بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 1 حزيران 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

ماذا لو أصبح علي عليه السلام حاكما؟

تلوت على مسامعكم في المحاضرة الفائتة جانباً من خطبة الزهراء (سلام الله عليها) التي ألقتها في جمع نساء المهاجرين والأنصار وقدّمت لما قرأته شرحاً موجزاً بمقدار ما أسعفني التوفيق لذلك. وقد بلغنا منها تلك العبارة التي تقول (عليها السلام) فيها: «وَمَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام)؟ نَقَمُوا وَاللهِ مِنْهُ نَكِيرَ سَيْفِهِ، وَقِلَّةَ مُبَالاتِهِ لِحَتْفِهِ، وَشِدَّةَ وَطْأَتِهِ، وَنَكَالَ وَقْعَتِهِ، وَتَنَمُّرَهُ فِي ذَاتِ اللهِ ...».

الحاكم المثاليّ

بعد أن أتمّت فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) في الأيّام الأخيرة من عمرها الحُجّة على الناس وعلى المتصدّين للخلافة من دون الوصول معهم إلى نتيجة أرادت في هذا المجلس أن تبيّن علّة تخلّي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام). ومن أجل فهم العلّة من وراء ترك الناس لأمير المؤمنين (سلام الله عليه) ومبايعة غيره علينا بادئ ذي بدء تقديم هذه المقدّمة وهي: ما الذي تتوقّعه الرعيّة من الحاكم؟ ومن هو الحاكم المثاليّ؟
القسم الأوّل من الامور التي تطلبها الرعيّة من الحكومة هي اُمور عامّة يتوقّعها كلّ شعب - مهما كانت اتّجاهاته الفكريّة والعقائديّة - من زعيمه، ومنها تنفيذ القانون الذي أقرّه الشعب بشكل صحيح، والذي من لوازمه معاقبة الخارجين عن هذا القانون. فأفراد المجتمع ينتظرون من الحاكم محاكمة ومعاقبة مَن يتمرّد عمداً على القانون ويتجاوز على حقوق الآخرين. كما وإنّ من مطالبات الشعب العامّة من حاكمه هو أن يكون الأخير رؤوفاً بعامّة الرعيّة وطالباً لخيرهم في الظاهر والباطن. ومنها أيضاً أن لا يفكّر الحاكم بنفسه وأن يفكّر جدّياً بتأمين مصالح المجتمع وخدمة الرعيّة، لا أن يسعى لكنز الثروة وجمع الامتيازات لنفسه.
هذا النمط من المطالبات يطالب به كلّ شعب من حكومته، ويكون الحاكم مثاليّاً بالنسبة لكافّة المجتمعات البشريّة إذا توفّرت فيه هذه الخصوصيّات. أمّا المجتمع الإسلاميّ فإنّه - مضافاً إلى ما سبق - ينتظر من حاكمه صيانة القيم الإسلاميّة وإشاعتها على صعيد المجتمع؛ أي أن يجعل الرعيّة تسير على صراط التوحيد القويم ويجتهد في أن لا يُبتلى أفراد الاُمّة بضروب البدع والآفات الفكريّة والانحرافات العقائديّة. فإذا انتهج الحاكم - في مقام العمل - سبيل التسامح واللامبالاة ولم يتعاط مع هذه القضايا بجدّية كبيرة فسينقسم الناس حيال ذلك إلى طائفتين عادةً؛ فالظلمة والمتجاوزون على حقوق العباد والذين يسيؤون التصرّف ببيت المال سيستبشرون ويرضون عن الحاكم إذا أمنوا من جانبه العقاب ولاحظوا منه انعدام الحزم في التعامل مع تجاوزاتهم. أمّا سائر الناس فإنّهم عندما يشاهدون الحيف الذي ينزل بهم والحقوق التي تضيع منهم فسيستاءون ولا يرضون عن هذا الحاكم. فحينما تؤمَّن مصالح المتنفّذين وأصحاب الثروات ورؤوس الأموال فإنّهم سيحاولون بشتّى الحيل والوسائل إقناع الآخرين وإلهاءهم عن مزاحمتهم وخلق المشاكل لهم؛ وهي أساليب تشاهَد في كلّ بلد من بلدان العالم، وقد لا يتسنّى العثور في هذه الدنيا على بلد لا تُستخدم فيه تلك الحيل والأساليب الشيطانيّة؛ ذلك أنّه لا يخلو بلد من وجود فئة من الخواصّ والنُّخب يلتفّون حول حاكمه الذي يكون بحاجة إلى آرائهم، ومساعداتهم الماليّة، وما يتمتّعون به من نفوذ وسلطة. ولهذا تكون أياديهم مطلقة في التصرّف ببيت المال كيفما شاءوا، ولكي لا تثور الشعوب عليهم فإنّهم يحاولون إلهاءها بكلّ الوسائل المتاحة. وهذا الوضع أضحى عاديّاً وطبيعيّاً في العديد من الحكومات والبلدان. أمّا الدين الإسلاميّ فهو لا يرضى بذلك.

حكومة عليّ عليه السلام نموذج للحكومة الإسلاميّة

لقد أعطى عليّ (عليه السلام) المثل الأعلى للحاكم الإسلاميّ، ولولا حكومته لما توفّر الآن في أيدينا اُنموذج للحكم الإسلاميّ الحقيقيّ.
عندما وجّه الصحفيّون الأجانب في فرنسا للإمام الخمينيّ الراحل (قدّس سرّه) سؤالاً عن نمط الحكومة التي يعتزم تشكيلها إذا انتصر في مقارعته لشاه إيران ونجح في إسقاطه، أجاب سماحته: «سأشكّل حكومة مشابهة لحكومة عليّ (عليه السلام)». فالعدوّ والصديق في جميع أقطار العالم وأكنافه يعلم عن عدل عليّ (سلام الله عليه)، فلقد كانت حكومته اُنموذجاً يُحتذى على طول تاريخ البشريّة. فالحاكم العادل الحقيقيّ - حسب الرؤية الإسلاميّة - هو الرجل الذي يكون حازماً في تعامله مع المتعدّين، ولا يتّخذ مع الظلمة جانب اللين والمداهنة والتسامح، ولا يميل في حكمه إلى قومه وعشيرته وحزبه، ...الخ، بل يقيم الحقّ أينما كان. هذا هو نموذج الحكم الإسلاميّ المثاليّ.
لقد عرف الناس عليّاً (عليه السلام) حقّ المعرفة؛ فلقد شاهدوا عدم مفارقته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) طرفة عين طيلة ثلاث وعشرين سنة من عمر الرسالة وخبروا سلوكه وتصرّفاته عن كثب. فلقد علم الجميع أنّ عليّاً لا يلين أمام الحقّ وفي مقابل الحكم الإلهيّ، وأنّ القريب والغريب عنده سواء عند إقامة الحقّ. إذن فالناس قد عرفوا عليّاً (سلام الله عليه) بهذه الصفات وعلموا أنّه ليس ممّن يسعهم خداعه أو استغلاله لأغراضهم.

عيب عليّ عليه السلام سجاياه الحسنة

تقول الزهراء (سلام الله عليها) في هذا المقطع: «إنّ العلّة من وراء عدم تأييد عامّة الناس لعليّ (عليه السلام) هو سجاياه الحسنة، وإلاّ فليس بوسع المرء العثور على أيّ عيب فيه». فأيّ امرئ كان يعرف الإسلام أكثر من عليّ (عليه السلام)؟ ومَن من الناس كان يفوق عليّاً (عليه السلام) عطفاً وشفقة على الضعفاء والأيتام والفقراء والأرامل؟ فالجميع كانوا يعلمون أنّ عليّاً (سلام الله عليه) لم يكن يتحمّل دمعة يتيم. لقد شاهدوا باُمّ أعينهم كيف أنّه (عليه السلام) كان يحفر الجداول ويزرع بساتين النخيل ثمّ يوقفها للفقراء من دون أن ينتفع هو منها، بل كان يبيت هو وأطفاله وعياله جياعاً بعد أن يدفعوا ما عندهم من قليل الطعام إلى سائل. فقد يقول قائل: إنّ هذه لصفات حسنة للغاية وإنّ أيّ اُمّة ستحبّ زعيمها إذا اتّصف بهذه السجايا. إذن فلماذا أقصوا عليّاً (عليه السلام) عن مسند الخلافة؟
أجل فالناس كانوا قد عرفوا عليّاً (سلام الله عليه) حقّ المعرفة، غير أنّ خواصّ القوم كانوا يطلبون منه أن يحسب لهم حساباً خاصّاً يختلف عن عامّة الرعيّة، لكنّ عليّاً لم يكن من هذا الصنف من الرجال. فعليّ (عليه السلام) كان من ذلك النمط الذي عندما جاءه أخوه الفقير يطلب منه زيادة سهمه من بيت المال قرّب من يده حديدة مُحماة تذكيراً له بعذاب الله الأليم. إذن فلقد أحسّ القوم من عليّ (عليه السلام) أنّه ليس من الصنف الذي يسعهم التفاهم معه. فكانوا على استعداد لأن يتغاضوا عن كلّ حسنات عليّ (عليه السلام) وسجاياه الحميدة ويضعوا أيديهم بيد من يحسب لهم حساباً خاصّاً.
تقول فاطمة (سلام الله عليها): «وما الذي نَقَموا من أبي الحسن (عليه السلام)»؛ ما هو العيب الذي كان في عليّ (عليه السلام) كي ينفضّوا من حوله؟! ومن باب الاحترام فقد كانت (عليها السلام) تذكر أمير المؤمنين بكنيته. «نقموا والله منه نكير سيفه، وقلّة مبالاته لحتفه»؛ فإنّ العيب الذي أخذوه على عليّ (عليه السلام) هو أنّ أحداً لم يكن يصمد أمام سيفه في ساحة الوغى. فلقد شاهدوا كيف أنّه (عليه السلام) لا يخاف الخطر أو القتل عندما تحين ساعة النِزال. «وشدّة وطأته»؛ فقد كان يخطو بثبات وعزم، لا بتسامح ومداهنة. «ونكال وقعته»؛ فإن أنزل العقاب بأحد فإنّ ضربته تكون شديدة تلقّن درساً قاسياً. «وتنمّره في ذات الله»؛ وهذا تعبير بليغ وظريف للغاية وهو مشتقّ من «النمر»؛ فالعرب تعتقد بأنّ النمر يمتاز من بين السباع بصفة خاصّة وهي أنّه يكون دائم الغضب ومتأهّباً للنزال على الدوام. ومن هنا فإنّهم يطلقون صفة التنمّر على الرجل إذا كان دائم التأهّب للقتال ولا يُؤخَذ على حين غِرَّة. وعبارة «تنمّره في ذات الله» تعني أنّه عندما يتعلّق الأمر بالله عزّ وجلّ يكون عليّ (سلام الله عليه) على أتمّ الاستعداد ويتعاطى مع التكاليف الإلهيّة بحزم كامل لا يلين. وهذا هو العيب الذي أخذه الناس على عليّ (عليه السلام) إذ ما كان لهم أن يطيقوا ذلك منه. فلقد حدث أن كان أمير المؤمنين (سلام الله عليه) مرّة على رأس سريّة في مهمّة خاصّة فلمّا رجعوا جاء بعضهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشكوا إليه حزم عليّ (عليه السلام) وشدّته، فكان جواب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهم أن قال: «ارفعوا ألسنتَكم من شكاية عليّ فإنّه خَشِن في ذات الله»1؛ فعندما يتّصل الأمر بالله جلّ شأنه وبحكمه فإنّه لا يُبدي (عليه السلام) من جانبه أيّ تهاون أو لين، وإذا تعلّق الموضوع بحقوق الرعيّة فلا يغضّ الطرف عن شيء قيد أنملة، بينما إذا ارتبطت المسألة بحقّه الشخصيّ فإنّك تراه يتغاضّى عن كلّ شيء.

سيرة عليّ عليه السلام هي السبيل الوحيد لسعادة البشر

«وَتَاللهِ لَوْ مَالُوا عَنِ الْمَحَجَّةِ اللاّئِحَةِ وَزَالُوا عَنْ قَبُولِ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ لَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا»؛ فوالله لو انحرفت الاُمّة وزاغ الناس عن السبيل القويم لأرجعهم عليّ (عليه السلام) إلى جادّة الحقّ ولم يذرهم ينحرفون عنها. فالانحراف في الرأي أو النهج - سواء أكان عن سهو أو عن عمد - قد يصيب أيّ مجتمع وإنّها لفضيلة عظيمة تُسجَّل للحاكم إذا تمكّن من ردع المجتمع عن الزيغ عن سبيل الحقّ. «وَلَسَارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً»؛ و«السير السُّجُح» هو حركة البعير بهدوء بالغ بحيث لا يؤذي راكبه. فالإبل في ذلك الزمان كانت المركب المناسب الذي يستخدمه العرب في أسفارهم البعيدة. وعندما تنطلق القافلة فإنّ سائق الإبل هو الذي كان يتولّى تنظيم حركتها والحرص على عدم إيذائها لراكبيها، فيحثّها على الإسراع في السير إذا لزم الأمر الإسراع ويحدّ من سرعتها إذا كان الإبطاء ضروريّاً. تقول الزهراء (سلام الله عليها) في هذه الجملة: «لو أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الذي أخذ بزمام الحكومة لساق قافلة إبل الاُمّة بحيث لا تتخلّف الرعيّة عن القافلة من ناحية، ولا يصابون بتعب السفر أو نصبه من ناحية اُخرى، وسيبلغون مقصدهم بكلّ يسر من ناحية ثالثة. «لا يَكْلُمُ حِشَاشُهُ»؛ فقد جرت العادة عند القدماء أن يجعلوا رباطاً في أنف البعير للسيطرة على حركته، فالراكب يوجّه البعير إلى الوجهة التي يشاء من خلال تحريك هذا الرباط. لكنّ البعض كانوا يسحبون الرباط بشدّة إذا أرادوا توجيه البعير فيجرحون بذلك أنفه، أو يركلون بأرجلهم فخذي البعير وجنبيه بعنف فيصاب فخذه بالكدمات والجروح لاسيّما في الأسفار الطويلة التي تستمرّ أيّاماً ويتواصل معها ركل جنبي البعير. قصد مولاتنا الزهراء (عليها السلام) من هذا التشبيه أنّه: لو أنّهم تركوا أزمّة إبل الخلافة لعليّ (سلام الله عليه) لساقها إلى المقصد بكلّ هدوء وسلاسة من دون أن يتسبّب في إيذائها إو إيذاء راكبيها: «وَلا يَكِلُّ سَائِرُهُ، وَلا يُمَلُّ رَاكِبُه»؛ فلا الإبل تتخلّف عن القافلة، ولا راكبها يصيبه الإعياء والضجر. «وَلأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلاً نَمِيراً صَافِياً رَوِيّاً تَطْفَحُ ضَفَّتَاهُ، وَلا يَتَرَنَّقُ جَانِبَاهُ، وَلأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً». فمصادر مياه الشرب كانت تحوز أهمّية بالغة عند العرب في ذلك الزمن. فقد كان سكّان البادية يعيشون في صحراء قاحلة وكان بالقرب من مقرّ كلّ قبيلة ينبوع ماء أو واحة تتجمّع فيها مياه الأمطار يستخدمها أفراد تلك القبيلة كمصدر للمياه. تقول فاطمة البتول (عليها السلام): «لو أنّ عليّاً تسلّم زمام الحكومة لسار بالناس بكلّ هدوء وطمأنينة ولأوصلهم في الموعد المناسب إلى ينبوع ماء ليس ماؤه بالملوّث بل هو صاف زلال على الدوام يتدفّق ويفور ويطفح من ضفّتيه فيشرب منه أفراد القافلة حتّى يرتووا. فإنّ عليّاً (عليه السلام) إذا قاد الاُمّة وتزعّمها فانّه لا يبقى في الاُمّة ضمآن».
«وَنَصَحَ لَهُمْ سِرّاً وَإِعْلاناً». سبق أن قلنا إنّ الزعيم المثاليّ هو ذلك الذي يكون رؤوفاً بالرعيّة بكلّ ما في الكلمة من معنى ولا يشغله شاغل غير خدمتهم في السرّ والعلانية؛ وعليّ (سلام الله عليه) كان كذلك. «وَلَمْ يَكُنْ يَتَحَلَّى مِنَ الْدُّنْيَا بِطَائِلٍ»؛ فمن صفات الحاكم المثاليّ الاُخرى هي عدم تفكيره بنفسه أو ادّخار شيء له. فعليّ (عليه السلام) كما تقول سيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) لم يكن يقتني شيئاً من فَضْل الدنيا وزينتها. «وَلا يَحْظَى مِنْهَا بِنَائِلٍ غَيْرَ رَيِّ النَّاهِلِ وَشُبْعَةِ الْكَافِلِ»؛ ولم يكن يمدّ يده إلى بيت المال إلا بمقدار جرعة ماء يروي بها ضمأه وقليل من الطعام يسدّ به رمقه. «وَلَبَانَ لَهُمُ الزَّاهِدُ مِنَ الرَّاغِبِ، وَالصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ» وعندها سيمتاز الزاهد الحقيقيّ عن طالب الدنيا ويتبيّن الذي يدّعي الحقّ من صاحب المزاعم الجوفاء الكاذبة. ثمّ تستشهد (سلام الله عليها) بقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ»2؛ فالسنّة الإلهيّة تقضي بأنّه إذا أصبح أهل البلدان (المجتمعات البشريّة) من أهل التقوى والإيمان (أي اعتقدوا بالمعتقدات الصائبة وتقيّدوا بالقيم) فسيُنزل عليهم الله في هذه الدنيا بركات من السماء والأرض. لكنّهم – مع الأسف – قد كذّبوا عوضاً عن الإيمان. ولهذا فإنّنا سنعاقبهم بما اجترحوا من السيّئات. يقول الباري عزّ وجلّ هنا: «إذا أصبح المجتمع من أهل التقوى» أي هذا الحكم وهذه السنّة ترتبط بالمجتمع لا بالفرد. فقد يكون في المجتمع بعض الصالحين، لكنّه إذا فسد المجتمع فإنّ الله سيُنزل العقاب بكلّ المجتمع.
«وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ»3. كم هو جميل هذا الربط! فالزهراء (سلام الله عليها) تستشهد بالآية السابقة كقاعدة كلّية وتجعلها كُبرى القياس ثمّ تشير بعدها مستخدمة اسم الإشارة «هؤلاء» إلى مجتمع عصرها. بمعنى: حتّى هؤلاء القوم فإنّهم إذا ظلموا فستحيق بهم عواقب أعمالهم ولن يستطيعوا أن يُعجِزوا الله كي يكفّ عن تطبيق سننه. الإشارة إلى هذه الآية يحمل عبرة عميقة وضرباً من التنبّؤ بالمستقبل؛ ومعناها: استناداً إلى هذه الآية الشريفة فإنّ العذاب الإلهيّ سيحيق بأفراد هذا المجتمع لا محالة بسبب تخلّفهم عن حكم الله تعالى، وإهمالهم له، ونقضهم لبيعتهم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. إعلام الورى بأعلام الهدى، ص131.

2. سورة الأعراف، الآية 96.

3. سورة الزمر، الآية 51.

 

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org