بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 3 تشرين الثاني 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الأُسس الفلسفيّة للحقوق الجزائيّة في الإسلام

«... وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاء»1
تلونا في المحاضرات السابقة مقاطع من خطبة الزهراء (سلام الله عليها) وقد وصلنا إلى العبارة التي تقول فيها (عليها السلام): «وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاء»؛ ومعناها أنّ الله عزّ وجلّ قد سنّ القصاص للحيلولة دون إراقة الدماء. ومن أجل توضيح هذه المسألة أودّ أن اُشير إلى إحدى المسائل المتعلّقة بفلسفة الحقوق.
إنّ من جملة المسائل المطروحة في المدارس الحقوقيّة المختلفة في العالم هي: ما هي الحكمة من تشريع القوانين الجزائيّة؟ وحيث إنّ بعض الحاضرين قد لا يكونون محيطين بهذه المباحث فلا بأس بتقديم مقدّمة للموضوع.
من المسلّمات أنّ البشر بحاجة إلى قانون من أجل حفظ مصالح الحياة الاجتماعيّة، وإنّ انعدام الضابط الذي ينظّم سلوك البشر يؤدّي إلى الإخلال في نظم حياتهم. فأصل هذه المسألة بديهيّ أو شبه بديهيّ ويندر العثور على مَن يشكّك فيه. لكنّ المشكلة لن تُحَلّ بمجرّد وضع القانون؛ ذلك أنّ القوانين بحدّ ذاتها لا تضمن تنفيذها. ولهذا فمن أجل تأمين المصلحة المنشودة من تلك القوانين يضطرّ المشرِّع إلى وضع قوانين اُخرى تكون مشرفة على القوانين السابقة قائلاً: «إذا خالف أحد تلك القوانين فلابدّ من معاقبته». أمّا إذا کانت الطائفة الثانية من القوانين – حالها حال الطائفة الاولى – مجرّد حبر على ورق فستواجه نفس الإشكال السابق. من هذا المنطلق لابدّ من توفّر ضامن قويّ لتنفيذ هذه المجموعة من القوانين كي تُفرض العقوبة على المتجاوز فرضاً.
فمن سمات الطائفة الاُولى من القوانين انّها لا تُفرض بالقوّة. فهي لا تتخطّى حدّ القول مثلا: المعاملة التجاريّة الفلانيّة باطلة، الارتشاء ممنوع، رفع أسعار السلع ممنوع، وهكذا. غير أنّ الطائفة الثانية تقول: إذا خالف أحد تلك القوانين فتجب معاقبته. وهذه العقوبة يجب أن تكون إجباريّة وتنفَّذ من قِبل قوّة قاهرة. بل إنّ من جملة أدلّة ضرورة الحكومة - أساساً - هي هذه المسألة. فإن افتقرت هذه القوانين إلى ما يضمن تنفيذها فلن تتعدّى حدّ المواعظ والنصائح الأخلاقيّة. إذن لابدّ أن تكون للحكومة سلطة تكفل تنفيذ القوانين الجزائيّة. وبهذه المقدمة تثبت ضرورة وجود القوانين الجزائيّة.

بعض الآراء حول فلسفة الحقوق الجزائيّة
1. الانتقام

لكن ما هي الحكمة من وراء وضع القوانين الجزائيّة؟ هل هذه القوانين هي قوانين ثابتة ياترى؟ وإلى أيّ حدّ يجب أن تكون متشدّدة، وإلى أيّ مدىً يتعيّن أن تكون متساهلة؟ هذه المسائل تتعلّق بفلسفة الحقوق الجزائيّة. فمن النظريّات المطروحة في باب فلسفة حقوق الجزاء هي أنّ الحكمة من وضع القوانين الجزائيّة هي الانتقام من المخالف؛ أي: عندما يقرّ المجتمع مجموعة من القوانين فإنّ المخالف لهذه القوانين يوجّه - في الحقيقة - إهانة للمجتمع، ومشرِّعي القانون، والمتصدّين لهذا الأمر ولمصالح الامّة، وهو الأمر الذي يثير سخط سائر أفراد المجتمع، ونتيجة لذلك يعمد اولئك الذين يؤمّن القانون مصالحهم إلى الانتقام من المخالف. ومن هنا فإنّ فلسفة الحقوق الجزائيّة هي الانتقام ممّن يخالف القانون.

2. مجرّد الردع

أمّا النظرية الاخرى فتقول: إنّ أهمّ حكمة لوضع القوانين الجزائيّة هي الردع؛ أي إن المخالف للقانون يعاقب كي يرتدع الآخرون فيحول ذلك دون شيوع الفساد في المجتمع. إذن فالغاية من القانون الجزائيّ أصلاً هي الوقوف أمام شيوع ظاهرة مخالفة القانون. فالعلّة من قول الإسلام مثلاً: اقطعوا يد السارق هي عندما يشاهد الناس يد السارق المقطوعة فانّه يزول من نفوسهم الدافع والمحفّز إلى السرقة.
هذه الاُسس ومثيلاتها من الأُسس المطروحة في هذا المجال لها لوازم وتبعات يمكن أن تشاهد اليوم في أجواء جامعات العالم ولا نستثني منها كلّيات الحقوق في جمهوريّتنا الإسلاميّة الثوريّة، حيث من نتائج أمثال هذه النظريّات خلْق اُناس يلقون بقوانين الإسلام وأحكامه وراء ظهورهم بل ويُظهرون مخالفتهم لها أحياناً. وكنموذج على ما قلنا كتب أحدهم مقالة في هذا الموضوع (من المؤكّد أنّ أكثركم سيعرفه لو نطقت باسمه ويندهش من كتابة شخص كهذا لمثل هذا الكلام) يقول فيها: «الأصل في قوانين الجزاء هو الردع. ولهذا علينا في كلّ زمان أن نبحث عن السبل التي تكون أنجع من غيرها في الوقوف بوجه الذنب والجريمة. ففي زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كانت الطريقة المثلى للحدّ من السرقة هي قطع يد السارق. لكنّ ظروف المجتمع قد اختلفت اليوم ومن الممكن أن تكون ثمّة طرق اُخرى للحيلولة دون شيوع ظاهرة السرقة؛ أي من الممكن تأمين فلسفة هذا القانون من طرق اخرى. إذن علينا أن نفكّر بالسبل والأساليب التي تكون أكثر تناسباً مع ثقافتنا وظروف مجتمعنا»! أقول هذا لتعلموا أنّ القضيّة بالغة الجدّية، فمنذ الأيّام الاولى للثورة كان هناك من يطلق مثل هذه النداءات ومن جملتهم جماعة المنافقين2 التي كانت تعلن بشكل رسميّ وبكلّ صراحة عن مثل هذه الآراء.

الاُسس الفلسفيّة للحقوق الجزائيّة من وجهة النظر الإسلاميّة

أ) الاُسس المتّصلة بعلم الإلهيّات
السؤال المطروح هنا هو: ما هي فلسفة الحقوق الجزائيّة من وجهة نظر الإسلام حقّاً؟ إنّ كلّ ما هو مطروح في المدارس الفلسفيّة في العالم لا يأخذ بنظر الاعتبار سوى حياة الإنسان في هذه الدنيا وما لها من آثار ولوازم. فنحن لا نعثر اليوم في أيّ من مدارس فلسفة الحقوق في العالم على ما يشير الى الله أو الآخرة. فالأصل في هذه المدارس هو ضمان الأمن والرفاهية في الحياة الدنيا ولا شيء آخر على الإطلاق.
لكنّنا نمتلك - وفقاً للإسلام - فلسفة حقوق خاصّة بنا ولسنا مضطرّين للأخذ باُسس أيّ واحدة من المدارس الحقوقيّة في العالم. ولهذه المسائل اُسس يتعلّق بعضها بعلم الإلهيّات ويرتبط بعضها الآخر بمعرفة الإنسان.
إنّ أكثر اُصول الإسلام أساسيّة هو الاعتقاد بالله الواحد وضرورة الامتثال لأوامره، وإنّ محلّ إثبات هذا الأصل هو علم الكلام والفلسفة؛ أمّا فيما يتعلّق باُسس الحقوق الإسلاميّة فيؤخذ هذا الأصل على أنّه أصل موضوع، وإنّ جميع الاُصول ترتبط به بشكل أو بآخر.

ب) الاُسس المتّصلة بمعرفة الإنسان
كذلك فإنّنا مالم نعرّف الإنسان ونتعرّف على أسباب كماله ونقصه، وسعادته وشقائه فلن يكون باستطاعتنا الخوض فيما يتعلّق بواجباته، وصلاحيّاته، وحقوقه. فبالنسبة لما يرتبط باُسس معرفة الإنسان فنحن لا نعتقد أنّ الإنسان هو مجرّد موجود تلده اُمّه ثمّ ينتهي به المطاف عند دفنه في قبره. فعمر الإنسان – في واقع الأمر - لا نهاية له، والحياة الدنيا لا تمثّل إلاّ جزءاً يسيراً من عمر ابن آدم وهي بمثابة الطور الجنينيّ الثاني له. فعندما تنعقد نطفة الإنسان يقضي فترة تسعة أشهر في بطن أمّه لا يملك خلالها أيّ اختيار من نفسه. ثمّ يقضي بعدها طوراً جنينيّاً آخر يستمرّ حوالي 90 سنة أو أقلّ من ذلك أو أکثر، ويتحتّم عليه في هذا الطور أن يبني نفسه بنفسه. وبعد هذه المرحلة تكون حياته الحقيقيّة قد بدأت للتوّ وهي ما يعبّر عنه القرآن الكريم بقوله: «يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي»3، أو قوله: «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»4. ومن هذا المنطلق فإنّ الحياة الدنيا هي مقدّمة لحياة الإنسان الأبديّة.
إنّ رؤية كهذه إلى الإنسان من شأنها أن تترك بصماتها على ما ينظّم حياته من أنظمة الحقوق، والأخلاق، والقيم، وما شابهها، كما أنّه لو اعتقد امرؤ بأنّ حياة الإنسان لا تتعدّى هذه الحياة الدنيا: «مَا هِيَ إلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاّ الدَّهْرُ»5 فسيُلقي هذا الاعتقاد أيضاً بظلاله على نظام الحقوق، والأخلاق، والقيم، وما إلى ذلك.
حسب الرؤية الإسلاميّة فإنّ الله قد خلق البشر من أجل أن يصلوا إلى حيث الكمال، وهو ما لا يحصل إلا عن طريق الاختيار. وهذا يحتّم وجود سبيلين؛ أحدهما سبيل الكمال، والآخر سبيل السقوط. فقد خلق الله الإنسان في هذا العالم كي يواجه مفترق طريقين ويختار طريقه هو بنفسه. فمن خواصّ هذا العالم هو أنّ الإنسان يواجه فيه دوماً مفترق طريقين أو طرق عديدة، ويتعيّن عليه حينها ان ينتخب إمّا طريق الحلال وإمّا طريق الحرام. إذ يقول القرآن الكريم: ليست فلسفة وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا سوى ما ذكرنا: «خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكمُ‏ْ أَحْسَنُ عَمَلاً»6.
إذن كيف يهيّئ الله تعالى – والحال هذه – للناس مناخاً للتكامل؟ والجواب هو: لابدّ أن يهديهم ويعرّفهم بالحسن والقبيح من الأعمال والامور. فلولا هداية الباري عزّ وجلّ للناس فإنّ معظمهم، بل لعلّ جميعهم سيضلّون سبيلهم. ومن جملة ألوان الهداية الإلهيّة هي هذه القوانين التشريعيّة التي تبيّن أيّ الأعمال جائزة، وأيّها واجبة، وأيّها ممنوعة ومحرّمة.
فالأصل في رؤيتنا الكونيّة يتلخّص في أنّه إذا خالف امرؤ هذه القوانين فإنّه سيتعرّض للعقاب في العالم الآخر. فالدنيا هي دار امتحان، أمّا العقاب والثواب فإنّهما في العالم الآخر. لكنّ الله سبحانه وتعالى وانطلاقاً من رحمته الواسعة فقد سنّ سنّة اُخرى مفادها أنّ بعض الذنوب تكون بحيث إذا تعرّض مرتكبها إلى جزء من العقوبة في الدنيا، فسيكون ذلك سبباً للرحمة بالنسبة له وأحياناً بالنسبة للآخرين أيضاً. فالقرآن الكريم يقول: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ»7. أمّا جواب الباري عزّ وجلّ على السؤال القائل: لماذا يجعل الله في الحياة الدنيا كلّ هذه المصائب والمحن؟ فهو: «لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»8؛ أي إنّنا نذيقهم بعض آثار ما اقترفوه في الحياة الدنيا لعلّهم، أو لعلّ الآخرين، يتّعضون فيقلعون عن ذنوبهم.
إذن فليست الحكمة من جعل الله تعالى عقوبة بعض الذنوب في الدنيا هي الانتقام من الآخرين، كما أنّها ليست لمجرّد ردعهم بل هي من أجل تنبيه المذنبين وغيرهم إلى مدى الضرر الذي يصيب المرء جرّاء عمله القبيح. فهذه العقوبة من شأنها أن تشكّل رادعاً لهم وللآخرين عن ارتكاب المعصية.

فلسفة الحقوق الجزائيّة وفق الرؤية الإسلاميّة

ومن هنا فإنّ فلسفة حقوق الجزاء في الإسلام تنبثق من المباني والاُسس القائلة: كما أنّ معاقبة المخالفين ستخفّف – من ناحية - من شدّة العقاب الذي سيواجهونه في الآخرة على فعلتهم، فإنّهم – من ناحية اخرى - سيشاهدون ويشاهد الآخرون أيضاً الآثار السيّئة لهذا العمل فلا يعودون لمثله بعد ذلك: «نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ»9.
فالله عزّ وجلّ ومن باب رحمته الواسعة يُري جانباً من نتائج الأعمال في هذا العالم كي يرتدع المسيء عند مشاهدة آثار سيّئاته ويتشجّع المحسن لفعل المزيد من الخير عند مشاهدة حسناته: «وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين»10.
ووفقاً لهذه الرؤية الإلهيّة تتبيّن فلسفة حقوق الجزاء. لكنّ المنجذبين إلى الغرب والذين لا يستطيعون المقاومة أمام أفكار الغربيّين يطرحون اُسساً اخرى فيقولون: «إنّ فلسفة هذه القوانين تنحصر في الردع؛ إذن كيفما حصل الردع فهو حسن وليس من الضروريّ أن يكون عن طريق قوانين الجزاء الإسلاميّة!». أمّا نحن فنعتقد بضرورة تبيين فلسفة حقوق الجزاء حسب وجهة النظر الإسلاميّة عبر أخذ اُسس علم معرفة الوجود ومعرفة الإنسان بالحسبان، لا أن نقلّد الاُسس الغربيّة تقليداً أعمى وهي اُسس مرتكزة على المادّية ومحوريّة الفرد أو اللذّة.

اختلاف الحدود والتعزيرات عن الديّات والقصاص

ومن الضروريّ هنا أيضاً الالتفات إلى مقدّمة اخرى اُشير إليها على عجل. إذ يمكن تقسيم التجاوزات على القانون بشكل عامّ إلى قسمين: قسم يرتبط بحقوق الآخرين، وقسم يتّصل بحقوق الله تعالى؛ أي إنّ المرء بارتكابه للأخيرة سيخرج عن نطاق عبوديّة الله عزّ وجلّ، حتّى كأنّه يعلن الحرب على الله تبارك وتعالى. وبعبارة اخرى، فالمخالفة إمّا هي تجاوز على حقوق الناس، أو اعتداء على حقّ الله. فبالنسبة للمخالفات المتّصلة بحقّ الله فلقد وُضعت أحكام ثانويّة اُطلق عليها الحدود والتعزيرات. والمقصود من الثانويّة هنا هو أنّها أحكام ناظرة إلى أحكام اخرى وهذا هو مصطلح خاصّ. كما وسُمّيت الأحكام الموضوعة فيما يرتبط بحقوق الناس من مخالفات بالقصاص والديّات. فهذان البابان يشبه أحدهما الآخر إلاّ أنّ هناك فرقاً بين الاثنين. ففي القصاص إذا تنازل صاحب الحقّ عن حقّه فإنّه لا يُنَفّذ الحكم. أمّا الأحكام الجزائيّة الخاصّة بالتجاوز على حقّ الله، كشرب الخمر والزنا على سبيل المثال، فالاعتداء فيها لم يَطَل حقّ أحد كي يتنازل عن حقّه ويعفو عن المذنب. وحتّى إذا عفى المعتدَى عليه عن المذنب فليس للقاضي أن يعفو عنه، بل عليه أن ينفّذ حكم الله تعالى. فحقّ الله يتمثّل بالمصالح العامّة للمجتمع الإسلاميّ وليس ثمّة مُدّعٍ خاصّ له. فالله في هذه الحالة هو الذي يصدر حكمه، وإنّ حكم الله قطعيّ. فكلام السيّدة الزهراء (عليها السلام) ناظر إلى المخالفات المتّصلة بالاعتداء على حقّ الناس وليس إلى جميع الأحكام الجزائيّة.
تقول مولاتنا فاطمة (عليها السلام): «وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاء». فكلّنا على يقين بأنّه إذا طالب وليّ الدم بإعدام القاتل، وحُكم على الأخير في المحكمة بالإعدام، ونُفّذ هذا الحكم بحضور جمع من الناس فإنّ ذلك لا محالة سيحدّ من نسبة عالية من جرائم القتل. فعندما يعاقب مجرم مّا في إحدى المؤسّسات أو أحد أجهزة الدولة فستبقى تلك المؤسّسة أو ذلك الجهاز مصوناً من الجريمة لمدّة طويلة من الزمن. وكذا فإنّ جريمة قتل النفس البريئة ضمن البيئة الاجتماعيّة العريضة يُعدّ في نظر القرآن الكريم بمثابة قتل الناس جميعاً؛ إذ يقول عزّ وجلّ: «مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً»11. فالجرح العميق الذي يسبّبه ذنب عظيم كهذا لا يمكن مداواته بإيداع المذنب في السجن.

القصاص حافظ للحياة

يتفوّه البعض بسفسطة في هذا المجال مفادها: «إنّ عقوبة الإعدام تتنافى مع كرامة الإنسان وحقّه في الحياة»! لكنّ هذا الكلام لا يعدو كونه كلاماً فارغاً فالكلّ يعلم أنّه لابدّ من أجل الحفاظ على أمن المجتمع من القصاص من القاتل فذلك سيحافظ على حياة الآخرين. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ»12. فلو كان لكم ذرّة من عقل (والخطاب لقائلي هذا القول) لفهمتم أنّ قانون القصاص إنّما شُرّع لحفظ أرواحكم. فإن كنتم تقيمون وزناً لحياة الإنسان فإنّ السبيل لحفظ حياة الإنسان هو القصاص؛ ذلك أنه إذا لم يُقتل القاتل فسيُقتل في المستقبل المئات من الأبرياء وتُقترف الآلاف من الجرائم.
نعم، إنّ للإنسان كرامةً مادام مراعياً للحقوق. لكنّ الذي يعلن حرباً على الله عزّ وجلّ فهو أخسّ وأدنى قيمة حتّى من الحيوان؛ إذ يقول عزّ من قائل: «إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ»13؛ أي: أخسّ المخلوقات. فأيّ كرامة لأمثال هؤلاء؟ فالذي يعلن الحرب على الله تعالى إنّما يعتدي على مصالح العباد جميعاً. فأيّ كرامة لمثل هذا الإنسان؟ وبناءً على ذلك فإن من يرى قيمة للحياة الآدميّة فلابدّ أن يدعم قانون القصاص، وما قول سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) حينما قالت: وجعل «الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاء» إلا من هذا المنطلق.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بحار الأنوار، ج29، ص223.

2. جرت عادة الإيرانيّين على إطلاق هذه التسمية على ما يُعرف بمنظّمة مجاهدي خَلْق الإرهابيّة.

3. سورة الفجر، الآية 24.

4. سورة العنكبوت، الآية 64.

5. سورة الجاثية، الآية 24.

6. سورة الملك، الآية 2.

7. سورة الشورى، الآية 30.

8. سورة الروم، الآية 41.

9. سورة البقرة، الآية 66.

10. سورة العنكبوت، الآية 27.

11. سورة المائدة، الآية 32.

12. سورة البقرة، الآية 179.

13. سورة البيّنة، الآية 6.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org