بسم الله الرحمـٰن الرحيم

القرآن معيار الحقّ ومصدر القانون

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 19 كانون الثاني 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

إنّ من الطرق التربويّة التي ينتهجها القرآن الكريم هو لفت انتباه الناس إلى قصص الماضين، وإلى ملاحظات معيّنة في كلّ قصّة منها، وإنّ من جملة الأهداف المتوخّاة من طرح خطبة الزهراء (سلام الله عليها) هو التأسّي بهذه الطريقة القرآنيّة. علاوة على ذلك فإنّ بإمكاننا - بالنظر إلى تأكيدات قائد الثورة المعظّم (حفظه الله) المتكرّرة بخصوص كسب البصيرة – الإفادة من هذه الخطبة في مجال التحلّي بالبصيرة.

البصيرة هي التمعّن في أعماق الامور والتفكير بعواقبها

لا زالت هناك إبهامات لدى البعض حول حقيقة البصيرة وطرق اكتسابها. وأقول هنا من باب المقدّمة: إنّ المقصود من التحلّي بالبصيرة هو أوّلاً: أن لا ينظر الإنسان إلى الظواهر التاريخيّة والاجتماعيّة نظرة سطحيّة، بل أن يفكّر وينظر إلى أعماق هذه الظواهر وما تخبّئه خلف الكواليس. ثانياً: أن لا يكتفي بنتائجها المحدودة والعابرة، بل أن يتأمّل في هذه الحوادث ليتنبّأ بما ستؤول إليه من عواقب فيما إذا استمرّت. فهاتان الخصيصتان تميّزان الإنسان المتبصّر. بطبيعة الحال إنّ التوصية بالتمعّن في الامور والتفكير بعواقبها هي توصية عامّة وكلّية، إذ يبقى السؤال مطروحاً وهو: ما الذي يتعيّن علينا فعله كي نكون من الذين يفكّرون بأعماق الحوادث وبعواقب الاُمور؟ إنّ من أفضل السبل لاكتساب البصيرة هي مطالعة ما مضى من حوادث التاريخ وإمعان النظر في سلوكِ مختلفِ الأشخاص في ذلك الزمن وكيفيّة تعاملهم مع الأحداث؛ فمَن من هؤلاء كان قد تعامل مع الأحداث بسطحيّة وما كانت نتيجة سطحيّته هذه؟ ومَنْ مِنْهم قد أطال التأمّل فيها وفكّر بعواقبها وما كان مآل أمره نتيجة هذه الرؤية المتعمّقة؟
إنّ من العنايات الإلهيّة التي شملت شعبنا، والتي لم يحظَ، ولا يحظى، ولن يحظى قوم في العالم بهذا المقدار منها هي التوفيق للإفادة من واقعة عاشوراء. فإنّ قول الإمام الخمينيّ (رحمة الله عليه): «إنّ كلّ ما لدينا هو من محرّمَ وصَفَر» لم يكن مجرّد شعار جافّ غير مدروس، بل إنّه (رحمه الله) قد قال قوله هذا عن نظرة واقعيّة وعن تحقيق. إنّ سبب إفادتنا من حادثة عاشوراء يرجع إلى أنّنا - طيلة ألف وأربعمائة عام - طالما مررنا من أمام هذه الحادثة وأطلنا التفكير فيها. إنّنا قد أحيينا هذه الحادثة وأكثرنا من الدراسة والتمحيص في سلوك مختلف شخصيّاتها ونتائج أعمالهم. ولقد كان انتصار الثورة الإسلاميّة أحد أضخم معطيات هذا التفكّر المتعمّق.

حادثة غريبة

لكن من الأحداث التي لم نُعمِل فيها – مع شديد الأسف – ما يلزم من التأمّل والتعمّق هي قصّة مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام). لقد استمرّ عمرها الشريف (سلام الله عليها) بعد رحيل أبيها ما يقارب ثلاثة أشهر، وقد حدثت في هذه الفترة القصيرة أحداث ضخمة. كان اُسلوب تعاطي فاطمة الزهراء (عليها السلام) خلال هذه المدّة مع مختلف الاُمور اُسلوباً خاصّاً يختلف عن أساليب الآخرين. لكنّنا لم نتوخّ الدقّة في دراسة هذا الأمر ولم نسأل أنفسنا: لماذا انتهجت فاطمة (عليها السلام) هذا الاُسلوب في التعاطي مع الحدث، ولماذا كان موقفها تجاه تلك الأحداث يختلف عن مواقف الآخرين؟ أمّا بعض المؤرّخين فقد تعاطى مع هذه المسألة بقصور نظر شديد فزعم بتوهّمٍ هو غايةٌ في السذاجة: «لم تكن هذه المسألة ذات أهمّية تُذكر، فهي لم تَعْدُ كونها خلافاً على مزرعة أرادت الحكومة الإسلاميّة في حينها إنفاقها على مصالح الدولة الإسلاميّة، لكنّ أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اعترضوا بالقول: كلاّ، لقد وهب النبيّ هذه المزرعة لنا ونحن من يجب أن ينتفع منها»! إنّ تفسير هذه الواقعة  بهذه الصورة يُعدّ – في نظري – أشدّ ظلم يمكن أن يقع على السيّدة الزهراء (سلام الله عليها)؛ ذلك أنّ تفسيراً كهذا يصوّر أنّها (عليها السلام) قد أثارت بين المسلمين خلافات ومجاذبات ليس لسببٍ سوى السعي وراء مال الدنيا! إذن فإنّ من جملة ما يقع على عواتقنا نحن طلبة العلوم الدينيّة هو أن نطيل التفكير ونُمعِن النظر في مثل هذه المسائل وأن لا نمرّ من أمامها مرور الكرام أو مروراً ينمّ عن سذاجة وسطحيّة. ومن هذا المنطلق قمنا بطرح الخطبة الفدكيّة لسيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) كي نوليها بعض البحث والتحقيق وننظر ما هو العامل الأساسيّ الذي يقف وراء تلك الواقعة.

الرؤية المختلفة لفاطمة (عليها السلام)

وصلنا في مطالعتنا للخطبة المباركة إلى حيث خاطبت الزهراء (سلام الله عليها) الحضور في المسجد بلحن حادّ قائلةً: «لقد اُصبتم بالغفلة والرسول لـمّا يُقبَر. فلقد أطلَع الشيطان رأسه من وكره لينظر ما أنتم عليه من حال ويرى إن كانت الظروف مواتية لإضلالكم أم لا؟ فرأى أنّ الأرضيّة مُعَدّة تماماً وأنّكم قابلون للانجراف بكلّ سهولة إلى حيث يحبّ، فقرّر أن ينفّذ خطّته عن طريقكم. لقد وسوس لكم الشيطان فتصوّرتم أنّ عليكم – من أجل نزع فتيل الفتنة بين المسلمين – الاستعجال في تعيين خليفة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يُدفن! غير ملتفتين إلى أنّ عملكم هذا هو عين إشعال الفتنة، «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ»1.
نفهم من هذه التعابير أنّه كان لفاطمة الزهراء (عليها السلام) رؤية تختلف كلّ الاختلاف عن رؤية سائر المسلمين في عصر صدر الإسلام ومعظم المسلمين في عصرنا الحاضر. فما حصل هو أنّ مسلمي صدر الإسلام، وبذريعة منع حصول الاضطراب والاختلاف في الاُمّة الإسلاميّة، كانوا قد اجتمعوا ونصّبوا خليفة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله). إذ لم يكن هؤلاء يرون في خلافة النبيّ أكثر من الرئاسة والحكومة، ولم يكن يدور في عقولهم سوى أنّه: «قد كان لدينا رئيس وقد رحل عن هذه الدنيا، وعلينا الآن السعي لتعيين رئيس من طائفتنا وقبيلتنا»! كانت هذه مجرّد رؤية سطحيّة. أمّا رؤية مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) فقد كانت تختلف كلّ الاختلاف عن هذه النظرة السطحيّة الساذجة.
وفقاً لظاهر الأمر فإنّ فكرة أن يكون الرئيس والحاكم منّا ليست ممّا يجرّ إلى الكفر. فبعيداً عن التشبيه، فإنّه إذا مات رئيس جمهوريّة وانبرى أحد الأحزاب أو إحدى الفئات بالقول: «نحن مَن يعيّن رئيس الجمهوريّة»، فلن يتّهمهم أحد بالكفر! كلّ ما في الأمر أنّ الناس سيصفونهم بأنّهم طلاب دنيا وهو إشكال أخلاقيّ ليس غير. لكنّ الزهراء (عليها السلام) تقول في القوم: «إنّ السبيل التي تسلكونها سوف تؤدّي بكم إلى الكفر، بل إنّ جهنّم محيطة بكم الآن»! إذن هناك بون شاسع بين هذه الرؤية وبين النظرة السطحيّة التي كانت لسائر المسلمين حينذاك.
ثمّ تواصل الزهراء (سلام الله عليها) خطبتها بلحن أكثر حدّة فتقول: «فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ وَكَيْفَ بِكُمْ وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ»؛ وكأنّها تصيح في الناس بأعلى صوتها: «أيّها الناس! إلى أين يأخذونكم؟! فهذا الطريق ينتهي إلى جهنّم»! فبعد بضعة أيّام من وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ليس أكثر تأتي ابنة الرسول، تلك المرأة التي لم تكن قبل ذلك الحين ممّن يخطب في الرجال، لتخطب في الناس منادية فيهم: «أَنَّى تُؤْفَكُونَ وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُم»؛ هل تعون أيّ طريق يسلكون بكم؟! إنّهم يفرّقون بينكم وبين الحقّ، والقرآن في أيديكم»! فلم يكن هؤلاء يتصوّرون بأنّ عليهم الاستناد إلى كلام الله في أمرهم هذا. فهل يفكّر أحد في زماننا يا ترى بأنّ عليه من أجل تعيين رئيس للجمهوريّة أن يرجع إلى القرآن فينظر ما الذي يقوله في هذا الصدد؟! فالناس في صدر الإسلام قد تعاطوا مع الخلافة بهذه الصورة، فكانت كلّ طائفة من طوائف المسلمين في ذلك الزمن تحاول أن تجرّ النار إلى قرصها وتجعل زعيم الاُمّة المعيَّن من رجالها. لكنّ فئة مكوّنة من بضعة أشخاص وقفت في وجه هذا التحرّك ولم توافق عليه. والمراد من كلامنا هذا هو تحليل كيفيّة تعامل مختلف الأشخاص مع مجريات الأحداث.

القرآن هو مصدر سنّ القوانين في الإسلام

تنادي الزهراء (سلام الله عليها) بأعلى صوتها: «عيلكم بالقرآن الكريم، فانظروا ماذا يقول». إذن فرؤية فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) كانت تتلخّص في أنّه قد تمّ التفكير بمرحلة ما بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والإعداد لها قبل وفاته بسبعين يوماً؛ ليس من قِبل الناس، بل إنّ الله هو الذي قد بتّ في هذه المسألة بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»2. فكأنّ القوم كانوا قد نسوا أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قبل سبعين يوماً فقط، قد جمع الناس وسط الصحراء في منتصف الظهيرة في جوّ لاهب فأخذ منهم البيعة لأمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام). والعجيب أنّ التاريخ لم ينقل أنّ أحداً من الحضور قد ذكر كلام النبيّ (صلّى الله عليه وآله). فعندما تكون الأرضيّة مُعدّة للشيطان فإنّه يجرّ الناس إلى الغفلة عن أصل الموضوع بهذه الكيفيّة. وهذا بالضبط ما حصل أيضاً في أحداث فتنة عام 2009م. فقد ظنّ البعض أنّ القضيّة لا تعدو كونها اختلافاً بين مرشّحين، غافلِين عن ماهيّة اليد التي كانت تحرّك تلك الأحداث من خلف الستار وما هي مآربها. فهؤلاء الذين اصيبوا بسطحيّة النظر وضيق الاُفق لم يتمعّنوا في الأمر ولم يسألوا أنفسهم: لماذا التحامل على الإسلام في الشعارات المرفوعة؟ وما الداعي إلى مهاجمة المشاركين في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام)؟ ولماذا يُرفَع شعار «الجمهوريّة الإيرانيّة» بدلاً عن «الجمهوريّة الإسلاميّة»؟ ولماذا بادرت أمريكا بكلّ وَلَه وشغف إلى دعم هؤلاء؟ ولماذا تتعامل إسرائيل معهم بمنتهى الودّية؟ وجواباً على هذه الأسئلة يقول هؤلاء السذّج: «هذه هي الانتخابات، فأمثال هذه الاُمور تحصل في الانتخابات»! وعين هذه الرؤية كانت سائدة في صدر الإسلام أيضاً. فالبعض كان يقول: «لابدّ أن  يكون خليفة النبيّ من قبيلتنا»! والبعض الآخر يقول: «إنّ قبيلتنا أولى منكم بالخلافة»! أمّا المهاجرون فقد قالوا: «نحن أرحام النبيّ وإنّنا أولى بالخلافة من غيرنا»! وقد أماط أمير المؤمنين عليّ ٌ(عليه السلام) اللثام عن هذا الانحراف في اليوم الذي جاءوه لاقتياده عنوةً لانتزاع البيعة منه حين قال لهم: «ألَستُم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمكانكم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأعطوكم المقادة وسلّموا لكم الإمارة؟! وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار؛ أنا أولى برسول الله...»3، فهل من بين أرحام رسول الله من هو أقرب منّي إليه؟! إذن فأنا أقول بنفس المنطق الذي غلبتم به الأنصار: أنا الأولى بالخلافة. لكن لم يكن أحد ليصغي أو يكترث لكلام عليّ (عليه السلام)، فقد أجابه أحد هؤلاء النفر بتعبير قبيح: «ولكنّك حَدَث السنّ، فاترك الأمر لمشايخ القوم فهم أحْمَل لثقله، فإن عَمَّرك الله لَسَلّموا هذا الأمر إليك»!
فعندما تنادي فاطمة (سلام الله عليها) قائلة: «إلى أين تذهبون؟! لماذا نبذتم القرآن وراء ظهوركم؟» فهي لا تعني: لابدّ أن يغلب الأوسُ الخزرجَ أو الخزرجُ الأوسَ، فليس في ذلك مخالفة للقرآن الكريم، وإنمّا مخالفة القرآن هي عندما يُعمَل بخلاف ما يقول. فخشية فاطمة (عليها السلام) كانت من أن يُنبذ القرآن الكريم ولا يُعمَل به، وإنّ الداعي لندائها كان أنّه إذا استمرّ هذا النهج، وطوى النسيان - شيئاً فشيئاً - ما يقوله القرآن، وصِيغت لسلوكيّات الناس اُسس غير اُسسه، واستُلهمت القيم من غير القرآن الكريم فإنّ أثر الإسلام سيُمحى ولن يبقى من الإسلام شيء. كانت (عليها السلام) تشاهد زيغاً بدأ يلوح في الاُفق وروحه الكفر، وباطنُه إنكارُ «ما أنزل الله». ولقد ذكرتُ في المحاضرة السابقة أنّ هذا الكفر ليس هو الكفر الفقهيّ الذي يكون في مقابل الإسلام، بل هو الكفر الإيمانيّ، أي ما يقابل الإيمان؛ وهو أنّ شخصاً كهذا لا يعتقد ببعض أوامر الله من صميم قلبه. فهذا النمط من الكفر يورث الشقاء في الآخرة، لكنّه لا يوجب الكفر الدنيويّ بمعنى النجاسة والارتداد الفقهيّ وما إلى ذلك.
تقول مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها): «كِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُم» في أيديكم، «أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَأَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ بَاهِرَةٌ، وَزَوَاجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأَوَامِرُهُ وَاضِحَة» فقد بيّن أوامره بوضوح كامل، «قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُم، أَرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُون‏» هل تريدون الإعراض عنه؟ والمعنى: إنّ سلوكيّات مجتمعٍ مّا إمّا أن تكون على أساس تعاليم القرآن الكريم وأوامره أو ترتكز على اُسس اخرى. فأمّا الإسلام فهو يرى أنّ القرآن الكريم هو مصدر أعمالنا وأساسها وأنّه يتعيّن علينا أن نعمل وفقاً لما يقوله، وإنّ وضْع مصدر آخر إلى جانبه يُعدّ شركاً. فإذا اعتمدنا أصوات الشعب، أو ميثاق الاُمم المتّحدة، أو أيّ شيء آخر بعنوان كونه مصدراً إلى جوار القرآن نكون قد ارتكبنا شركاً في التشريع. فقد قال الناس في ذلك الزمان: «سنحاول أن ننتخب بأنفسنا الشخصَ الذي نراه الأصلح والأنفع لنا» وأهملوا كتاب الله، وهذه كانت بداية الزيغ والانحراف عن القرآن الكريم. تقول (عليها السلام): «أَرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُون»؛ فهل تريدون – حقّاً – الإعراض عن القرآن؟ أم إنّكم تريدون أن تُحَكّموا غير القرآن عليكم؟! «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً»4 فإنّكم بذلك تظلمون أنفسكم وتختارون سبيلاً يجافي الحقّ وإنّ الذي يغيّر موقع شيء ويأتي بشيء آخر مكانه بصورة ظالمة فبئس ما اختاره من بديل وعوض.

الولاية معيار الإيمان

ولعلّ في عبارة: «أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُون» تلميحاً إلى الآية الشريفة التي تقول: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً»5 وهي من أعجب آيات القرآن الكريم. فالله عزّ وجلّ يقسم فيها لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: «قسماً بربّك إنّه ما من حقيقة غير هذه وهي أنّ المسلمين لن يؤمنوا إيماناً حقيقيّاً حتّى يرجعوا إليك ويحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ يسلّموا لما تقول من أعماق وجودهم وصميم قلوبهم، بل وأن لا يستشعروا حتّى في قلوبهم أيّ حرج أو انزعاج». إذ من النادر أن تُصدر المحكمة حكماً على شخص من دون أن يجزع وينزعج أو يقول: «الحمد لله الذي أظهر الحقّ»! فالقرآن الكريم يُتْبِع القسم بقوله: «ليس المؤمنون سوى اُولئك الذين يرجعون إليك في منازعاتهم، ويقبلون بحكمك أيّاً كان، بل ولا يستشعرون ضجراً أو تبرّماً منه حتّى في أعماق قلوبهم». فالإيمان الحقيقيّ هو أنّ يسلّم المرء في مقابل الله عزّ وجلّ ورسوله (صلّى الله عليه وآله) تسليماً محضاً: «وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً».
إنّ الذين يقبلون اليوم بولاية الفقيه بهذه الصورة هم نادرون للغاية. فالمدّعون كثيرون أمّا في مقام العمل فإنّ الذين يمتثلون لكلّ ما يقوله الوليّ الفقيه هم قليلون. فعندما يُصدر الوليّ الفقيه حكماً يقول بعضهم: «فلنذهب ونتحدّث إليه علّه يرجع عن رأيه»! لكنك إذا كنت تقبل بولايته فستمتثل لكلّ ما يقوله من دون أدنى تلكّؤ أو تردّد. فولاية الفقيه تعني أنّ الفقيه هو خليفة النبيّ والإمام المعصوم، ويتعيّن علينا أن نسلّم تسليماً محضاً لكلّ ما يحكم به ونعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ هذا الأمر كأنّه صادر من الإمام المعصوم (عليه السلام). ومن هذا المنطلق جاء في الخبر: «فإذا حكَم بحُكمٍ ولم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ وعلينا ردّ والرادُّ علينا كالرادِّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله»6. وبطبيعة الحال فإنّ البحث في الولاية المطلقة للفقيه يأتي في حقل المسائل الحكوميّة وإنّ المسائل الشخصيّة ليست مجالاً لمناقشة الولاية.
ثمّ تقول الزهراء (سلام الله عليها): «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين»7. أمّا علاقة هذه الآية بما قبلها من أقسام الخطبة فهي أنّه إذا اتّخذ المرء لفعله أساساً غير كلام الله تعالى وكلام نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) فقد خرج عن جادّة الإيمان وإنّ مآله لا محالة سيكون إلى الكفر. فالشيطان أحياناً قد يأتي الإنسانَ بمظهر المؤمن. إذن لابدّ أن نتوخّى الحذر الشديد، وأن نعرف معيار الحقّ والباطل وأن لا ننخدع بهذه المظاهر.

أعاذنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. سورة التوبة، الآية 49.

2. سورة المائدة، الآية 67.

3. بحار الأنوار، ج28، ص185.

4. سورة الكهف، الآية 50.

5. سورة النساء، الآية 65.

6. بحار الأنوار، ج101، ص262.

7. سورة آل عمران، الآية 85.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org