بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 25 أيار 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الذود عن الولاية على فراش المرض

نحمد الله العليّ القدير أن وفّقنا لشرح الخطبة الفدكيّة لمولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) خلال مجموعة من المحاضرات. ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ للزهراء (عليها السلام) خطبة اُخرى قصيرة تُذكَر عادة جنباً إلى جنب مع الخطبة الفدكيّة، وسنقوم بإذن الله بتقديم شرح موجز لها عبر بضع محاضرات.

دافع الزهراء سلام الله عليها للحضور في الساحة

بعد أن انتهت سيّدتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) من خطبتها غادرت المسجد متوجّهة إلى منزلها وهي ساخطة على الناس غير راضية عنهم. وقد اشتدّ في المنزل مرضها حتّى وافاها الأجل بسببه بعد بضعة أيّام. لكنّ جماعة من نساء المهاجرين والأنصار ذهبن لعيادتها في أيّام اشتداد مرضها، فكان أن اغتنمت (عليها السلام) الفرصة لإلقاء خطبة ثانية هي تلك التي أشرنا إليها في بداية البحث.
ولابدّ قبل البدء بشرح عبارات الخطبة من الالتفات إلى النقطة التالية وهي أنّ الزهراء (عليها السلام) قد سعت، على الرغم من مرضها الشديد، إلى اغتنام فرصة اجتماع نساء المهاجرين والأنصار لتبيين بعض الاُمور التي لم يكن بيانها بهذه الكيفيّة ممكناً في موضع آخر. ولم يتمّ التطرُّق في هذه الخطبة إلى شأن فدك وغصب الأموال بل قد انصبّ اهتمام الزهراء فيها على مسألة إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتغيير مسير الإمامة والولاية. في الحقيقة فإنّنا نستطيع القول: إنّ هذه الكلمة هي أفضل وأكمل وأنجع ما دافعت به الزهراء (سلام الله عليها) عن حياض الولاية والإمامة، وقد ذكرت في هذه العبارات القصيرة نسبيّاً (حيث من الواضح أنّ حالتها لم تكن لتسمح لها بإلقاء خطبة مطوّلة) مباحث هي غاية في العمق والشدّة وقمّة في إعطاء العبر والإنذار فكان من شأنها أن تهزّ القلوب المتأهّبة والمستعدّة.
إذن فقد كان قصدها (عليها السلام) الذود عن قضيّة الولاية والإمامة فيما تبقّى لها من عمرها الشريف وتبيين الحقائق أمام الملأ قدر المستطاع كي يدركوا خطورة ما اقترفته أيديهم وما سينتج عن هذا العمل من تبعات وتداعيات خطيرة. كما أنّ هناك بعداً أكثر عمقاً لهذه الخطوة التي قامت بها الزهراء (سلام الله عليها) وهو أنّ دفاعها عن حصون الإمامة وعن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) لم يكن من منطلق عاطفيّ أو اُسريّ أو استناداً إلى علاقتها الشخصيّة بزوجها وما إلى ذلك. صحيح أنّ الدفاع عن الزوج أمر مستحسَن؛ غير أنّ ما قامت به الزهراء (سلام الله عليها) كان يسمو على قضيّة الدفاع عن حقّ الزوج بكثير. فلمّا كانت الإمامة هي العلّة الـمُبقِية للإسلام، فإنّ الذود عن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) يعني الدفاع عن الإسلام برمّته. فإنّنا نستطيع أن نقول بكلّ جرأة وصراحة: إنّه لولا الدور الذي نهض به عليّ بن أبي طالب (سلام الله عليه) مع كلّ ما اكتنف هذا الدور من مظلوميّة ومحدوديّة، لَما بقي من الإسلام شيء، فما بالكم بحقّانية مذهب التشيّع ومعارف أهل البيت (عليهم السلام)! ومن هذا المنطلق يتعيّن القول في تحليل وتقييم ما قامت به الزهراء على فراش المرض وإلقائها لهذه الخطبة الغرّاء: إنّ القضيّة الاُولى التي تمّ تناولها في هذه الخطبة هي حماية الولاية والإمامة، والثانية هي الدفاع عن الإسلام. لكنّه ثمّة بعد آخر أكثر عمقاً لهذا التحرّك. فالمرء قد يخرج أحياناً إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن الإسلام، لكنّك إذا فتّشت في أعماق قلبه وجدت أنّ الخوف من النار، ورجاء الثواب، والشوق إلى الجنّة والحور والقصور هو الذي دفع به إلى الجهاد. فهل كان دفاع أئمّتنا المعصومين ولاسيّما شخص الزهراء (صلوات الله عليهم أجمعين) عن الإسلام مجرّد أداء لتكليف شرعيّ يا ترى، أم كان ينطوي على أمر أعمق؟ في الحقيقة كان البعد الأشدّ غوراً لهذا الموقف هو الرأفة بالناس والشفقة عليهم. فقد كانت الزهراء (سلام الله عليها) تعلم علم اليقين أنّ حرمان الناس من هذا الدين يعني ابتلاءهم بالتعاسة والشقاء في الدنيا، وتورّطهم بالعذاب الإلهيّ الأبديّ في الآخرة. ومن هنا فقد سعت إلى هداية الناس ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فلقد تجسّد في كيان الزهراء (سلام الله عليها) جوهر وجود ذلك الرجل الذي يقول الباري سبحانه وتعالى في وصفه: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ»1. ولذا كانت الزهراء (عليها السلام) تحاول جهدها حتّى آخر نفس من أنفاسها أن تعرّف - ولو شخصاً واحداً - بالحقّ وتهديه إلى سواء السبيل وتنقذه من غياهب الضلالة والعناد وحبّ الدنيا. إذن فقد كان للزهراء (سلام الله عليها) لبيان هذه الحقائق - في الواقع - ثلاثة دوافع هي في طول بعضها؛ الأوّل هو قضيّة الدفاع عن الإمامة، والثاني هو الذود عن حياض الإسلام، والثالث هو الحرص على دين الناس والشفقة عليهم؛ فلقد كانت من الشفقة عليهم إلى درجة السعي لاغتنام أيّ فرصة من أجل هدايتهم.

الشكوى من انعدام النخوة وفقدان المروءة

«لمّا مرِضت فاطمة (سلام الله عليها) المرضة التي تُوفّيت فيها دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعُدْنها فقلن لها: كيف أصبحت من علّتك يا ابنة رسول الله؟». وكان باستطاعتها (عليها السلام) أن تجيب على سؤالهنّ عن حالها باختصار وتنهي الموضوع بكلّ بساطة، لكنّها اغتنمت الفرصة وأجابت عن سؤالهنّ عن أحوالها بخطبة: «فحمدت الله وصلّت على أبيها» كما هو متعارف في الخطب الإسلاميّة، «ثمّ قالت: أَصْبَحْتُ وَاللهِ عَائِفَةً لِدُنْيَاكُنَّ، قَالِيَةً لِرِجَالِكُنَّ»؛ لقد أصبحت تاركة لدنياكنّ متنفّرة ومتذمّرة منها أشدّ التنفّر والتذمّر، وساخطة أعظم السخط على رجالكنّ (حيث إنّ المسؤوليّة الرئيسيّة لما وقع كانت في أعناق الرجال ولم تكن النسوة مسؤولات عن ذلك بشكل مباشر). «لَفَظْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُم» (وها هي (سلام الله عليها) تلجأ مرّة اُخرى إلى استخدام تعابير غاية في البلاغة يعجز اللسان عن إعطائها حقّها وبيان عمقها الأدبيّ). فالعرب إذا أرادوا اختبار سلامة التمرة قبل أكلها فإنّهم يعضّونها بأسنانهم لفحصها؛ ويقال لمن يفعل ذلك: إنّه «عَجَمَ» التمرة. فالزهراء (سلام الله عليها) تقول: لقد اختبرت رجالكنّ لأرى كيف هم، ففهمت من الاختبار الأوّل أنّهم فاسدون، فلَفَظْتهم من فمي؛ أي نبذتهم من فمي وطرحتهم. وإنّما يقال للفظ إنّه «لفظٌ» لأنّه عبارة عن هواء يخرج من الفم عن النطق. «وَسَئِمْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُم». فتارة لا ينظر المرء عند شراء الشيء إلاّ إلى ظاهره، لكنّه تارة اُخرى يقلّبه ويتفحّصه بدقّة كي يعلم جودته من عدمها فيقال: إنّه «سَبَرَه» وهو تفحّص أعماق الشيء. تقول فاطمة (عليها السلام): لقد سئمت رجالكنّ ومللتهم بعد أن اختبرتهم بتمعّن وتفحّص.
تنفرد كلّ لغة بتعابير خاصّة لبيان تنفّر المرء وملله من شيء معيّن، ومنها اللغة العربيّة التي تتضمّن هي الاُخرى ألفاظاً بليغة في هذا الجانب وقد استخدمت فاطمة الزهراء (عليها السلام) للإفصاح عن نفرتها وسأمها من رجال تلك النسوة تعابير قد استُخدم بعضها في القرآن الكريم أيضاً؛ فالباري عزّ وجلّ يستعمل كلمة «بعداً» في حقّ قوم عاد وثمود، عندما يقول: «أَلا بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ»2 «أَلا بُعْداً لِّثَمُودَ»3 وهي تعطي معنى اللعن؛ لأنّ الرجل إذا لُعِن فقد طُرد من رحمة الله تعالى، وهو نفس المعنى الذي تعطيه كلمة «بعداً». وقد تُستعمل للتعبير عن هذا المعنى تعابير اُخرى مشابهة لذلك الذي اختارته الزهراء (سلام الله عليها) هنا عندما قالت: «فَقُبْحاً لِفُلُولِ الْحَدِّ» أي قبحاً للسيف إذا كَلّ ولم يَعُد يقطع بعد أن كان حادّاً قاطعاً؛ ومعناه: كم هو قبيح أن نرى السيف قد أصبح كليلاً وغير قاطع عندما نكون بحاجة إليه للجهاد. وتابعت (عليها السلام): «وَاللَّعِبِ بَعْدَ الْجِدّ»؛ أي قبحاً للمزاح في الأمر المهمّ والخطير بعد اتّخاذ قرار جدّي؛ ومعناه: إنّكم قد اتّخذتم الإسلام، الذي هو عامل حياتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة والذي يتعيّن عليكم التعامل معه بكلّ جدّ وحزم – اتّخذتموه لهواً ولعباً. «وَقَرْعِ الصَّفَاةِ» فالذي يرغب بأن يُفتح له الباب عليه قرع مطرقته، وإنّ من الحماقة بمكان قرع صخرة صمّاء بدلاً من الباب. تريد الزهراء (سلام الله عليها) القول: إنّ الله قد جعل لكم باباً من الرحمة وإنه ينبغي لكم قرع تلك الباب كي تنهال عليكم رحمته. لكنّكم وبدلاً من قرع باب رحمة الله رحتم تقرعون صخرة صمّاء لا تنفعكم بشيء، وعوضاً عن طرق باب العلم، والرحمة، والسعادة، فإنّكم لجأتم إلى من هو أشبه بالصخرة فلا يُفتح لكم بابه مهما طرقتموه. «وَصَدْعِ الْقَنَاةِ» إنّ ذلك الرمح الذي شحذتموه في الماضي وكان يجب أن تستخدموه الآن قد فقد قدرته وكفاءته. «وَخَتلِ الآرَاءِ وَزَلَلِ الأَهْوَاء» فلقد أخطأتم في جميع آرائكم وأمعنتم في الانغماس في أهوائكم؛ فعوضاً عن السير في إثر الحقّ سرتم خلف أهوائكم، وبدلاً من إبدائكم للرأي الصواب رحتم تبدون الآراء الفاسدة. فأيّ رجاء أرجوه فيكم بعد اليوم؟
ثمّ تقول مقتبسة كلامها من الآية الثمانين من سورة المائدة: «وَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ». وقد امتازت الآيات التي استشهدت بها الزهراء (عليها السلام) في خطبتها بالشدّة واللهجة اللاذعة والقاسية ممّا يحكي عن عمق فراستها (سلام الله عليها) واستشرافها لتبلور تيّار بدأت بوادره تظهر في السقيفة لكنّه استمرّ فيما بعد. فاستشهادها (عليها السلام) بتلك الآيات يشير إلى أنّ هذه الحركة حتّى إذا لم تكن كفراً بالفعل فإنّ طبيعتها توحي بأنّها ستنتهي إلى الكفر لا محالة. فقد أرادت (سلام الله عليها) أن تقول باقتباسها لهذه الآية: «أيّ ذخيرة غير مباركة ادّخرها رجالكنّ لأنفسهم! إنّها ستكون سبباً لسخط الله عليهم سخطاً يخلّدهم في العذاب». ونحن نعلم أنّ الخلود في العذاب إنّما يكون للكافر، وأنّ المؤمن مهما عُذّب فإنّ عذابه يكون مؤقّتاً. نفهم من ذلك أنّ مولاتنا (عليها السلام) أرادت باقتباسها لهذه الآية أن تقول: «إنّ مرتكبي هذا العمل اُناس خارجون عن الدين، أو – على أقلّ تقدير – قد سلكوا طريقاً ينتهي بهم إلى الكفر».
«لا جَرَمَ لَقَدْ قَلَّدْتُهُمْ رِبْقَتَهَا» نتيجة لما أبداه هؤلاء من تصرّف فإنّني من جهتي قد وضعت حبل الخلافة حول رقبة هذا البعير. «وَحَمَّلْتُهُمْ أَوْقَتَهَا» ووضعت حملها الثقيل على ظهور هؤلاء القوم، «وَشَنَنْتُ عَلَيْهِمْ غَارَاتِهَا» ونهضت لمقارعتهم، «فَجَدْعاً، وَعَقْراً، وَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»؛ وهنا أيضاً تستفيد (سلام الله عليها) من تعابير هي ممّا يُستخدم في باب الدعاء على الشخص ولعنه، قد تكون بعضها غريبة على الأدب الفارسيّ. فمن عادة العرب أن يقولوا عندما يريدون الدعاء على أحد: «جدعاً»؛ أي جدع الله أنفك، و«عقراً» والعقر هو قطع إحدى قوائم البعير بالسيف أو غيره ليسقط، «وبعداً»؛ أي سلّط الله على هؤلاء القوم الظَّلَمة البعيدين عن رحمة الله منتهى الخزي والمذلّة.

الدفاع الصريح عن الولاية

ثمّ قالت: «وَيْحَهُمْ! أَنَّى زَعْزَعُوهَا عَنْ رَوَاسِي الرِّسَالَةِ، وَقَوَاعِدِ النُّبُوَّةِ وَالدَّلالَةِ، وَمَهْبِطِ الرُّوحِ الأَمِينِ، وَالطَّبِينِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّين»؛ الويل لهم! إذ زحزحوا حمل الخلافة عن مكانه وحرفوه عن مسيره وجعلوه في موضع لا يُؤْمَن عليه فيه ولا يصلح لاستقراره. وفي هذا القول دليل على أنّ غاية الزهراء (عليها السلام) من خطبتها السابقة كانت إثبات عدم أهليّة المتصدّين للخلافة لها، فقد أرادت إفهام الناس أنّ هؤلاء لا يصلحون لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بتاتاً، وحتّى لو افترضنا جدلاً بأنّ للناس الحقّ في انتخاب الإمام عليهم، فبئس الاختيار لهذا الذي اختاروه.
لقد شبّهت الزهراء البتول (عليها السلام) مقام الرسالة وشؤونها بالجبال الشُمّ حين قالت: «إن خلافة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) منزلتها الجبال الشامخة للرسالة لكنّ القوم رموها في قعر واد سحيق. فهذا المنصب لا يستحقّه إلاّ اُولئك العارفون بمصالح الرعيّة في دينهم ودنياهم حقّ المعرفة.«أَلا ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ»4 وهذا خسران بيّن واضح؛ فقد اختار الله عزّ وجلّ لتلك النعمة العظيمة موضعاً مناسباً ورفيعاً كي تنهلوا أنتم من معينها إلى أبد الآبدين وتعمروا بها ليس دنياكم فحسب بل وآخرتكم أيضاً، لكنّكم قد فرّطتم بهذا الفعل بدنياكم وآخرتكم معاً. فهل من خسران أكبر من هذا الخسران؟
وسنكمل ما تبقّى من الخبطة في المحاضرات القادمة إن شاء الله تعالى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة التوبة، الآية 128.

2. سورة هود، الآية 60.

3. سورة هود، الآية 68.

4. سورة الزمر، الآية 15.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org