بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 1 كانون الأوّل 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

طاعة الله، حبل النجاة

«فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ وَابتَغُوا العِلْمَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّهُ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ»
نواصل البحث في موضوعنا ألا وهو شرح الخطبة الفدكيّة، تلك الخطبة التي تنقسم إلى بضعة أقسام متمايزة عن بعضها إلى حدّ ما. فقد كُرّس القسم الأوّل منها لحمد الله والثناء عليه وذكر نبيّه الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله). ثمّ وجّهت مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) خطابها في القسم الثاني من الخطبة إلى الحضور مذكّرة في البداية بمكانة أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والمسؤوليّة الخطيرة الملقاة على عواتقهم، لتعرّج بعد ذلك إلى التذكير بأهمّ أحكام الإسلام وتعاليمه مشيرة خلالها إلى الحكمة من وراء تشريعها.

أمرُ فاطمة (سلام الله عليها) بالتقوى

بلغنا في بحثنا إلى آخر القسم الثاني من الخطبة حيث تستشهد فاطمة الزهراء (عليها السلام) فيه ببضع آيات من القرآن الكريم. الاستشهاد بهذه الآيات يعطي زخماً عمليّاً للعمل بهذه التعاليم والأوامر. فالمخاطَب قد يمرّ من أمام تلك الأوامر والتوجيهات مرور الكرام ولا يعيرها أيّة أهمّية، فلا يعدو الأمر بالنسبة له أكثر من مباحث قد ذُكرت لمجرّد الاطّلاع وقد استمع إليها. هذه الحالة أكثر ما تشاهَد لدى الأشخاص الذين تعوّدوا على التفلّت من القيود وكسر الأطواق، أو ما يُصطلح عليه اليوم بـ «التحرّر»، فهم يحرصون على أن لا يقيّد تحرّكاتِهم أيُّ قيد أو طوق! فلو اُعيد سرد هذه التعاليم والأوامر على أمثال هؤلاء عشر مرّات فلن تؤثّر فيهم أدنى تأثير، بل قد يملّون منها. فلا تكون هذه التعاليم والتوجيهات مؤثّرة إلا إذا وجد المخاطَب في نفسه الدافع للعمل بها. وبناء عليه فمن أجل أن يكون لهذه الكلمات أثرها المطلوب فلابدّ من الإشارة إلى ملاحظة تثير في النفوس هذا الدافع. فالإنسان لا يكون على استعداد لتقبّل ما يقيّد سلوكيّاته إلا إذا أحسّ أنّ خطراً عظيماً يهدّده إنْ هو امتنع عن القيام بذلك؛ بمعنى أنّ أعظم عامل من عوامل تحرّك الإنسان، خصوصاً ما يتعلّق بقبوله بتحجيم حركته وتقييدها، هو خوف الخطر. بل إنّ احتمال نيل المنفعة قد لا يكون له من أثر في الإذعان للتحديد والتقييد مثل ما للخشية من الضرر أو الخوف من الخطر. ومن هذا المنطلق فإنّ الطريقة الأنجع التي يستخدمها الأنبياء (عليهم السلام) في خلق الدافع لطاعة الله في الناس هي توجيه انتباههم إلى الأخطار؛ وبعبارة اخرى فإنّ الطريقة الأكثر اتّباعاً من قبل الأنبياء هي اعتماد الإنذار والتحذير، بل إنّ أحد الأسماء العامّة لكلّ نبيّ أساساً هو «النذير». إذ يقول الله في محكم كتابه العزيز: «وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ»1؛ أي إنّنا قد أرسلنا إلى كلّ اُمّة نبيّاً منذراً ليحذّرهم من الأخطار المحدقة بهم. بالطبع لقدكان کلّ نبيّ «بشيراً» أيضاً، لكنّ هذه التسمية لم تُستخدم للأنبياء بشكل مطلق. فلم يتمّ القول مثلاً: «وإن مِّن اُمّة إلاّ خلا فيها بشير». وهذا يدلّ على أنّ الإنسان يتأثّر من احتمال الخطر أكثر من تأثّره من رجاء المنفعة. بطبيعة الحال فإنّ العامل من وراء حركة الإنسان هو إمّا نيل منفعة أو دفع ضرر؛ لكنّ عامل دفع الضرر هو أقوى وأعمّ. فكلّ الناس – سواء كبيرهم أو صغيرهم، رجلهم أو امرأتهم، فقيرهم أو غنيّهم - يحتاطون ويحذرون عندما يشعرون أنّ خطراً ما يتهدّدهم؛ أمّا المنفعة فعلى الرغم من أنّها تشكّل دافعاً للبعض لكنّها لا تمثّل دافعا قويّاً لدى البعض الآخر. ومن هذا المنطلق فنحن نجد في التعاليم والتربية الإسلاميّة أنّ هناك دوماً تركيزاً على مسألة التقوى. فالتقوى هي من مادّة الوقاية؛ وهي حفظ النفس من الخطر. وكلمة الحفظ – أساساً - إنّما تُستخدم حيث يشعر المرء بالخطر. فكأنّ كلمة التقوى تستبطن معنى الخشية والخوف. فنحن عندما نريد تفسير قوله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً»2 فسنستند في تفسيرنا أكثر على معنى الخوف فنقول: «خافوا من اليوم الذي لن يكون لأحد فيه نفع لآخر». بل إنّ البعض يترجم التقوى بمعنى: الخوف والخشية من الله.

الحِكَم من وارء الأمر بالتقوى

إنّ الركن الذي ترتكز عليه جميع الخطب هو الأمر بالتقوى، فلابدّ في خُطبتي صلاة الجمعة مثلاً من الأمر بالتقوى. وهذا التأكيد يرجع إلى أنّ الإنذار من الخطر يُعدّ أهمّ عامل في خلق الدافع للحركة لدى الإنسان. بالطبع إنّ الإنسان المؤمن والموحّد يعلم أنّ جميع الأخطار إنّما تنبع من القدرة الإلهيّة وأنّ التصرّف فيها جميعاً هو بيد الله تعالى؛ ومن هذا المنطلق يُقال: «اتّقوا الله». فكأنّ الصدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها) وبعد أن بيّنت عصارة تعاليم الإسلام أرادت أن تحفّز في نفوس المخاطَبين الدافع للعمل بهذه التعاليم فأشارت في آخر مقطع من كلامها إلى هذه الآية الشريفة حيث قالت: «فَاتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ»3.
كما أنّه من السنن الاخرى المتّبعة في الإسلام هي أن يتلو الخطيب أثناء الخطابة وموعظة الناس آية من الذكر الحكيم. فعندما خطبت السيّدة الزهراء (عليها السلام) هنا في الناس، وبيّنت في خطبتها عصارة الإسلام، تلت في ختام هذا المقطع من الخطبة آية قرآنيّة، فهي بذلك تكون قد تلت القرآن أوّلاً، وحرّکت في نفوس الناس ذلك الدافع ثانياً، وراعت سنّة الأمر بالتقوى ثالثاً.

اعلموا واعملوا

بعد أن يجد الإنسان في نفسه الدافع للقيام بعملٍ مّا فلابدّ له من دليل وهادٍ؛ أي شخص يدلّه على مواطن الخطر. ولعلّ هذا هو ما يعلّل إلحاق الزهراء (عليها السلام) ذكر الآية السابقة بقولها: «وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ»؛ أي: الآن وقد تولّد فيكم الدافع، ويفترض أنّكم ترغبون في أن تكونوا من أهل التقوى وتصونوا أنفسكم من المخاطر فإنّ السبيل إلى ذلك هو أن تمتثلوا لأوامر الله ونواهيه، وفي هذه الحالة ستصونون أنفسكم من الأخطار. ومن المناسب أن يُطرح هنا السؤال التالي: بماذا أمر الله تبارك وتعالى وعن ماذا نهى؟ إذن فبعد تحفيز الدافع للعمل والوقاية من الخطر لابدّ أن نعلم ما هي أوامر الله تعالى ونواهيه4. تقول الزهراء (سلام الله عليها) هنا: «وَابتَغُوا العِلْمَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّهُ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ»؛ وكأنّها أردات القول: «اعلموا واعملوا به»، بل إنّها تشير إلى جانب العمل بمزيد من التأكيد بقولها: «وتمسّكوا»؛ وهو تعبير يقال للإمساك بإحكام فيما يُخشى فقدانه وضياعه. فالتمسّك والاستمساك والاعتصام هي اصطلاحات لها نفس المعنى والمفهوم وإنّ مصداقها البارز يكون عندما يحسّ المرء أنّه على وشك السقوط في بئر أو وادٍ سحيق فيجد حبلاً متيناً أو عروة محكمة إذا أمسك فيها بقوّة حالَ ذلك بينه وبين السقوط. فهذه الحالة هي حالة الاعتصام، حيث يقول عزّ من قائل: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً»5، وهذه الآية تجسّم عين هذا المعنى تجسيماً؛ ومعناها أنّ الله قد أعدّ حبلاً يقي التمسّكُ به من السقوط في وادي جهنّم. فالاعتصام بحبل الله يعني إمساكه بقوّة. وشبيه بهذا التعبير ما جاء في آية الكرسيّ حيث قال تعالى: «فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا»6؛ فعندما يريد الله عزّ وجلّ أن يؤكّد على الحذر، ومجانبة الكفر، والكون من أهل الإيمان فإنّه يقول: «إذا فعلتم ذلك تكونون قد تمسّكتم بالعروة الوثقى»؛ بمعنى أنّه يفترض أن يفتّش الإنسان عن العروة الوثقى، ولا يمكن فرض حال كهذه إلا عندما يحسّ المرء بالخطر المحدق ويحتمل السقوط المهلك؛ السقوط إلى أسفل السافلين وأعماق جهنّم. وكأنّ الله يقول بذلك: هل ترغبون في أن أدلّكم على طريقة للتمسّك بقوّة بشيء ينجيكم من هذا السقوط؟ وهو أن تكفروا بالطاغوت أوّلاً، وأن تؤمنوا بالله ثانياً. إنّه - من الناحية العمليّة - لابدّ من الاثنين معاً لكن لـمّا كان الكفر بالطاغوت ينطوي على إزالة الفساد والرجس والظلمات فإنّه مقدّم على الإيمان بالله. يقول الله تعالى: «إذا فعلتم ذلك تكونون قد تمسّكتم بعروة بالغة الوثاقة والإحكام»؛ فكلمة «الوثقى» هي صفة تفضيل للمؤنّث تعني الشيء الأوثق والأكثر مدعاة للاطمئنان، و«العروة الوثقى» هي المقبض الذي لا ينكسر أو لا ينفصم إطلاقاً. فاطمئنّوا إلى أنّ هذا الحبل لن يتمزّق أو يفلت أبداً. وكذا فقد قال النبيّ الأعظم في حقّ القرآن والعترة الطاهرين (عليهم السلام): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا»7؛ فقد استخدم كلمة التمسّك هنا أيضاً؛ ومعناه إنّكم لو تمسّكتم بهذين الأمرين ولم تفلتوهما فلن تضلّوا أبداً. لكنكّم إن لم تمسكوهما بإحكام فإنّكم ستُتركون وشأنكم. وتقول مولاتنا الزهراء في هذا المقام: «وَابتَغُوا العِلْمَ وَتَمَسَّكُوا بِهِ»؛ أي اذهبوا وتعلّموا ما أوجب الله عليكم من امور وما حرّم فإن علمتم بذلك فتمسّكوا بما علمتم به بكلّ قوّة.

العلم ممهّد لخشية الله

الآية الأخيرة التي ذكرتها الزهراء (سلام الله عليها) في هذا المقطع هي قوله تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ»8؛ أي: إنّني أذكر هذه التوجيهات والتعليمات هنا لأنّ خشية الله لا تحصل إلا في ضوء العلم. ولقد ذكرنا في بداية البحث أنّ الدافع للعمل يكون في ظلّ الإحساس بالخطر، والخوف، والخشية من الله. فإنّ هذا القدر من التأكيد على الخوف من الله هو من أجل أن يشعر الإنسان بأنّه إذا لم يطع الله عزّ وجلّ فسوف يعرّض نفسه للخطر وذلك كي يتولّد لديه الدافع لحماية نفسه. ومن هذا المنطلق يقول القرآن الكريم: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى»9. إذن يتعيّن على الإنسان أن يحفظ هذا الخوف وهذه الخشية ويقوّيهما في نفسه كي ينهض لطاعة الله. فإنّه لن ينهض لطاعة الله ويقبل بنصيحة الآخرين مالم يحسّ بالخطر يتهدّده، وهذا الإحساس بالخطر يدعى «الخشية» وهي ما يتولّد في ظلّ العلم: «إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ»، فمن أجل حصول هذه الخشية من الله لابدّ من اكتساب العلم.
وهنا ينتهي هذا القسم من الخطبة الشريفة. فإنْ وفّقنا الله تعالى فسنبدأ في المحاضرة القادمة – إن شاء الله – بطرح القسم الثالث من هذه الخطبة وهو مقصدها الأساسيّ.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة فاطر، الآية 24.

2. سورة البقرة، الآيتان 48 و 123.

3. سورة آل عمران، الآية 102 (بالطبع الآية الشريفة هنا حسب ما جاءت في سياق الخطبة وإلا فهي من دون الفاء في أوّلها).

4. هنا يوجد اختلاف بسيط بين نسخ الخطبة الشريفة؛ فقد وردت في بعض النسخ عبارة: «واتّبعوا العلم»، لكنّه يبدو لي أنّ النسخة التي تضمّنت عبارة: «وابتغوا العلم» أصحّ.

5. سورة آل عمران، الآية 103.

6. سورة البقرة، الآية 256.

7. بحار الأنوار، ج2، ص100.

8. سورة فاطر، الآية 28.

9. سورة النازعات، الآيتان 40 و 41.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org