بسم الله الرحمـٰن الرحيم

فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ورذائل أعدائه

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 5 كانون الثاني 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

«فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ جَنَاحَها صِمَاخَهَا بِأَخْمَصِهِ، وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللهِ، وَمُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللهِ، سَيِّدَ أَوْلِيَاءِ اللهِ، مُشَمِّراً نَاصِحاً، مُجِدّاً كَادِحاً، لا تَأخُذُهُ في اللهِ لَومَةُ لائِمٍ، وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فَاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ، وَتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبَارَ، وَتَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ الْقِتَال».
هذا مقطع آخر من الخطبة المباركة لمولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) وقد تلونا المقاطع التي سبقته تباعاً فيما سبق من المحاضرات. وسنقدّم - بادئ ذي بدء - تفسيراً لفظيّاً لكلمات هذا المقطع ثمّ نعرّج بعد ذلك، بتوفيق من الله تعالى، على شرحه وتوضيحه. لقد أوضحت الزهراء (سلام الله عليها) - فيما سبق من مقاطع الخطبة – مدى أهمّية رسالة النبيّ وما قاساه (صلّى الله عليه وآله) من صنوف المعاناة والعذاب في سبيل هداية الناس، فقالت: لقد كنتم تعيشون في ظروف بالغة القسوة؛ فوضْعُكم الاقتصاديُّ كان من الضعف بحيث لم يكن يتوفّر لديكم حتّى الماء الصالح للشرب وكنتم تقتاتون على أخسّ أنواع الأغذية. ولم تكونوا حينذاك ذوي جاه أو منزلة بين الناس، أمّا من الناحية الثقافيّة فقد كنتم تعيشون في منتهى الحقارة والمهانة.

فاطمة تصف عليّاً (عليهما السلام)

«فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» من هذا الوضع المشين «بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ» أي بفضله «بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي»، فلم تكن عمليّة إنقاذكم بالأمر اليسير بل كانت حصيلة حوادث جمّة. ومن باب الإشارة إلى تفاصيل بعض تلك الحوادث تقول: لقد قاسى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) منذ أن بُعث بالرسالة إلى أن أنقذكم شتّى صنوف المحن والشدائد؛ فمن جملتها أنّه: «مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ» فقد حارب أشاوس الرجال وذئاب العرب والمتمرّدين من اليهود والنصارى الذين تكالبوا على قتاله. فكان لابدّ - من أجل إنقاذكم - من المقاومة والصمود بوجه جميع هؤلاء. ثمّ تستشهد (عليها السلام) بعد ذلك بالآية المرقّمة 64 من سورة المائدة فتقول: «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ»، لكن كيف يطفئها؟ «أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا» فمتّى ما بزغ قَرْن الشيطان أو فغرت ذئاب المشركين أفواهها لافتراسكم قذف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أخاه عليّاً (عليه السلام) في أفواه تلك الذئاب المفترسة. و«اللهاة» هي الزائدة اللحميّة التي في نهاية الحلق. «فَلا يَنْكَفِئُ» لا يرجع أو يستسلم «حَتَّى يَطَأَ جَنَاحَها صِمَاخَهَا بِأَخْمَصِهِ» حتّى يسحقهم تحت قدميه «وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللهِ، وَمُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللهِ» فعندما ترتبط القضيّة بالله وبأمره فإنّ عليّاً (عليه السلام) لا يبخل بأيّ جهد أو طاقة، فيتحمّل كلّ مشقّة، ويتجشّم كلّ عناء وعذاب. وقد استخدم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أيضاً عبارة: «في ذات الله» في بضع أحاديث قالها في حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام). فقد روى الفريقان عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «لا تَسُبُّوا عَلِيّاً فَإِنَّهُ مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ الله»1، وروي عنه أيضاً: «... فَإِنَّهُ خَشِنٌ فِي ذَاتِ الله»2، والزهراء (عليها السلام) تقول هنا: «مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللهِ»؛ أي كان يكدّ كدّاً في أمر الله. «قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللهِ»، وهنا تؤكّد (سلام الله عليها) على صفة «القرابة» تحديداً، ذلك أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت له مع رسول الله قرابة نَسَبيّة بما أنّه ابن عمّه من جانب، وقرابة سببيّة من حيث كونه صهره من جانب آخر، فكانت هذه القرابة خاصّة بعليّ (عليه السلام).
التفتوا جيّداً! عندما تريد الزهراء (عليها السلام) أن تقول للناس: كيف أنقذكم أبي من كلّ هذه المهالك؟ فإنّها تبدأ بوصف أمير المؤمنين (عليه السلام) فتقول: لقد أنقذكم أبي بواسطة الشخص الذي هذه صفاته: «سَيِّدَ أَوْلِيَاءِ اللهِ، مُشَمِّراً» عن ساعديه مستعدّاً لكلّ خطب، «نَاصِحاً» طالباً لما فيه كلّ خير «مُجِدّاً كَادِحاً» في غاية الجدّ وأقصى درجات الفعاليّة «لا تَأخُذُهُ في اللهِ لَومَةُ لائِمٍ» فلا يستطيع أن يمنعه من أمر الله أيّ لائم.

توبيخ طلاب الراحة

واستمراراً في كلامها توجّه السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) خطابها إلى الجمع المحتشد في المسجد قائلةً لهم: لقد أسدى النبيّ بواسطة أخيه وابن عمّه عليّ (صلوات الله عليهما) مثل هذه الخدمة إلى الإسلام وإليكم أيّها المسلمون. لكن ما الذي صنعتم أنتم في المقابل؟ «وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ» لا تفكّرون إلا براحتكم ورغد عيشكم، «وَادِعُونَ» متّكئون مستريحون «فَاكِهُونَ» مشتغلون بالمرح والمزاح والفكاهة «آمِنُونَ» لا تشعرون بأيّ خطر.

جريحُ حربِ اُحد

لقد ملأت أخبار معارك عليّ (عليه السلام) أطراف العالم وأكنافه فهي ليست ممّا يتطلّب شرحاً وتوضيحاً؛ لكن بما أنّ الزهراء (سلام الله عليها) قد أشارت إليها في خطبتها فإنّني أقول على نحو الإجمال إنّ عليّاً قد اُصيب، في حرب اُحد فقط، بثمانين جرحاً ما بين ضربة سيف وطعنة رمح، حتّى قالت النسوة اللواتي ضمّدنَ جراحه: كنّا نُدخل خرقة الضماد من طرف الجرح ونخرجها من الطرف الآخر فلا يبدي عليّ أيّ ألم بتاتاً. فأيّ صبر هو صبر عليّ! فالنبيّ كان قد سقط على أرض المعركة جريحاً ينادي الأصحاب بأسمائهم فرداً فرداً إنّني هاهنا وأطلب منكم أن تهبّوا لنجدتي! لكنّهم كانوا يفرّون من المعركة ناجين بأرواحهم! وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة بقوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ»3؛ فلقد لذتم بالفرار والرسول خلفكم يناديكم وهو ساقط على الأرض. ففي تلك الواقعة لم يهبّ لنصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غير عليّ (عليه السلام) وقد تكبّد من أجل إنقاذه ثمانين ضربة وطعنة.
أمّا أنتم فليس أنّكم لم تفعلوا شيئاً فحسب، بل كنتم «تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ»؛ أي تنتظرون أن ينزل بنا البلاء، ويحلّ بنا ما يضرّنا. «وَتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبَارَ»، و«توكَّفَ الخبر» توقَّعه وسأل عنه، وهي حالة مَن هرب من واقعة واختبأ وظلّ يراقب من بعيد إلى ماذا ستؤول الامور. فالزهراء (عليها السلام) تقول: كنتم تتوكّفون الخبر من بعيد وعليّ ساقط على الأرض وفي بدنه ثمانون ضربة سيف وطعنة رمح. «وَتَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ الْقِتَال»؛ فعندما يتعيّن عليكم التقدّم تنكصون على أعقابكم، وعندما تُدعَون إلى القتال والحرب تفرّون منها. فهكذا كان حالكم وهكذا كان وضع النبيّ وابن عميّ! حتّى نصر الله الإسلام في نهاية المطاف وأنقذكم.

عليّ هو سرّ خطبة فاطمة (سلام الله عليهما)

من أجل أن نفهم ولو مقداراً معيّناً من هذا الكلام لابدّ أن نحاول تجسيم المشهد الذي اُلقيت فيه هذه الخطبة بشكل جيّد. كان قد مرّ على رحيل النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) ما يناهز الشهرين عندما جاءت فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) إلى المسجد لإلقاء خطبتها، حيث كان الناس لا يزالون مفجوعين بفقد النبيّ الذي منحهم هذه العزّة والسعادة. لم يترك النبيّ غير هذه البنت وهي قد أخبرت الناس بأنّها تريد أن تخطب فيهم، فاجتمعوا ليستمعوا إلى ما تريد قوله. فما الذي ينبغي قوله في ظروف من هذا القبيل؟ فلو كانت الظروف طبيعيّة، لكانت – جرياً على القاعدة – قد ذكرت أباها، وعزّت القوم بهذا المصاب الجلل وسألت الله لها ولهم الأجر وقدّمت لهم النصح. لكنّها قالت: «لقد كان أبي وزوجي يقاتلان لإنقاذكم، وأنتم تفرّون من ميدان النزال وتهنأون بنوم مريح»! بالطبع لم يكن هذا هو حال الجميع، فقد كان من بينهم مَن قاتل؛ لكن من الواضح أنّ حال أغلب المخاطبين كان هو ما أخبرتهم به. فعندما كانت تنعتهم بكلّ هذه النعوت لم ينبَرِ أحد منهم بالاعتراض والقول: «لماذا توجّهين إلينا هذه الإهانات؟ فكم قد تحمّلنا من العناء وحاربنا وجاهدنا مع أبيك ونصرناه، و...الخ» بل كان الجميع يلتزمون الصمت مصغين لما تقول. فلم يرْوِ راوٍ أنّ شخصاً من الحاضرين قد اعترض عليها؛ بل لقد ورد في بعض النقول أنّ المتصدّين للأمر قالوا لها: «صحيح ما تقولين، لكنّنا كنّا معذورين فيما فعلنا»! فإذا قام المرء بتجسيم هذا المشهد أمام ناظريه بدقّة فسيتبيّن له أنّ هدف الزهراء (سلام الله عليها) من إلقاء هذه الخطبة لم يكن فدكاً أو حفنةً من مال الدنيا.
بطبيعة الحال نحن نعتقد بأكثر من ذلك؛ نعتقد بأنّ المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) مطّلعون – بشكل أو بآخر – على عواقبهم، لاسيّما وأنّ النبيّ كان قد أخبر فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) أنّه: «أنتِ أوّل من يلحق بي من أهلي»4. فقد كانت (عليها السلام) تعلم أنّ عمرها لن يدوم طويلاً بعد أبيها. فهل من المعقول - يا ترى - أن تسعى وراء الحصول على مال أو لقمة عيش وهي تعلم أنّه لم يبق من عمرها في هذه الدنيا سوى أيّام معدودات، وبدنها عليل قد أنهكه المرض، وقد رُضّ صدرها ولُطم خدّها وألمُ فراق أبيها يعتصر قلبها؟! إذن فما الغاية التي دفعت الزهراء (سلام الله عليها) - وهي على هذا الحال - إلى مخاطبة أصحاب أبيها - وفيهم الكثير من بني هاشم وقريش وأرحامها - بمثل هذه العبارات القاسية؟ لماذا تذكر خدمات أبيها وبعلها بكلّ تلك التفاصيل؟ فمن الواضح أنّ المسألة لا تقتصر على مزرعة اغتُصبت منها وتريد استرجاعها. فهل يُعقل أن يقوم مَن قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أنتِ أوّل من يلحق بي من أهلي» بتحميل نفسه كلّ هذه المعاناة من أجل المطالبة بمزرعة؟! ثانياً: هل إنّ استرداد المزرعة يتطلّب توبيخ الناس بهذه الطريقة؟! فلعلّه توجد هناك طريقة أسهل من هذه بكثير؛ إذ كان بإمكانها (عليها السلام) أن تقول: «أنا بنت رسول الله. إذن احترموا رسول الله فيّ ولا تقطعوا لقمة عيشي»! فلعلّها لو تحدّثت بهذا الاسلوب لما أمعنوا في مخالفتها؛ بل كان سينضمّ إلى جانبها بعض المسلمين على الأقلّ قائلين: «إنّ هذا ليس شيئاً يُذكر. فلو كان من أموالنا لكُنّا تنازلنا عنه أيضاً». لكنّ استخدامها (عليها السلام) للغة التوبيخ يوحي - بما لا يقبل الشكّ - بأنّ هذه الواقعة لم تكن لمجرّد استرداد مزرعة، بل لقد كانت من أجل قضيّة اخرى.
كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تشاهد مسيرة رسالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهدايته وهي تزيغ عن مسيرها الأصليّ وأنّ السبيل التي هيّئها الله تعالى بواسطة نبيّه الكريم من أجل سعادة البشر هي على وشك الانحراف. فخشيةُ فاطمة وقلقُها كانا من هذا الانحراف. لكنّه - ومن أجل أن تُثبتَ للجميع، في هذه البرهة القصيرة من الزمن، بأنّ الحقّ معها وأنّ الطريق التي سلكها الآخرون هي طريق خاطئة – كان لابدّ أن تفعل فعلةً يبقى خبرها يدوّي إلى أبد الآبدين. كان ينبغي أن تثبت أنّ عليّاً (عليه السلام) هو المؤهّل لخلافة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وأنّ الآخرين لا يملكون مثل هذه الصلاحيّة. ومن هذا المنطلق فقد طرحت قضيّة فدك لتبرهن للناس أنّ هؤلاء غير مؤهّلين للقضاء والحكم من ناحية، وليس لهم معرفة بالقرآن والمسائل الشرعيّة من ناحية اخرى، وليس لهم تاريخ مشرّف في عهد النبيّ وفي سوح النزال والوغى.

خصائص خليفة الرسول

لم يذكر أيّ من التواريخ أنّ أحداً من اولئك الزعماء المعروفين في ذلك الزمن كان قد أبدى بعضاً من الشجاعة أو قتل مشركاً أو جرحه. فلم يروِ راوٍ قطّ أنّ أحداً من هؤلاء قد ضرب بسيف في معركة اُحد! فهذا التاريخ وهذه المعلومات تثبت أنّ هؤلاء ليسوا جديرين بهذا المنصب؛ إذ لابدّ لمن يخلف رسول الله أن تكون له القدرة على تطبيق أحكامه (صلّى الله عليه وآله). إذن كان يتعيّن على فاطمة (سلام الله عليها) أن تقدّم دليلاً عمليّاً على أنّ هؤلاء لا يملكون صلاحيّة تطبيق هذه الأحكام؛ ذلك أنّهم لا يحيطون علماً بها.
أليس أفراد هذا البيت هم اولئك الذين صاموا ثلاثة أيّام وتصدّقوا في كلّ يوم بخبز إفطارهم وقدّموه إلى يتيم وفقير وأسير واكتفوا بالإفطار على الماء؟ هل يحرص أمثال هؤلاء على إشباع بطون أطفالهم؟ إذن لم يكن كلّ ذلك إلا مقدّمة لتنبيه الناس إلى الخطأ الذي ارتكبوه وإفهامهم بأنّه حتّى لو فرضنا جدلاً بأنّه كان لابدّ من انتخاب أحد فإنّه يتعيّن أن يكون الانتخاب على اُسس ومعايير صحيحة. ومن هذا المنطلق فقد استهلّت (عليها السلام) كلامها بطريقة تستميل بها عواطف الناس من جهة، وتستنهض فيهم الإحساس بالمسؤوليّة من جهة اخرى. فقد روعِيَت في هذه الخطبة امور نفسيّة وروحيّة بالغة الدقّة بحيث كانت الغاية منها إعداد الناس لقبول الحقّ، لتكون مقدّمة لرسم النهج القويم للنبوّة والرسالة وتقديم المعايير الصحيحة للحاكم الإسلاميّ الذي يفترض أن يستمرّ في مسيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولم تشكّل مسألة فدك وأمثالها سوى ذريعة لطرح أمثال هذه المسائل.
بتوفيق من الله تعالى سنستمرّ في المحاضرات القادمة - إن شاء الله - بسرد تتمّة الخطبة الشريفة كي ننتفع أكثر من بركاتها.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بحار الأنوار، ج39، ص313.

2. بحار الأنوار، ج21، ص385.

3. سورة آل عمران، الآية 153.

4. بحار الأنوار، ج28، ص52.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org