بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 4 أيلول 2010م الموافق لليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

أصالة الإيمان

لائحة بأسرار القرآن العامّة

«... فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْك ...»
تشير الصدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها) في القسم الثاني من خطبتها الشريفة إلى المسؤوليّة الثقيلة الملقاة على عاتق مسلمي ذلك العصر، والتي يجب أن تتولاّها الأجيال القادمة أيضاً، ألا وهي المحافظة على القيم والمُثُل الإسلاميّة ضمن حدود المجتمع الإسلاميّ، وإبلاغ رسالة الإسلام إلى ما وراء تخوم دار الإسلام. ثمّ تقول: «إنّ ما يمهّد لكم الطريق للنهوض بهذه المهمّة هو التمسّك بالقرآن الكريم الذي بيّن الله عزّ وجلّ فيه ما يلزم لسعادتكم في الدنيا والآخرة». وفي ختام هذا القسم تستعرض (عليها السلام) عشرين عنواناً هي من أهمّ تعاليم القرآن الكريم بدءاً بعبارة: «فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْك» وانتهاءً بجملة: «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة».
يشير مستهلّ وختام هذه اللائحة من العناوين إلى موضوع هو غاية في الأهمّية وهو أنّ روح الإسلام في الحقيقةـ إنّما تتجسّد في عبادة الله الواحد واجتناب أيّ شكل من أشكال الشرك، وما العناوين الاخرى المذكورة بين هذين العنوانين إلا الأسباب والوسائل التي يُستعان بها لبلوغ هذا الهدف. وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أنّ الإنسان لن يبلغ السعادة من دون عنصر الإيمان.

العرض الحكيم لمسألة الإمامة

النقطة الاخرى التي تسترعي الانتباه في انتقاء العناوين العشرين هي أنّ الزهراء (سلام الله عليها) لدى سردها لتلك العناوين التي يعرفها الجميع والتي تُعدّ من ضروريّات الدين، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والجهادـ قد أقحمت عنوانين بين عنواني الحجّ والجهاد يتعلّقان بالإمامة، بحيث إنّنا إذا ألقينا نظرة سريعة إلى تلك العناوين نشعر وكأنّها ينقصها الترتيب. لكنّنا سرعان ما نكتشف بعد قليل من الدقّة والتمحيص أنّ إقحام هذين الأمرين بين بقيّة العناوين، التي تُعدّ جميعها من النصوص القرآنيّة ومن ضروريّات الدين، ينطوي على تدبير وحكمة بالغين. فأوّلاً: الزهراء (عليها السلام) أحجمت عن التطرّق إلى قضيّة الإمامة في مطلع كلامها كي لا يتولّد لدى الحاضرين ردّ فعل عكسيّ فيقولون: لقد جاءت تطرح قضيّتها الشخصيّة، كما أنّها لم تشأ إرجاء ذكر هذا الأمر إلى آخر الخطبة ففي هذه الحالة لن يُولَى الأهمّية المطلوبة. ثانياً: لعلّ في إقحام هذين العنوانين بين العناوين الاخرى تنبيه إلى أنّهما لا يقلاّن أهمّية عن الصلاة، والصيام، والزكاة، والحجّ، والجهاد. فهي (سلام الله عليها) تريد أن تقول: إذا كنتم تعرفون تلك المسائل وتقرّون وتعترفون بها، فكيف نسيتم هذه القضيّة التي تُعدّ أهمّ من غيرها من بعض الجهات؟!

الإيمان مطهّر للقلوب

«فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْك»؛ أي تطهيراً لقلوبكم من لوث الشرك. للوهلة الاولى يبدو هذا المعنى غاية في البساطة، فكلّ مسلم مُقِرّ بالقرآن يفهم أنّ الهدف من الإسلام هو إزالة الشرك من على وجه الأرض وإحلال المجتمع الإيمانيّ محلّه؛ غير أنّ التركيز على هذا المعنى والتذكير به هو من باب تنبيه المستمع إلى أنّ الكلام لا يدور حول قضيّة سياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة بحتة؛ بل إنّ أساس دعوة الأنبياء هو ما يرتبط بقلب الإنسان. فمع أنّ العادة جرت على طرح الإسلام في مقابل الشرك، والإيمان في مقابل الكفر، فإنّ مولاتنا (سلام الله عليها) لا تقول: «جعل الإسلام تطهيراً لكم من الشرك»، بل هي تؤكّد على قضيّة الإيمان. فالقرآن نفسه يفرّق بين الإيمان والإسلام ويعرّف الإيمان بأنّه العامل لسعادة الإنسان في قوله: «قَالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ في‏ قُلُوبِكُم»1. أي إنّ ما تقولونه فعلاً يتّصل باللسان، ولابدّ أن تتبعه مرحلة العمل أيضاً، أمّا الإيمان فيأتي بعد تلك المراحل. فالإيمان ينبغي أن يدخل إلى القلب ثمّ يسري من القلب إلى اللسان والأعضاء والجوارح. فمقرّ الإيمان الأساسيّ هو القلب.
ما يكون في مقابل الإيمان عادةً هو الكفر؛ غير أنّ الزهراء (عليها السلام) قد استخدمت لفظة الشرك في مقابل الإيمان. ويمكن هنا طرح تبريرين لهذا الاستعمال: الأوّل: هو أنّ المخاطَبين بدين الإسلام في الجزيرة العربيّة لم يكونوا من الملحدين الطبيعيّين المنكرين لله تعالى، ومن هنا فقد ورد في العديد من الآيات أنّك إذا سألتهم عن الذي خلق السماوات والأرض ليقولُنّ الله: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله‏»2.فهؤلاء كانوا يؤمنون بآلهة يتصوّرون أنّ لها تأثيراً في تدبير العالم، ومن هذه الناحية فإنّ عملهم كان شركاً في واقع الأمر. أمّا التبرير الثاني لهذا الاستعمال فهو أنّ الشرك المقصود هنا حسب تقديري الشخصيّـ هو الشرك الذي يكون عن غير وعي. وتوضيح ذلك هو أنّ الناس جميعاً يقبلون الله بالفطرة، وإن كانوا، في الظروف العاديّة، غير ملتفتين إلى اعتقادهم هذا، لكنّهم يتوجّهون إلى الباري تعالى في الحالات الاضطراريّة. إذن فأيّ اعتقاد آخر غير الاعتقاد بالله يمثّل في الحقيقة شركاً؛ بمعنى أنّهم يقولون بآلهة مجعولة إلى جانب إلههم الفطريّ.

البراغماتيّة؛ انحراف خفيّ

يعتقد البعض أنّ القيمة الحقيقيّة يحدّدها العمل. وهذا هو ما يسمّى بالنزعة العمليّة التي لاقت رواجاً بين فلاسفة الغرب في القرن الأخير حيث اعتقدوا أنّ حقّانية الشيء إنّما تحدّدها فائدته في مقام العمل. يقول وليم جيمس، وهو عالم نفس أمريكيّ معروف: إنّ أنجع الطرق لعلاج الأمراض النفسانيّة هي العبادة؛ لكنّ دليله على ذلك هو فائدة العبادة في معالجة المصابين بالذُّهان. وهذه النزعة هي نزعة براغماتيّة مفادها أنّ حقّانية الشيء يتمّ إثباتها من خلال العمل بغضّ النظر عمّا إذا الشيء نفسه حقّاً أم باطلاً. فالبراغماتيّون يقولون: حتّى لو كان الشيء كذباً لكنّه ثبتت فائدته من الناحية العمليّة فسيكون ذا قيمة حقيقيّة.
وهذا التوجّه ملحوظ عند أغلب الناس لكن مع بعض الشدّة والضعف. ولعلّه يلاحَظ بشدّة بالغة عند بعض الأشخاص المعروفين في بلدنا، كما أنّ الناس أيضاً يشجّعون على مثل هذه الميول. فأمثال هؤلاء لا يعيرون أيّ أهمّية لبطلان مباني عقيدة معيّنة أو نظريّة ما، وجُلّ ما يهتمّون به هو التقدّم على صعيد الحياة المادّية. الميل إلى هذا التوجّه هو طبيعيّ إلى حدّ ما. فنحن أبناء الطبيعة، وإنّ أوّل ما وقعت أعيننا عليه هو تلك الاُمور الطبيعيّة. فإدراك ما يكون وراء الطبيعة والتعلّق باُمور ليست هي ممّا يُدرَك حسّياً، هو أمر يتخطّى اُفق المذهب المادّي؛ والحال أنّ المذهب المادّي هو مقتضى طبيعتنا المادّية. هذه المشكلة كانت قائمة حتّى عند أقوام الأنبياء الماضين، نذكر من بينها قصّة بني إسرائيل التي تستحقّ حقّاً وقفة تأمّل واستلهام للعبر. فعندما هاجر بنو إسرائيل من مصر برفقة موسى (عليه السلام) صادفوا منطقة معتدلة الطقس تكسوها الخضرة فيها قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها، وقد صنعوا لعبادتهم أصناماً جميلة، وكانت تتخلّل مراسم العبادة دبكة يحدث فيها الاختلاط والاُنس والطرب. فعندما شاهد بنو إسرائيل هذه المنطقة الحسنة الطقس، وتلك الأصنام الجميلة، والاحتفالات الجذّابة، جاءوا إلى موسى (عليه السلام) قائلين: «يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ»3.
فالنزوع نحو الطبيعة والمحسوسات أمر عاديّ، وقد تحمّل الأنبياء أعباء كبيرة في توجيه أنظار البشر إلى ما وراء الطبيعة وإفهامهم أنّ الله تعالى ليس جسماً. وبطبيعة الحال فإنّ المسائل المعنويّة وقضايا ما وراء الطبيعة لن تفتح أبوابها بسهولة مع وجود هذه الروح وهذا النمط من التفكير. فإذا قيل لأمثال هؤلاء: إنّ الله سيثيبكم خيراً، فسيظنّون أنّ الثواب هو كثرة الأمطار وزيادة المحصول. فأمثال هؤلاء لا يشغلهم العالم الآخر وجنّة الباري عزّ وجلّ بشكل جدّي. فلو أنّ الإنسان ابتُلي فعلاً بالمحن والفقر والمرض وفقدان الهويّة الاجتماعيّة، وذاق حقّاً مرارة تلك المآسي، فأيّهما سيكون أكبر قيمة بالنسبة له، أنْ يعلم أنّ عاقبة كلّ تلك المصاعب والمشاقّ هي الجنّة التي يصفها الله تعالى بقوله: «لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تجَْرِي مِن تَحْتهَِا الأَنْهَارُ»4، أم أنْ يُعطَى أصناف الفاكهة والأطعمة ويُفتَح له حساب مصرفيّ ضخم؟ فالذين هم على استعداد لتحمّل كلّ تلك المحن والمشاقّ طواعية ولا يطلبون بذلك غير وجه الله تعالى هم عملة نادرة للغاية.

رماد في مهبّ الريح

يجعل القرآن الكريم الأصالة للإيمان ولا يعطي أيّ قيمة للعمل الذي يخلو من الإيمان. لكنّه يصعب علينا جدّا التصديق بذلك، وقد سعى القرآن الكريم من جانبه جاهداً لإفهامنا هذا المعنى. فالقرآن يبالغ في إضفاء الطابع الحسّي على مسألة الكفر والشرك، ويبيّنها لنا بأمثلة مبسّطة كي نستوعبها بشكل جيّد. فهو يقول في سورة إبراهيم: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ»5؛ ويقصد بالأعمال تلك التي يعتقدون أنّها مدعاةٌ لسعادتهم فهي كذرّات الرماد في يوم عاصف تنثرها الرياح ولا تبقي منها أثراً، ولن تكون لديهم القدرة على جمعها ثانية والاحتفاظ بها. لماذا؟ ذلك أنّ أعمالهم لم تكن مبنيّة على اُسس إيمانيّة بل كانت نابعة من الكفر مرتكزة عليه. ويقول في موضع آخر: «أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍ‏ّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يجَْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ»6؛ أي إنّ مَثَلهم في ذلك مثل الغريق في بحر هذه صفته. فأيّ ظلمة ابتُلي بها هذا الشخص؟ كلّ هذه الظلمات إنّما تنشأ من انعدام الإيمان ومن الكفر والضلالة، فمهما أنجز من أفعال الخير فانّه لن ينفعه بشيء.
فالقرآن يلحّ في تكرار هذه الأمثلة ليقول لنا: القضيّة ليست كما تظنّون من أنّ مجرّد كون العمل حسناً فهو محقّق للسعادة. فالعمل الذي يقودكم نحو السعادة هو ذلك العمل الذي يربطكم بالله عزّ وجلّ. وفي المقابل فإنّ العمل الذي تقومون به إرضاء لأنفسكم، أو جلباً لثناء الآخرين، أو استمالةً لأصوات الناس في الانتخابات لن يعود عليكم بالنفع قطّ. لكنّ العمل المنجَز من منطلق الإيمان بالله تعالى والمتّصل بالعالم الذي لا يفنى سوف يبقى إلى الأبد وهو الذي يمتلك القدرة على حلّ مشاكلكم: «مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ»7.
يقول الله تبارك وتعالى: إذا كان العمل لمرضاتي فسأمنحه من البركة والقيمة ما يجعله باقيا إلى الأبد وينمو يوماً بعد يوم، ويزداد روعة وجمالاً. وعندما يأتي دور الإثابة فإنّني لن أنظر إلى صغائر أعمالكم، بل أجعل أفضل أعمالكم هو المقياس في الإثابة: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ»8. فأنا اُثيب على الأعمال الصغيرة بعشرة أمثالها حيناً، وبسبعمائة ضعف حيناً آخر، ولا يمثّل هذا أعلى سقف في الإثابة: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء»9. أمّا إذا لم يرتبط العمل بالله، بل انحصر في نطاق أنفسكم ومريديكم وجماعتكم وحزبكم، فسيبقى في هذا النطاق. وعلى الرغم من احتمال ترتّب الأثر عليه في الدنيا، لكنّه سيقال لكم يوم القيامة: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا»10، فقد أنجزتم عملكم في سبيل الدنيا، وجنيتم ربحه وتقاضيتم أجركم فيها.

القوميّة؛ رجوع إلى الجاهليّة

من الانحرافات الفكريّة في عصرنا الحاضر التي تُعدّ من جملة صنائع أيادي إبليس الماهرة هي إشاعة فكرة أنّ القيمة لا تكون إلاّ في السلوك، والقوميّة، والآباء، والأجداد، ولا ينبغي الحديث بعد الآن عن الله والإسلام وما إلى ذلك. والعجيب هو أنّه في مجتمع إسلاميّ ثوريّ، لم تسقط كلمة الإسلام يوماً من لسان وكلمات إمامه (قدّس سرّه)، يوجد من يقول تحت شعار السير على خُطى الإمام الراحل: «لقد ولّى زمن الترويج للإسلام ولابدّ اليوم من الترويج للقيم الإنسانيّة العامّة»! لكنّ القيم الإنسانيّة العامّة توجد حتّى بين عبدة الأوثان وغيرهم من الطوائف؛ إذن فأين محلّ الإيمان من الإعراب؟ ذلك الإيمان الذي هو أصل جميع القيم والذي تكتسب جميع الأشياء الاخرى القيمة في ظلّه. هؤلاء يقولون: «نحن اليوم قد تخطّينا هذه المرحلة». لكنّه في الحقيقةـ ينبغي القول لهؤلاء: إنّكم تتخبّطون في أوهامكم وخيالاتكم. إذ لابدّ أن نسأل الذين يروّجون للقوميّة ويفتخرون باﻟ«الإيرانيّة»: أأنتم الذين اخترتم هذا البلد ليكون مسقط رأسكم؟ هل يُعدّ هذا فخرا؟ ما الذي يرسم حدود إيران؟ وما الذي يحدّد هذه القيمة؟ ما الذي نلتَه أنت من فضل أبيك إذا كان أبوك فاضلاً؟ فكلّ شخص مسؤول عن عمله وتصرّفاته هو. فعليك أن تنظر ماذا قدّمت أنت؟ وبمن تؤمن؟ وبمن يتعلّق قلبك؟ وأيّ القيم تدعم؟
لقد قال الإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه): «نحن لا نقيم وزناً لإيران والتبعيّة لإيران، ولابدّ لجهودنا أن تنصبّ في طريق نشر الإسلام». وقد صرّح رئيس وزراء الحكومة المؤقّتة في حينها: «الفارق بيني وبين الإمام الخمينيّ هو أنّه يريد أن تكون إيران للإسلام، وأنا أريد أن يكون الإسلام لإيران»! ولقد كان محقّاً فيما قال إذ لم يكن محتالاً ومخادعاً مثل غيره. فنقطة الخلاف الأساسيّة بين مدرسة الإمام الراحل (رحمه الله) ومدرسة القوميّين تكمن في هذا الفارق؛ وهو هل يتعيّن أن نسعى لحذف الإسلام ونقول: إيران فحسب؟ هل نسمّي هذه عبوديّة لله وطاعة للدين؟ هل نعد ذلك خطوة نحو صيانة قيم الجمهوريّة الإسلاميّة، أم تقهقراً نحو الجاهليّة الاُولَى؟ فإلى أين نحن ذاهبون يا ترى؟!
إنّ أساس هذه الأفكار هي تلك النزعة العمليّة (البراغماتيّة)، وإنّك إذا نبّهت هؤلاء إلى أنّ القيمة الإسلاميّة الفلانيّة آيلة إلى الاضمحلال والاُفول، أجابوك بالقول: دعوه يفعل فعله! فالنزعة العمليّة تسوق الإنسان إلى حيث لا يرى غير الآثار المادّية ويحسب كلّ ما سواها ضرباً من الشكليّات. ومن هنا ندرك السبب الذي دفع الصدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها)، عندما أرادت أن تبيّن محتوى الإسلام الحنيف، إلى الاستهلال بهذه العبارة: «فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْك» والختام بهذه الكلمات: «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة»؛ ذلك أنّ الدين يبدأ بهذا ويُختَم به وليس باقي الاًمور سوى آثار وبركات تترتّب عليه بإذن الله تعالى؛ فلا يمكن بحال من الأحوال عدّ هذه في مقابل تلك.
اللهمّ إنّا نقسم عليك بحقيقة الزهراء البتول (سلام الله عليها) أن تنوّر قلوبنا بنور الإيمان، وتحمينا من فتن آخر الزمان.


1. سورة الحجرات، الآية 14.

2. سورة لقمان، الآية 25؛ وسورة الزمر، الآية 38.

3. سورة الأعراف، الآية 138.

4. سورة الزمر، الآية 20.

5. سورة إبراهيم، الآية 18.

6. سورة النور، الآية 40.

7. سورة النحل، الآية 96.

8. سورة العنكبوت، الآية 7. 

9. سورة البقرة، الآية 261.

10. سورة الأحقاف، الآية 20.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org