بسم الله الرحمـٰن الرحيم

احتجاجات فاطمة (عليها السلام) على عدم أهليّة الخلفاء

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 2 شباط 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

مقدّمة

نتقدّم لصاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه) ونائبه الصالح بالحقّ قائد الثورة المعظّم وكلّ محبّي أهل البيت (عليهم السلام) بالتعازي الحارّة بمناسبة رحيل النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله). ونسأل الله العليّ القدير أن لا يفرّق بيننا وبين أهل هذا البيت الطاهر طرفة عين في الدنيا والآخرة. إنّ وفاة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تُعدّ - من وجه من الوجوه - أعظم مصيبة حلّت في العالم. فالمصيبة هي الحرمان من نعمة أو رحمة، وكلّما عظمت النعمة المحروم منها كبُرت المصيبة بالتَّبَع، وليس في عالم الوجود من نعمة للبشر هي أعظم من الوجود المقدّس للنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، فقد أسماه الله تعالى «رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ»1؛ إذن فإنّ فقدان هذا الرجل العظيم هي أعظم مصيبة تعرّضت لها البشريّة.

لمحة عن مظلوميّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

نحن ندرك أيّ حال يكون عليه الناس عندما يفقدون شخصيّة عظيمة مفعمة بالبركة برحيلها عن الدنيا. لكنّ السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: هل إنّ البشر بعد رحيل أعظم رحمة إلهيّة من بين ظهرانيهم قد أدّوا حقّ هذه الشخصيّة كما يجب؟ فالتاريخ يخبرنا - مع شديد الأسف - أنّ هذا التوقّع لم يتحقّق. ولابدّ لهذا النمط من سوء المعاملة أن يُدرس ويُناقَش من الناحية التاريخيّة ويُطرح على طاولة التحليل أيضاً.
إنّ من الأسباب التي أدّت إلى هذا الأمر هي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان قد أمر قبل وفاته، وبأمر من الله عزّ وجلّ، بتشكيل جيش وقد أمَّر عليه اُسامة وأصرّ على خروج الناس من المدينة تحت إمرته، وقد كان هذا الأمر تمهيداً قد أعدّه الله تبارك وتعالى من أجل أن لا تقع الفتنة بعد رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذلك من أجل تثبيت خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام). لكنّ نفراً من القوم كانوا على اتّصال مستمرّ مع المركز وقد خطّطوا للعودة إلى المدينة بمجرّد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقد نفّذوا ما خطّطوا له فعلاً. وجرياً على القاعدة فإنّه كان لابدّ لمن بقي في المدينة - عند مشاهدتهم أنّ حالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ليست على ما يرام وأنّها قد تكون اللحظات الأخيرة من عمره الشريف - أن يجتمعوا وأن تطغى عليهم حالة من الحزن والبكاء، كما حصل أيّام استشهاد أمير المؤمنين (سلام الله عليه). لكنّ السؤال الكبير الذي يُطرح هنا هو: لماذا لم يحصل ذلك؟!
لقد قُدّمت لذلك تفاسير مختلفة، فقال البعض على سبيل المثال: «لقد خشي المسلمون من وقوع الاختلاف بعد رحيل النبيّ وأن يؤدّي الفراغ الحاصل في منصب قيادة الامّة إلى ضعف المسلمين. ومن هنا فقد اجتمعوا واستعجلوا في تعيين خليفة رسول الله كي ينقذوا المجتمع من تبعات هذا الفراغ القياديّ»! وهذا هو من أكثر التفاسير المطروحة في حسن الظنّ؛ لكنّه من المستبعَد أن يحظى بالقبول؛ إذ لم يكن هناك – في الحقيقة – فراغ قياديّ أساساً. فمنذ سبعين يوماً فقط كان النبيّ قد رفع يد عليّ (عليه السلام) قائلاً: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهٰذَا عَلِيٌّ مَوْلاه»2؛ فأين الفراغ القياديّ؟! إذن لم يكن في هذه المسألة أيّ إبهام أو لبس. لكنّ هؤلاء إمّا أن يكونوا قد نسوا ذلك، أو كانت لديهم دوافع ونيّات اُخرى ولسنا هنا في صدد إصدار الحكم على سلوكهم، بل نريد أن نذكر ما وقع في ذلك الحين إجمالاً. فما حصل هو الآتي: لقد اجتمع نفر في سقيفة بني ساعدة وبايعوا أحد المهاجرين بالخلافة في حين أنّ جنازة النبيّ لا زالت ملقاة على الأرض بلا غسل ولا دفن!

نبذة عن مظلوميّة عليّ وفاطمة (عليهما السلام)

ولنفترض أنّهم فعلوا ذلك عن حسن نيّة أو جرّاء نسيانهم، لكنّ الخبر عندما بلغ أمير المؤمنين سأل (عليه السلام) عن سبب انتهاج القوم هذه الطريقة في تعيين خليفة رسول الله، فكان الردّ: «يقولون: إنّنا من أرحام النبيّ»! فكان ردّه (عليه السلام) أنّه لا يوجد من هو أقرب منّي إلى رسول الله؟ فكيف يمكن أن لا يُطرح اسمي على الإطلاق؟! وقد تلت هذه الواقعة أحداثٌ لابدّ أنّها طرقت مسامعكم مراراً؛ فقد اجتمع الناس أمام باب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقادوه بالإكراه إلى المسجد لانتزاع البيعة منه، وغير ذلك من الأحداث التي إن صحّ ما تناقلته كتب التاريخ عنها – وهو ما يبدو أنّه صحيح – فإنّها كانت حوادث شديدة ومريعة للغاية ولم يكن من المتوقّع على الإطلاق أن يقابِل المسلمون أهلَ بيت النبيّ (صلوات الله عليهم أجمعين) بهذه الكيفيّة.
في خضمّ هذه الأحداث كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أتمّ الحجّة على الناس في المسجد، ولم يكتف بذلك بل أخذ يطَرْق أبوابهم فرداً فرداً ليذكّرهم بوصايا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وبالبيعة التي بايعوه بها. لكنّ الأمر قد انتهى إلى تثبيت خلافة الخليفة الأوّل. أمّا أهل بيت الرسول (صلوات الله عليهم)، فما عدا الاحتجاجات التي اتمّوا بها الحجّة على الناس، فإنّهم لم يُقدِموا على أيّ عمل آخر ولم يُشهروا سيفاً تفادياً لشقّ عصى المسلمين وتجنّباً لسوء استغلال الأعداء للوضع. فلو أقدم أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك الحين على خطوات عمليّة لكان قد انتهى الأمر ولم تكن لتمضي فترة طويلة حتّى يُمحى الإسلام ولا يبقى له أثر قطّ.

قصّة غصب فدك

بعد تثبيت الخلافة توجّه الجهاز الحكوميّ إلى الشؤون الحكوميّة. ووفقاً لبعض الأخبار فقد ابتدأوا بمجيئهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقالوا له (لنقل من باب المشورة): «الخلافة قد ثُبّتت؛ لكن كيف ينبغي التصرّف بالأموال التي كانت في يد النبيّ إلى حين وفاته»؟! فأجابهم (عليه السلام) بإنّه ينبغي أن يُتصرّف بها كما كان النبيّ يتصرّف بها في حال حياته. قالوا: «فماذا عن أموال خيبر»؟ وكان السؤال عن هذه الأموال يمتاز بمزيّة خاصّة؛ إذ إنّ من جملة أحكام الإسلام أنّه إذا استسلم العدوّ في مقابل الحاكم الإسلاميّ تاركاً أمواله أو مسلّماً إيّاها له فإنّ تلك الأموال لا تُقَسّم بين المسلمين، بل إنّها تعود إلى شخص الحاكم أي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خاصّة وإنّ له الخيار في أن يتصرّف فيها بما يرى فيه المصلحة. يقول الله تبارك وتعالى في الآية السادسة من سورة الحشر: «فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ»؛ فهناك أموال قد أعادها الله إليكم من دون أن تجيّشوا في سبيل إعادتها جيشاً أو تدخلوا حرباً بل لقد سلّمها أصحابها إليكم طواعية. فمثل هذه الأموال تعود إلى الله وإلى رسوله وليس لسائر الناس فيها من حقّ. وإن شأن نزول هذه الآية هي قلاع خيبر والقرى المحيطة بها التي من جملتها قرية فدك.
إذن عندما جاء الخليفتان الأوّل والثاني إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلين: «ما هو حكم هذه الأموال»؟ أجابهما (عليه السلام) بأنّه ينبغي أن تحكما فيها بما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيحكم فيها أثناء حياته. قالا: «فماذا عن فدك»، وكانت فدك من جملة هذه الأموال التي وهبها النبيّ للزهراء (سلام الله عليها) وجميع الناس كانوا يعلمون بهذا الأمر وحتّى بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان عامل الزهراء (عليها السلام) ووكيلها هو الذي يشتغل في رعاية شؤون هذه الأرض. أجابهما أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ النبيّ هو الذي وهبها للزهراء وهي لها. قالا: «كلا، إنّها لبيت المال ولابدّ من إرجاعها إليه»! فذهبا وأخرجا عامل الزهراء (سلام الله عليها) من الأرض وتمّ الاستيلاء عليها. أمّا إخواننا من أهل السنّة فإنّهم يبرّرون هذه القضيّة بأنّ هذين كانا يعلمان بمصلحة الإسلام في هذا الأمر، أو أنّهما كانا يعتقدان بأنّ تصرّفات النبيّ كانت معتبَرة في زمان حياته، أمّا بعد وفاته فإنّ لـمَن يخلفه - كائناً من كان - حق ّالتصرّف بأيّ صورة يرى فيها المصلحة.

الاحتجاج الأوّل لفاطمة (سلام الله عليها)

لم تستمرّ حياة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) بعد رحيل النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أكثر من 75 أو 95 يوماً. وطبقاً لما نقلته كتب التاريخ – التي لعلّ شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة هو أكثرها جامعيّة في هذا المجال – فقد أقدمت (عليها السلام) على عدد من الخطوات. ففي مجلس ضمّ الخليفة الأوّل ومَن كان من المقرّر أن يكون الخليفة الثاني من بعده جاءت الزهراء (سلام الله عليها) وشكته بحضور جمع من الناس مستنكرة عليه إخراج عاملها من فدك فأجابها: «إنّها لبيت المال ونريد إنفاقها في مصالح المسلمين»! فأجابته بإنّك تعلم أنّ رسول الله جعلها لي نحلة وليس للآخرين حقّ فيها. فقالا لها: «كلا، إنّها من المال العامّ المتعلّق ببيت المال ونحن نرى أنّ من المصلحة أن تُصرف في مصالح الاُمّة الإسلاميّة. فإن ادّعيتِ أنّ هذه المزرعة لك فأتِ بشاهد على ذلك»! فكان ردّ الزهراء (عليها السلام) أنّه لو كان مال في يد مسلم وادّعيتُه أنا فهل ستطالبني أنا بالبيّنة أم ستطالب ذلك المسلم؟ فأنا ذات يدٍ وإنّ المدّعي على ذي يدٍ هو الذي ينبغي أن يُقدّم الشهود على مدّعاه. فقانون القضاء الإسلاميّ (بل قانون القضاء في جميع أنحاء العالم) ينصّ على أنّه إذا ادّعى شخص مالاً وهو في يد غيره وجب عليه تقديم البيّنة على ما يدّعيه. ولم تكتف (سلام الله عليها) بذلك بل إنّها، ومن أجل إتمام الحجّة، جاءت بعليّ (عليه السلام) واُمّ أيمن كشاهدين. لكنّهما قالا: «عليّ شاهد واحد أمّا اُمّ أيمن فهي امرأة ولا تكفي امرأة واحدة للشهادة»! وهنا أيضاً لابدّ أن نذكّر بأنّ من قواعد القضاء أنّه إذا كان أحد الشاهدين امرأة فإنّه يتعيّن عليها أن تحلف اليمين عوضاً عن الشاهد الآخر. لكنّهما ردّا عليها بكلام غير مناسب.

الاحتجاج الثاني لفاطمة (عليها السلام)

وقد حصل حوار آخر أيضاً بين شخص الخليفة الأوّل ومولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) على انفراد إذ تحدّثت معه بشكل خاصّ وبدلاً من أن تتناول قضيّة أنّها ذات يدٍ وليس من الضروريّ أن تأتي ببيّنة وأنّها - مع ذلك - جاءت بعليّ (عليه السلام) كشاهد، فقد طرحت في هذه المرّة مسألة أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أحياناً يقبل بشهادة واحد من الصحابة الذين يثق بهم كثيراً عوضاً عن شهادتين، فكيف بي وقد جئتُك بعليّ واُمّ أيمن ولم تقبل بهما كشاهدين! فتأثّر الخليفة في مقابل هذا المنطق وكتب لها كتاباً يثبت تعلّق المِلْك بها. لكنّ شخصاً صادفها في الطريق وأخذ منها الكتاب ومزّقه وتجاسر عليها أيضاً. وقد مضى هذا الحدث أيضاً ولم يتمّ الوصول فيه إلى نتيجة حاله في ذلك حال مسألة الخلافة.

فدك ذريعة لتوضيح الاُمور

لقد تصوّر البعض أنّ قلق الزهراء (سلام الله عليها) كان مقتصراً على حرمانها من موارد فدك المادّية! وإنه لمنتهى الجفاء بحقّ الزهراء (عليها السلام) أن نفكّر بهذه الطريقة، فجميع أموال العالم تساوي قبضة من الرماد في نظر الزهراء (عليها السلام). إذن هذا لم يكن أصل الموضوع قطعاً، وإنّ ما كان يحزّ في نفوس أهل بيت الرسول (عليهم السلام) ويؤلمهم هو أنّ تلك التصرّفات كانت سبباً في سحق أحكام الإسلام التي صرّح بها القرآن الكريم، بالضبط كما نسي الناس البيعةَ التي أخذها منهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) حتّى كأنّ شيئاً لم يكن. فقد جاء في الخبر أنّه عندما نزلت الآية الشريفة: «وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ»3 أعطى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هذا المال لفاطمة (عليها السلام)، لكنّ سلوك القوم بعد ذلك كان بشكل يخالف أمر الرسول الأعظم ونصّ القرآن الكريم. مضافاً إلى ذلك فإنّ قوانين القضاء الإسلاميّ باتت في معرض الزوال شيئاً فشيئاً. فإلى أين ستؤول الاُمور إذا استمرّ الوضع على هذا المنوال؟ فإن لم يواجَه هذا النهج الذي ابتدأ الآن فسوف يؤدّي إلى الكفر وحينذاك لن يبقى من الإسلام سوى أثر بعد عين. إذن فإنّ آل الرسول (عليهم السلام) كانوا قلقين من هذه الاُمور تحديداً. فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير إلى نفس هذه النقطة في رسالة كتبها إلى عثمان بن حُنَيف يقول فيها: «كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم وسَخَت عنها نفوس قوم آخرين» إلى أن يقول: «وما أصنع بفدك وغير فدك»4؟! فالقضيّة كانت تتلخّص في مواجهة هذا التيّار السياسيّ الحاكم، وإتمام الحجّة على الناس كي يفهموا بأنّ هؤلاء غير مؤهّلين للحكم، وإنّ المنصب الإلهيّ للخلافة لابدّ أن يكون من نصيب المعصوم (عليه السلام).

السقيفة أداة لجرّ العالم الإسلاميّ إلى العلمانيّة

لو أردنا أن نفسّر واقعة السقيفة بلغتنا المعاصرة وعبر المفردات المستخدمة في زماننا فلابدّ أن نقول: إنّ أوّل خطوة في العالم الإسلاميّ اتُّخذت باتّجاه تحويل المجتمع الإسلاميّ إلى العلمانيّة كانت في السقيفة؛ فالسقيفة كانت مشروعاً لفصل الدين عن السياسة. فالقوم ما كانوا يأبون أن يبادروا أحياناً إلى سؤال عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) حول مسألة شرعيّة، بل لقد فعلوا ذلك فعلاً في عهد الخلفاء. كما أنّهم ما كانوا يأبون القول: «نحن لا نعلم حكم الإسلام، وعلينا أخذه منك»! لكنّهم كانوا يأبون أن يتسلّم آل بيت الرسول (صلوات الله عليهم أجمعين) مقاليد السلطة ويصدّرون الأحكام. فما معنى هذا التفكيك الذي يحصر الحكم والحكومة في نفر من الناس ويجعل تبيين أحكام الدين على عاتق نفر آخر منهم؟! فهذا لَعمري هو عين العلمانيّة وأساسها.
وحتّى في يومنا هذا فإنّه يوجد من يحمل نفس هذه الرؤية بالنسبة لتسلّم المناصب في هذا النظام القائم في هذه الجمهوريّة الإسلاميّة. فأمثال هؤلاء إمّا أنّهم لا يقبلون بأصل ولاية الفقيه، أو أنّهم يتعاملون مع هذا المنصب كمنصب شكليّ ولا يرون وجوب تنفيذ أحكام صاحبه وأوامره. فهم يزعمون أنّ فهمهم للاُمور يفوق فهمه بكثير، وأنّه هو الذي يجب عليه طاعتهم! فينبغي أن لا نعجَب من تعامل المسلمين مع ابنة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، إذ لو رجعنا بذاكرتنا سنتين إلى الوراء لشاهدنا وقائع من هذا الصنف؛ ولشاهدنا كيف تصرّف البعض مع المشتركين في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) في يوم عاشوراء، ومن الذين أصدروا الأوامر بذلك، ومن كان الراضي عن هذا الفعل، ومن الذين يأبون إلى الآن أن يتبرّأوا ممّن قاموا بهذا العمل الشنيع ويدينوهم. بطبيعة الحال لابدّ أن نقرّ لشعبنا اليوم بأنّه أكثر فهماً وإدراكاً للامور من أهل ذلك العصر الذين غيّروا مسيرة التاريخ عبر بعض المغالطات الجزئيّة، وانخدعوا بحديثٍ موضوعٍ مفاده: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»5.

الاحتجاج الثالث لفاطمة (عليها السلام)

إذن فقد وصل الأمر في نهاية المطاف بقضيّة فدك إلى نسيان أنّها نحلة وأنّها هبة وهبها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لفاطمة (سلام الله عليها) وطُوي سجلّها كما طُوي سجلّ قضيّة الخلافة من قبل. كانت الزهراء (عليها السلام) تعلم أنّها لن تبقى في هذه الدنيا أكثر من أيّام قلائل، وكانت تحاول في غضون هذه البرهة القصيرة من الزمن أن تقوم بما من شأنه أن يقوّي دعائم الإسلام ويثبّتها أكثر. ومن هنا فقد سعت إلى طرح القضيّة من باب آخر وهو أنّه: «إذا لم توافق على كون فدك هبة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلا شكّ أنّك تقرّ بأنّها كانت ملكاً للنبيّ أساساً، فذلك ما صرّح به القرآن الكريم ولا يسعك إنكاره. فإن كان الأمر كذلك فإنّني ابنة النبيّ ووريثته. وبناء عليه فإنّه يجب أن تنتقل فدك إلى ملكيّتي».
وهنا قد وقع الكثيرون في إشكال فقالوا: «لقد التبس علينا الأمر حقّاً! فلم نفهم ماذا كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تدّعي حول فدك هل كانت نِحلَة، أم إرثاً»؟ والجواب على ذلك هو أنّها (عليها السلام) ومن أجل مواجهة هذا النظام الذي لا يصلح للخلافة فقد انتهجت سبيلين؛ فهي قد طرحت - أوّلاً - مسألة كون فدك نِحلَة لتوضّح للناس أنّ هؤلاء إمّا أنّهم غير عارفين بأحكام الله، الأمر الذي يجعلهم غير صالحين لخلافة رسول الله أساساً، وإمّا أنّهم يخالفون حكم الله متعمّدين، وعندها فمن الأولى أن يثبت عدم أهليّتهم للخلافة. فإذا طُويت صفحة كونها نِحلة فقد سلكت (سلام الله عليها) سبيلاً آخر للوصل إلى مبتغاها فادّعت كونها تركة يمكن أن تورّث.
وإذا منّ الله علينا بالتوفيق فسنكمل تتمّة هذا المبحث في المحاضرة القادمة إن شاء الله.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة الأنبياء، الآية 107.

2. الكافي، ج1، ص420.

3. سورة الإسراء، الآية 26.

4. نهج البلاغة، الرسالة 45.

5. عمدة القاري (للعيني)، ج14، ص163؛ وتفسير الرازي، ج9، ص21؛ وفتح القدير (للشوكاني)، ج3ـ ص322.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org