بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 15 حزيران 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

واقعة غصب الخلافة من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام

الإنذار الأخير

لقد مرّ علينا عام ونحن منشغلون بشرح الخطبة الفدكيّة لفاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وقد كرّسنا الجلسات الأخيرة للحديث عن خطابها الذي وجّهته لنساء المدينة اللواتي أتين لعيادتها. فعندما شعرت الزهراء (عليها السلام) بعد كلّ ما قدّمته من موعظة وبيّنته من حقائق أنّ كلامها لن يكون له وقع في نفوس الناس وأنّهم لن يحملوه على محمل الجدّ قرّرت (سلام الله عليها) أن تطلق آخر سهم بقي في جعبتها، ألا وهو الإنذار ممّا ينتظر عمل الإنسان من سوء العواقب الدنيويّة.
فمن بين الطرق المتَّبَعة في عمليّة الإرشاد والدعوة تأتي «البشارة» بعنوان كونها الطريقة المثلى والتي عادةً ما تُتَّبع في بادئ الأمر كي تسهم في جلب انتباه المخاطب. فرسل الله تعالى يكونون في البداية «رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ»1 يذكّرون الناس بما يترتّب على الإيمان والعمل الصالح واتّباع الدين الحقّ من الآثار الحسنة. ثمّ تأتي الطريقة التالية في الأهمّية من حيث التأثير بعد البشارات والمتمثّلة بالإنذار من عذاب الآخرة. أمّا بالنسبة لضعيفي الإيمان فحتّى الإنذار من العذاب الاخرويّ لا يكون ذا أثر كبير فيهم؛ ومن هنا فإنّ آخر ما يؤثّر في أمثال هؤلاء هو الإنذار ممّا يمكن أن تتسبّب به المعصية من تبعات دنيويّة؛ ذلك أنّ أثر التخويف من مصائب الدنيا وأهوالها يكون أشدّ على ذوي الإيمان الضعيف من التخويف من عذاب الآخرة. وهذا ما جعل الزهراء (سلام الله عليها) تقول في ختام حديثها لنساء المدينة: «لقد حقّقتم ما صبوتم إليه وأنتم راضون فرحون بفعلكم، لكن اعلموا أنّه لن يمضي زمن طويل حتّى تحلبوا من هذه الناقة بدل اللبن الطازج دماً عبيطاً وسيُسَلّط عليكم من لا يرحمكم». إذ من المسلّم أنّه عندما ينتاب الاُمّة انحرافٌ مّا ويتولّى قيادة سفينتها اُناس يفتقدون الأهليّة العلميّة لذلك من جهة، ويفتقرون إلى اللياقة الأخلاقيّة والمعنويّة من جهة اُخرى، ولا يتمتّعون بالمشروعيّة من جانب الله عزّ وجلّ من جهة ثالثة فإنّ مصير هذه السفينة سيكون معروفاً.

السواد الأعظم من الناس في عمليّة غصب الخلافة

هناك قرائن كثيرة تشير إلى أنّ الأكثريّة الساحقة من الناس في ذلك العصر كانوا يفتقرون إلى البصيرة في الاُمور الاجتماعيّة وكانوا مبتلين بسطحيّة التفكير، وسرعة الانخداع. فلعلّ الكثير ممّن ارتكبوا هذه الخطيئة العظمى لم يكونوا يدركون ما يصنعون، وكانوا يظنّون أنّها حرب قبليّة بين قبيلتين. فجُلّ ما كان يفكّر به الناس في ذلك العصر هو ما سيصيبونه من فائدة وربح جرّاء تلك الصراعات والنزاعات. ولربّما كانوا يعلمون إجمالاً بأنّهم يقترفون خطيئة، لكنّهم لم يكونوا يدركون فداحة العواقب المترتّبة على هذا العمل والمسؤوليّة الجسيمة التي سيتحمّلونها بسببه إلى يوم القيامة. لكن كان هناك - في نفس الوقت - أشخاص يمتازون بحدّة الذكاء والدهاء المفرط وقد لا يقلّ ذكاؤهم ودهاؤهم في انحرافهم واعوجاجهم عمّا يتمتّع به بعض الدهاة من ساستنا المعاصرين. فإنّ التأمّل في بعض الوثائق يوحي بأنّ هؤلاء كانت لهم اليد الطولى في حياكة المؤامرات ورسم الدسائس. فرغم قلّة عددهم فقد كانوا يضعون من الخطط ما يجعل الغالبيّة العظمى من الناس ينخدعون ويتّبعونهم.
إذن فنحن ندّعي أمرين: الأوّل هو أنّ هذا العمل كان غاية في الضخامة والخطورة وأنّ آثاره السيّئة ستستمرّ إلى يوم القيامة، وأنّ كلّ من وضع حجر الأساس لهذه القضيّة ولعب دوراً بارزاً فيها فهو شريك في هذا العمل. أمّا ادّعاؤنا الثاني فهو أنّ الأغلبيّة الساحقة من الناس في ذلك العصر لم يدركوا مدى خطورة هذا الفعل.
قد يقول قائل: إذا كانت الغالبيّة العظمى من الناس تجهل عاقبة هذا الفعل إذن فإنّ ذنبهم ليس عظيماً. ويتعيّن القول ردّاً على ذلك: لا ريب أنّ ذنب هذه الفئة لا يوازي ذنب تلك الثلّة القليلة التي تصدّت لهذا العمل، لكن – في الوقت نفسه – لا يعني ذلك أنّ هؤلاء لا يتحمّلون أيّ مسؤوليّة أو تقصير؛ ذلك أنّ القضيّة - أوّلاً - كانت على جانب من الوضوح بحيث لو تأمّل بها أيّ امرئ جيّداً وحلّلها تحليلاً منصفاً فسيصل إلى نتيجة مقنعة. فلو افترضنا أنّ البعض لم يكن يدرك أهمّية مسألة الخلافة، لكن ألم يبذل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من الجهود في التعريف بأهل البيت (عليهم السلام) وتقديمهم على أنّهم اُناس معصومون لا سبيل إلى الخطأ إليهم وأنّ قولهم وفعلهم حجّة للآخرين ممّا لا يدع مجالاً لأيّ أحد لإنكار هذه الخصال فيهم؟ لقد كان رسول الله يقف يوميّاً بباب منزل عليّ وفاطمة (عليهما السلام) ويقول: «السلام عليكم الصلاة يا أهل البيت، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس...»2. وبناء عليه فلو لم يكن اُناس ذلك العصر واعين بالفعل، كان بإمكانهم السؤال والتقصّي عن هذا الموضوع. فالعقل والنقل معاً يدلاّن على أنّه إذا كان بإمكان المرء السؤال والفحص عن قضيّة، ثمّ قصّر في ذلك فهو مسؤول قطعاً. كما أنّه يُقال للعالِم غير العامل في يوم القيامة: «أفلا عملت»؛ أي لماذا لم تعمل بعلمك؟ ويقال للجاهل: «أفلا تعلّمت»؛ أي لماذا لم تتعلم3؟
لقد نقل نساء المهاجرين والأنصار كلام الزهراء (سلام الله عليها) وشكاواها الكثيرة إلى رجالهنّ فأرسلوا إليها يعتذرون قائلين: نحن إنّما لم ندعمك ولم نقف إلى جانبك لأنّنا كنّا قد بايعنا شخصاً آخر. فلو أنّك سارعت قليلاً في طرح قضيّتك لكنّا وقفنا إلى جانبك! فأجابتهم (عليها السلام): إنّ عذركم غير مقبول بتاتاً. فإن كان نقض البيعة قبيحاً إلى هذا الحدّ فلماذا نقضتم بيعة الغدير إذن؟!

وصف المتحيّنين للفُرَص على لسان أئمّتنا (عليهم السلام)

قد يعترض أحدهم بالقول: «هذا تفسيرك الشخصيّ للاُمور وهو نابع من التعصّب؛ أمّا تفسير الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) لها فيختلف»! فإنّ إحدى الشبهات التي تشاع اليوم ضدّ التشيّع هي: «إنّ ما ينسبه الشيعة لمخالفيهم هو كلام ملَفّق ليس له أيّ أساس من الصحّة بل حتّى أئمّتهم لا يقبلون به أيضاً»! وأنا أرى من المناسب أن أطرح هذه المسألة في هذه المحاضرة (وهي الأخيرة من هذه السلسلة خلال هذا العام حتّى حلول شهر رمضان القادم) وهي أنّ قضيّة كون زعماء حادثة غصب الخلافة يعدّون شركاء في كافّة الجرائم التي ارتُكبت وتُرتكَب بعد ذلك التاريخ هي من المسلّمات عند أهل بيت العصمة والطهارة (صلوات الله عليهم أجمعين) بل لقد اُشير إلى هذه القضيّة في الزيارات المأثورة عنهم أيضاً؛ أذكر هنا - على سبيل المثال - مقاطع من الزيارة الجامعة لأئمّة المؤمنين التي نقلها المرحوم السيّد بن طاووس في «مصباح الزائر» والمرحوم الشيخ عبّاس القمّي في ملحقات «مفاتيح الجنان». إذ تطرح هذه الزيارة - من ناحية - تحليلات ترتكز على اُسس اجتماعيّة ونفسيّة لتاريخ ما بعد عصر الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وتبيّن الدوافع والعوامل التي تقف وراء الانحرافات الحاصلة في ذلك الزمن، وتقدّم - من ناحية اُخرى – وصفاً لما ارتُكِب في ذلك العصر من أخطاء جسيمة وما نتج عنها من تبعات.
تقول هذه الزيارة إنّ الإيمان الحقيقيّ لم يدخل إلى قلوب البعض في زمان النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بل كانت قلوبهم مملوءة بأقذار الشرك ومشحونة بأدران الكفر لكنّهم كانوا يتظاهرون بالإسلام. فعندما لحق المصطفى (صلّى الله عليه وآله) بربّه انتهجوا طريقة المباغتة وأخذوا المسلمين على حين غرّة واغتنموا فرصة غيابه (صلّى الله عليه وآله) كي ينفّذوا مآربهم الدنيئة: «القلوب المُنتِنَة من قذر الشرك والأجساد المُشحَنَة من دَرَن الكفر، أضبّوا على النفاق وأكبّوا على علائق الشقاق. فلمّا مضى المصطفى صلوات الله عليه وآله اختطفوا الغرّة وانتهزوا الفرصة». وهذا المقطع يدلّ على أنّ هذه الواقعة لم تحدث صدفة بل كان مخطَّطاً لها مسبقاً. ثمّ تقول الزيارة بعد قليل: «وأسرعوا لنقض البيعة» التي بايعوا بها في يوم الغدير «ومخالفة المواثيق المؤكَّدة» التي اُخِذت منهم. «فحُشر سِفْلَة الأعراب وبقايا الأحزاب إلى دار النبوّة والرسالة» فاجتمع الأراذل والأوباش من بقايا الأحزاب الذين ائتلفوا على ضرب الإسلام واجتثاث اُصوله بباب بيت الزهراء (سلام الله عليها). «حتّى نقضوا عهد المصطفى في أخيه عَلَم الهدى» فقد وصلت بهم الوقاحة وانعدام الحياء إلى درجة نقض البيعة التي أخذها منهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لأخيه عليّ بن أبي طالب (سلام الله عليه). «وجَرَحوا كبد خير الورى في ظلم ابنته واضطهاد حبيبته... وخذلوا بعلها... ونقضوا طاعته، وجحدوا ولايته... وقادوه إلى بيعتهم مُصلِتَةً سُيُوفَهَا مُقذِعَةً أسنَّتَها... يدعونه إلى بيعتهم التي عمّ شومها الإسلام»؛ فراحوا يسحبون عليّاً (عليه السلام) سحباً لأخذ البيعة لهم منه وسيوفهم مستلّة نحوه ورماحهم مُشرَعة في وجهه.
لقد طرح أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) هذه المسائل كي لا يتركوا مجالاً لنسيان هذه الحادثة وضياعها في خضمّ الشبهات. ومع ذلك فنحن نرى أنّ هناك من الشيعة من يطرح هذه الشبهات ويقول: هذه النُّقُول لا تتمتّع بالاعتبار. فالمسألة أساساً هي أنّ الناس في ذلك الحين أرادوا العمل بقواعد الديمقراطيّة، والنظر فيمن حصل على كمّ أكبر من الأصوات! فقد كتب أحد مَن يُصطلَح عليهم «الخبراء في الشؤون الإسلاميّة» ما يلي: لقد كان عليٌّ (عليه السلام) وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لكنّ وصايته كانت بهذا المعنى: وهو أنّ النبيّ قد رشّحه لمنصب الخلافة وقال: حسب رأيي فإنّه خليفة جيّد، لكنّ الرأي النهائيّ لكم؛ فلكم أن تنتخبوا من تشاءون!
إنّ غايتي من استعراض هذه المقاطع من الزيارة هو إبراز موقف أهل البيت (عليهم السلام) من هذه البيعة وتلك الحادثة.

الآثار المشؤومة للواقعة

تقول الزيارة في مقطع آخر: «يدعونه إلى بيعتهم التي عمّ شومها الإسلام». ثمّ تحصي الزيارة بتعبيرات اُخرى النتائج المترتّبة على هذه البيعة المشؤومة بالقول: «عَقَّتْ سلمانَها، وطردتْ مقدادَها، ونفتْ جُندَبَها، وفتقتْ بطن عمّارها»؛ فمن نتائج هذه البيعة أنّها أودت بسلمان إلى العزلة مع ما كان يتمتّع به من مقام رفيع، ونفت أبا ذرّ، وشقّت بطن عمّار. ومع أنّ هذه الوقائع قد حصلت على مدى أعوام من الزمن إلاّ أنّ جميعها تُعدّ من نتائج وآثار تلك البيعة. «وسلّطتْ أولاد اللعناء على الفروج والدماء». ثمّ تعرّج على قصّة يوم الحرّة حيث اجتاح جيش يزيد بن معاوية المدينة وأباح كلّ شيء فيها: «وأغارت على دار الهِجرة يوم الحَرَّة وأبرَزَت بنات المهاجرين والأنصار للنَّكال والسُّورَة»؛ أي هتكوا حرمة بنات المهاجرين والأنصار باسم الإسلام! فالزيارة تَعتبِر جميع تلك الوقائع من نتائج تلك البيعة، وأنّ الذين أوجدوا هذا الانحراف في الاُمّة هم شركاء في كلّ تلك الذنوب والمعاصي.
وفي موضع آخر من الزيارة جاء ما نصّه: «يا مَوَاليَّ! فلو عاينكم المصطفى» ليت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان موجوداً ليعاين ما فعلته اُمّته بكم «وسهام الأمّة مُغرَقَة في أكبادكم، ورماحهم مشرَعَة في نحوركم، وسيوفها مُولَغَة في دمائكم، يشفي أبناءُ العواهر غليل الفسقِ من ورعكم وغيظَ الكفر من إيمانكم»، والمقطع الأخير هذا يشير إلى التفاتة مرتبطة بعلم النفس، وهي دافع أهل السقيفة من هذا الفعل. حيث تقول: إنّ العامل الرئيسيّ الذي قاد هؤلاء القوم إلى القيام بما قاموا به هو الحسد، فقد كانوا يحسدونكم على ما تتمتّعون به من الإيمان والنورانيّة في حين أنّهم يفتقرون إلى مثل هذه الكمالات. فقد كانوا اُناساً عديمي الإيمان تنطوي قلوبهم على آثار الكفر والنفاق. «وأنتم بين صريع في المحراب...»؛ وهنا تبدأ الزيارة بسرد أشكال وأصناف الظلم التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام) واحداً واحداً؛ بدءاً من أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي فلقوا هامته الشريفة، وسيّد الشهداء (سلام الله عليه) الذي رفعوا رأسه المبارك على الأسنّة، وسائر الأئمّة الذين قضوا مسمومين خلف قضبان السجون... الخ، كلّ ذلك تعدّه الزيارة من نتائج تلك البيعة.
وبشكل عامّ فإنّ الزيارة تشير إلى خمس ملاحظات بخصوص الأحداث التي وقعت في زمان فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) سأستعرضها هنا بشكل متسلسل: أوّلاً: إنّ الذين تزعّموا عمليّة غصب الخلافة كانوا اُناساً متحيّنين للفرص قد فاجأوا الناس بغصبهم للخلافة. ثانياً: إنّهم قد نقضوا بيعتهم التي بايعوها قبل سبعين يوماً وإنّ الأعذار التي قدّموها في نقضهم لها غير مقبولة. ثالثاً: إنّ جماعة من سفلة الناس وأوباشهم قد هجموا على بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، التي كان جبرئيل (عليه السلام) لا يدخلها من دون إذن، وأخذوا البيعة عنوةً من أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو عمل لا ينسجم حتّى مع الموازين غير الإسلاميّة. ثمّ تسرد الزيارة عشرة من الجرائم التي اقتُرِفت بعد ذلك الحين وتعتبرها من نتائج تلك البيعة: الاُولى: طرد أمثال سلمان وأبي ذرّ والمقداد الذين يُجمع المسلمون على أنّهم من أفضل المؤمنين. الثانية: تسلّط أولاد الزنا على أموال الناس وأعراضهم. الثالثة: وضع البِدَع وتغيير الأحكام. الرابعة: تخريب الكعبة. الخامسة: اجتياح المدينة وإباحتها. السادسة: هتك حرمة الفتيات المسلمات. السابعة: قتل أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). الثامنة: سمّ الإمام الحسن (عليه السلام) ورمي جنازته بالنبال. التاسعة: استشهاد سيّد الشهداء (سلام الله عليه). والعاشرة: قتل سائر الأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين). فالزيارة ترى أنّ جميع تلك الجرائم البشعة هي من ثمار تلك البيعة المشؤومة.

الخطأ الذي لا يمكن تداركه

هذه الملاحظات تكشف لنا عن مدى أهمّية المسائل السياسيّة والاجتماعيّة. ومن هذا المنطلق فقد أشرنا مراراً وتكراراً إلى ضرورة أخذ ما يُنجَز من أعمال في حقل المسائل الاجتماعيّة بمزيد من الجدّية. فتدارك الأخطاء التي تُرتكَب على صعيد المسائل الفرديّة يكون سهلاً في الغالب، لكن ما هو السبيل إلى تدارك الخطايا التي تقود إلى فساد اجتماعيّ؟ فلو افترضنا أنّ الضالعين في إشاعة هذا الفساد أو إيجاد ذلك الزيغ قد انتبهوا يوماً إلى خطئهم وأرادوا تداركه، فكيف يتداركون ما اقترفه معاوية – مثلاً – من جرائم؟ أو ما ارتكبه الاُمويّون من فجائع؟ فإنّ ما يرتكب إلى يوم القيامة من جرائم مترتّبة على ما اقترفته أيديهم لا يمكن تداركه بأيّ حال من الأحوال؛ فلقد حَرَموا المليارات من البشر من حقوقهم المتمثّلة بالانتفاع من وجود الإمام الحقّ. فلقد كان من حقّ البشر كافّة أن ينتفعوا من معارف وعلوم قادةٍ ومربّين قد عيّنهم الله تعالى ليصلوا في ظلّ حكوماتهم وسياساتهم إلى الظفر بالعزّة والسعادة في الدنيا والآخرة. ومن هنا يتعيّن علينا أن نكون يقظين وواعين للواجبات الاجتماعيّة الملقاة على عواتقنا.

محيي الإسلام في عصرنا

لقد أحيى الإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه) دفعة واحدة قسماً عظيماً من المسائل الإسلاميّة؛ أي مسائل الإسلام السياسيّة والاجتماعيّة التي مرّ عليها قرون من الزمن يغطّيها غبار النسيان والغفلة. فما الذي كان رأي علمائنا وفقهائنا قبل نصف قرن في المسائل السياسيّة والاجتماعيّة يا ترى؟ لقد كان التدخّل في المسائل السياسيّة تهمة لا تُغتفَر، وكان إذا قيل لعالم الدين إنّه سياسيّ فقد سقط من أعين الناس. إذن فالإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) هو الذي جعل من الخوض في ميدان السياسة من أوجب الواجبات حين قال: «حفظ النظام الإسلاميّ أوجب من الصلاة». فالإمام (رحمة الله عليه) بحقّ يشترك في كلّ ثواب يترتّب على هذا العمل إلى يوم القيامة. ونحن أيضاً بما اُوتينا من سعة وجوديّة نستطيع أن نلعب دوراً إيجابيّاً أو سلبيّاً في هذا المجال. فباستطاعتنا أن ننجز ما يجعل الناس تغترف من بركاته لمئات من السنين ونكون شركاء في كلّ ما يجنونه من الثواب. كما ونستطيع أيضاً عن طريق التعلّق بالدنيا وملذّاتها الخسيسة أن نُخلِي كواهلنا من بعض واجباتنا فنحرم، بسبب إهمالنا وتكاسلنا، عدداً من البشر من نعمة الهداية، أو نؤدّي بهم – لا سمح الله – إلى سبيل الغيّ والضلالة فنشاركهم إلى يوم القيامة بكلّ ما يقترفون من ذنوب وآثام.

أعاذنا الله وإيّاكم


 1. سورة النساء، الآية 165.

2. بحار الأنوار، ج35، ج223؛ ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ج3، ص259 (طبعة دار صادر / بيروت)؛ والمستدرك للحاكم النيسابوري، ج3، ص159.

3. عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «فَلِلّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ» (سورة الأنعام، الآية 149): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: أكنتَ عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل. فيخصمه وذلك الحجّة البالغة» (بحار الأنوار، ج1، ص178).

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org