بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 2 آذار 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الكشف عن عدم أهليّة الخلفاء في كلام فاطمة عليها السلام

نبذة عن المباحث السابقة

يدور موضوع بحثنا حول خطبة مولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) المعروفة بالخطبة الفدكيّة. ومن أجل المحافظة على ترابط البحث نعرض هنا موجزاً عمّا أوردناه من المباحث السابقة. فالقصّة باختصار هي أنّ جماعة من المسلمين كانوا قد اجتمعوا بعد رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيّنوا خليفة له بذريعة أن لا تبقى الاُمّة من دون زعيم. ولم يُصغ أحد حينها لكلام المعارضين لهذه الطريقة فكانت الغلبة للطرف القائل: «الناس أنفسهم هم الذين يجب أن يعيّنوا خليفة للنبيّ»! وإنّ من جملة الأعمال التي قام بها الجهاز الحكوميّ منذ اليوم الأوّل لتسلّم مقاليد الامور هي أنّه قام بغصب عقار كان النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) قد أعطاه للزهراء (سلام الله عليها) في حياته بأمر من الله عزّ وجلّ وذلك بزعم أنّ هذه الأموال يجب أن توضع تحت تصرّف الحاكم! وقد اشتكت فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) على هذا التصرّف عند الحاكم في حينها. وطبقاً لرواياتنا، بل وأحياناً روايات أهل السنّة أيضاً فإنّ الخليفة الأوّل قد كتب لها في إحدى المرّات كتاباً خطّياً يقرّ فيه لها بأحقّيتها في ملكيّة العقار، لكنّ أشخاصاً آخرين لم يتحمّلوا ذلك فعمدوا إلى أخذ هذا الصكّ منها وتمزيقه.
الملاحظة التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان في هذا المضمار هي أنّ إصرار مولاتنا الزهراء (عليها السلام) على هذا الأمر، وخلافاً لما يظنّه بعض ضيّقي الأفق والسطحيّين في التفكير، لم يكن أبداً سعياً وراء مصالح مادّية، بل إنّها (عليها السلام) وبعد يأسها من رجوع الخلافة إلى مسيرها الصحيح باتت تشعر أنّ على عاتقها مسؤوليّة جسيمة وهي تبيين مسألتين لاولئك المعاصرين لها ولأجيال المستقبل أيضاً؛ الاُولى هي إفهام الجميع بأنّ هذا العمل الذي اُنجِز لم يكن بإجماع من المسلمين، والثانية هي أنّ الاختيار لم يقع على الشخص المناسب وأنّ الذين تسلّموا مقاليد الامور لا يتمتّعون بالأهليّة لذلك.
ولهذا الغرض فقد قصدت الزهراء (سلام الله عليها) المسجد الذي كان مقرّ الحكومة آنذاك عدّة مرّات ودار بينها وبين خليفة زمانها كلام. فقد اعترضت عليه في إحدى هذه المرّات بأنّ فدكاً هي مِلك قد أعطانيه أبي نِحْلَةً «نِحلَة أبي»1 وقد كانت تحت تصرّفي في زمان حياته (صلّى الله عليه وآله) وحتّى بعد مماته، فبأيّ حقّ تغتصبها الآن منّي؟! فقيل لها: «لابدّ أن تقيمي البيّنة على ما تدّعينه»! وهذا الجواب يخالف اُصول القضاء الإسلاميّ؛ ذلك أنّه عندما يكون عقار تحت تصرّف شخص فإنّه يكون ذا يد عليه كما يُصطلَح عليه فقهيّاً وإذا ادّعاه شخص آخر فلا ينبغي للقاضي أن يطالب ذا اليد بالبيّنة، بل إنّ المدّعي هو من يجب عليه أن يأتي بالبيّنة؛ ذلك أنّ: «البيّنة على المُدّعِي»2، لكنّ المتصدّين لإدارة الجهاز الحكوميّ كانوا قد أصرّوا على موقفهم بالقول: «العقار في أيدينا في الوقت الحاضر فإن كان لديك أيّ اعتراض فإنّ عليك إقامة البيّنة»! فقدّمت الزهراء (سلام الله عليها) أمير المؤمنين (عليه السلام) واُمّ أيمن كشاهدين على مدّعاها. وطبقاً لسنّة النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) فإنّه كان يقبل بشهادة الرجل الواحد بدلاً من الرجلين إذا كان مشهوراً بالصدق ولم يعرف أحد منه الكذب. فقد كان خزيمة بن ثابت من جملة من كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقبل بشهادته وحده عوضاً عن شاهدين حتّى لُقّب بأنّه«ذو الشهادتين». فكان حريّ بالقوم في هذه القضيّة وقد شهد رجل مثل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن لا يبتغوا شاهداً آخر. لكنّهم لم يقبلوا بتلك الشهادة وفُضّت الجلسة من دون أن يقرّوا لفاطمة (عليها السلام) بما تدّعيه. ثمّ حدث أن جاءت فاطمة مرّة أو مرّتين اُخريين إلى الخليفة ودار بعض الكلام بينهما حتّى أنّه لم يتمكّن في إحداهما أن يقدّم جواباً متقناً فكتب لها صكّاً يثبت ملكيّتها للعقار لكنّ هذا الصكّ قد مُزّق.
فعادت الزهراء (عليها السلام) بعد ذلك وذهبت إلى المسجد لتواجههم بأنّكم إذا رفضتم كون فدك نِحلَة لي، فإنّني ابنة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الوحيدة وإذا كان النبيّ قد ورَّث شيئاً فإنّه سيصل لي لا محالة، فاعطوني فدكاً بعنوان الإرث إذن. وهذه المسألة كانت في الواقع تمهيداً لإثبات عدم أهليّة هؤلاء المتصدّين للحكومة والقضاء بين الناس. فعندما ادّعت (سلام الله عليها) الإرث قالوا لها: «إنّ الأنبياء لا يورّثون. فقانون الإرث يسري على عامّة الناس فقط، أمّا النبيّ فإنّ أمواله تُصرف بعد فراقه الدنيا في سبيل الله».

وَضْعُ حديث بما يخالف القرآن

وكان قدومها إلى المسجد من أجل إلقاء الخطبة الفدكيّة بعد إعلام مُسبَق قد تلا تلك الأحداث. وقد نُصب في المسجد دونها ستار فقامت (عليها السلام) خلف الستار منشئة هذه الخطبة.
أمّا مقطع الخطبة الذي أودّ سرده اليوم في هذا المجلس فهو الذي اشتمل على استدلال السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) على بطلان المدّعى القائل بأنّ الأنبياء لا يورّثون، فقد أرادت (عليها السلام) بهذه الكلمات أن تثبت أنّ هذا الزعم يخالف صريح القرآن الكريم ونصّه، وذلك عندما وجّهت خطابها للخليفة نفسه قائلة: «وَأَنْتُمُ الآنَ تَزْعُمُونَ أَنْ لا إِرْثَ لَنَا»3؛ بأيّ دليل تدّعون أنّني لا أرِث أبي؟! فالزهراء البتول (عليها السلام) تذكر هنا عدّة وجوه لهذا المدّعى ممّا يحكي عمّا تتمتّع به هذه الشخصيّة العظيمة والمعصومة من قوّة الاستدلال وعمق الرؤية. فإذا أمعنّا النظر بدقّة في عبارات هذه الخطبة الشريفة فستتجلّى لنا ما تنطوي عليه من قوّة البيان وعمق المعاني. تقول بضعة المصطفى (سلام الله عليها): «وَأَنْتُمُ الآنَ تَزْعُمُونَ أَنْ لا إِرْثَ لَنَا»؛ يعني: لو افترضنا جدلاً أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يهبني فدكاً، إذن فقد كانت من أمواله وأنا التي ينبغي أن أرثه بعد موته، فلماذا تظنّون أن لا إرْث لنا؟! ثمّ تتابع: «أَفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ‏»؛ أفتريدون أن تحكموا كما كان يحكم أهل الجاهليّة وتقولون: إنّ البنت لا ترث أباها؟ «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»، وهذه العبارات مقتبسة من القرآن الكريم4، وهو اُسلوب قد اتّبعته (عليها السلام) في مقاطع مختلفة من هذه الخطبة وقد اتّصفت معظم هذه الاقتباسات بكونها لاذعة وعميقة المغزى والمضمون. فالزهراء (سلام الله عليها) تريد أن تقول هنا: «إذا كنتم تزعمون أنّني لا أرث أبي لكوني اُنثى، فاعلموا أنّ هذا الحكم هو حكم عصر الجاهليّة وأنّ الإسلام قد نسخه».
«أَفَلا تَعْلَمُونَ؟! بَلَى قَد تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَنِّي ابْنَتُهُ»5. فقد تزعمون وتقولون: «نحن لا نعلم إن كُنتِ ابنة الرسول حقّاً»! فهل أنتم لا تعلمون ذلك حقّاً؟! كلاّ بل هي واضحة لكم كالشمس في رابعة النهار أنّني ابنة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله). إذن فهذا الاحتمال أيضاً لا أساس له من الصحّة.
«أَفَعَلَى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُم». لقد ورد في الكتب الروائيّة لأهل السنّة وكذا في كتب التاريخ أنّ الخليفة قال لها: إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»6. ولعلّ الزهراء (سلام الله عليها) تشير في هذا المقطع من الخطبة إلى هذا الادّعاء، فهي تقول: هذه الرواية على خلاف القرآن الكريم. أيمكن أن يتفوّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بشيء مخالف للقرآن؟! فلقد نبذتم بقولكم هذا كتابَ الله وراء ظهوركم وتريدون أن تحكموا بما يخالف صريح القرآن «إِذْ يَقُولُ: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ»7». أولَم يكن داوود نبيّاً؟! فكيف تقول: إنّ الأنبياء لا يورّثون؟! «وَقَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا إِذْ قَالَ: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب»8»؛ فهذا زكريّا (عليه السلام) أيضاً يسأل الله ولداً يرثه ويرث آل يعقوب (عليه السلام). أولم يكن زكريّا نبيّاً أيضاً؟!
«وقال: «وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ»9». فالاحتمال الآخر أنّكم قد تزعمون: «إنّ الأنبياء يورّثون لكنّ الوارثين ينقسمون إلى طبقات، وما دامت الطبقة الاُولى موجودة فإنّ الطبقات التالية لا ترث». فلو كان الأمر كذلك، فمن هو أقرب للنبيّ منّي؟ «وقال: «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»10، وقال: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ»11»، فقبل أن يُبلَّغ قانون الإرث كان قد اُوصي بأن يوصي الناس لأولادهم، ثمّ اُبلغ قانون الإرث بصورة إلزاميّة بعد ذلك. وتريد (عليها السلام) أن تقول هنا: «ليس ثمّة مَن هو أقرب منّي إلى النبيّ كي يشكّل مانعاً من أن أرِثَه ».
«وَزَعَمْتُمْ أَلاّ حُظْوَةَ لِي وَلا أَرِثُ إرْثَ مِنْ أَبِي وَلا رَحِمَ بَيْنَنَا، أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا»؟! فإن قلتم: «صحيح أنّ الأنبياء في نظر القرآن يورّثون ولم يرد لهذا الحكم ناسخ، لكنّكِ أنتِ بالذات لا ترثين أباك»! بمعنى: أنّ آيات الإرث قد اختصّت بكم وهي لا تشمل أبي! في حين أنّ أيّاً من الآيات المذكورة آنفاً لم تستثن سيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله). فالأحكام الحقوقيّة سواء فيما يتّصل بالنبيّ وبسائر الناس اللهمّ إلاّ في أحكام استثنائيّة صرّح القرآن الكريم بأنّها خاصّة بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لكنّه يشترك مع الرعيّة في مقابل أحكام الله الاخرى.
«أَمْ هَلْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوَارَثَانِ؟ أَوَلَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ»؟ فقد تزعمون أيضاً: «أنّ الوارث لا يرث إلاّ إذا كان على دين مورّثه». أولستُ أنا على دين أبي؟! أم تقولون: «لا يرثُ مَن يدين بدين معيّن الذي يدين بدين آخر أساساً؛ أي إذا كان المورّث مسلماً مثلاً ووارثه مرتدّاً قد دخل الكفر فإنّه لا يرثه». فهل يعني هذا أنّني قد خرجت عن ملّة الإسلام؟! ألم أكن وأبي من أهل دين واحد؟! إذن فهذا الاحتمال لا وجه له أيضاً.
«أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي». إذن لا يبقى إلاّ احتمال واحد وهو أن تدّعوا: «إنّ للآيات المذكورة معاني اخرى وإنّ قراءتكم لها تختلف عن قراءتنا! وإنّكم تفهمون عموم القرآن وخصوصه أفضل من أبي (صلّى الله عليه وآله) وزوجي عليّ (عليه السلام)». وقد جاء في بعض النسخ أنّها (عليها السلام) ألحقت كلامها هذا بالقول: «فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَزمُومَةً مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ». فكانت العرب إذا أرادت ترويض الناقة وضعت شيئاً في أنفها وربطت به لجامها. فكان يقال للشيء الموضوع في أنف الناقة «خطاماً»، وللناقة الموضوعِ في أنفها ذلك الشيء «مخطومةً»، كما أنّ العرب تقول للناقة المـُعَدّة للركوب والرحيل «مرحولةً» وتقول للجامها «زماماً»، كما ويقال لتلك الـمُعَدّ زمامها والمربوطة به «مزمومة». إذن فالزهراء (عليها السلام) تخاطب الخليفة الأوّل بالقول: «خذ ناقة الخلافة هذه فهي مُعَدّة للركوب وليس من مزاحم لك عليها إطلاقاً، فجهازها مُعَدّ وزمامها في يدك، فخذها وانطلق بها حتّى يأتي اليوم الذي يأخذ الله تعالى فيه حقّي منك».

موعدنا يوم القيامة

عندما تصل الزهراء (سلام الله عليها) بكلامها إلى هذا المقطع تقول: «فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ»؛ فأنا اُحَكِّم الله بيني وبينك. «وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ»، وأَجعلُ من أبي كفيلاً لي في هذه القضيّة ليدافع ويقيم الدعوى عنّي، «وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ»؛ وسَاُرجِئ جلسة القضاء إلى يوم القيامة، «وَعِنْدَ السَّاعَةِ «يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ»12»؛ وهنا أيضاً تقتبس كلامها من كلام الله عزّ وجلّ حينما تقول: إنّ الذين يختارون سبيل الباطل سوف يخسرون يوم القيامة. «وَلا يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ» فإنّكم ستندمون حينئذ حيث لا ينفعكم الندم شيئاً. «وَ«لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ»13 «مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ»14»؛ وهنا اقتباس آخر من آي الذكر الحكيم، تقول فيه: ستعلمون عن قريب من الذي سيُفتَضَح أمره ويحيق به عذاب أبديّ. فهي تهدّدهم بكونهم مشمولين بهذه الآية الكريمة وأنّ الله تعالى سيصدر يوم القيامة حكمه ضدّكم وعندها ستتورّطون بعذاب أبديّ.

الهدف الأساسيّ لفاطمة (سلام الله عليها)

واُؤكّد هنا من جديد على أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت ترمي من كلّ ذلك إلى أن تُثْبِت للناس أنّ هؤلاء ليسوا جديرين بهذا المنصب لأنّهم لا يستطيعون حتّى أن يقضوا في خصومة بسيطة وفقاً لموازين القرآن الكريم وقواعده. فأنّى لهم أن يتولّوا منصب خلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهم لا يدرون من أيّ طرف من طرفَي الخصومة ينبغي المطالبة بالبيّنة؟! فإن كان ولابدّ أن تختاروا أحداً لمنصب الخلافة فيتعيّن – على أقلّ تقدير – أن يتمتّع من تختارونه بالأهليّة لذلك.
إذن فالهدف الأساسيّ من كلّ ما أظهرته (عليها السلام) من شفقة والغاية الجوهريّة من كلّ تلك المحاجّات هي أنّها (عليها السلام) أرادت أن ترسم لمن سيأتي بعد 1400 سنة على تلك الحادثة سبيلاً إلى تشخيص الحقّ ليفهم ويدرك إنْ كان هذا الانتخاب انتخاباً صائباً أم لا؛ وإلاّ فإنّ تلاًّ من الذهب لا يعادل في نظر المعصومين (عليهم السلام) كومةً من الرماد، وليس لمال الدنيا في أعينهم أيّ قيمة.

لا ينبغي قطع طريق الحقّ

إنّنا في الوقت الذي ندرك فيه تكليفنا بأنّه ينبغي أن يكون تعاملنا مع إخواننا من أهل السنّة تعاملاً ودّياً وحميماً وأنّ نطلب الخير لهم باستمرار، فإنّنا غير غافلين عن مسألة أنّه من جملة الخير الذي نطلبه لجميع إخواننا من المسلمين هو أنّه يتعيّن علينا السعي وبذل الجهود من أجل المحافظة على طريق الحقّ سالكةً مفتوحةً دوماً، وإذا صادف وجود أيّ اختلاف في الرأي فلابدّ - من أجل حلّه - من الرجوع إلى الوثائق والأسناد ذات العلاقة. فلابدّ من توفّر أجواء سليمة للبحث والمناقشة كي يتمكّن كلّ طالبٍ للحقّ من تشخيصه. فإنّ أشخاصاً من آل بيت الرسول (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) كانوا معارضين لهذا النمط من السلوكيّات والتصرّفات التي حصلت في ذلك الحين. فإن رغب أحد في معرفة أنّه: مع مَن كان الحقّ؟ فلابدّ له من الرجوع إلى الوثائق والأسناد المتوفّرة من أجل دراستها ومناقشتها. فلو قمنا نحن بحجب تلك الوثائق عن الناس ولم ندع تلك الامور تطرق أسماع الآخرين كي يجيلوها في أذهانهم ويفكّروا بها مليّاً فإنّنا - في الواقع - نكون قد قطعنا طريق تشخيص الحقّ على الآخرين وإنّه سيأتي اليوم الذي سيشتكي فيه علينا نفس إخواننا السنّة عند ربّهم قائلين: «لو أنّكم كنتم قد بيّنتم لنا تلك الحقائق لما كنّا بقينا على ضلالتنا».
إذن فواجبنا الدينيّ يحتّم علينا أنّه في الوقت الذي نسعى فيه للحفاظ على مودّتنا واُخوّتنا مع جميع طوائف المسلمين وأن نطلب لهم الخير، وفي ذات الوقت الذي نسعى فيه للحيلولة دون إيجاد التوتّرات والعداوات والبغضاء بين المسلمين، فإنّه يجب علينا أن ندع باب البحث والتحقيق مفتوحاً على مصراعيه.

نسأل الله العليّ القدير أن يوفّقنا جميعاً لمعرفة الحقّ.


 1. الاحتجاج، ج1، ص107.

2. الكافي، ج7، ص361.

3. بحار الأنوار، ج29، ص235.

4. سورة المائدة، الآية 50.

5. الاحتجاج، ج1، ص102.

6. صحيح البخاري، ج4، ص42 (طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع / سنة 1401 هـ، 1981م)؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزليّ، ج16، ص239 (طبعة دار إحياء الكتب العربيّة / سنة 1962م).

7. سورة النمل، الآية 16.

8. سورة مريم، الآيتان 5 و 6.

9. سورة الأنفال، الآية 75.

10. سورة النساء، الآية 11.

11. سورة البقرة، الآية 180.

12. سورة الجاثية، الآية 27.

13. سورة الأنعام، الآية 67.

14. سورة هود، الآية 39؛ وسورة الزمر، الآية 40.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org