بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 23 شباط 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

سُبُل تعزيز الوحدة بين المذاهب الإسلاميّة

حدّ النصاب للوحدة

إنّ «اُسبوع الوحدة الإسلاميّة» يُعدّ فرصة ذهبيّة لتوطيد العلاقات بين الطوائف الإسلاميّة المختلفة من أجل أن يوثّقوا عُرى الاتّحاد والاتّفاق فيما بينهم في مواجهة أعدائهم. نشكر المولى العليّ القدير أنّه مَنّ علينا بهذه النعمة الجليلة وهي توفير الظروف المساعدة ببركة الجمهوريّة الإسلاميّة بغية إزالة الكثير ممّا كان عائقاً بين الاُخوة المسلمين من رواسب العداوة والبغضاء الناجمة عن التعصّب الأعمى أو الحدّ منها بنسبة عالية.
وعلى الرغم من مضيّ ما يربو على ثلاثين عاماً على طرح هذه المسألة وإقامة الاحتفالات السنويّة بهذه المناسبة، غير أنّه لا تزال هناك بعض الإبهامات تحيط بمفهوم الوحدة الإسلاميّة؛ إذ يتصوّر البعض أنّ المقصود من الوحدة هو توحيد المذاهب الكلاميّة والمذاهب الفقهيّة لجميع الطوائف الإسلاميّة كي يصلوا - من الناحية العمليّة - إلى حدّ تقليد فتوى مرجعٍ واحد. إنّ توقّعاً كهذا هو بعيد كلّ البعد عن الواقع؛ ذلك أنّ الرواسب الذهنيّة القديمة للإنسان لها تأثير كبير على فهمه، بل وعلى سلوكه أيضاً. إذن لا تعني الوحدة توحيد المعتقدات، والأعمال، والسلوكيّات، والفتاوى عند جميع المسلمين، بل إنّ للوحدة والاتّحاد مفهوماً تشكيكيّاً له مراتب. فإنّ إحدى هذه المراتب تعتبر ضروريّة للجميع ولابدّ من مراعاتها وإنّ عدم مراعاتها من شأنه أن يُلحق بالإسلام ضرراً جسيماً ولن يصبّ إلاّ في صالح أعدائه، وهذه المرتبة هي تجنّب طرح الخلافات التي تضع الاخوة المسلمين في مواجهة بعضهم، حتّى يسبّ أحدُهم الآخر ويبادله الضغينة والعداوة. فينبغي على جميع المسلمين حثّ الخطى وبذل الجهود للوصول إلى هذه الوحدة التي تقف أمام خلافاتٍ من هذا القبيل، بحيث يعامل أحدهم الآخر باحترام في مقام العمل ويؤمن كلّ مسلم بوجود حدود لأخيه المسلم يستطيع ضمنها أن يعتقد بما يصل إليه من العقائد ويعمل وفقاً لما يتّبعه من منهج فقهيّ بكلّ حرّية؛ بالضبط كالخلافات الموجودة بين الشيعة أنفسهم في العمل بفتاوى مراجعهم. فهل يا ترى أنّ قولنا: «يتعيّن على الشيعة أن يتوحّدوا فيما بينهم» يعني أنّ عليهم جميعاً أن يقلّدوا مرجعاً واحداً؟ إذن لابدّ من تطبيق عين هذه الطريقة على العلاقات بين باقي المسلمين بشكل عامّ. فأكثر ما يشتهر من خلاف بين المسلمين هو الخلاف الفقهيّ؛ إذ أنّ هناك أربعة مذاهب فقهيّة معروفة لدى إخواننا من أهل السنّة وهي المذهب الشافعيّ، والمالكيّ، والحَنَفيّ، والحنبليّ حيث ينتهي كلّ واحد منها إلى واحدٍ من أربعة من كبار علمائهم بل ويسمّى باسمه أيضاً. فكأنّ أتْباع كلّ مذهب من هذه المذاهب الأربعة يقلّدون مرجعاً ويعملون بفتاواه. ففي هذه الحالة يمكننا القول: اعملوا وفقاً لفتوى مرجعكم في التقليد ونعمل نحن طبقاً لفتوى مرجعنا في التقليد. فالوحدة في هذا المقام تقتضى أن يكون تعاملنا مع باقي المسلمين بالشكل الذي يعترف فيه كلّ منّا بالآخر فلا يؤدّي الخلاف في بعض المعتقدات الكلاميّة، أو بعض الفتاوى الفقهيّة إلى تكفير بعضنا البعض. لكنّه يوجد في مقابل هذا النمط الفكريّ فكر نادر يُدعىٰ «الفكر التكفيريّ» يقول المعتقدون به: «المسلمون الحقيقيّون هم نحن وليس غير، أمّا الآخرون فجميعهم كفّار وإنّ دماءهم وأعراضهم مباحة»! فإن وضعنا هذه الشرذمة من الناس، الذين لا يشكّلون إلاّ طائفة صغيرة من المسلمين، جانباً فسنجد أنّ باقي المسلمين لا يحملون مثل هذه العقيدة، بل لقد تعايشوا كأصدقاء واخوة إلى جوار بعضهم لسنين موغلة في القِدَم.

طرح الأبحاث المنطقيّة في أجواء ودّية هو السبيل لتقليص فجوة الخلاف

لكن لا ينبغي أن نكتفي بهذا الحدّ من النصاب، بل يتعيّن علينا أن نسعى قدر الإمكان لتقليص هُوّة الخلاف فيما بيننا. فينبغي لمن يجد في نفسه الأهليّة للبحث والنقاش من الفريقين أن يعقدوا مجالس ودّية يسودها جوّ من الإنصاف، بعيدة عن التعصّبات المقيتة لينخرطوا في حوار مشترك لعلّ ذلك يؤدّي إلى إزالة نقاط الخلاف في العديد من المسائل العقائديّة والفقهيّة. فصحيح أنّنا قلنا: ليس من الممكن إزالة جميع الخلافات، لكنّنا لم نقل: ليس بالإمكان أن نحلّ ولو خلافاً واحداً.
كان المرحوم آية الله العظمى بهجت (رضوان الله تعالى عليه) يقول: «لا تطرحوا في مستهلّ حواراتكم مع سائر المسلمين ما يصعب عليهم قبوله، فمناقشات كهذه لا تؤدّي إلى نتيجة مطلوبة. ابدأوا معهم من هذه النقطة وهي أن تقولوا لهم: إنّكم منقسمون إلى أربع طوائف وكلّ طائفة منكم تعتبر الطوائف الاخرى مسلمة، ولا إشكال في ذلك على الإطلاق. فجميعكم يقلّدون أربعة من عظماء العلماء الذين عاشوا في فترة واحدة تقريباً. لكنّ جميع هؤلاء الأربعة قد استقوا العلم من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إمّا بشكل مباشر أو بالواسطة. فأنتم تروُون في كتبكم أنّ أبا حنيفة قد قال: «لولا السنتان لهلك النعمان»1؛ أي لولا السنتان اللتان تتلمذتُ فيهما عند الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لكنتُ قد هلكت. كما وتنقلون عنه أيضاً قوله: «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد»2. في حين أنّنا نقلّد من تتلمذَ أعاظمُ علمائكم على يده إمّا بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فإذا كان تقليد التلميذ جائزاً، فكيف يكون تقليد الاستاذ، الذي هو - باعتراف نفس هذا التلميذ - أفقه أهل زمانه، غير جائز؟! فليس لأيّ امرئ منصف أن ينكر ذلك».
وقد كان آية الله بهجت يذكر المرحوم الشيخ محمود شلتوت كمثال ويقول: «كان المرحوم الشيخ محمود شلتوت يحمل درجة من درجات التشيّع، حيث إنّه قد أفتى بصحّة تقليد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كما وقد اُقرّت في زمانه بعض الأحكام القانونيّة وفقاً لفتاوى الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً. فعندما يشعرون أنّ خلافنا معهم هو خلاف في المرجعيّة فسيساعد ذلك على توطيد علاقتنا معهم وسيكثر الاحتكاك فيما بيننا، وحينئذ ستتاح الفرصة لأن يقرأوا كتبنا وعندئذ ستُحلّ الكثير من الخلافات بين الطرفين. وهذه هي أنجع السبل لخلق الوحدة بين المسلمين».
بطبيعة الحال يوجد من بين الشيعة ومن بين السنّة على حدّ سواء أشخاص مغرضون ومرضى، لكن لا ينبغي أن يكون وجود أمثال هؤلاء سبباً في المواجهة بين الفريقين ليصل الأمر – والعياذ بالله – إلى استغلال الأعداء لهذا الوضع وبثّهم للفتن المؤدّية إلى إشعال فتيل الحروب الأهليّة بين الطائفتين؛ وهو ما نشاهد - مع بالغ الأسف – نموذجاً منه في الباكستان مثلاً. فمراعاة هذا المقدار من الوحدة هو أمر واجب،  لاسيّما بالالتفات إلى توصيات قائد الثورة المعظّم (حفظه الله تعالى) في هذا المجال حيث أصدر فتوى صريحة بحرمة التعرّض بسوء لرموز ومقدّسات سائر طوائف المسلمين. إذن فالسبيل إلى الاقتراب من الوحدة الحقيقيّة التي تقترب فيها معتقداتنا وفتاوانا من بعضها هي في الجلوس على طاولة البحث والمطالعة والتحقيق في جوّ صحّي سليم، وهو أشبه بما يحصل في الحوزات العلميّة الشيعيّة. فبعض مراجع الشيعة المعاصرين كانوا في فترة دراستهم الحوزويّة يشاركون بعضهم في جلسات البحث ويتتلمذون على يد استاذ واحد، لكنّ فتاواهم قد اختلفت فيما بعد. فالمرجع يعمل بما يراه حجّة عليه بينه وبين ربّه. فالعمل من أجل تقارب الأفكار وتلاقحها ليس أنّه لا ينافي مشروع الوحدة فحسب، بل يكون مكمّلاً ومتمّماً له أيضاً.
لقد اُسّست في زمان المرحوم آية الله العظمى السيّد البروجرديّ (رضوان الله عليه) مؤسّسة تحمل اسم «دار التقريب» وقد أرسل المرحوم آية الله البروجرديّ (رحمة الله عليه) المرحوم الشيخ محمّد تقي القمّي مبعوثاً من قِبله للإقامة في مصر. وقد عقد الأخير هناك جلسات متعدّدة مع عدد من علماء الأزهر المنتمين إلى مذاهب مختلفة وقام بإصدار مجلّة تحت عنوان «رسالة التقريب» كان يَنشُر فيها أشخاصٌ ينتمون إلى مذاهب مختلفة مقالاتِهم ويدلي كلّ منهم فيها برأيه فيما يتعلّق بالمسائل الخلافيّة. لكنّه نتيجة لتشنّج العلاقات بين مصر وإيران في عهد شاه إيران فقد تمّ إغلاق دار التقريب التي كان من ثمارها طبع بعض الكتب الشيعيّة في مصر ومن جملتها تفسير مجمع البيان وكتاب المختصر النافع في فقه الإماميّة وقد تمّ إدراج كتاب المختصر النافع كنصّ فقهيّ في كلّيات الحقوق والفقه هناك. فالعلاقات بين المذاهب الإسلاميّة كانت تتقدّم إلى هذا الحدّ من السلامة غير أنّ الأعداء لم يسمحوا بذلك.
وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة تأسّس في إيران مجمع باسم «مجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة». وهو عمل لا يرمي إلى رفع الخلافات بالكامل؛ ذلك أنّ شيئاً كهذا ليس أمراً عمليّاً بتاتاً؛ لكنّنا يمكننا الاقتراب من بعضنا أكثر والحدّ من خلافاتنا. فإنّ من جملة سبل التقريب في نظرنا هي عقد جلسات مباحثة في أجواء سليمة في مجالات مختلفة، وأن يتمّ البحث والتحقيق في كلّ مجال بما يتناسب معه من طرق وسبل خاصّة؛ كأن يتمّ البحث في المباحث الكلاميّة بالطرق المتّبعة في علم الكلام، وفي المباحث الفقهيّة بالطرق الخاصّة بعلم الفقه، وفي المباحث التاريخيّة بالأساليب المخصّصة بتلك المباحث، وهكذا. أقول هذا القول من أجل أن تتوضّح نقطة مهمّة وهي أنّ هدفنا من الخوض في خطبة سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) ليس هو من منطلق العداء أو البغض لأيّ أحد، بل إنّ ما نرمي إليه هو مناقشة سند تاريخيّ قد اشتغل عليه وأثبته علماء أعلام وباحثون أكفاء. ولعلّ القسم الأعظم من هذه الخطبة قد جاء في كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. فقد نقل مصنّف هذا الكتاب، وهو سنّي معتزليّ المذهب، المقاطع الأشدّ حساسيّة من هذه الخطبة بأسنادٍ عَدّها معتبَرة، بل وإنّه يستفيد منها أحياناً في مواضع اخرى. كما أنّه نقل في ذيل هذه الخطبة عن أساتذته مباحث تتطلّب منّا – حقّاً - الوقوف وقفة إجلال وثناء على ما أبداه هذا الرجل وأساتذته من إنصاف.
وتتجلّى أهمّية الخوض في هذه الخطبة المباركة عندما نكتشف – مع شديد الأسف – أنّ معظمنا نحن الشيعة، وعلى الرغم ممّا نكنّه من محبّة وافرة لمولاتنا الزهراء (عليها السلام)، لا نملك الاطّلاع الصحيح والكافي على أصل هذه القصّة وتفاصيلها. فنحن لا نعلم ما هي مسألة فدك؟ ولماذا وبأيّ اُسلوب طُرحت؟ وماذا كان ادّعاء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)؟ وما هي المباحث التي تتّصل بهذا الادّعاء؟ فعندما يكون في أيدنا سند كهذا، وهو عن بضعة الرسول فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فما الذي يدعونا لعدم الحرص على الاطّلاع عليه بدقّة؟! والحال أنّ هذا السند يمثّل خطبة ألقتها الزهراء (سلام الله عليها) بعد شهرين وبضعة أيّام فقط من وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي الفترة التي تشكّل كلّ العمر السياسيّ – الاجتماعيّ المستقلّ للزهراء (سلام الله عليها)، وهذه الخطبة هي – تحديداً - ما نحن بحاجة إليه في هذا اليوم.

آداب النقاش مع المخالفين حسب الرؤية القرآنيّة

إنّ من السهل رسم خطّة من أجل التقريب بين المذاهب الإسلاميّة وتوثيق الوحدة بينهم، لكنّ العمل بهذه الخطّة له آداب وطرق خاصّة. إذ يعلّمنا القرآن الكريم أن نبدأ في النقاش والمباحثة مع مَن يخالفنا الرأي من هذه النقطة وهي أن نقول لهم: «نحن الاثنان نختلف في قضيّة ومن الممكن أن أكون أنا المصيب وأنت المخطئ، أو تكون أنت على صواب وأنا على خطأ. إذن علينا أن نفتّش معاً عن الدليل الحقيقيّ وننظر أيّ الموقفين هو الموقف الحقّ». فالقرآن المجيد يشير علينا بهذه الطريقة. فهو عندما يقول: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ»3 فهو يعني أنّه في أجواء من هذا القبيل لابدّ أن تقوم الفرضيّة على أنّ الحقّ لا يُعلَم مع مَنْ يكون. إذن هذه هي الطريقة التي يُستهَلّ بها النقاش.
أمّا في المرحلة التالية فيتعيّن السعي لطرح المشتركات. وهذا أصل يتّصل بعلم النفس مفاده أنّ طرح نقاط الخلاف في مستهلّ البحث والنقاش مع شخص سوف لن يفضي بالبحث إلى النتيجة المرجوّة. لكنّك إن ابتدأت بطرح نقاط الاشتراك أوّلاً، وأضْفيتَ طابع المودّة على جوّ النقاش، ثمّ ابتدأت - شيئاً فشيئاً - بطرح المسائل التي تمتاز عن غيرها بكونها أسرع حلاًّ، فستُوَفّق أكثر في الوصول إلى النتيجة المطلوبة. وبالطبع فإنّ بلوغ النتيجة يعتمد على قدرتنا على المباحثة من ناحية، وعلى استعداد الطرف المقابل لتقبّل كلامنا من ناحية اخرى. فإن تحلّى الطرفان بالإنصاف وانتهجا هذا الاسلوب في النقاش، فسيُسهم ذلك في تمهيد الأرضيّة لتقدّم البحث. فهذا القرآن الكريم يقول: «وَلا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»4. فعندما بُعث النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بالنبوّة لم تكن قضيّة الخلاف بين الشيعة والسنّة مطروحة آنذاك، كما أنّه لم يكن المشركون أصحاب بحث ونقاش فلم يكن لديهم من دليل يقيمونه على عدم إيمانهم غير تقليد أسلافهم. أمّا اليهود والنصارى فقد كانوا علماء وأصحاب قلم وكتابة وقد كانوا يحظون باحترام بين أهل الحجاز، ولهذا فإنّ أغلب السجالات البحثيّة كانت تدور مع علماء اليهود والنصارى. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: «لا تنتهجوا اسلوب الجدال غير المجدي عند مناقشة هؤلاء فانّه  لا يوصل إلى نتيجة؛ بل ابدأوا من النقطة التي تمهّد لتقدّم البحث؛ قولوا: نحن جميعاً نؤمن بالله عزّ وجلّ ونعتقد بأنّه سبحانه وتعالى قد أنزل المعارف والعلوم على عباده، وإنّنا نؤمن بكلّ ما أنزله الله على أنبيائكم: «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ»5؛ فنحن نؤمن بالتوراة والإنجيل معاً. وأنتم أيضاً تؤمنون بأنبياء الله كافّة، ولا تنكرون إلا آخرهم. إذن تعالوا نتحدّث مع بعضنا حول هذا الموضوع، فإن كان كسائر الأنبياء وأنّه مُرسَل من قبل الله عزّ وجلّ فاقبلوا به. قولوا لهم: «تَعَالَوا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»6؛ فنحن نشترك بكلام واحد، إذن هلمّوا ننطلق من هذه المشتركات: «أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ»7؛ تعالوا نبني على الأصل الذي مفاده: يجب طاعة الله الواحد والإذعان لكلّ ما يقوله تعالى وليس ما يقوله الآخرون.
وبهذا الاسلوب يُعبِّد القرآن الكريم الطريق للبحث. فقوله: «وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ» هو من لوازم التوحيد، لكنّ هؤلاء لم يكونوا ملتفتين إلى هذا اللازم. صحيح أنّهم كانوا يقولون: «الله واحد ولابدّ من الإذعان لكلّ ما يقول» لكنّهم كانوا مبتلين بلون من ألوان الشرك. وهنا يقول القرآن: «تعالوا نلتزم بلوازم هذا الكلام». إذن فالله عزّ وجلّ يعلّمنا هنا أن لا نبتدئ في نقاشنا مع مخالفينا بطرح المسائل التي تمثّل قمّة الخلاف معهم؛ إذ أنّ طرح مسائل من هذا القبيل لا يؤدّي إلى نتيجة مطلوبة. فإذا كنّا نطلب الوصول إلى نتيجة فما علينا إلاّ أن ننطلق من المسائل المتَّفق عليها والتدرّج للوصول إلى حيث تقتضي الظروف والأجواء.
فإذا كان هذا هو النهج الذي ينبغي انتهاجه عند مناقشة اليهود والنصارى، فهل يصحّ الشروع من أشدّ مسائل الخلاف عند المناقشة مع أهل السنّة؟! فمن المسلّم في مثل هذه الحالة أنّنا لن نصل إلى نتيجة سليمة، أو أنّ مسير النقاش سيطول كثيراً ويتعقّد. إذن أسهل الطرق هي أن نقوم باستعراض المشتركات ونطرح السؤال التالي: «هل تحبّون أهل البيت»؟ فأنا شخصيّاً لا أعتقد أنّه من الممكن العثور، من بين مليار ونصف مسلم، على مليون مسلم يمكن أن يجيب بالنفي على مثل هذا السؤال. لقد سافرت إلى ما يقرب من أربعين بلداً مختلفاً وكانت لي في كلّ بلد منها لقاءات مع جماعات من أهل السنّة، ولم أرَ خلال هذه اللقاءات شخصاً واحداً أساء الأدب مع أهل البيت (عليهم السلام). بل إنّ الكثير من أهل السنّة يَعُدّون المشاركة في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) واجباً بعنوان كونه أداءً لأجر الرسالة. إذن يتعيّن علينا الإفادة من هذه الأرضيّة الخصبة، وإنّ عنصراً مشتركاً من هذا القبيل لَيتطلّب إحياءه والاعتماد عليه.
أمّا في المرحلة التالية فلنقترح عليهم طرح التواريخ والأسناد على طاولة البحث والنقاش من دون أيّ تعصّب لنعرف هل إنّ مسلمي صدر الإسلام كانوا قد تعاملوا مع الزهراء البتول (سلام الله عليها) بشكل صحيح أم لا؟ ثمّ - إذا كانت الظروف مواتية – فسوف نطرح بعد ذلك السؤال التالي: «ماذا كانت نيّتهم من هذا التصرّف»؟ وينبغي أن نقول حينئذ: «قد يرتكب المرء عملاً قبيحاً نتيجة لخطأ مّا. فنحن نعلم أنّ مسلمي صدر الإسلام كانوا اُناساً سطحيّين حديثي العهد بالإسلام. حتّى إنّ بعضهم كانوا قد اتّبعوا رؤساءهم في عمليّة إسلامهم فإنْ أسلَم الرئيس أسلم جميع المرؤوسين، وإن ارتدّ الرئيس ارتدّ الجميع تبعاً له. ومن هنا فإنّ بإمكاننا من خلال تتبّعنا للتاريخ أن نشاهد أيّ تبعات غريبة وحوادث عجيبة قد حصلت في صدر الإسلام والتي، كما يقول قائد الثورة المعظّم (مُدّ ظلّه)، كان منشأَها انعدامُ البصيرة».
فإذا استطعنا أن نهيّئ الأرضيّة للجلوس على طاولة واحدة من أجل نقاش وبحث سليم ومنطقيّ ومستدَلّ ضمن جوّ من الاحترام المتبادل فإنّ هذه الطريقة ستكون مؤثّرة حتماً، لاسيّما في هذه المرحلة التي وجدت فيها بيئات مختلفة ومتنوّعة للتقريب بين الشيعة والسنّة في بلدان العالم المختلفة وأضحى بعض علماء الشيعة من أحبّ الناس إلى قلوب الكثيرين من أهل السنّة. إذن علينا أن نغتنم هذه الفرص ونستغلّها في سبيل توضيح الحقائق أكثر فأكثر، بشرط أن نضع التعصّب الأعمى جانباً ونتحدّث بكلام منطقيّ وباسلوب سليم.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. مختصر التحفة الاثنى عشرية / لمحمود شكري الآلوسي، ص9.

2. تذكرة الحفاظ / للذهبي، ج1، ص166.

3. سورة سبأ، الآية 24.

4. سورة العنكبوت، الآية 46.

5. سورة البقرة، الآية 136.

6. سورة آل عمران، الآية 64.

7. سورة آل عمران، الآية 64.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org