بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 13 نيسان 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

فاطمة (عليها السلام) تخاطب الأنصار

البحث الماضي

«ثُمّ رَمَت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يَا مَعشَرَ النَّقِيبَةِ وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الإِسْلامِ! مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟! أَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذَا إِهَالَةٍ، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَأُزَاوِلُ. أَتَقُولُونَ: مَاتَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه‏».
موضوع بحثنا يدور حول الخطبة الفدكيّة للسيّدة الزهراء وقد ذكرنا أنّها (سلام الله عليها) بعد حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه والشهادة برسالة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وسرد أوصافه وكمالاته فإنّها (عليها السلام) قد توجّهت بخطابها إلى الناس ببضعة مقاطع مستخدمة تعابير مختلفة ومذكّرة إيّاهم بما عليهم من واجبات وتكاليف. فقد قالت فيما قالت: «أَنْتُمْ عِبَادَ اللهِ نُصْبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ، وَأُمَنَاءُ اللهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبُلَغَاؤُهُ إِلَى الأُمَم»؛ فقد خاطبت الناس مستخدمة عنوان «عباد الله» قائلة لهم: «أنتم نُصب أمر الله تعالى ونهيه، وحَمَلة وحيه ودينه، واُمناؤه، وقد حمّلكم الله أمانة في أعناقكم أنتم مكلّفون بحفظها من جهة، وبإبلاغها إلى الآخرين من جهة اُخرى». ومرادها من هذا المقطع هو تبيين المسؤوليّة الملقاة على عاتق الناس فيما يتعلّق بحفظ أحكام الدين وإبلاغها إلى الأجيال القادمة، وهي مسؤوليّة جسيمة وخطيرة للغاية لا تكون في العادة محطّ اهتمام أحد. فالزهراء (عليها السلام) تؤكّد على هذه النقطة وتقول: «أُمَنَاءُ اللهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبُلَغَاؤُهُ إِلَى الأُمَم». ثمّ تُتبِع هذا التذكير ببعض الأمثلة لهذه الأمانة والحِكَم من تشريعها وتختتم هذا المقطع بالقول: «فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ».
ثمّ تستهلّ المقطع التالي بعبارة: «أَيُّهَا النَّاسُ! اعْلَمُوا أَنِّي فَاطِمَةُ وَأَبِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه»؛ فهي تخاطب الحاضرين هذه المرّة أيضاً مستخدمة عنوان «أيّها الناس» معرّفة نفسها لكلّ من يصدق عليه عنوان «الناس» كي يعلم المخاطبون من هو المتحدّث إليهم وكيف ينبغي لهم أن يستمعوا لهذا الكلام ويتلقّوه. فهي (عليها السلام) تقول: «إنّني ابنة ذلك الرجل الذي أنقذكم من تعاسة وشقاء الدنيا والآخرة. فلقد كان وضعكم المعيشيّ من البؤس إلى درجة أنّكم لم تكونوا تملكون ماء صالحاً للشرب ولا طعاماً مناسباً للأكل، وكنتم تحيون حياة فقر وبؤس يقتل الأخ فيها أخاه. فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي انتشلكم من هذا الوضع المزري: «وَكُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ... تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ القَدَّ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُم، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي». والأهمّ من ذلك هو أنّكم كنتم قوماً ضالّين تعبدون الأصنام ولا تعرفون دين الحقّ فعرّفكم بالله الواحد وجاءكم بأفضل دين منه تعالى، وهداكم إلى أعلى مراتب الكمال الإنسانيّ. فليس هناك أحد في هذا العالم قد أسدى للبشريّة مثل هذه الخدمة. لقد تحمّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندما كان بين أظهركم أشدّ المحن وأقسى المعاناة وأصعبها ولم يكن له في خضمّها ناصر ومعين غير عليّ (عليه السلام). فبينما كنتم تتنعّمون في دعة من العيش وراحة بال كان عليّ (عليه السلام) يقذف بنفسه في أفواه الأفاعي المفغورة نصرة لدين الله، حتّى كانت نتيجة ذلك أن توطّدت دعائم الإسلام واستقرّ الدين بفضل جهاد النبيّ وعليّ (صلوات الله عليهما): «وَبَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ جَنَاحَها صِمَاخَهَا بِأَخْمَصِهِ، وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ... وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فَاكِهُونَ آمِنُونَ» فأصبتم ما أصبتم من الشرف والفخر». وكان بيانها (صلوات الله عليها) لأوصاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو من باب المقدّمة لبيان مسألة اخرى؛ إذ أرادت أن تُلحِق هذه المقدّمة بالقول: «فما دام النبيّ حيّاً كانت تلك الاُمور محطّ افتخار الجميع وقبولهم. ولكن ما الذي حلّ بكم بمجرّد أن رحل النبي عن هذه الدنيا؟ لقد ظهرت فيكم بعد رحيله ميول تنمّ عن نفاق: «ظَهَرَ فِيكُمْ حَسِيكَةُ النِّفَاق» وتغلّب عليكم الشيطان. فعوضاً عن حفظ عهدكم مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحراسة ما ائتمنكم عليه فإنّكم نسيتم كلّ شيء، وكأنّه لم يبق فيكم من الإسلام غير الاسم أمّا حقيقة الإسلام فنسيتموها». ثمّ تشير (عليها السلام) إلى خطأين فادحين ارتكبه هؤلاء القوم فتقول: «الخطأ الفادح الأوّل الذي ارتكبتموه هو أنّكم خالفتم عهد النبيّ وجنازته لا زالت مطروحةً على الأرض، أمّا الخطأ الثاني فهو أنّكم نبذتم أحكام الإسلام الواضحة خلف ظهوركم؛ فغصبتم أموالي وقلتم خلاف نصّ القرآن الصريح: إنّك ِلا ترثين أباك مدّعين أنّ الأنبياء لا وارث لهم»! وقد جاء في بعض الأخبار أنّ الزهراء (سلام الله عليها) قالت للمتصدّي لمنصب الخلافة: «يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ! أَفِي كِتَابِ اللهِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَلا أَرِثَ أَبِي»1؟! ثمّ تقول موبّخة الناس استقباحاً منها لتلك الحركة التي قاموا بها وبنبرة غير المكترث: «فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَزمُومَةً مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ» وهي عبارة تتضمّن تقريعاً عنيفاً للمخاطَبين.

فاطمة (عليها السلام) تمنح الأنصار فرصة اُخرى

«ثمّ رَمَت بطرفها نحو الأنصار». حتّى هذه اللحظة كان مخاطَبو فاطمة (سلام الله عليها) هم عامّة الناس. لكنّها في هذا المقطع، وطبقاً لما تناقلته الروايات المختلفة، فإنّها تلتفت بوجهها نحو الأنصار موجّهة الخطاب إليهم. وستتّضح من سياق الكلام الحكمة من هذا التوجيه للخطاب. فكأنّها وقد بلغت هذه النقطة من الخطبة قد أشاحت بوجهها عن المهاجرين ولسان حالها يقول لهم: «إنّكم قد أقدمتم على غصب الخلافة، إذن فخذوا ما استحوذتم عليه واغربوا بعيداً».
كان الأنصار يتمتّعون بمكانة مهمّة في العالم الإسلاميّ آنذاك. فهم الذين نصروا الدين الإسلاميّ بدعوتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإيوائهم للمهاجرين عندما كانوا مشرّدين قد استولى مشركو مكّة على ممتلكاتهم وأخرجوهم من ديارهم. فعندما هاجروا إلى المدينة لم يكن لديهم من مأوى يلجأون إليه أو مصدر كسب يرتزقون منه، فكان أهل المدينة هم الذين آووهم وأشركوهم في أموالهم. وبعد ذلك آخى الله عزّ وجلّ عبر مراسم خاصّة بين المهاجرين والأنصار. هذا مضافاً إلى أنّه من دون نصرة الأنصار للمهاجرين لم يكن الأخيرون قادرين على التصدّي للمشركين في المعارك التي فرضوها على المسلمين. وهذا مقتضى الأسباب الظاهريّة. فدعم الأنصار كان - في الحقيقة - سبباً في انتشار الإسلام، وإنّ هذه الميزة التي تمتّع بها الأنصار هي التي دفعت الزهراء (سلام الله عليها) إلى أن توجّه آخر سهام خطابها إليهم علّهم يستيقظون من سباتهم.
وكما قد أسلفتُ مراراً وتكراراً فإنّ كلّ هذا الكلام وهذه الاحتجاجات كانت من أجل أن تخطو (عليها السلام) خطوة في سبيل هداية الناس وتسترعي انتباه الأجيال القادمة أو بعض من عاصرها إلى ما ارتكبه هؤلاء من أخطاء جسيمة فيتبيّنوا طريق الحقّ القويم. فهناك احتمال هو أقرب ما يكون إلى اليقين وهو أنّه لولا هذه الخطبة لما كنّا اليوم نعرف مَن هي فاطمة الزهراء (عليها السلام). فإنّ كلّ ما عرفه المسلمون بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من الحقّ والحقيقة كان بفضل هذه الكلمات التي ألقتها بضعة الرسول (عليها السلام) فقد مثّلت نقطة الانطلاقة لذلك.

المشاعر هي المحرّك الأساسيّ للثورات

بعد أن يئست الزهراء (عليها السلام) من المهاجرين التفتت نحو الأنصار محاولة استمالة عواطفهم من خلال أصلٍ متّبَع في علم النفس؛ أي بمعزلٍ عن البحث المنطقيّ والاستدلاليّ مع المتصدّي لكرسيّ الخلافة فقد حاولت (عليها السلام) استثارة عواطف الأنصار علّهم يعون أنّه يتعيّن عليهم اتّباع أهل البيت (عليهم السلام). هذا الاسلوب الذي انتهجته البتول (سلام الله عليها) في الخطاب يعلّمنا درساً عظيماً مفاده أنّ الحركات والثورات الاجتماعيّة لا تنطلق دائماً في ظلّ المنطق العقلانيّ القويّ؛ بل إنّ العامل الأساسيّ المحرّض لتلك الحركات هو - في الأعمّ الأغلب - المشاعر والأحاسيس. فالمشاعر والعواطف هي التي تتولّى صياغة الحركات وإشعال الثورات. فالزهراء (عليها السلام) حتّى هذه اللحظة كانت تخاطب الناس بكلام مستدَلّ، لكنّها تريد من الآن فصاعداً استثارة عواطفهم؛ ومن هذا المنطلق فقد قالت لهم: «يا معشر الأنصار! يا مَن كانت نصرتهم سبباً في انتشار الإسلام. فأنتم الذين احتضنتم الإسلام وربّيتموه في ربوعكم. أنتم نقباء العالم الإسلاميّ. كيف تغفلون مثل هذه الغفلة بعد كلّ تلك الخدمة التي أسديتموها للإسلام؟! أين إحساسكم بالمسؤوليّة؟! أين وَلّى حماسكم وأين ذهبت عواطفكم؟! أما سمعتم أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ»؟ فحفظ احترام المرء بعد موته يكون في احترام ذرّيته. وهل تعرفون ذرّية للنبيّ غيري؟ ألا تعرفون كيف تردّون الجميل لذلك النبيّ الذي قدّم لكم كلّ تلك الخدمات؟ الآن وأبي ليس بين أظهركم ألا ينبغي احترام أبنائه؟ أين ذهبت عواطفكم الإنسانيّة؟
«يَا مَعشَرَ النَّقِيبَةِ» نخب المجتمع ومشاهيره «وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ» الذين صُنتم ملّة الإسلام وحفظتموها كساعد قويّ لها، «وَحَضَنَةَ الإِسْلامِ» الذين حضنوه كما تحضن الأمّ طفلها وتربّيه. يا مَن تملكون كلّ هذا الماضي المشرق ويا مَن كنتم العون والناصر لكلّ ما حقّقه الإسلام من تقدّم! «مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي» ما الذي أصابكم لتقابلوني بكلّ هذه اللامبالاة، «وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي» فأنتم تتفرّجون على ما يقع عليّ من ظلم من دون أن تحرّكوا ساكناً أو تنبسوا ببنت شفة! فهل أنتم نائمون يا ترى؟ ألستم الذين قدّموا للإسلام وللنبيّ كلّ تلك التضحيات؟! «أَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟ سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذَا إِهَالَةٍ» وهذا مثل عربيّ يُضرب عندما يراد أن يقال: سرعان ما انحرفتم عن جادّة الصواب وأخطأتم الطريق.

دفع شبهتين

واستباقاً لما قد يقول الأنصار من أنّه: «أجل لقد ظلموكِ؛ ولكن ليس في أيدينا حيلة» فقد قالت (سلام الله عليها): «وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَأُزَاوِلُ» فإنّكم قادرون على تلبية ما أطلب، فما هو عذركم إذن؟ كيف يمكن الجمع بين وضعكم الحاليّ هذا مع سابق تضحياتكم؟!
ولئلا يقولوا أيضاً (بتعبيري الشخصيّ): «كان لأبيك حقّ علينا ما دام حيّاً فقد نصرناه لأنّه هدانا إلى سواء السبيل ومنحنا العزّة. أمّا الآن وقد رحل عن هذه الدنيا فنحن إنّما لا نمدّ إليك يد العون لأنّ أباك لم يعد موجوداً بيننا وقد انتفى بذهابه ما كان له من حقّ علينا»، أقول فقد قالت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) تداركاً لهذا القول المفترَض: «أَتَقُولُونَ: مَاتَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه‏» فهل إنّ دليلكم على عدم نصرتكم لي هو: أنّنا لا ننصركِ لأنّ أباكِ لم يعد حيّاً؟ فإن كان هذا هو منطقكم فقد جاءكم الردّ في القرآن الكريم وشأن نزوله موجود أيضاً؛ ففي معركة اُحُد وبعد أن ترك المسلمون مضيق اُحد وجُوبِـهوا بهجوم المشركين أصابهم ضعف شديد وتكبّدوا خسائر فادحة، حتّى أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه قد اُصيب بجروح أيضاً. ومن أجل إضعاف معنويّات المسلمين أكثر فقد استخدم المشركون طريقة الحرب النفسيّة مشيعين أنّ النبيّ قد قُتل، في حين أنّه قد جُرح فقط. وعندها نزل قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ»2. فلقد جاءكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليعرّفكم بالدين ويبيّن لكم الصراط القويم كي تعملوا وفقاً لما جاءكم به. فقد أدّى ما على عاتقه من واجب وهداكم، وقد جاء الآن دوركم لتنهضوا بمهمّة المحافظة على دين الله عزّ وجلّ وتُحيُوا أحكامه وسُنَنه. فواجبكم هو إحياء قِيَم هذا الدين في الدنيا وأن لا تدعوها تأفل وتزول. وبناء عليه فإنّه ينبغي أن تقاوموا أعداء هذا الدين بمزيد من الصلابة والصمود كي لا يتعرّض الإسلام للخطر. هل تتذكّرون هذه الآية؟ هذه الآية مذكورة في نفس المصحف الذي تقرأونه يوميّاً في بيوتكم جهراً وإخفاتاً، بلحن ومن دون لحن، وبصور مختلفة. من المؤكّد أنّكم لم تنسوا قول القرآن: «أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ» أي تركتم دينكم. أجل فلقد كان رحيل النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) مصاباً جلَلاً للغاية أصاب عالم الإنسانيّة. لكنّ رحيله لا يسوّغ لكم نبذكم لدينكم وترككم لأحكامه!
ثمّ تتابع سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) هذا المقطع مبيّنة عظمة هذه المصيبة، وسأتّحدث عن ذلك في المحاضرة القادمة إن وُفِّقتُ إلى ذلك إن شاء الله.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. بحار الأنوار، ج29، ص226.

2. سورة آل عمران، الآية 144.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org