بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارةهذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 29 كانون الأوّل 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

فاطمة (عليها السلام) تحصي خدمات الرسول (صلى الله عليه وآله)

«يَكْسِرُ الأَصْنَامَ، وَيَنْكُثُ الْهَامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ، حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَخَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ، وَطَاحَ وَشِيظُ النِّفَاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإِخْلاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِمَاصِ، وَكُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَقَبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ القَدَّ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُم».
بلغنا في شرحنا للخطبة المباركة لسيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) إلى حيث وجّهت (عليها السلام) خطابها إلى الحاضرين معرّفة بنفسها. ويتبيّن من القرائن أنّ الناس كانوا قد اُعلموا مسبقاً بأنّها (سلام الله عليها) تهمّ بالمجيء إلى المسجد وتريد أن تخطب في الناس. ولقد اجتمع الناس ينتظرون قدومها. وحتّى النساء فقد كنّ مجتمعات خلف الستار إلى جانبها أيضاً. لكنّ الزهراء (عليها السلام) عندما بدأت بتوجيه الخطاب إلى الحضور قالت: «أَيُّهَا النَّاسُ! اعْلَمُوا أَنِّي فَاطِمَةُ وَأَبِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه ...».
لقد تمّ في ترتيب أقسام الخطبة وتسلسلها مراعاة ملاحظات تتعلّق بعلم النفس هي غاية في الدقّة واللطافة وإنّ مَن يحمل خبرة في هذه المسائل يستطيع أن يدرك رموز هذه الكلمات وسرّ هذا الترتيب أكثر من غيره.

فاطمة (عليها السلام) مولعة بهداية الخلق

كان غرض الزهراء (سلام الله عليها) من إلقائها هذه الخطبة هو إنقاذ الناس ممّا وقعوا فيه من خطأ؛ ذلك الخطأ الذي لا ريب أنّ الشيطان كان دخيلاً فيه، بل كان لبعض الأشخاص أيضاً أثر في إضلال الناس بشكل أو بآخر، خصوصاً وأنّ نصّ القرآن الصريح يشير إلى وجود منافقين بين صفوف المسلمين آنذاك. فلقد أحسّت فاطمة الزهراء (عليها السلام) خلال الأيّام القليلة التي بقيت فيها على قيد الحياة بعد أبيها (صلّى الله عليه وآله) أنّه ثمّة واجب في رقبتها ويتعيّن عليها أداؤه ومحاولة توضيح ما اشتبه على الناس على الرغم من أنّها كانت تمرّ في طور نقاهةٍ من المرض. ومن هذا المنطلق فقد انْبَرَت (عليها السلام) بادئ ذي بدء تعرّف الناس بمقام الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) وتذكّرهم بالجهود المضنية التي تجشّمها (صلّى الله عليه وآله) في سبيل هداية الناس، لاسيّما أهل الجزيرة العربيّة.

علينا أن لا ننسى النعم

تذكّر فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) الناسَ بهذه القضيّة وهي أنّه من أيّ حضيض وذلّة كان خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) قد انتشل الناس خلال مدّة رسالته وإلى أيّ عزّ ومجد قد رفعهم. لكنّ الناس كانوا يعلمون بما قاساه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من معاناة في هذا المضمار؛ ذلك أنّه لم يكن قد مرّ على بعثته (صلّى الله عليه وآله) ورحيله زمن طويل. بل من المؤكّد أنّ جيل الشباب أيضاً لم يكن غائباً عن مجريات الأحداث التي واكبت نشوء المجتمع الإسلاميّ الحديث الوجود وما تحمّله آباؤهم وامّهاتهم من متاعب ومشاقّ كي يصل هذا المجتمع إلى ما هو عليه. غير أنّ الإنسان كثير النسيان وهو عندما ينسى أمراً يصبح كالذي لا يعلم به أساساً. فأحياناً يعلم الإنسان ببعض الاُمور ويلتفت إلى ما يعلم به ويفكّر به عن علم ووعي وإدراك، بيد أنّ غبار النسيان - أحياناً اخرى - يتراكم على معلومات المرء ويغطّيها. فإذا سُئل الإنسان - في مثل هذه الحالة - عمّا يعلم به فإنّه يستطيع الإجابة لكنّ علماً كهذا ليس له ذلك الأثر المطلوب على تصرّفات المرء وسلوكيّاته.
كانت أحداث صدر الإسلام وما أسمعه عنها تشكّل لغزاً بالنسبة لي منذ طفولتي؛ فكيف يتسنّى لاُناس حضروا مجالس النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وجلسوا عند منبره، وقاتلوا معه لسنين عديدة - كيف يتسنّى لهم أن يعاملوا البنت الوحيدة التي تركها فيهم هذا النبيّ بمثل هذه المعاملة؟! أو كيف يمكن - مع كلّ ما أوصى به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - أن تحدث واقعة كربلاء، ويعامل المسلمون سبطَ رسولهم بهذه الفظاعة ولم يكن قر مرّ على رحيل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عهد طويل؟! في الواقع لم يكن بمقدوري أن أتصوّر أنّ شيئاً كهذا يمكن أن يحدث، حتّى انطلقت نهضة الإمام الخمينيّ الراحل (قدّس سرّه). فعند مشاهدتي لمجريات الأحداث التي رافقت الثورة انحلّت بالنسبة لي معظم الألغاز وأدركت الى أيّ مدىً أنّ الإنسان كائن كثير النسيان حقّاً.
وعلى أيّة حال فما من سبيل لإيقاظ مثل هذا الشخص وإخراجه من حالة النسيان سوى سرد قصص الماضي وأحداثه على مسامعه وتذكيره بها كي يتحفّز في نفسه الدافع. فالعرب قد شاهدوا الوضع الذي كانوا عليه قبل الإسلام باُمّ أعينهم وأنّه إلى أيّ ذرىً من العزّة والشرف قد وصلوا ببركة الإسلام وبفضل قيادة نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله). إذن كانوا يعلمون بذلك لكنّهم غافلون عنه. فكلّنا يدرك أيّ خدمة قدّم الإمام الراحل (رحمه الله) لمجتمعنا، بل لجميع شيعة ومسلمي العالم، بل لكافّة مستضعفي العالم حتّى من غير المسلمين، لكنّنا – في كثير من الأحيان – ننسى أن نشكر هذه النعمة ونقْدِرَها حقّ قدرها.

الضمير هو نعمة للهداية

لقد أودع الله تعالى في فطرتنا عاملاً يدعونا إلى عدم المرور أمام إحسان الآخرين إلينا مرور الكرام وأن لا يهدأ لنا بال حتّى نشكر هذا المحسن ونعترف بجميله. وقد تذكّرت في هذه المناسبة قصّة توضّح مدى طهارة فطرة الإنسان وأيّ دوافع نورانيّة قد أودعها الله عزّ وجلّ في هذه الفطرة حتّى عند اولئك البعيدين عن حقائق الإسلام. فعندما حصل زلزال «رودبار»1 كنت حينذاك في الولايات المتّحدة الأمريكية أحضر مؤتمراً حول الفلسفة، وصادف أن كان اليوم عيد استقلال أمريكا. وفي ساعة متأخّرة من الليل كنت برفقة المضيف وهو أحد أعضاء وفد الممثليّة الإيرانيّة نسير من نيويورك إلى نيوجرسي. كنت أجلس في السيّارة بزيّي وعمامتي هذه وفجأة رأينا سيّارة شوفرليت كبيرة يستقلّها بعض الفتيان والفتيات وكان سائقها يصرّ على الاقتراب منّا كي يتحدّث ركّابها إلينا. استمرّوا في التلويح لنا حتّى لم يجد سائقنا بُدّاً من الوقوف على جانب الطريق منتظراً مجيئهم. وإذا بالفتاة التي كانت تجلس في المقعد الأماميّ ترفع يديها وتصيح: «تقبّلوا منّي التعازي بمناسبة زلزال رودبار»! فتلك الفتاة بوضعها ذاك علمَتْ من زيّي أنّني إيرانيّ فتذكّرت زلزال رودبار ولم يهدأ لها بال حتّى أعربت عن تعازيها ومواساتها لأجل تلك الحادثة. غرضي من هذا هو أنّ الله قد أودع في ضمائرنا وفطرتنا عوامل تجعلنا لا يقرّ لنا قرار في بعض المواطن. فمثلاً عندما ينالُ المرء إحساناً من شخص آخر فإنّه لا يستقرّ ولا يهدأ حتّى يُعرب له عن شكره وتقديره.
فكيف باُناس قد انتُشلوا من أخسّ ظروف الحياة وبلغوا أرقى ذُرى العزّة والمجد وهم يعلمون أنّ العامل من وراء هذه العزّة والكرامة هو النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)! فلو أنّهم التفتوا إلى تلك الخدمة العظيمة التي قدّمها لهم النبيّ فلا شكّ أنّ ضمائرهم ستقضّ مضاجعهم وبما أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد فارق الدنيا فإنّهم لن يهدأ لهم بال حتّى يُعربوا عن عميق شكرهم لذويه. لكنّ الإنسان كثير النسيان؛ فلقد انقضى زمن على تلك الحادثة والتحق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى. ولهذا فقد سعت الزهراء (سلام الله عليها) إلى إيقاض هذا الحسّ في الناس، ورأت أنّ عليها أن تذكّرهم: بأنّكم ماذا كنتم؟ وإلى أيّ منزلة أوصلكم أبي؟ ومن هذا المنطلق فهي تقول في بداية الأمر: لقد تحمّل أبي في سبيل إبلاغ الرسالة الإلهيّة الكثير من المتاعب والمشاقّ، لكنّ رسالته لم تقتصر على أن يقول لكم: إنّني أحمل لكم رسالة من الله مفادها أنّه تعالى يقول لكم: «قولوا لا إله إلاّ الله ولا تعبدوا الأصنام» وانتهى! بل إنّ إبلاغ هذه الرسالة يحمل تبعات كثيرة. فلقد آلت الامور إلى النزاعات والقتل والحروب. وقد قاسى الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في سبيل إبلاغ هذه الرسالة ما قاساه من المعاناة والأذى حتّى قال: «ما اُوذِي نبيّ مثل ما اُوذيتُ»2.

لائحة بخدمات رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

تستعرض الزهراء (سلام الله عليها) هنا لائحة تضمّ بعض خدمات الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فتقول: «لقد منّ الله عليكم إذ أعزّكم بأبي». وهي (عليها السلام) تقتبس هذا الاسلوب في البيان من القرآن الكريم وتكثر من الاستشهاد بآيات الذكر الحكيم. فلقد استُخدم هذا الاسلوب في القرآن الكريم بكثرة؛ إذ يقول عزّ من قائل في الآيتين 24 و25 من سورة الأنفال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّٰهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَينْ‏َ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ». فبعد أن تطرح الآيةُ موضوعَ طاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنّ طاعته مدعاة لحياة الإنسان، يتحوّل الكلام إلى لهجة التهديد بقوله تعالى: إذا خالفتم النبيّ فستتورّطون بفتنة عظيمة. ثمّ يتابع عزّ وجلّ فيقول من أجل أن يغرس في نفوس الناس الدافع لطاعة النبيّ: «وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»3؛ فلقد كنتم كالحمائم التي تخاف أن تتخطّفها الصقور حتّى آواكم الله ونصركم ورزقكم من الطيّبات، كلّ ذلك حتّى تشكروا أنعمه ومِنَنه عليكم. فعندما يقول الباري تبارك وتعالى: «لقد مننّا عليكم بهذه النعم حتّى تشكروا» فهو يريدنا أن نشكر كي نبلغ الكمال فنحظى بأهليّة نيل المزيد من الرحمات، فالله سبحانه وتعالى لا يناله من شكرنا نفع ولا يصيبه من كفرنا ضرر.
وكأنّ كلمات الزهراء (سلام الله عليها) جاءت تفسيراً لهذه الآيات، فهي تقول: لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مولعاً بهداية الناس حتّى كأنّه كان يدفع الناس من خلفهم ويسحبهم من أمامهم؛ أي كان يبذل قصارى جهده في هداية الناس. فلم يقتصر عملُه على الدعوة، بل إنّه لم يألُ جهداً إلّا وبذله ولم يترك معونة إلّا وأسداها حتّى فتح مكّة وكسّر الأصنام وحطّم الجماجم: «حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ»؛ وتفرّق جمع الكفّار والمشركين وتشتّتوا ولاذوا بالفرار والهزيمة بعد أن كانوا قد ائتلفوا مع بعضهم على شنّ الحروب على الإسلام كحرب الأحزاب.
«حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ»؛ وهنا تستعير (عليها السلام) عبارة هي غاية في الجمال والبلاغة؛ إذ تشبّه الليل بستار أسود قاتم قد تمزّق وتفرّى فبان بياض الصبح من بين مِزَقِه. فلقد كانت الأيّام الاولى للبعثة النبويّة شديدة المحنة والقتامة على المسلمين الذين قاسوا فيها أشدّ أنواع العذاب والمعاناة حتّى لطُف الله بهم فمزّق ستار الليل المظلم عن صبح أمل أبلج. «وَأَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ»؛ إذ لم يكن الحقّ حتّى ذلك الحين واضحاً، وإنّ هِمم الرسول (صلّى الله عليه وآله) وجهوده المضنية هي التي هيّأت الأرضيّة لظهور الحقّ واضحاً وتجلّي أعماقه للناس. «وَنَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ»؛ وكأنّه لم يكن لدى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قبل ذلك الحين ما يقوله؛ حيث لم يكن أحد ليكترث لكلامه. «وَخَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ»؛ فقد كانت الشياطين تثير الضجيج والصخب كي لا يصل صوت الحقّ إلى الأسماع. وهذه التعابير تُعدّ غاية في الجمال، فكلمة «الشقاشق» هي جمع «شقشقة» وهي جلدة حمراء يخرجها الجمل من حلقه في حالة الغضب أو السُكر وينفخ فيها فتنتفخ فيهدر فيها، فتظلّ مدّة تتحرّك قرب فمه إلى أن يهدأ فيبتلعها ثانية، فسُمّيت هذه الجلدة «شقشقة». تقول (عليها السلام): في ذلك الزمن لم يكن صوت الحقّ يصل إلى مسامع أحد، بل - على العكس – كان هدير الشياطين هو الذي يملأ الفضاء، حتّى خمدت شقاشق الشياطين شيئاً فشيئاً وخرسوا فصدح صوت المنادي بالدين وعلا كلامه فصار مسموعاً ومفهوماً من قبل الناس.
«وَطَاحَ وَشِيظُ النِّفَاقِ»؛ فقد اُقصيت وطُردت عوامل النفاق بعد أن نفذت إلى صفوف المسلمين. «وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ»؛ وهنا تشبّه مولاتنا الزهراء (عليها السلام) الكفر والعناد بما يطرأ على الأمر من عُقَد تعيق تقدّمه وانسيابه. فكأنّ مهمّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) التبليغيّة كانت قد أصابتها عُقَد عصيّة على الحلّ، واستمرّ الحال على هذا المنوال حتّى انحلّت تلك العُقَد بالتدريج. «وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإِخْلاصِ»؛ فعندما خرست الشياطين وسكت الناطقون باسمهم، نطق المنادي بنداء الإسلام، وبلغت دعوة النبيّ - شيئاً فشيئاً - أسماعكم فآمنتم. لكن كم كان عددكم حينذاك؟! «فِي نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِمَاصِ»؛ كنتم ضمن عدد قليل من نحيلي الأبدان الشاحبي الوجوه الذين تلتصق بطونهم بظهورهم من شدّة الهُزال؛ فهولاء هم الذين أصبحوا المسلمين المخلصين. «وَكُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»، وسبق أن أسلفتُ بأنّ هذه الكلمات هي بمثابة تفسير لآيات القرآن الكريم. فالسيّدة الزهراء (سلام الله عليها) تشير هنا إلى الآية المرقّمة 103 من سورة آل عمران التي تقول: «وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا»؛ فلقد كانت العلاقات بين القبائل العربيّة تسودها العداوة والبغضاء حتّى جاء الإسلام وزرع بينهم الاُلفة والمحبّة.
ثمّ تعود (سلام الله عليها) إلى استعمال التعابير الأدبيّة الرائعة من جديد فتقول مخاطبة الحاضرين: لقد كنتم «مُذْقَةَ الشَّارِبِ»؛ أي جرعة الماء التي يتسنّى لأيّ أحد شربها وابتلاعها. «وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ»؛ مطمع كلّ طامع. «وَقَبْسَةَ الْعَجْلانِ»؛ وهي الشعلة التي يختطفها المستعجل من دون أن تحترق يده أو تنطفئ النار. فقد كنتم إلى هذه الدرجة من الضعف وعلى وشك الافول، ومع ذلك فقد استمرّت حياتكم حتّى آلت بكم الاُمور إلى ما أنتم عليه اليوم. «وَمَوْطِئَ الْأَقْدَامِ»؛ أقدام الآخرين. «تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ»؛ فمشرَبُكم كان من مشرعة تبول في مائها الإبل ويلوّثها الوحل. «وَتَقْتَاتُونَ القَدَّ»؛ و«القدّ» يُقال لجلد وأمعاء الخروف بعد ذبحه حيث لا يقتات عليها سوى الفقير والمضطّر من شدّة الجوع. فقد كنتم مضطرّين لتناول جلد الخروف وأمعائه المجفّفة كغذاء. إذن هكذا كان حال حياتكم المادّية. أمّا من الناحية الاجتماعيّة فكنتم «أَذِلَّةً خَاسِئِينَ»؛ تشكون الذلّ والهوان فلا يكترث بكم أحد. «تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ»؛ وهي (سلام الله عليها) هنا تشير ثانية إلى الآية المرقّمة 26 من سورة الأنفال التي سبق أن تلوتها على مسامعكم.
فالزهراء (عليها السلام) تذكّر الناس بهذه الامور من أجل أن توقظ ضمائرهم ولو قليلاً ليلتفتوا إلى أنّهم أمام مَن يقفون لعلّ أحداً منهم يهتدي إلى سواء السبيل، وإلاّ فإنّ قضيّة فدك لم تكن سوى ذريعة لهداية الناس.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. هو زلزال بقوّة 7,4 على مقياس رختر هزّ محافظتي جيلان وزنجان في شمال غرب إيران في 21 حزيران 1990م وقد خلّف دماراً لما يقارب 700 قرية وتسبّب في مقتل 40 – 50 ألف شخص وجرح 60 ألف شخص وتشريد 400 ألف شخص.

2. بحار الأنوار، ج39، ص55.

3. سورة الأنفال، الآية 26.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org