الصفات. لكنّها قالت: إنّ لله عليكم حقّاً، وإنّ ثمّة شيئا بينكم يطالبكم بهذا الحقّ. فلقد استهلّت هذا الموضوع بالقول: «وَزَعِيمُ حَقٍّ لَكُمْ لِلَّهِ فِيكُمْ»؛ أي إنّ لله عليكم حقّاً أوّلاً، وإنّ هناك مَن يطالب بهذا الحقّ ثانياً. فليس باستطاعتكم القول: إنّنا لا نعلم حقّ الله؛ إذ أنّ لله عليكم حقّ الربوبيّة، وإنّكم، من باب أنّكم عبيد، فإنّكم مسؤولون تجاهه. فهذا هو أوّل وأوضح حقّ يدركه الإنسان. بمعنى أنّني لست مِلك نفسي، وأنّ كلّ ما عندي فهو ملك لغيري. فهو ربّي ويجب علَيّ طاعته.
«وَعَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ». توجد لكلمة «عهد» استعمالات شتّى، أحدها التعهّد والالتزام؛ أمّا تعبير: «عَهِدَ إليه» فهو تعبير خاصّ؛ فكلّ حرف إضافة إنّما يفيد معنى دقيقاً معيّناً، فعبارة «عَهِد إليه» تخلتف عن عبارة: «عَهِد له» أو «عَهِد في كذا». إذ ليس معنى العبارة: «عهدنا إلى آدم» في الآية الشريفة: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»6، هو عقد مُوقَّع بين طرفين، وإنّ أقرب المعاني إلى هذا المعنى هو معنى «الأمر». فعهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر يعني: أمر عليّ لمالك الأشتر. فالزهراء (سلام الله عليها) تقول: إنّ لله تعالى حقّاً، وإنّ ثمّة مِن بينكم مَن يتصدّى لهذا الحقّ، ولقد أصدر هذا المتصدّي أمراً لكم.
«وَبَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَهَا عَلَيْكُمْ». لقد استُخدمت كلمة «بقيّة» في القرآن الكريم أيضاً في قوله: «بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ»7، وإنّ أحد ألقاب إمام العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو «بقيّة الله»؛ بمعنى أنّ باقي الأئمّة قد رحلوا عن الدنيا وإنّ الإمام الذي بقي لكم هو الوجود المقدّس لوليّ العصر (أرواحنا فداه). تقول مولاتنا (سلام الله عليها) هنا: مع أنّ النبيّ قد رحل عنكم، لكنّه قد ترك فيكم بقيّة. فهذه الصفات التي تذكرها (عليها السلام) للقرآن هي بمثابة خبر لمبتدأ متأخّر.
«كِتَابُ اللهِ النَّاطِقُ». إنّ إسناد النطق إلى القرآن يختلف باختلاف الاعتبارات. فالقرآن يسمّى بالناطق من باب أنّ المرء إذا قرأه يفهم منه أموراً وكأنّ الله هو الذي يتحدّث إليه. لكنّ القرآن من جانب آخرـ لا ينطق بنفسه ويحتاج إلى مبيّن لبيان بعض مباحثه؛ وإنّه من هذا المنطلق يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق»8. فلا ينبغي الخلط بين هذين الاعتبارين. تقول السيّدة الزهراء (عليها السلام): لقد جعل الله تعالى فيكم كتاباً ناطقاً يطالبكم بحقّ الله. فلو انکم أصغيتم للقرآن لفهمتم ما يطلبه منكم. فالقرآن يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»9.
ثمّ تقول (سلام الله عليها): «وَالْقُرْآنُ الصَّادِقُ، وَالنُّورُ السَّاطِعُ، وَالضِّيَاءُ اللاّمِعُ». وكلّ هذا الكلام الذي ساقته (عليها السلام) يمثّل مقدّمة للتمهيد للاستدلال بالقرآن الكريم.
«بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ»؛ أي إنّ البصائر والرؤى التي يزوّدكم القرآن بها هي على درجة عالية من الوضوح.
«مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ». فصحيح أنّ هناك في القرآن مباحث خفيّة ومستورة لكن قد انكشفت تلك السرائر واُزيح الستار عنها وبإمكانكم الآن مشاهدة تلك الحقائق من دون حجاب والإفادة منها.
«مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْيَاعُه». فالذين يتّبعون القرآن الكريم ويقتفون آثاره يعيشون حالة الغبطة والسرور.
«قَائِدٌ إِلَى الرِّضْوَانِ اتِّبَاعُهُ». فالمتّبعون للقرآن سوف يقودهم إلى رضوان الله تعالى.
«مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ اسْتِمَاعُهُ». وحتّى الاستماع للقرآن الكريم يفضي إلى النجاة.
«بِهِ تُنَالُ حُجَجُ اللهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَعَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَمَحَارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ». فإنّ حجج الله تصل إليكم عن طريق القرآن، وإنّ عزائم القرآن (وهي الاُمور التي أوجبها الله عليكم) تُفسَّر لكم، وهو يحذّركم في المقابل من حرمات الله تعالى.
«وَبَيِّنَاتُهُ الْجَالِيَةُ، وَبَرَاهِينُهُ الْكَافِيَة». فالدلائل الواضحة والبراهين الكافية القاطعة كلّها مبيَّنة في القرآن الكريم.
وخلاصة كلام الزهراء (سلام الله عليها) في هذا القسم من الخطبة هو أنّ عليكم الالتفات أوّلاً إلى أنّكم مسؤولون، وأنّ مسؤوليّتكم غير محصورة في المسائل الفرديّة. إذ يتعيّن عليكم التعرّف على المسؤوليّة الملقاة على عاتقكم عن طريق القرآن، فإنّ القرآن قد أتمّ عليكم الحجّة.
نسأل الله العليّ القدير أن يمنّ علينا جميعاً بتوفيق الإفادة من القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام).


1. سورة المعارج، الآية 43.

2. سورة الشورى، الآية 7.

3. الكافي، ج5، ص55.

4. سورة النساء، الآية 58.

5. سورة الأنعام، الآية 19.

6. سورة طه، الآية 115.

7. سورة هود، الآية 86.

8. وسائل الشيعة، ج27، ص34.

9. سورة النساء، الآية 59.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org