بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 6 نيسان 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

عصارة المباحث السابقة

الحمد لله الذي تفضّل عليّ بالتوفيق للحضور في هذا المحفل النورانيّ لأكون في خدمة الإخوة الأعزّاء. موضوع بحثنا هو خطبة السيّدة الزهراء (سلام الله عليها)، وأنا أرى من الضروريّ في بداية العام الإيرانيّ الجديد أن نمرّ بعجالة على ذلك القسم من الخطبة الذي تمّ بحثه خلال المحاضرات الماضية.
تبدأ الخطبة بالعبارة التالية: «الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَم». فالأنبياء والأولياء وعلماء الدين يستهلّون خطبهم بحمد الله والثناء عليه. لكنّ صفات الله تعالى ونعماءه التي تُستهلّ بها الخطبة تكون عادةً متناسبة مع الهدف الذي اُنشئت الخطبة من أجله. وفي هذه الخطبة المباركة أيضاً ذُكرت أوصاف خاصّة يمكن من خلال التأمّل فيها التوصّل إلى بعض الحِكَم من وراء تنظيم المقاطع المختلفة للخطبة. وعلى أقلّ تقدير فإنّ ذكرها يساعدنا أكثر على الوقوف على أهمّية الخطبة والهدف من إنشائها.

أعظم خدمة للبشريّة

بالإضافة إلى حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه فقد احتوت هذه الخطبة الشريفة على ثلاث مباحث جوهريّة توالت في إثر بعضها، ألا وهي التوحيد، والنبوّة، والمعاد التي هي - في الحقيقة - أساس الدين. فقد ذُكرت في بداية الخطبة، وبطراز خاصّ، الشهادةُ بوحدانيّة الله تعالى. فالتوحيد ينهض بدور أساسيّ وجوهريّ في سعادة البشر وإنّ الشهادة بالتوحيد تمثّل - في واقع الأمر - اعترافاً بهذه النعمة الإلهيّة العظيمة وهي أنّ الله جلّت آلاؤه قد منّ علينا بأكثر عوامل السعادة أصالةً، ممّا لو لم يكن لما كانت باقي الامور ذات فائدة. وبطبيعة الحال فإنّ للتوحيد مراتب وشؤوناً مختلفة.
ولا يبتعد الاهتمام بهذه المسألة عن كونه مناسباً مع هدف الخطبة. فكان بإمكان السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) أن تقول: «أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له». غير أنّ ذكر هذه الأوصاف والتأكيد على أنّ سعادة الإنسان مبنيّة على هذا الاعتقاد إنّما هي مقدّمة للمبحث الذي مفاده أنّ العمل الذي قام به أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أجل المجتمع البشريّ، حيث أنقذهم من الشرك والضلالة وكافّة الشرور، كان عملاً جذريّاً وغاية في العظمة، وليس من الممكن مقارنته مع عمل أيّ إنسان آخر؛ ذلك أنّ الشيء الذي بذله (صلّى الله عليه وآله) للاُمّة ووضعه في متناولها هو أهمّ العوامل وأكثرها أصالة وجوهريّة لسعادة البشر قاطبة إلى يوم القيامة. إذن فالخدمة التي قدّمها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) للمجتمع البشريّ بشكل عامّ والامّة الإسلاميّة ومخاطَبي السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) بشكل خاصّ كانت أنّه عرّفهم بالتوحيد وأنقذهم من الشرك والضلال.
من هنا فإنّ هذا المقطع من خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يمثّل مقدّمة لبيان قيمة ما قدّمه أبوها (صلّى الله عليه وآله) من خدمات. فأهمّية التوحيد تتجلّى من خلال هذه المقدّمة، لأنّه عندما يفهم المتلقّي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد بذل مثل هذه الخدمة للبشريّة فإنّه سيدرك مقدار ما لفعله (صلّى الله عليه وآله) من قيمة وما لمعاناته وجهوده في هذا المضمار من خطورة.
وقد تمّ التركيز في أثناء الشهادة بالتوحيد على صفتين إلهيّتين هما: الربوبيّة التكوينيّة لله تعالى؛ بمعنى أنّ الله قد تلطّف على البشر بنعمة الحياة، ونعمة الوجود وما يستلزمه الوجود من لوازم. فإنّ كلّ ما يعود إلى الامور التكوينيّة وما ينتفع الناس به يقع ضمن إطار هذه المجموعة؛ ومن جملة هذه النعم هي أنّه جلّ شأنه وفّر في البيئة المحيطة بالإنسان ما يناسبه من أجل نموّه وحياته. وهذا اللون من الربوبيّة يشمل جميع الكائنات والموجودات. أمّا ما يستقطب أهمّية أكبر بالنسبة للإنسان فهو الربوبيّة التشريعيّة وهداية البشر. إذ أنّ ما يوجب سعادة المرء في الدنيا والآخرة هو اكتشاف السبيل القويم للحياة وهي مهمّة كانت من نصيب الأنبياء (عليهم السلام). ومن هذا المنطلق فقد عرّجت (عليها السلام) بعد الشهادة بالتوحيد على الشهادة بالرسالة مشيرة، في هذا المقام، إلى عظمة نعمة الأنبياء، خصوصاً النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله) . وهنا تذكر مولاتنا فاطمة (سلام الله عليها) الجهود والأعباء التي قاساها وتحمّلها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في سبيل أداء هذه الرسالة الإلهيّة وإيصال هذه الربوبيّة التشريعيّة لله عزّ وجلّ إلى حيّز العينيّة بالنسبة لأهل العالم. فلولا بعث الله سبحانه وتعالى للأنبياء، لاسيّما النبيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله)، لما تمكّن الناس من تشخيص الصراط المستقيم. ولولا هذه الهداية وهذه النعمة لبقي الناس في مستوى الحيوانات، بل وأخسّ منهم أيضاً؛ فالقرآن يصرحّ بأنّ بعض الناس هم أخسّ من البهائم: «أُوْلَـٰئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»1، ووفقاً لصريح القرآن الكريم أيضاً فإنّ: «شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ»2. إذن فإنّ الذي يستطيع أن ينقذ الإنسان من قعر هذا الحضيض هو الموجودات المقدّسة المتمثّلة بالأنبياء عامّة وبخاتمهم خاصّة وما جاءوا به (صلوات الله عليهم أجمعين) من تعاليم.
فتذكير الزهراء (سلام الله عليها) بهذه النقاط من شأنه أن ينبّه الناس إلى ما بذله أبوها من جهود ويقودهم إلى إدراك أنّه أيّ حقّ عظيم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في رقابهم. إذن فذكر سمات الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وما كان لجهوده وأتعابه من تأثير على هداية الناس ونجاتهم من الضلالة يتناسب هو الآخر مع هدف الخطبة؛ فسيّدتنا فاطمة (عليها السلام) إنّما تذكر ذلك لتقول فيما بعد: «هذا الرجل الذي قدّم كلّ تلك التضحيات كان أبي؛ وهو الذي كان له حقّ عليكم، وأنا ابنته الوحيدة». ثمّ تقول: «فبعد أن أدّى أبي رسالته على أتمّ وجه فضّل الله تعالى أن يقبضه إلى جواره وجوار ملائكته المقرّبين على أن يبقيه في هذه الدنيا: «ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَرَغْبَةٍ وَإِيْثَارٍ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ فِي رَاحَةٍ، قَدْ حُفَّ بِالْمَلائِكَةِ الأَبْرَارِ، وَرِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَمُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ». وهذا المقطع يذكّر بهذه الالتفاتة وهي أنّ الله عزّ وجلّ، وإن اقتضت مشيئته هداية الناس وإنقاذهم من الضلالة بواسطة أنبيائه (عليهم السلام)، غير أنّ سنّة الله التكوينيّة لا تقتضي بقاء النبيّ بين ظهراني الناس إلى الأبد. فالنبيّ إنسان حاله حال سائر الناس وإنّ ظروف وقوانين الحياة في هذا العالم حاكمة ومهيمنة عليه أيضاً، وهو المبحث الذي يوليه القرآن الكريم تأكيداً واهتماماً أيضاً. فالنبيّ يحمل رسالة إلهيّة يتعيّن عليه إبلاغها إلى الناس، أمّا في المرحلة التالية فالناس هم الذين يتحتّم عليهم النهوض بمسؤوليّة المحافظة على هذه الرسالة الإلهيّة.
وفي أثناء المباحث الآنفة الذكر تشير الزهراء (سلام الله عليها) أيضاً إلى قضيّة أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ومن خلال تبيينه سبيل السعادة وطريق الشقاء للناس فقد نبّههم إلى نتائج أعمالهم الأبديّة وأنذرهم بأنّ الحياة لا تقتصر على فترة العيش الدنيويّ القصيرة الأمد فتنتهي بانتهائها، بل إنّ أعماركم القصيرة هذه هي مقدّمة لنيل السعادة السرمديّة أو الشقاء الأبديّ.
وبهذه المقاطع من الخطبة قد تمّ تقرير هذه الاُصول الثلاثة المتمثّلة بالتوحيد، والنبوّة، والمعاد مع ذكر بعض الأوصاف الخاصّة بما يتناسب مع الهدف الذي ترمي إليه الخطبة.

الولاية، نظام للملّة ووقاية من الفُرقة

عندما تصل الزهراء (سلام الله عليها) إلى هذا المقطع من البحث تقوم بمتابعة خطبتها عبر توجيه خطابها إلى الحضور مباشرة. وهذا الاُسلوب في الكلام ينطوي – بحدّ ذاته – على طابع بلاغيّ وهو كفيل بأن يلفت انتباه المخاطب ويُفهِمه بأنّ للمتكلّم - من الآن فصاعداً - كلاماً خاصّاً معه.
تقول الزهراء (عليها السلام) هنا: «أيّها الناس! أنتم تعلمون مدى الجهود التي بذلها أبي والمعاناة التي قاساها في سبيل نشر دين الله سبحانه وتعالى وهدايتكم إلى الصراط المستقيم». فهي (عليها السلام) ترمي بتذكير الناس بميزات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى انتشالهم من غياهب غفلتهم من جانب وإثارة عواطفهم من أجل أن تمهّد في نفوسهم الأرضيّة لقبول كلامها من جانب آخر، وهذا أيضاً من الأساليب البلاغيّة ومن الطرق التي يمكن استخدامها للتأثير على الآخرين. فمولاتنا (عليها السلام) أرادت بهذا الاُسلوب أن تنبّههم إلى أنّ الدور الآن في الحفاظ على تراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، المتمثّل بالقرآن الكريم والدين الإسلاميّ الحنيف، هو دوركم. وهي بهذه المناسبة تشير إلى بعض حِكَم الأحكام وفلسفة التشريعات الإلهيّة. وهذا المقطع يحمل التفاتة تُعَدّ هي الاخرى ذات تأثير على ما ستنتهي إليه الخطبة من استنتاج؛ ففي خضمّ سَرْد العلل من وراء تشريع بعض الأحكام كالصلاة، والزكاة، وغيرها تقول فاطمة الزهراء (سلام الله عليها): «وَطَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنَا أَمَاناً مِنَ الْفُرْقَة». إذ أنّ لكلٍّ من الأحكام الإلهيّة توجد مصالح، وأنّ أحد تلك الأحكام هو طاعتنا أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك لقوله عزّ من قائل: «أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُم»3 وإنّ لهذا التشريع الإلهيّ أيضاً حكمة مهمّة لا ينبغي الغفلة عنها وهي تنظيم ملّة الإسلام، أي الدين الإسلاميّ المقدّس. فلولا إمامتنا لم يكن دين الإسلام لينتظم. ولو احتمل أحدهم أنّ ذكر سائر الأحكام هو من باب المقدّمة من أجل تعيين منزلة الإمامة فلا يكون احتماله مستبعَداً؛ بمعنى أنّ ذكر كلّ هذه المجموعة هو من أجل معرفة هذا العنصر. فهي (عليها السلام) تريد أن تقول: «لقد أنزل الله عليكم هذا الدين وسلّمكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذه الأمانة وإنّ من واجبكم حفظ هذه الأمانة بأحسن ما يكون الحفظ». ولأجل ذلك فإنّها (عليها السلام) - بعد سردها لهذه الملاحظات وفي ختام هذا المقطع – تعرّج على وصيّة القوم بالتقوى؛ أي: ما دامت هذه المسؤوليّة ملقاة على عواتقكم فاعلموا أنّكم إن تهاونتم في حملها ولم تراعوا التقوى فستذهب جهود أبي وهذا الهدف الإلهيّ أدراج الرياح. فقد كان الهدف من الرسالة هو أن تتمكّنوا من وجدان سبيل السعادة لتكون ملّة الإسلام التي تهب الحياة هي الآمرة الناهية فيكم، فإذا لم تراعوا هذه المسائل فإنّه لن يمضي أكثر من جيل واحد حتّى لا يبقى من الإسلام إلا أثر بعد عين.
ومن أجل أن تثير (عليها السلام) في أذهان الناس قضيّة اخرى في نفس هذا السياق قد غابت عنهم فإنّها تتوجّه إليهم بالخطاب مرّة اخرى فتقول: «إذا كان أبي قد تحمّل شديد المعاناة وبذل قصارى الجهود من أجل هدايتكم فاعلموا أنّه لم يفعل هذا لوحده. فإنّ الشخص الذي كان ناصر أبي في كلّ المحن والشدائد والذي كان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يلجأ إليه في طلب النصرة والمعونة لحلّ كلّ معضلة كان هو ابن عمّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ «... وَبَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ «كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ»، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا». فأنتم تعلمون أنّه لولا عليّ لما انتظم أمر الإسلام. إذن فكما أنّكم مدينون للنبيّ لتلّقيه الوحي من الله عزّ وجلّ وإبلاغه إليكم، فإنّكم مدينون لزوجي أيضاً لمساعيه من أجل ثبات هذا الدين».
ثمّ تقول: «وأنتم أيضاً قد اعتنقتم الإسلام ابتداءً في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثمّ نهضتم لنصرته، لكن أصابتكم الغفلة بمجرّد رحيله وسلكتم سبيل الانحطاط؛ «فَلَمَّا اخْتَارَ اللهُ لِنَبِيِّهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ، وَمَأْوَى أَصْفِيَائِهِ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسِيكَةُ النِّفَاق». وحينذاك أخرج الشيطانُ - الذي كان كامناً لكم - رأسَه من جُحره خِلسةً ليتبيّن أحوال مجتمعكم فرآكم مهيّئين للضلالة؛ «أَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ هَاتِفاً بِكُمْ، فَأَلْفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً»». ولقد بيّنت الصدّيقة الطاهرة (سلام الله عليها) هذا المبحث باُسلوب هو غاية في الأدب والبلاغة سبق أن قمت بتوضيحه بحدود فهمي وبما توفّر لديّ من وقت. فهذه الالتفاتة كانت الموطّئة للإشارة لهذا المبحث وهو: «لقد تهيّأت أرضيّة الزيغ عن مسير الإسلام منذ اليوم الأوّل لوفاة النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) ولقد كان ذلك نتيجة غفلتكم وجهلكم وسباتكم الأمر الذي مكّن الشيطان من التسلّط عليكم وحرفكم عن الطريق القويم».
ومن الضروريّ - إذا سنحت لنا الفرصة يوماً - أن نتطرّق إلى هذه القضيّة ونتحدّث عنها وهي: كيف يتسنّى لاولئك الذين تحمّلوا كلّ تلك الأعباء والمحن أن ينقضوا ما قطعوا على أنفسهم مع رسول الله من عهد في نفس اليوم الذي فارق (صلّى الله عليه وآله) فيه الدنيا وجنازته لم تزل مطروحة على الأرض لم تُجَهّز بعد؟! حقّاً إنّها لمسألة غامضة، تكتنفها الأسرار لكنّها في نفس الوقت تحمل دروساً وعبراً أيضاً. فهذا الامتحان غير مخصوص بهؤلاء القوم، إذ لعلّه يجري علينا أيضاً ببعض مراتبه ودرجاته. لاحظوا أنّنا عندما خطونا في الطريق الصحيح كيف أنّ الله قد منّ علينا بالهداية وتفضّل علينا بأن أمّر علينا قائداً حكيماً كي نعرف الطريق ولا نحيد عنه، لكن لا ينبغي أن ينتابنا الغرور فنظنّ أنّ سعادتنا أصبحت مضمونة! فمادام الإنسان حيّاً يستنشق هواء هذه الدنيا فإنّه عرضة للمخاطر. فحذار أن نغترّ بأنفسنا ونطمئنّ من مستقبلنا، بل علينا أن نلجأ إلى الله ونسأله حُسن العاقبة والحفظ في كلّ الأحوال والمراحل. بالطبع هذا بشرط أن لا نقصّر على صعيد العمل بما هو ضمن حدود فهمنا واستيعابنا.

الأخطاء التي لا يمكن تداركها

على أيّة حال فإنّ الزهراء البتول (عليها السلام) توكّد على هذه النقطة وهي: «لقد أصابتكم الآفات منذ اللحظة الاولى لرحيل أبي (صلّى الله عليه وآله)، وإنّ منشأ تلك الآفات هي الغفلة».
فكلّنا يعلم أنّ الإنسان يمكن أن يخطأ أو يزلّ. فما عدا المعصومين (عليهم السلام) وبعض المتربّين في مدرستهم فإنّ جميع من سواهم تقريباً مبتلون بارتكاب الخطيئة والمعصية. لكنّ الخطأ ينقسم - بشكل عامّ - إلى قسمين؛ فتارة قد يتهاون المرء فيرتكب خطأ، لكنّ خطأ كهذا يكون قابلاً للتدارك. فإذا ترك المرء صلاته حتّى خرج وقتها، لكنّه تاب بعدها توبة نصوحاً وقضاها فإنّ خطأه سوف يمحى. أمّا القسم الآخر من الخطأ فإنّه من النوع الذي إذا ابتدأ لا تكون فيه رجعة ويوصَد السبيل أمام تداركه. وفي مثل هذه الحالة لا يحرم المرء نفسه من البركات والرحمات فحسب بل سيقود ذلك إلى انحراف الآخرين وضلالهم أيضاً. من هذا المنطلق علينا نحن طلبة العلوم الدينيّة أن نلتفت إلى هذا الخطر المحدق أكثر من غيرنا. فلو تفوّه الأشخاص العاديّون بكلام خاطئ أو حتّى انتحلوا مذهباً منحرفاً فمن الممكن بعد أن يثوبوا إلى رشدهم ويلتفتوا إلى خطئهم أن يُشمَلوا بلطف الله عزّ وجلّ وعنايته فيتوبوا. أمّا إذا ألقى امرؤ شبهةً أو طرح موضوعاً غير مدروس أدّى إلى انحراف ضلالة أحد من الناس، وهو ما نشاهد نماذج غير قليلة منه في عالمنا المعاصر، فكيف يتسنّى له يا ترى أن يتدارك خطأه هذا؟! فإذا كتب شخص مقالة مضلّة وقرأها الآلاف في داخل البلاد وخارجها وأدّت إلى ضلالتهم، فكيف يمكن تقويم هذا الانحراف؟! فعندما تُبثّ شبهةٌ مّا ويصاب دين المرء جرّاءها بالفساد فلا يمكن الوثوق من إمكانيّة تدارك ما فسد. فإلقاء الشبهة أمر غاية في السهولة، أمّا جبران عواقبها فهو شديد الصعوبة. فكلّما اتّسعت رقعة هذا الزيغ والانحراف فإنّ ذنبه بالنسبة للمتسبّب به سيبقى ويتأصّل: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ»4. وعلى العكس من ذلك إذا هدى شخص امرأ فسيشاركه في كلّ عمل خير يقوم به الأخير إلى يوم القيامة.
هذا على صعيد الفكر والعقيدة. أمّا على صعيد العمل فالأخطاء على نوعين أيضاً؛ فبعضها قابل للتدارك وبعضها الآخر غير قابل لذلك؛ فإذا اُنيطت بالمرء مسؤوليّة اجتماعيّة ثمّ قام - عوضاً عن خدمة أفراد المجتمع – بتضييع حقوقهم، أو بسنّ أو تنفيذ قانون خاطئ فكيف يمكنه جبران ذلك؟ فالصوت الذي نرميه في صندوق الانتخابات معناه أنّنا نسلّط شخصاً على رقاب العباد ولابدّ أن نعلم أنّنا سنكون شركاء فيما يناله هذا الشخص من ثواب أو عقاب على أعماله بنسبة ما لنا من دور في صعوده إلى سدّة الحكم. إذن يتعيّن علينا أن نتعامل مع مثل هذه الامور ببالغ الحساسيّة لاسيّما فيما يرتبط بنا نحن طلبة العلوم الدينيّة؛ أي فيما يتعلّق بالمسائل الفكريّة والعقائديّة. ينبغي أن نتوخّى الحذر الشديد من أن نقول أو نكتب كلّ ما يتبادر إلى أذهاننا. كما علينا أن نشعر بالمسؤوليّة أيضاً؛ فلو طرأت على دين امرئ شبهة ضَعُف إيمانه بسببها فمَن هو المسؤول عن ذلك يا ترى؟ وكيف يمكن تدارك ذلك؟ فإن كتب أحدٌ مقالة تحتوي على شبهة ثمّ اكتشف خطأه وتدارك الأمر بكتابة جواب على ما كتبه، فهل سيؤثّر ذلك على المخاطَبين؟
وكأنّ الصدّيقة الزهراء (سلام الله عليها) أرادت بكلامها هذا الإشارة إلى هذه النقطة وهي: «لم يكن أثر غفلتكم أنّكم حُرِمتم من تصدّي القيادة الحكيمة والحقيقيّة لمقاليد الامور فحسب، بل إنّكم بغفلتكم هذه قد غيّرتم مسيرة الاُمّة الإسلاميّة وحرفتموها عن وُجهتها، فاغتنم الشيطان الفرصة واستغلّ غفلتكم كي يحرفكم عن خطّ الإسلام الصحيح».
وسنتابع هذا البحث في المحاضرة القادمة إن شاء الله تعالى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة الأعراف، الآية 179.

2. سورة الأنفال، الآية 55.

3. سورة النساء، الآية 59.

4. سورة العنكبوت، الآية 13.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org