بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 29 أيلول 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الصبر مفتاح الأجر

«وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجَابِ الأَجْر»1
تلونا معاً بتوفيق من الله عزّ وجلّ جزءاً من خطبة مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) مشفوعة بتوضيح مقتضب. وقد بلغنا من الخطبة إلى حيث قالت (عليها السلام)، في أثناء إشارتها إلى أهمّ مباحث المعارف الإسلاميّة والنظام القيميّ في الإسلام والتذكير بحكمة تشريعها – قالت: «وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجَابِ الأَجْر».

الصبر من المفردات المفتاحيّة في المعارف

انّ المفردات التي يكثر القرآن الكريم والروايات من تكرارها ويؤكد عليها محدودة نسبيّاً. إحدى هذه المفردات هي «الصبر» وهي تُعدّ من المفردات المفتاحيّة في المعارف الإسلاميّة. فالله سبحانه وتعالى يوصي نبيّه الأعظم (صلّى الله عليه وآله) دوماً بالصبر بقوله: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ»2، و«فاصبر...»3، كما أنه عزّ وجلّ يوصي عموم الناس أيضاً بالصبر في مواطن كثيرة من كتابه العزيز؛ إذ يقول عزّ من قائل في سورة العصر: «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ». فهذه السورة تحتوي على أربع مفردات مفتاحية هي: الإيمان، والعمل الصالح، والحقّ، والصبر. إذن من الواضح أنّ موضوع الصبر ينطوي على أهمية كبيرة مما يدعو إلى ذكره إلى جانب الحقّ، والإيمان، والعمل الصالح.

 ليس الصابر منفعلاً ولا منظلماً

للأسف فإنّ معاني بعض المفردات القرآنية لا تتمّ المحافظة عليها في عرفنا جيداً بل قد تعاني بعض التحريف أيضاً، ومن جملة هذه المفردات هي مفردة الصبر التي إذا أمعنّا النظر في استخداماتها في الآيات القرآنية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) لوجدناها تختلف بعض الشيء عما هو مرتكز في أذهاننا. فنحن نتصوّر أنّ الصبر هو حالة الانفعال التي تنتاب الإنسان؛ أو بتعبير آخر: عدم إظهار ردّ فعل تجاه حوادث الدهر. فنحن نطلق على مَن يتلقى الصفعة على وجهه من دون أن يردّ عليها بمثلها انّه صابر! وعلى الرغم من أنّ الإنسان الذي لا يُبدي عظيم جزع وشديد فزع في مواجهة المصائب والنوازل هو لا شكّ من أهل الصبر، وأنّ هذه الصفة هي من المصاديق البارزة والصحيحة للصبر، بيد أنّ نطاق استخدام مصطلح الصبر هو أوسع بكثير من ذلك وأنّ مؤدّاه أعمق وأغنى من هذا المعنى.
كما أنّ الصبر لا يعني الانظلام والخنوع تحت وطأة الظلم والتعدّي، فالإسلام لا يحبّ أن يكون المرء منفعلاً في مقابل الظلم وسريع التسليم له. فقد جاء في الخبر بأسناد متعدّدة: «مَن قُتل دون مَظلِمته فهو شهيد»4؛ أي من تعرّض للظلم ثمّ قُتل دفاعاً عن نفسه وبغية رفع الظلم عنه فله حكم الشهيد. فالإسلام لا يحبّ الإنسان الخنوع الذليل المنفعل، بل يريد من المسلم أن يقاوم الظلم وأن ينتزع حقّه المغتصَب حتّى وإن دفع حياته ثمناً لذلك؛ لكنّ الأسمى والأرفع من ذلك هو الدفاع عن الإسلام، والاُمة الإسلامية وقيم الإسلام ومقدّساته، فهذا التكليف أسمى وأهمّ من الأوّل بكثير.

أقسام الصبر الثلاثة

من حسن الحظّ فإنّ التفاسير الواردة في الأحاديث تقف إلى حدّ ما بوجه هذه التحريفات والأخطاء. فقد ورد في حديث نبويّ شريف معروف: «الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر عند الطاعة، وصبر عن المعصية»5. فالصبر عند المصيبة يعني أن لا يجزع المرء وأن يحافظ على رباطة جأشه إذا حلّت به شديدة أو نازلة. والصبر على الطاعة وحال أداء التكليف هو أن يبذل الإنسان جهده في أن يؤدّي ما عليه من تكليف على أحسن وجه. والصبر عن المعصية هو أن يقاوم الإنسان ما يتولّد في داخله من دافع إلى المعصية الذي يكون غالباً بصورة الشهوة والغضب. وقد ذكرت الأحاديث أقسام الصبر هذه وإنّ هذه التوصيات والتوجيهات تهيّئ الأرضية لنا كي نكتشف الوجه المشترك بينها. فالقرآن الكريم يذكر الصبر بشكل مطلق بقوله: «واصبر»، بينما تبيّن الروايات ثلاثة أقسام للصبر. فكيف لنا أن نفهم أيّ المصاديق هو مقصود القرآن الكريم من الصبر؟ بطبيعة الحال إننا لو درسنا وتفحّصنا موارد استعمال الصبر في القرآن الكريم لاستطعنا اكتشاف مصاديق تلك الأقسام الثلاثة؛ لكننا لو توصلنا إلى معنى تحليليّ للصبر تكون له جهة مشتركة بين الأقسام الثلاثة، لظفرنا بفهم أفضل لمفاد الآيات والروايات، وقد لا يخلو من نفع في مقام العمل أيضاً.

المعنى التحليليّ للصبر

التحليل الذي يمكن تقديمه هنا هو أنّ أعمالنا الاختياريّة بحاجة إلى مقدّمات. فالفعل الاختياريّ للإنسان يحتاج على الأقلّ إلى عاملين: أحدهما المعرفة، وثانيهما الدافع. لكن من حيث إنّ الله جلّ وعلا قد خلق هذا العالم على نحو بحيث نكون على الدوام عرضة للامتحان فليست القضيّة أنّه بمجرّد وقوفنا على حُسن فعلٍ مّا فإنّ الدافع لإنجازه سيتولّد في وجودنا فوراً. فلو كان الأمر كذلك فلن يُصار إلى تمييز الحَسَن عن القبيح أو إدراك قيمة الأعمال. فصحيح أنّنا قد نحيط علماً بحُسن فعل معيّن ونجد في أنفسنا الحافز للقيام به، غير أنّ دوافع معارضة قد تتولّد في أنفسنا أو تبرز بعض العراقيل والمشاكل التي تعيق إنجازه. فإن رغبنا في إنجاز هذا العمل فما علينا إلاّ إزاحة تلك العراقيل والموانع عن طريقه.
فالزواج مثلاً هو أمر اختياريّ، لكن ليست المسألة أنّ المرء باستطاعته أن يتزوّج حال اتّخاذه قراراً بذلك، بل إنّ اتّخاذ مثل هذه الخطوة يتطلّب مقدّمات كثيرة. إذن فإن شئنا القيام بعمل صحيح من شأنه أن يقودنا إلى الكمال والسعادة ولا تكون عاقبته الحسرة والندامة (هذا وإنّ أهمّ أشكال الندامة هو ما يرتبط بالآخرة لأنّ ندم الدنيا يمكن تداركه) فعلينا الإحاطة بحسن العمل وكونه قيّماً أوّلاً، ومعرفة كيفيّة إنجازه ثانياً، وإزالة الموانع والعراقيل من طريقه ثالثاً. فقد يعلم المرء أنّ العمل الفلانيّ جيّد ومفيد، وأنّ الوسائل الكفيلة بإنجازه متوفّرة بشكل أو بآخر، لكن قد تظهر أحياناً عند الإقدام عليه بعض الموانع التي تعرقل أداءه، وهذه الموانع تنقسم إلى بضعة أقسام:
القسم الأوّل هي الموانع الداخليّة لدى الإنسان نفسه؛ وهي أن يتصوّر – على سبيل المثال – أنّ القيام بعمل كهذا قد يحرمه بعض الملذّات أو يكرهه على تجشّم المعاناة. فعادة عندما تكون عواطف الإنسان ومشاعره مواتية لفعل معيّن فإنّه سرعان ما يتّخذ القرار بإنجازه، لكنّه عندما تتضادّ أحاسيسه ومشاعره مع اتّخاذ مثل هذا القرار فستشكّل مانعاً داخليّاً يردعه عن القيام به.
القسم الثاني هي الموانع الخارجيّة البشريّة؛ كأن يسخر أرحام المرء وأقاربه من أدائه لفعل خير فيشكّلون بذلك مانعاً من القيام به. فهذا المانع يكون تأثيره من الخارج.
القسم الثالث هي المشاكل والأحداث التي تصرف الإنسان عن إنجاز العمل، كالابتلاء بالمرض أو بعض الحوادث الطبيعيّة.
وبناء عليه فإذا توصّلنا إلى نتيجة مفادها أنّ أمراً معيّناً لابدّ أن يُنجَز فيجب أن نُعدّ أنفسنا لمواجهة تلك الموانع ومقاومة العوامل الداخليّة والخارجيّة والمشاكل الاخرى، ويُطلق على هذا النمط من المقاومة اسم «الصبر». فالعامل الداخليّ – مثلاً - قد يتمثّل بالميول الشهوانيّة التي إذا جعلها الإنسان تحت قدميه عُدّ ذلك مصداقاً من مصاديق الصبر.

الجهاد، معركة الصبر على الطاعة

لكنّنا لم نتعوّد في محاوراتنا اليوميّة على اعتبار مقاومة تلك العوامل صبراً؛ فعلى سبيل المثال إذا استيقظ شخص بعد منتصف الليل مع شدّة نعاسه وسارع إلى غسل وجهه و يديه لطرد النوم من عينيه كي لا تفوته صلاة الليل فإنّنا لا نجد من يسمّي ذلك صبراً؛ لكنّه في الحقيقة مصداق بارز لـ «صبر عند الطاعة». كما أنّ المصداق الواضح لهذا النمط من الصبر هو الصبر والثبات في مقابل العدوّ في ساحة الوغى. فنحن اليوم نقف أمام أعداء يقول فيهم القرآن الكريم: إنّهم أعداء دينكم: «وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ»6. فالبعض يعتقد أنّهم لا يطمعون إلا بنفطنا، وإذا تمّ تأمين مصالحهم الاقتصاديّة فستُحلّ مشكلتنا معهم. وهذا التصوّر إنّما ينبع من روح الرضوخ والخوف التي تكمن حقيقتها في طلب الراحة والدعة. فأمثال هؤلاء يودّون العيش في راحة وطمأنينة ولا يريدون تعريض حياتهم للخطر. ومن أجل تبرير مواقفهم أمام الناس الذين يتّهمونهم بانعدام الغيرة ونكران الجميل فهم يقولون: «إنّكم لا تفقهون من السياسة شيئاً. فلابدّ من التطبيع والحوار مع أمريكا كي ندفع الأخطار عن بلادنا»! وهذا خلاف الصبر تماماً. فالصبر هو أن نثبت ونصمد بصلابة كالرجال. بالطبع لابدّ إلى جانب ذلك أن يكون لدينا خطّة متقنة وتدبير للامور، لكن عندما ندرك أنّه ثمّة عملٌ مّا ينبغي القيام به فلا يجوز أن نتهاون أو نتقاعس، فهذه من العوامل التي تردع المرء عن أداء التكليف. ولا ننسى أن بحثنا يتناول موضوعاً قد ثَبُت فيه التكليف، وإلا فإنّ ولوج ميدان العمل من دون هدف محدّد وخطّة مسبقة الإعداد ليس بالأمر المعقول؛ «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ»7؛ فيجب علينا أن نستعدّ لطاعة الله ورسوله ووليّ الأمر. طبعاً قد يكون عذر البعض مقبولاً عند الله ورسوله في واقع الأمر، لكنّ اختلاق الأعذار والتحجّج عند البعض الآخر غالباً ما يكون منشؤه التقاعس والنزوع نحو الراحة والدعة.
فالفلسطينيّون واللبنانيّون ومن خلال توجيهات الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) قد وصلوا إلى قناعة مفادها أنّ المقاومة هي السبيل الوحيد للنجاة وقد تحوّلت المقاومة عندهم إلى ثقافة جديدة حتّى صارت شعار حزب الله في لبنان في الوقت الحاضر. وهذا أيضاً هو شكل من أشكال الصبر؛ وهو نفس الصبر الذي يتحدّث عنه القرآن الكريم بقوله: «وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ»8؛ أي من أجل إحقاق حقّكم عليكم بالمقاومة وتحمّل المكاره والمشاقّ في سبيلها.

تبليغ الدين مصداق للصبر على الطاعة

المصداق الآخر للصبر هو ميدان الدعوة الدينيّة. فإذا كان ثمّة مَن هو بحاجة إلى إبلاغه الدين، ويتأثّر إذا توفّر مَن يبلّغه من خلال المنطق الصحيح والاسلوب الذي يرضاه الله ويقرّه العقل، فينبغي حينئذ تحمّل أعباء هذا الطريق وولوج هذا المضمار. فسلوك طريق كهذا ينطوي - بما لا شكّ فيه - على عناء ومكاره، بل وقد يضطرّ السالك له أحياناً إلى مقاساة الجوع، والعطش، وتحمّل السلوك المشين الصادر من الآخرين، وما إلى ذلك. فلقد كانت عمليّة الدعوة الإسلاميّة تواجَهُ في الماضي بمشاكل جمّة؛ فشدّ الرحال من أجل إبلاغ الدين كان يمثّل بالنسبة للبعض جهاداً بكلّ ما في الكلمة من معنى. لكنّنا نشهد اليوم، ولله الحمد، تضاؤلاً ملحوظاً لهذه المشاكل. فقد نقل أحد الاُخوة (وهو الآن أحد المراجع الكبار في قمّ المقدّسة وقد كان في ذلك الحين أيضاً مدرّساً بارزاً في الحوزة العلميّة) عن ذكريات التبليغ في شبابه فقال: ذهبت للتبليغ في شهر محرّم الحرام إلى إحدى القرى النائية وكان الفصل شتاءً فلم يُبدِ أحد أيّ استعداد للتعاون معي، بل إنّ أحداً لم يدعُني إلى بيته. إذن هكذا كان وضع الدعوة الإسلاميّة في إيران قبل انتصار الثورة الإسلاميّة (وهي البلد الشيعيّ الوحيد في العالم).

ميادين المقاومة

أمّا مجالات المقاومة فهي تلك الأقسام الثلاثة التي أكّدت عليها الروايات:
القسم الأوّل «صبر عن المعصية» وهو الثبات والمقاومة في مجابهة النفس والشيطان. وهنا لابدّ من الصمود بوجه النفس والشيطان بعنوان انّهما العوامل الداخليّة، ومقاومة الناس في الخارج الذين يمارسون على الإنسان ضغوطاً عبر التهديد والسخرية أو من خلال علاقات الصداقة وروابط المحبّة بعنوان أنّهم العوامل البشريّة الخارجيّة. والقسم الثاني هو الـ «صبر عند الطاعة» حيث يتعيّن على الإنسان أن يدع التقاعس جانباً ويكون جادّاً في أداء التكليف. بالطبع عليه هنا تأدية التكاليف الواجبة بالدرجة الاُولى والمستحبّة بالدرجة الثانية مراعاةً للأفضل فالأقلّ فضلاً. أمّا القسم الثالث فهو الـ «صبر عند المصيبة». فليكن في علمنا أنّ الحياة الدنيا لا تكون من دون مصاعب ومحن. فقد خلق الله عزّ وجلّ الدنيا محفوفة بالمصاعب. ليس هذا فحسب، بل لقد قال سبحانه وتعالى بنفسه: «لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَد»9، والكبد هو العذاب والمعاناة، وإنّه يصطلَح على مجموع هذه المحن والمصاعب وكذا الصبر عليها ومقاومتها بـ «المكابدة». فكم من الآلام والمعاناة يتحتّم على الاُمّ أن تتحمّلها في سبيل ولادة طفلها وتنشئته. فهو عزّ وجلّ يقول في حديث قدسيّ: «وَضَعْتُ الرَّاحَةَ فِي الْجَنَّةِ وَهُمْ الناس يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا فَلا يَجِدُونَهَا»10. إذن نحن نطلب الراحة في الدنيا لكن من غير جدوى، فهي: «دار بالبلاء محفوفة»11. والتجارب أثبتت أنّه ما من عمل مهمّ يمكن تنفيذه من دون مصاعب ومشاقّ. إذن ما على المرء إلا أن يلقّن نفسه بأنّه لابدّ من السعي الحثيث والجهد المتواصل من أجل بلوغ أيّ منصب أو مقام، حتّى وإن كان دنيويّاً؛ فإنّه

وما نيل المطالب بالتمنّي      ولكن تؤخذ الدنيا غلابا12

فلا دوام لما يُستحصل بالحيلة والخداع وسرعان ما يفتضَح أمر مَن يستخدم هذه الأساليب ويمسي منبوذاً من قبل الناس.

لا يبلغ الرجل المدلّل مُنيةً    فالعشق من دأب الرجال الكادحين13

والملفت هنا هو أنّ الصبر لا يفضي إلى النجاح في الامور الدنيويّة فحسب بل إنّه ينهض بدور حيويّ حتّى في نيل أفضل الاُمور المعنويّة والكمالات الإنسانيّة وكلّ ما يتعلّق بالهدف النهائيّ من خلقة الإنسان. فباستعراضنا للآيات القرآنيّة سندرك أنّ الصبر هو المفتاح لكلّ نجاح وموفقيّة. فالله تعالى كان قد نصر في واقعة بدر تلك الفئة القليلة العدّة والعدد من الحفاة، حين قال: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ»14. ثمّ حثّهم على الثبات والمقاومة بقوله: إن أصابكم ضعف مددناكم بالملائكة: «بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ»15. فلا تظنّوا أنّ ملائكة الله الذين هرعوا لنجدتكم كانوا بهذا العدد فقط. فلم تكن مهمّة هؤلاء إلاّ فكّ العقدة التي أنتم فيها؛ لكنّكم إذا تحلّيتم بالصبر والتقوى ثمّ أصابكم بعض العجز فسوف نمدّكم بخمسة آلاف ملَك أيضاً، لكن بشرط أن تتحلّوا بـ «الصبر» و«التقوى»؛ «إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ».
وفيما يتّصل بنيل النجاحات الدنيويّة أيضاً فإنّه تعالى يشير إلى قصّة يوسف (عليه السلام) فيقول: «إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ»16. فالمقام الذي ناله يوسف (عليه السلام) كان بسبب ما احتمله من صبر في مقاومة المعصية. هذا هو الأجر الدنيويّ فقط أمّا الأجر الاُخرويّ فمفروغ عنه. ويشير القرآن الكريم إلى هذا المضمون في عدد من الآيات وهو أنّ اقتران التقوى مع الصبر هو شرط الظفر في الدنيا وفي الآخرة معاً. والتقوى هي أن يمتلك الإنسان روح الاجتهاد في فهم ما عليه من تكليف شرعيّ والعمل به بعد فهمه؛ وذلك بطاعة الله ورسوله ووليّ الأمر، ومن ثمّ الصمود بوجه العدوّ ومقاومته من خلال التوكّل على الله سبحانه وتعالى.

النصر لا يكون إلاّ من عنده سبحانه

واستكمالاً للآيات التي تتناول واقعة بدر يقول عزّ من قائل: «وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ»17؛ فلقد مددناكم بالملائكة فانتصرتم، لكن لا تتوهّموا أنّ الملائكة هم من نصركم. فنحن لم نرسل الملائكة إلاّ من أجل أن تطمئنّ قلوبكم؛ وإلاّ فما النصر إلاّ من عند الله القويّ المقتدر الحكيم.
فلا ينبغي للمؤمن أن يمدّ عينيه إلى غير يد الله تعالى، فلا يقصرّن في أداء الواجب من ناحية، ولا يخافنّ من شيء أبداً، فإن انتابه عجز أعانه الله تعالى عبر طرق اُخرى حتّى وإن كانت قوى غيبيّة. وحتّى في حال مدّنا بالقوى الغيبيّة فإنّه لا ينبغي أن نتصوّر أنّ الأمر بيد تلك القوى؛ بل إنّ أصل النصر والإعانة بيد الله وحده. إذن فلتتجه أعينكم إلى يد الله تعالى، ولا تتوكّلوا حتّى على الملائكة. فالإسلام يصبو إلى تنشئة اُناس كهؤلاء.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بحار الأنوار، ج29، ص223.

2. سورة الأحقاف، الآية 35.

3. سورة طه، الآية 130، وسورة الروم، الآية 60، وسورة القلم، الآية 48.

4. الكافي، ج5، ص52.

5. وسائل الشيعة، ج15، ص238.

6. سورة البقرة، الآية 217.

7. سورة النساء، الآية 83.

8. سورة العصر، الآية 3.

9. سورة البلد، الآية 4.

10. بحار الأنوار، ج75، ص453.

11. نهج البلاغة، الخطبة 226.

12. للشاعر أحمد شوقي.

13. في إشارة لبيت شعر بالفارسيّة لحافظ الشيرازيّ يقول فيه: نازپرورده تنعم نبرد راه به دوست       عاشقی شيوه مردان بلاکش باشد

14. سورة آل عمران، الآية 123.

15. سورة آل عمران، الآية 125.

16. سورة يوسف، الآية 90.

17. سورة آل عمران، الآية 126.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org