بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 18 أيار 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

آيات خطبة الزهراء (سلام الله عليها)

قوم ناكرون للجميل

وصلنا في المحاضرات السالفة إلى المقطع الأخير من خطبة الزهراء (سلام الله عليها) حيث قد دار حوار طويل بينها (عليها السلام) وبين من كان يسمّى بالخليفة الأوّل، وقد استشهدت الزهراء في أجوبتها اللاذعة بآيات من الذكر الحكيم. حتّى قال أبو بكر في نهاية المطاف: «إنّني لم أتربّع على كرسيّ الخلافة إلاّ بمشورة الناس فهم الذين أمّروني عليهم، وإذا كنت قد تصرّفت بعِقار فدك فلم يكن ذلك إلاّ بموافقة الرعيّة. فهذه أنت وهؤلاء الناس، وإن شئتِ اعملي بما يقولون». فردّت عليه الزهراء (عليها السلام) ردّاً عنيفاً، ثمّ التفتت ثانية إلى المسلمين وقالت لهم:
«مَعَاشِرَ المُسْلِمِين الْمُسْرِعَةَ إِلَى قِيلِ الْبَاطِلِ، الْمُغْضِيَةَ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ أَفَلا تَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ «أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها»1، كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ، وَلَبِئْسَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَسَاءَ مَا بِهِ أَشَرْتُمْ، وَشَرَّ مَا مِنْهُ اغْتَصَبْتُمْ، لَتَجِدُنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلاً، وَغِبَّهُ وَبِيلاً، إِذَا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطَاءُ، وَبَانَ مَا وَرَاءَهُ بإورائه الضَّرَّاءُ، وَبَدَا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُوُنَ «وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ»2؛ أي: يا معاشر المسلمين المسرعة إلى الكلام الباطل والمغضية بطرفها والمتسامحة عن الفعل القبيح والخاسر. ألا تتدبّرون في كلمات القرآن الكريم أم إنّ قلوبكم موصدة ومقفلة؟! لا بل إنّ قبيح فعالكم قد أظْلَمَ قلوبكم فسلبكم الله سمعَكم وأبصاركم. فبئسما فسّرتم به آيات الباري عزّ وجلّ، وما أسوأ ما أشرتم إليه من رأي! وأيّ عوضٍ سيّئ تلقّيتم نتيجة فعلتكم هذه! فبالله اُقسم إنّ عبء عملكم هذا سيكون عليكم عظيماً، وثقله كبيراً، وستؤولون إلى أسوأ العواقب. وعندما يحين اليوم الذي يُكشف فيه الغطاء عن أعمالكم ويظهر ما خفي تحته من أفعالكم ستظهر لكم من الله تعالى من البلايا والشدائد ما لم تكونوا تحتسبون وسيخسر حينئذ أهل الباطل خسراناً شديداً.
ومن الجليّ - جرياً على القاعدة - فإنّه عندما يترك المتصدّي للخلافة الأمر إلى الناس ويقول: إنّني قد عملت برأيهم، فلابدّ أن يُبدي الناس - إذا كان لديهم شعور بالمسؤوليّة – معارضة لذلك لاسيّما وأنّ الزهراء (سلام الله عليها) قد اشتكت منهم غير مرّة بسبب عدم نصرتهم للحقّ. لكنّ الناس - مع ذلك كلّه - أصرّوا على التزام الصمت ولم ينبسوا ببنت شفة. ولهذا فقد توجّهت (سلام الله عليها) بخطابها إلى الناس معترضة على قبولهم بالكلام الباطل وغضّ الطرف والتسامح عن مخالفة الحقّ؟! قائلة لهم: اعلموا أنّكم ستتورّطون بتبعات وعواقب هذا العمل وستندمون يوماً على فعلتكم هذه حيث لن يجدي الندم نفعاً.

مباينة عليّ (عليه السلام) وقوعٌ في الفتنة

تحتوي هذه الجمل على التفاتات قيّمة لا تختصّ بذلك الزمن وأهله بل يمكننا نحن أيضاً أن نستلهم منها الدروس والعبر في زماننا هذا.
لقد اقتبست مولاتنا الزهراء (عليها السلام) في هذا المقطع عدداً من آيات القرآن الكريم. فإذا تصوّرنا الموقف وجدنا امرأة تقف في محكمة رسميّة مدّعية غصب مالها من غير سبب، وهي في صدد ذكر آيات من القرآن الكريم لإثبات مدّعاها، فبأيّ آية يمكنها أن تستشهد لذلك؟ وفقاً للقاعدة فإنّه يتعيّن عيلها أن تستشهد بآيات من قبيل: «لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ»3، أو قوله تعالى: «لا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ»4. لكن لأيّ سبب تخاطبهم (سلام الله عليها) بالقول: «أأصبحتم كفّاراً وتركتم دين الله سبحانه وتعالى؟ أتريدون سلوك سبيل النار الخالدة»؟!
من المسَلّم أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا تقول قولاً اعتباطيّاً أو من دون تمحيص وتأمّل، وإنّ الآيات التي تلتها خلال هذه الخطبة الشريفة عجيبة للغاية. فعندما أشارت في بداية الخطبة إلى واقعة السقيفة وتغيير وجهة الخلافة قالت: يزعم أهل السقيفة أنّهم عجّلوا في تعيين خليفة الرسول تفادياً لوقوع الفتنة وحدوث الفوضى في الاُمّة، لكن: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ»5؛ فهؤلاء هم أساساً في قلب الفتنة وإنّ جهنّم محيطة بهم من كلّ جانب. ثمّ تقول متابعةً: أتريدون بحكمكم هذا أن تبتغوا ديناً غير الإسلام؟! «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»6. فهذه الآية إنّما تنفع كجواب لاُولئك المنادين بالتعدّدية الدينيّة والقائلين بأنّ جميع الأديان حسنة ولا يهمّ بأيّها نتديّن، لكنّ بأيّ حجّة تقتبس الزهراء (سلام الله عليها) هذه الآية في مقام المطالبة بحقّها المغتصَب؟ ولماذا استشهدت بقوله تعالى: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ»7؟ أي: «أتريدون إحياء أحكام الجاهليّة؟! فأيّ حكم هو أفضل من حكم الله؟ أم تريدون التخلّي عن حكمه عزّ وجلّ»؟! فهل ادّعى القوم ذلك يا ترى؟ كلاّ، فلم يظهر ذلك من كلامهم إطلاقاً، بل كان أبو بكر يحاول جهده الحفاظ على احترام فاطمة، لكنّها (سلام الله عليها) كانت تردّ عليه ردوداً عنيفة لاذعة. فمن جملة الآيات التي استشهدت بها (عليها السلام) هي الآية التاسعة والثلاثون من سورة هود التي يقول فيها تعالى: «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ»، والقرآن الكريم يستخدم هذا الاسلوب في القول حينما يخاطب الكفّار والمشركين. لكنّ الزهراء كانت تخاطب بنفس هذه اللهجة اُناساً يقيمون الصلاة وشخصاً بايعه الناس خليفةً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأيّ حكمة من وراء ذلك يا ترى؟

ترك عليّ (عليه السلام) عودةٌ إلى الجاهليّة

وكذا الحال عندما تشتكي فاطمة (سلام الله عليها) من عدم نصرة المسلمين فنراها تقول، من باب التبرير: لعلّكم ظننتم أنّ الأمر قد انتهى برحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأنّكم تستطيعون بعد رحيله أن تفعلوا ما تشاءون، في حين أنّه: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ»8. وهذه آية عجيبة تستحقّ الوقوف عندها والتأمّل في سبب استشهاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) بها في هذا المقام بالذات. يقول الباريّ عزّ وجلّ في هذه الآية: «أفينبغي أن تتخلّوا عن دين الله تعالى وتنكصوا على أعقابكم إذا مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو قُتل؟! إنّكم إن فعلتم ذلك فلن تضرّوا اللهَ سبحانه في شيء، أمّا إذا شكرتم نعمة ربّكم فسيثيبكم الله على شكركم». تريد الزهراء (عليها السلام) من خلال ذكر هذه الآية في مجلس كهذا أن تقول: إذا ظننتم أنّكم غير مسؤولين عن الدفاع عنّا وحمايتنا بعد رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فستكونون مصداقاً لهذه الآية وعليكم أن تعلموا أنّكم بفعلتكم هذه لن تتسبّبوا بأيّ ضرر لله جلّ شأنه بل إنّكم أنتم الذين ستخسرون. ثمّ تُتبع ذلك بذكر قوله تعالى: «وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»9؛ فإنّكم إن كفرتم أيّها المسلمون وكلّ سكان المعمورة فلن تضرّوا الله قيد أنمُلة ولن ينال كبرياءَه أيُّ غبار. فلماذا تسوق بضعة الرسول (سلام الله عليها) هذه الآية في هذا الموطن بالذات؟ أكان في المجلس من ينوي التخلّي عن دينه يا ترى؟!

اقتراف الذنب إخلال بمنظومة المعرفة

وعندما طُرح بحث كون فدك إرثاً ورُدّ على الزهراء (سلام الله عليها) بالقول: إنّ الأنبياء لا يورّثون، قالت (عليها السلام): «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ»10؛ وهي تقصد بهذا القول: ليست القضيّة أنّ الأمر قد التبس عليكم وأنّكم حقّاً لا تعلمون أنّ النبيّ يورّث أيضاً، حاله في ذلك حال بقيّة الناس، بل إنّكم قد أعددتم هذا السيناريو بأنفسكم لتنفّذوا ما تحبّون على أرض الواقع، وما علَيّ إلاّ أن أصبر حتّى تتحقّق إرادة الله عزّ وجلّ.
وفي المقطع الذي ذكرناه اليوم من الخطبة تستشهد الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) بالآية الرابعة والعشرين من سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومن ثمّ تقتبس مفاهيم الآية الرابعة عشرة من سورة المطفّفين وتوردها بصيغة الخطاب، والآية هي: «كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ». فمن الحقائق التي يؤكّد عليها القرآن الكريم هي أنّ الأعمال القبيحة للإنسان تؤدّي به بشكل تدريجيّ إلى عدم إدراك الحقّ وضعف الإيمان حتّى ينتهي إلى الكفر؛ كما تصرحّ الآية الثالثة والعشرين من سورة الجاثية فتقول: «أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ»؛ أي: إذا أصبح الهوى هو معبود المرء من خلال إذعانه لأهواء نفسه فإنّ الله سيعمي بصره ويصمّ سمعه ويضلّه إن كان من أهل العلم والفهم ويجعل على بصره غشاوة وفي سمعه وقراً. فمَن الذي يستطيع هداية مثل هذا الإنسان؟ إنّ شخصاً كهذا لا يكون قابلاً للهداية على الإطلاق. ومثل هذا المضمون موجود أيضاً في الآية الرابعة عشرة من سورة المطفّفين حيث يقول عزّ من قائل: «كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ»؛ فإنّ سيّئات من كانوا يواجهون الله عزّ وجلّ بالخطايا والمعصية وقبائحهم قد تجمّعت كالصدأ في بواطنهم وتراكمت كالرين والطين على مرآة قلوبهم فلم تعد تعكس أيّ نور.
تخاطب الزهراء (عليها السلام) المسلمين قائلة: لقد اتّبعتم ما أملَتْه عليكم أهواؤكم ونزواتكم فجئتم بأعمال أدّت إلى اسوداد قلوبكم، ونتيجة لذلك لم تعودوا تدركون شيئاً. لكن سيكشف الله يوماً الغطاء عمّا خفي من أعمالكم ويُظهر ما لم تكونوا تحتسبون، وحينذاك ستفهمون أيّ خطيئة عظيمة اجترحتم: «فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»11. والسؤال المـُلِحّ هنا هو: ما الذي دفع الزهراء (سلام الله عليها) في مجلس كهذا إلى الاستشهاد بهذه الآيات التي يخاطب الله فيها الكفّار والمشركين؟ والسبب هو أنّها (عليها السلام) كانت تشاهد، بما اُوتيَتْ من البصيرة الثاقبة واطّلاعها على الحقائق، أنّ ما بدأ بالظهور من انحراف عن مسير الحقّ سوف لن ينتهي إلاّ إلى الكفر والشرك: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُواْ السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِؤُونَ»12.
لقد كنتُ على معرفة بطالب جامعيّ متديّن. وعندما ذهب هذا الطالب إلى لندن لطلب العلم سمع أنّ بعض أفران الخبز هناك تدهن الفرن بزيت الخنزير لتسهيل عمليّة إخراج الخبز منها. فأخذ يبحث عن فرن يستعمل الزيت النباتيّ كي يطمئنّ من حلّية الخبز الذي يتناوله. فهل تصدّقون أنّ هذا الشخص نفسه قد وصل به الأمر فيما بعد إلى إنكار أصل الدين والوحي والنبوّة وكلّ شيء. فليست القضيّة أنّ كلّ فاسق كان فاسقاً منذ البداية. بطبيعة الحال يوجد من هو فاسد من البداية، لكنّ القرآن الكريم يقول: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ»13؛ فقد كان يوجد اُناس آتيناهم من النعم الجمّة والمعارف العميقة وقد كانوا صالحين منذ بداية أعمارهم ومستجابي الدعوة، لكنّهم بدأوا شيئاً فشيئاً بالميل والركون إلى أهوائهم حتّى أصبحوا كالكلاب. فلقد بلغ الأمر بالمسلمين - الذين قاتلوا مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وصاحبوه - أن توبّخهم الزهراء (سلام الله عليها) وتعنّفهم بهذه الصورة. لماذا؟ ذلك أنّها (عليها السلام) كانت ترى أنّه لن تكون لهذا الزيغ والانحراف عن الحقّ من عاقبة سوى الكفر. فإن نحن بنينا أمرنا على عدم الاكتراث لأحكام الله عزّ وجلّ وأصبحنا تدريجيّاً نميل إلى القول: «أجل، الإسلام والنزعة الإسلاميّة أمر جيّد، لكنّ زمان هذه المواضيع قد ولّى من غير عودة وقد حلّ محلّها زمان القوميّة والقيم الإنسانيّة»! فلا ننتظرنّ إلاّ عاقبة من هذا القبيل.

السرّ وراء اختيار فاطمة (سلام الله عليها) لهذه الآيات

لم يكن أحد بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليتمكّن من المحافظة على الإسلام إلا أن يكون أشبه الناس به (صلّى الله عليه وآله) وإنّ الله جلّ وعلا قد مَنّ على المسلمين إذ خلق إنساناً كهذا وعرّفهم به؛ أمّا المسلمون فقد تخلّوا وابتعدوا عنه وقد شكّل هذا التصرّف نقطة الانطلاقة على طريق الباطل. ولهذا فقد وصل الأمر بهؤلاء المسلمين إلى قتل سبط الرسول الأعظم في كربلاء أبشع قتلة. فإنّ كون المرء مصلّياً وصائماً لا يشكّل بالضرورة دليلاً على كونه إنساناً صالحاً من جميع النواحي، بل لابدّ من النظر إلى عقائده. فإن قال: «أجل، لقد قال الله إنّ عليّاً هو الوليّ بعد رسول الله، لكنّنا نرى الصلاح في أن يتصدّى شخص آخر للخلافة»، فهذا يعني أنّه قد جعل نفسه في عرض وجود الله عزّ وجلّ! فهذا الإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيمن يردّ حكم نائب المعصوم: «فإذا حَكَم بحُكْمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله»14، فكيف يكون الردّ على كلام هذا الشخص مؤدّياً إلى الشرك بالله؟ وذلك لأنّه يحكم بحكم الله تعالى، ومن هنا فإنّ الذي يخالف كلامه فهو يضع كلامه في عرض كلام الله ويقول: قانون الله قانون، وقانوني هو قانون أيضاً! وهذا هو معنى الشرك.
إذن فإنّ ما وجّهته فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) من تهديدات وتوبيخات للقوم هو من أجل أن تقول لنا: حذار من الانفصال عن محور الحقّ. إذ أنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ مع عليّ15، فمباينة عليّ (عليه السلام) يعني الزيغ والانحراف وهي تقود في نهاية المطاف إلى الكفر. إذن علينا أن نقدِر نعمة الولاية حقّ قدرها. فلقد جهد علماؤنا الأعلام لمدّة 1400 سنةً للحفاظ على مذهب التشيّع من أجل أن يصل إلينا، ولقد أمَرَنا أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) من أجل صيانة هذه النعمة والوقوف أمام الانحراف عن سبيل الحقّ بالقول: «عليكم بالرجوع إلى حَمَلة علومنا في زمان غيبتنا. فهؤلاء هم الحكّام عليكم ولهم الولاية عليكم أيضاً». فولاية الفقيه لم تصل إلى أيدينا بسهولة، وهي لا تعني المحبّة والاُلفة فحسب؛ فبعض أهل السنّة يقول: «إنّ معنى كلام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عندما قال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»16 هو: مَن كان يحبّني وكنتُ أحبّه فليحبّ عليّاً أيضاً. ونحن نحبّ عليّاً». فكم عانى صاحب كتاب «العبقات» وصاحب كتاب «الغدير» وأمثالهما كي يثبتوا أنّ المراد من المولى ليس هو المحبّة فحسب، بل الولاية؛ بمعنى أنّ طاعة عليّ (عليه السلام) هي فرض عليكم.
وقد يبادر البعض في زماننا أيضاً إلى القول: إنّ ولاية الفقيه تعني أنّ علينا أن نحبّ الفقهاء. والحال أنّها تعني أنّ طاعة الوليّ الفقيه هي واجبة تماماً كطاعة المعصوم (عليه السلام). لذا فإنّ من المناسب في المرحلة الاُولى أن نؤمن نحن بهذه المسألة، لنعمد في المرحلة الثانية إلى رفع ما علق في أذهان الآخرين من شبهات حولها.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، الآية 24.

2. سورة غافر، الآية 78.

3. سورة النساء، الآية 29.

4. سورة البقرة، الآية 188.

5. سورة التوبة، الآية 49.

6. سورة آل عمران، الآية 85.

7. سورة المائدة، الآية 50.

8. سورة آل عمران، الآية 144.

9. سورة إبراهيم، الآية 8.

10. سورة يوسف، الآية 18.

11. سورة ق، الآية 22.

12. سورة الروم، الآية 10.

13. سورة الأعراف، الآيتان 175 و 176.

14. الكافي، ج1، ص67.

15. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ» (بحار الأنوار، ج10، ص432).

16. الكافي، ج1، ص420.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org