بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 17 تشرين الثاني 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الأمن في مجال البدن والنفس والمال ممهّد لسموّ الإنسان

«... وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّة»1
يعلم الاخوة أنّنا كنّا مسترسلين في تلاوة الخطبة الفدكيّة لمولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) مقدّمين توضيحاً موجزاً لكلّ مقطع من مقاطعها. تبيّن الزهراء (عليها السلام) في هذا المقطع من خطبتها الشريفة الحِكَم من وراء قسم آخر من معارف الإسلام وتشريعاته.
لقد عرضنا في المحاضرة السابقة لمقدّمة مفادها أنّ الله تبارك وتعالى، وعلى أساس الرؤية الإسلاميّة والقرآنيّة، قد شاء أن يجعل حياة الإنسان في هذا العالم بحاجة إلى تكاتف الآخرين وتشكيل المجتمع، وأنّ الكمال الذي قدّره عزّ وجلّ لابن آدم إنّما يتحقّق في ظلّ حياة من هذا النمط.

الحياة الاجتماعيّة ممهّدة للامتحان

إنّ من حِكَم تأليف المجتمع هي أنّه على خلفيّة العلاقات التي تتكوّن بين مختلف أفراده فإنّ أرضيّة للتكاليف تتوفّر لهم الأمر الذي يهيّئ بيئة للامتحان والاختبار؛ إذ مالم يُمتحَن الإنسان فلن يُعلَم إلى أيّ حدّ يتّسم جوهره بالطهارة وإلى أيّ مدى هو يضمر إرادة الخير والعبوديّة لله تعالى. فالكمال الذي قدّره الله عزّ وجلّ للإنسان إنّما يُستحصل في ضوء أفعاله الاختياريّة، ومن هنا فلابدّ من أن تُهيّأ له أرضيّة خصبة للاختيار والامتحان. ففي الحياة الاجتماعيّة تتوفّر للإنسان في كلّ لحظة - وعلى خلفيّة ما يربط الناس فيها من علاقات اجتماعيّة - المئات من أرضيّات الامتحان؛ فمثلاً: إلى أيّ شيء يجوز أن ينظر، وإلى أيّ شيء لايجوز له أن ينظر؟ ما الذي ينبغي أن يسمع وما الذي لا ينبغي أن يسمع؟ بأيّ شيء يفكّر وبأيّ شيء لا يجوز التفكير؟ إلى أين يذهب وإلى أين لا يجوز الذهاب؟ فلولا الحياة الاجتماعيّة لما تهيّأت مثل هذه التكاليف، ولولا هذه التكاليف لما توفّر مناخ للاختيار، ولولا الأخير فلن يبلغ الإنسان ما ينبغي له بلوغه من درجات الكمال. فهدف خلقة الإنسان هو أن يختار الصراط المستقيم بنفسه. لكنّ الاختيار له جانبان، ولن يكون للاختيار معنى إلا إذا واجه المرء مفترق طريقين على الأقلّ. فصحيح أنّ الله قد طلب من ابن آدم سلوك الطريق السويّة والصراط المستقيم، بيد أنّه لابدّ من وجود الطريق المعوجّة أيضاً كي يتجنّبها. وفي الوقت ذاته فإنّ الله سبحانه لا يترك الإنسان وشأنه تماماً كي يقع في حبائل الشيطان. فمع أنّ كلاًّ من عوامل الشيطان وعوامل الرحمٰن موجودة وأنّ هناك توازنا بين الاثنين، لكنّ الله جلّت آلاؤه - ومن منطلق لطفه ورحمته، ومن باب أنّ الهدف الأساسيّ هو الوصول إلى الرحمة لا إلى العذاب – يهيّئ وسائل من شأنها أن تعِين البشر على معرفة السبيل القويمة بنحوٍ أفضل فيُساقون إليها بنسبة أكبر ويُحال بينهم وبين جادّة الانحراف والضلال.

التشريعات الإلهيّة تقوّي سبيل الخير

لقد أشارت الزهراء (سلام الله عليها) في العبارات السابقة إلى بعض ما يسوق المرء إلى سبيل الخير، وهي تذكر هنا اُموراً اُخرى من شأنها أن تجرّ الإنسان إلى طريق الشرّ.
لقد جعل الله تعالى تقديراته وتدبيراته فيما يحول – ما أمكن - بين الإنسان ووقوعه في مهاوي الضلال ويجنّبه مسائل العبث والفساد، ومن جملة هذه التدبيرات هي منظومة التشريع. فقد بعث الله إلى البشر أنبياء ليبيّن لهم عن هذا الطريق الحلال والحرام كي يحيطوا علماً بما هو سيّئ وشرّ من الامور وما لها من سوء الآثار ليجتنبوها. بمعنى أنّ الله تعالى كما أنّه يهيّئ العوامل التي تقود البشر إلى جادّة الخير، فهو أيضاً يقيّض لهم العوامل التي تردعهم عن سلوك درب الشرّ. فجعل مثل هذه العوامل يفصح عن منتهى اللطف الإلهيّ؛ فلو اقتصر الله عزّ وجلّ على تبيين الحسَن والقبيح للبشر ثمّ سكت: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً»2 لكانت الحجّة على البشر قد تمّت وأرضيّة الاختيار قد مُهّدت؛ لكنّه جلّ وعلا يحبّ أن يختار العددُ الأكبرُ من الناس سلوكَ جادّة الخير ليصلوا إلى الكمال المطلوب، ومن هنا فهو يسعى لتقوية جانب الخير ويحذّر من الامور التي تُعِدّ لمناخ الشرّ.

حفظ الأمن الفرديّ والاجتماعيّ واجب عقليّ وشرعيّ

قد ترتبط مسائل الشرّ بشخص الإنسان فقط فتخرّبه هو وحده. فقد وهب الله الإنسان بدناً سليماً معافىً لم يتوصّل كبار الباحثين والعلماء بعدُ إلى أسراره حتّى بعد مضيّ قرون من الزمن. كما أنّه سبحانه وتعالى قد خلق روحاً وجعلها متعلّقة بهذا البدن وربطهما سويّة برباط وثيق بحيث يؤثّر كلّ منهما في الآخر؛ فإنّ بعض ما يصيب البدن من دنس وتلوّث يترك أثره على الروح أيضاً فيعيق عملها.
فمضافاً إلى ضرورة بقاء الجانب الفرديّ من وجودنا (الجسم والروح) سالماً معافىً كي ينجز أعماله على النحو الصحيح، فإنّه لابدّ من أن تكون بيئة المجتمع بيئة سليمة صحّية يأمَن فيها أفراده على أعراضهم وكرامتهم كي يتمكّنوا من العيش. فإذا لم تكن البيئة الاجتماعيّة آمنة، سواء من الناحية المادّية أو الروحيّة، فلن يتسنّى للمرء التكامل فيها بما يكفي. فإنّ جُلّ جهد الإنسان في الأجواء غير الآمنة سوف يُبذل في المعارضات ومحاولة حفظ النفس والمال والكرامة. إذن فإنّ من سبل الفساد الاخرى هي الامور التي تفسد البيئة الاجتماعيّة وتسلب منها الأمن. وإنّ الجمل الثلاث الأخيرة التي ذكرتها مولاتنا (عليها السلام) ترتبط بالعوامل الرادعة.

المُسْكِرات تُلوّث الجسم والروح

لقد سنّ الله عزّ وجلّ من أجل سلامة بدن الإنسان تشريعات من جملتها تحريم الـمُسْكرات. فالعنب هو من نعم الله المحلّلة على البشر وهو غنيّ بالفوائد، والقرآن الكريم يكثر من ذكر بعض أنواع الثمار ومنها التمر والعنب، فيقول عزّ من قائل في محكم كتابه العزيز: «وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً»3؛ أي إنّنا مننّا عليكم بالتمر والعنب لكنّكم - انقياداً للشيطان واتّباعاً له - تصنعون من هذه النعم البالغة الحسن والفائدة المسكرات، هذا وإن كنتم تحصلون منها على رزق مفيد أيضاً. فالمسكرات تضرّ بالبدن من جهة، وتذهب بالعقل من جهة اخرى، وتسلب المجتمع أمنه من جهة ثالثة. فالروح السليمة والبدن السليم هما وسيلتان جعلهما الله تعالى من أجل أن يتحرّك الإنسان، ثمّ أتْبع ذلك بأمرنا بأن لا نفسد روحنا وبدننا بسوء إفادتنا من النعم الإلهيّة؛ هذا مضافاً إلى أنّه حتّى عقل الإنسان يدرك سوء هذا الفعل أيضاً. فلقد أمرنا الله تعالى عبر مزيد من التأكيد والتشديد أن لا نقترب من الخمر، فسنّ قانوناً بمثابة عاملٍ للردع مفاده: اجتنبوا الخمر لئلا تتدنّسوا وتتلوّثوا: «تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ».
لقد جاءت عبارة: «النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ» معطوفة على الجمل السابقة؛ ليكون معناها أنّ الله قد أوجب الصلاة والزكاة والنهيَ عن شرب الخمر. لكن يبدو للوهلة الاُولى أنّ هناك عدم تناسب بين هذه العبارات. ويوجد احتمال ضعيف لتعليل ذلك وهو أنّه قد جرى بعض الحذف في النسخ، أمّا الاحتمال الآخر فهو أنّ الموضوع قد ينطوي على التفاتة أدبيّة تُعدّ من لطائف اللغة وجميل البيان وهي أنّ الناس يتفنّنون أحياناً في الكلام فيخرج عن سياقه العاديّ إلفاتاً للانتباه. فالقرآن الكريم – على سبيل المثال – يقول: «قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ  أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً»4. إذ كان لابدّ أن يقول جرياً على القاعدة: «ما حرّم ربّكم... ألا تشركوا بالله ولا تعقّوا الوالدين» لكنّه قال متحوّلاً عن السياق العامّ للجملة: «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً». فهذا التغيير في السياق هو من أجل لفت انتباه المخاطَب وإنّ له لطائفَ والقرآن الكريم يستخدم هذا الاسلوب في مواطن عديدة. فلعلّ مولاتنا (عليها السلام) أرادت هنا، إلفاتاً منها إلى موضوع جديد، أن تتحوّل في سياق الكلام من ذكر الواجبات والأوامر التي تقود المرء نحو الكمال إلى ذكر النهي عن المحرّمات.

حرمة القذف ضمان للأمن النفسيّ للمجتمع

قد تتعرّض كرامةُ الإنسان وعِرضُه للخطر تارة وقد يتعرّض ماله للخطر تارة اخرى. ومن هذا المنطلق تقول الزهراء البتول (سلام الله عليها): «وَاجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ». والقذف هو اتّهام الآخرين بأعمال غير مشروعة. ومعناه اللغويّ يرادف «الرمي»، إذ يقول القرآن الكريم: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فىِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»5. هذا العمل هو من حيل الشيطان وألاعيبه وإنّ له تاريخاً طويلاً. فلقد نال البعضُ بهذه الحيل الشيطانيّة حتّى من نساء النبيّ (صلّى الله عليه وآله). ولقد حرّم الله تعالى القذف وعيّن له في الشرع حدّاً خاصّاً للمحافظة بذلك على أعراض المجتمع فيأمنون - تبعاً لذلك – من اللعنات الإلهيّة.

انعدام الأمن الماليّ يؤدّي إلى انعدام الأمن النفسيّ

وتقول الزهراء (عليها السلام) أيضاً بخصوص المال: «وَتَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّة». فلو أنّ المسائل الماليّة طبِّقت في المجتمع على نحو سليم، بأن يكسب كلّ امرئ المال عبر الطرق الشرعيّة، ويحفظه باسلوب صائب، وينفقه في المواطن الصحيحة فسوف يوفّر ذلك بيئة لسموّ وتكامل أفراد المجتمع. أمّا إذا لم تُراعَ هذه المسائل، وسُلبت العفّة في المال، واختلّ التوازن الماليّ الذي توجِده السلوكيّات الماليّة والاقتصاديّة السليمة في المجتمع فحينئذ لن تتهيّأ تلك البيئة الصالحة للرقيّ والنموّ. نحمد الله على أنّ هذه الامور لا توجد في مجتمعنا إلا قليلاً؛ لكن عندما يشاهد المرء هذا المقدار الموجود على قلّته يلتفت إلى آثاره السيّئة وما يجلبه من اختلال في الحالة الأمنيّة. فإذا انعدم الأمن الماليّ في مجتمعٍ مّا فسوف يثير ذلك قلقاً مستمرّاً لدى أفراده على أموالهم ويجعلهم دائمي التفكير في كيفيّة الحفاظ عليها وحراستها. هذا على الرغم من أنّ المال لا ينبغي أن يتعدّى كونه وسيلة تُستخدم في حالات الاضطرار والضرورة. فلو كان القرار أن يبذل المرء جهداً مضنياً في كسب المال ثمّ ينشغل ذهنه دوماً بسبل الحفاظ عليه فلن يبقى لديه مجال للعبادة وإنجاز واجباته الاجتماعيّة والمعنويّة.
تذكر السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) - من باب المثال - هذه الموارد الثلاثة (انعدام الأمن على المستوى الفرديّ، وانعدام أمن الأعراض الاجتماعيّة، وانعدام الأمن في المال) بعنوان كونها من الموانع حيث قد لا يستطيع العقل بمفرده الالتفات إلى أنّها خطرة إلى هذه الدرجة. فعقل الإنسان يدرك خطر بعض المسائل ،كخطر أشكال الفساد الجنسيّ والاغتصاب بالقوّة مثلاً ويفهم أنّه لابدّ من فرض عقوبات قاسية على مرتكبي هذه الجرائم، لكنّه قد لا يشعر بكبير خطر إذا قذف أحد امرأةً بفعل قبيح. من المؤسف أنّ هذا الكلام البذيء يلقى رواجاً واسعاً في بعض المجتمعات المتخلّفة من الناحية الأخلاقيّة. أمّا الإسلام فهو يتعامل مع هذا الموضوع بتشدّد بالغ. فقد جاء في الخبر أنّه كان لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) صديق لا يكاد يفارقه وهو دوماً يظهر المودّة والولاء فيمجلسه. فصادف يوماً أن كان مع أبي عبد الله (عليه السلام) في الطريق فافتقد غلامه حتّى إذا وجده قال له: يا ابن الفاعلة، أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) يده فصكّ بها جبهة نفسه ثمّ قال: «سبحان الله تقذف أمّه! قد كنتُ أرى أنّ لك ورعاً فإذا ليس لك ورع»! فقال: جُعلت فداك، إنّ أمّه سنديّة مشركة. فقال: «أمَا علمت أنّ لكلّ أمّة نكاحاً. تنحَّ عنّي». قال: فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق الموت بينهما6.
فهذه الامور تراعَى في الإسلام بدقّة وإنّ لها من الأسرار المهمّة الكثير وهي تتمتّع ببالغ الأثر في تشكيل مجتمع سليم وتوفير مناخ لرقيّ أفراده معنويّاً. لكن للأسف فإنّه جرّاء اختلاط الثقافات وانتشار وسائل الاتّصال غير المناسبة وشيوع عامل جديد اسمه الهاتف الجوّال فقد أصاب بيئة مجتمعنا بعض التلوّث أيضاً. فهذه القضايا من شأنها أن تجرّ إلى تغيير أساسيّ في المناخ الذهنيّ والروحيّ للإنسان وتخلق - في نهاية المطاف – مجتمعاً لا يشبه المجتمع الإسلاميّ.
نسأل الله العليّ القدير ببركة السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) أن يحفظ مجتمعنا من كلّ فساد أخلاقيّ وماليّ ويمهّد له الأرضيّة للرقيّ الأخلاقيّ على كافّة الصُّعُد لاسيّما بين طبقة الشباب.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بحار الأنوار، ج29، ص223.

2. سورة الإنسان، الآية 3.

3. سورة النحل، الآية 67.

4. سورة الأنعام، الآية 151.

5. سورة النور، الآية 23.

6. الكافي، ج2، ص324.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org