بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 27 نيسان 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

آخر احتجاج

ركون الاُمّة إلى الراحة مدعاة لغربة الحقّ

ذكرنا في المحاضرة الفائتة كيف أنّ مولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) التفتت إلى الأنصار مذكّرة إيّاهم في بادئ الأمر بسابق أفعالهم الحسنة وما كان لهم في الإسلام من ماضٍ مشرق قائلة: «ألستم الذين نصرتم الإسلام وقاتلتم أعداءه وآويتم الذين شُرّدوا عن ديارهم». ثمّ تقول لهم بنبرة الملامة والتقريع: «ما الذي دهاكم بعد هذا التاريخ المشرق حتّى تخلّيتم عن نصرتنا وتركتمونا؟ ما الذي جعلكم تنسون العهد الذي قطعتموه لنا»؟ ثمّ تقول (عليها السلام) بعد ذلك: «أَلا وَقَدْ أَرَى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ» أي الراحة، «وَأَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ» أي أقصيتم من هو أهل لإصلاح الاُمور، ألا وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)، «وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ» فأصبحَتْ دأبكم «وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ» المعاناة والشدّة «بِالسَّعَة» عبر اللامبالاة وطلب الراحة، «فَمَجَجْتُمْ مَا وَعَيْتُم» أي لفظتم ما ابتلعتم من أفواهكم فكأنّكم تقيّأتموه، «وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُم» واستفرغتم ما شربتم من سائغ الشراب. ثمّ تقتبس (سلام الله عليها) الآية الثامنة من سورة إبراهيم مستشهدة بها حينما تقول: «فَـ «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ».
نلاحظ أنّ فاطمة (عليها السلام) توجّه من خلال كلامها إنذارات شديدة اللهجة للحاضرين، وتستشهد بالآيات المتعلّقة بالكفّار والمشركين، وهي تريد أن تُلفِت من خلال ذلك إلى هذه النقطة وهي أنّ عاقبة أمركم ونهاية الطريق التي تسلكون هي الكفر والشرك، واعلموا أنّكم إن كفرتم أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله غنيّ عنكم ولن ينال ذلك من كبريائه عزّ وجلّ قيد أنملة. فلا تظنّوا أنّ عملكم هذا سيُلحِق الضرر بالله وأوليائه، بل إنّكم أنتم الذين سيحيق بهم الضرر والخسران.

إتمام فاطمة للحجّة على الناس

وصولاً إلى هذا المقطع تكون الزهراء (عليها السلام) – في الحقيقية – قد أتمّت ما كان في نيّتها من موعظة للناس، أمّا في المقطع التالي فإنّها تبيّن هدفها من كلّ هذه المواعظ والتذكير فتقول: «لا تظنّوا أنّني قد قلت ما قلت غير عارفة بكم أو أنّني أتوقّع منكم ما لا ينبغي توقّعه؛ بل إنّني على معرفة جيّدة بحالكم وأعلم جيّداً ما هو داؤكم، وأنّ كلماتي لا تؤثّر فيكم؛ لكنّني أردت أن أكشف عمّا يعتلج في صدري من سخط عليكم من ناحية، وأن اُتمّ عليكم الحجّة من ناحية اًخرى».
«أَلا وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ» أي على معرفة بأنّ خذلاننا وعدم الاكتراث بنا يخامر الآن وجودكم ويمتزج بكيانكم، «وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ» وأنّ قلوبكم مضمرة للمكر والحيلة بحقّنا، «وَلَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوْرُ الْقَنَاةِ، وَبَثَّةُ الصَّدْرِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ» لكنّ ما قلتُه كان ممّا فاض به الصدر المكروب من الآلام والمآسي، وهو انفجار لما اعتلج فيه من الغضب والقلق، وإتمام للحجّة عليكم كي لا تقولوا يوماً: «لم نكن نعلم»! أو: «كنّا نظنّ أنّ هذا الأمر قد تمّ برضاك»!
«فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنَارِ الأَبَد»؛ فهذه ناقة الخلافة، وهذا أنتم. فاركبوها! لكن اعلموا أنّ ظهر هذه الناقة مليء بالجروح وأقدامها مفعمة بالقروح ولا تستطيع أن توصلكم إلى مقصدكم، وستبقى وصمة عار هذا العمل تلاحقكم إلى الأبد. «مَوْصُولَةً بِنَارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ»1» وسيؤدّي بكم هذا العمل إلى نار الله الموقدة التي تطّلع على القلوب والسرائر. وهنا أيضاً تشير السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) إلى آية قد نزلت بشأن الكفّار والمشركين. «فَبِعَيْنِ اللهِ مَا تَفْعَلُونَ» فأعمالكم هي أمام عين الله تعالى «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»2. «وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ «لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ»3» فأنا ابنة ذلك الرجل الذي كان ينذركم من العذاب الإلهيّ الشديد. «فَاعْمَلُوا «إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ»4»؛ فافعلوا ما يروق لكم ونحن أيضاً سنفعل ما نريد، وانتظروا ونحن أيضاً منتظرون.
وهنا تختتم مولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) كلامها. لكن هناك من يردّ عليها وهي بدورها تجيب على هذا الردّ، ولعلّنا سنتطرّق إلى هذا المقطع في المحاضرة القادمة إن وفّقنا الله إلى ذلك. لكن ثمّة بضع ملاحظات يمكن أن تُستفاد من الجُمَل الأخيرة التي ساقتها البتول (عليها السلام) فلنقف عندها:

عاقبة الزيغ عن الحقّ

الملاحظة الاُولى هي الاقتباسات القرآنيّة التي استشهدت بها الزهراء (سلام الله عليها) والتي تشير إلى الكفر والشرك وهي تنطوي على تحذير للمسلمين مفاده: لا تظنّوا أنّ الذي آمن، وأقام الصلاة، وجاهد، وآتى الزكاة، وجاء بغير ذلك فقد ضُمنت سعادته، فقد تكون عاقبة المرء - كائناً من كان ومهما طالت المسافة التي قطعها في جادة الصواب - عاقبة خطيرة وينتهي إلى الكفر. وإنّ ما من شأنه أن يجرّ الإنسان إلى الكفر والشرك هو الخروج عن تلك الجادّة والانحراف عنها. فشخص كهذا لا يلتفت في بادئ الأمر إلى عِظم خطئه بسبب قربه من جادّة الحقّ؛ لكنّه كلّما أوغل في مسيره ابتعد أكثر عن جادّة الصواب حتّى يضيّع الطريق ولا يتمكّن من الإياب والعودة. فهذا هو أعظم خطر يهدّد حتّى المؤمنين والصالحين. فلا نظنّن أنّنا إذا قضينا عمراً في دراسة العلوم الدينيّة، والدعوة إلى الله، والعبادة، والجهاد، وما إلى ذلك فإنّه لا ضير علينا إذا ارتكبنا بعض الذنوب والمعاصي! فعلينا أن نحذر كلّ الحذر؛ فلعلّ نفس هذه المعصية هي التي ستفتح لنا باب الزيغ عن طريق الحقّ وعندها سيبتعد الإنسان العاصي عن الله عزّ وجلّ مع كلّ خطوة يخطوها في هذا السبيل إلى أن يتوغّل في وادي الكفر والضلال فلا يرى إلى جانبه من كانوا يحفّون به من الرفاق المؤمنين، بل سوف لا يجد في نفسه الميل إلى معاشرتهم أساساً، وعلى العكس فإنّه سيجد نفسه واقفاً في خطّ المواجهة مع المؤمنين وأهل الحقّ. فهذا الخطر يتهدّد كلّ إنسان، اللهمّ إلا من لجأ إلى الله سبحانه وتعالى واستعاذ به فحفظه الله وأولياؤه ومدّوا له يد العون نتيجة هذا اللجأ والاستعاذة.

الإيمان الحقيقيّ

الملاحظة الاخرى التي تستحقّ الاهتمام هي المعاني والمصطلحات المختلفة للكفر والشرك. فعندما يقال: إنّ إصرار الإنسان على المعصية يجرّه إلى الكفر فهذا لا يعني أنّه سينكر الله ورسوله والمعاد؛ مع أنّ الأمر – بالطبع - قد يتطوّر إلى هذا الحدّ أحياناً؛ كما قد شاهدنا في زماننا كيف أنّ اُناساً كانوا من أهل العبادة والتقوى فآلت بهم الاُمور إلى التشكيك بكلّ شيء، بل لقد صرّحوا أيضاً بأنّه لا يتوفّر في أيدينا أيّ دليل عقليّ على وجود الله تعالى. لكنّه ليس من لوازم كلّ شكل من أشكال الكفر أن ينكر المرء وجود الله والنبيّ والدين بشكل صريح، بل إنّ للكفر معنيَين مهمّين لابدّ أن نضعهما في الحسبان باستمرار. فأحد معاني الكفر هو المعنى الفقهيّ وهو الكفر في مقابل الإسلام. فكلّ مَن نطق بالشهادتين فهو مسلم وإنّ ذلك كافٍ لصيانة نفسه وماله. فالإسلام الفقهيّ الظاهريّ يثبت بنطق الشهادتين الذي من لوازمه إجراء أحكام الإسلام على الشخص في الظاهر؛ فبدنه - على سبيل المثال - يكون طاهراً، والزواج منه جائزاً، وما إلى ذلك. لأنّ الكفر الموجب لنجاسة المرء هو إنكار الشهادتين أو كلّ ما يوجب إنكارهما؛ أي إنكار الضروريّات التي يعلم المنكِر أنّ إنكارها يقود إلى إنكار الرسالة.
أمّا المعنى الثاني فهو الكفر في مقابل الإيمان. وطبقاً لهذا المعنى فإنّ كلاًّ من الكفر والإيمان هو شأن قلبيّ، وإنّ نتيجة هذا الإيمان هي النجاة في الآخرة. فإذا آمن المسلم أنّ ما جاء به النبيّ من قِبل الله هو حقّ ولم يساوره شكّ في أيّ واحد من أحكام الله، فهو مؤمن حقيقيّ. لكنّه إذا لم يقبل في قرارة قلبه بحكم من أحكام الله عزّ وجلّ فسيكون مصداقاً لقوله تعالى: «يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ»5؛ أي نؤمن ببعض الاُمور ونكفر ببعضها، والقرآن الكريم يقول بحقّ هؤلاء: «أُوْلَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً»6. فالإيمان القلبيّ هو أن يؤمن المرء بما يقوله الله من أعماق قلبه سواء أعَلِم بحكم الله تفصيلاً أم لم يعلم به. فمن الممكن أن لا يعلم الإنسان حكم الله على نحو تفصيليّ لكنّه يعتقد بأنّ كلّ ما يقوله الله تعالى فهو حقّ. وإنّه في مثل هذه الموارد يُخفق البعض ولا يستطيعون أن يقبلوا قلبيّاً ببعض الأحكام. فأمثال هؤلاء هم في الحقيقة كفّار في الباطن؛ ذلك أنّهم لا يقبلون ببعض أحكام الله سبحانه. فالإيمان الحقيقيّ يكمن في القبول والإذعان أمام كلّ ما أنزله الله جلّت آلاؤه. فعندما تقول الزهراء (سلام الله عليها): «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»7 فلابدّ أن نفهم أوّلاً أنّها (عليها السلام) لا تستشهد بآية من دون مناسبة، بل إنّ قصدها من هذا الاستشهاد هو: «إنّني أستشعر خطر الكفر يهدّدكم». وهذا الكفر هو الذي يكون في مقابل الإيمان؛ أي إنّكم بإصراركم على هذا الفعل لن تكونوا من أهل النجاة في الآخرة وإن كنتم في ظاهر الأمر في عداد المسلمين وكانت أرواحكم وأموالكم مصونة، وهكذا كان يعامَل المنافقون في صدر الإسلام. فالقرآن الكريم يصرّح في الكثير من الآيات بالقول: إنّ المنافقين لا إيمان لهم وهم يدّعون الإيمان مجرّد ادّعاء: «وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»8، لكن لم يذكر التاريخ أبداً أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان قد أخرجهم من المدينة، ذلك أنّ الإسلام الظاهريّ هو غير الكفر الباطنيّ.
وفيما يتعلّق بالاُمور المستحبّة فإنّه إذا علم الشخص أنّ العمل الفلانيّ أمر مستحبّ لكنّه لم يأت به قطّ، فلا يضرّ ذلك بإيمانه؛ لكنّه إذا قال: «أنا لا أقبل بهذا العمل المستحبّ»! فإنّ ذلك يشكّل كفراً باطنيّاً. فإذا كان إنكار عمل مستحبّ يؤدّي إلى الكفر، فما بالكم بإنكار أمر قد أخذ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) البيعة عليه بحضور جميع المسلمين؟ ألا يوجب إنكاره الكفر؟! فإنّ ما ترمي إليه الزهراء (سلام الله عليها) هو هذا النمط من الكفر.

فاطمة (عليها السلام) معيار رضا الله وغضبه

أمّا الملاحظة الاخرى فتكمن في الالتفات إلى المبحث الذي نوّهتْ به بضعة المصطفى (عليها السلام) في ختام الخطبة. تقول (سلام الله عليها): «على الرغم من أنّني أعلم أنّ كلامي هذا لن يؤثّر فيكم، لكنّني أقول ما أقول نتيجة ما ضاق به صدري من فوران الغضب وما طفح فيه من المآسي والآلام». لكن لماذا تقول الزهراء ذلك؟ يظنّ البعض أنّ مراد الزهراء هو: «إنّني، وبسبب ما اعتلج في صدري من عظيم الألم والكرب، قد فقدتُّ السيطرة على نفسي فتفوّهت بما تفوّهت به تنفيساً لكربتي وتخفيفاً عن قلبي». لكنّنا نعتقد أنّ الزهراء (عليها السلام) هي أصلب بكثير من أن تقع تحت تأثير أحاسيسها وغمّها وهمّها فتفقد السيطرة على نفسها. إذن فالداعي من وراء قولها هذا هو أنّ المسلمين كانوا قد سمعوا من لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مراراً وتكراراً قوله: «إنّ الله عزّ وجلّ يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»9. فمولاتنا الزهراء (عليها السلام) تريد أن تقول هنا بصراحة: «إنّني غاضبة عليكم، وإنّ غضبي هذا هو مؤشّر على غضب الله تعالى»، ومن أجل ذلك فقد أتْبَعت كلامها هذا بالقول: «إنّ عملكم هذا سيقودكم إلى جهنّم»، ذلك أنّ الذي يحلّ عليه غضب الله لا يكون له سبيل للنجاة من نار جهنّم. إذن فإنّ بيان هذا المعنى إنّما يصبّ في وادي إتمام الحجّة أيضاً. فكلامها هذا كان بمثابة السهم الأخير الذي أطلقته (سلام الله عليها) من أجل هداية هؤلاء القوم. فكلّ ذلك كان من دافع المحبّة التي تكنّها الزهراء تجاه الناس ورغبتها في نجاتهم، حتّى وإن لم تكن النتيجة غير إنقاذ شخص واحد فقط. ومن هنا فهي تقول في نهاية المطاف: «وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ»؛ أي لم يكن ما قلته إلاّ من أجل إقامة الحجّة وإتمامها عليكم.

المناط هو حال الأشخاص في الوقت الحاضر

وهناك ملاحظة اُخرى تسترعي اهتمامنا أيضاً ألا وهي أنّه على الرغم من أنّ الأنصار كانوا أوّل من نقض الميثاق مع رسول الله وهرع لتعيين الخليفة من بعده، لكنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تقول عندما توجّه الخطاب لهم: «إنّكم أنتم الذين نصرتم الإسلام، وبسيوفكم انتصر دين الحقّ». ثمّ تقول بعد ذلك: «فما الذي دهاكم اليوم لتنكصوا على أعقابكم وتسمحوا بانحراف الإسلام والسلاح بأيديكم وإنّ بوسعكم النهوض حاملين السلاح لتقويم هذا الاعوجاج»؟! بمعنى أنّها (عليها السلام) في الوقت الذي توبّخ الأنصار قائلة: «إنّ عملكم هذا سيجرّكم إلى الكفر وشقاء الدنيا والآخرة» فإنّها لا تنكر صفاتهم الحسنة وماضيهم الوضّاء. وهذا يعني أنّه: لا عملكم القبيح هذا يدعو إلى نسيان سوابق فضائلكم، ولا ماضيكم المشرق ذاك يشكّل عذراً لما اقترفتم الآن من شنيع فعالكم. فالمرء يكون ممدوحاً ومحطّ ثناء إذا أتى بفعل خير في أيّ مرحلة من عمره، لكنّه إذا ارتكب الخطيئة في مرحلة اُخرى منه فسيكون محطّ توبيخ وتقريع، فلا يشكّل ماضيه عذراً لأخطائه في المستقبل، ولا توجب خطاياه المستقبليّة إنكار سابق فعاله الحسنة. فإن اُثني على شخص في زمنٍ مّا فلا يعني ذلك أنّه أصبح وليّاً من أولياء الله ولن يصيبه عيب أو نقص إلى أبد الآبدين، بل علينا نحن أيضاً أن نثني على الشخص ونمتدحه ما دام سائراً على النهج القويم، فإن زاغ عن هذا النهج وأضحى عاملاً لتضعيف القيم الأصيلة للإسلام والثورة عمدنا إلى تنحيته جانباً. فلا ينبغي أن نتصوّر أنّ ماضي الأشخاص يشكّل عاملاً لضمان مستقبلهم. وكذا إذا كان امرؤ عاصياً في مرحلة من عمره ثمّ تاب وآب إلى جادّة الصواب فلا ينبغي أن نرفضه ونحذفه. إذن فالميزان في الثناء على الأشخاص أو تقريعهم، أو في اختيارهم لمسؤوليّة معيّنة أو تنحيتهم عن هذا المنصب هو حالهم وضعهم في الوقت الحاضر.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. سورة الهمزة، الآية 7.

2. سورة الشعراء، الآية 227.

3. سورة سبأ، الآية 46.

4. سورة هود، الآيتان 121 و122.

5. سورة النساء، الآية 150.

6. سورة النساء، الآية 151.

7. سورة إبراهيم، الآية 8.

8. سورة التوبة، الآية 107.

9. عيون أخبار الرضا، ج2، ص26. 

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org