بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 23 آب 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الصبر؛ دعامة الإيمان الاُولى

خلاصة ما فات

تناولنا في المحاضرة الماضية الحكمة الحادية والثلاثين من نهج البلاغة التي سُئل فيها الإمام عليّ (عليه السلام) عن الإيمان فقال: «الإيمان على أربع دعائم». والدعامة تفسَّر عادةً بالعمود، غير أنّ هناك خصوصيّةً تُراعَى في الدعامة وهي أنّها تمنع ميل البناء أو انهياره. كما ويعطي «الدعم» معنى الإسناد والتقوية. وعلى أيّة حال فإنّه يراد من الدعائم الأعمدة الأربعة التي تسند الجوانب الأربعة للبناء أو السقف لتمنعه من السقوط.
وهذا الحديث يحتاج إلى توضيح من حيث المفردات من جهة؛ لأنّه يحتوي على مفردات متشابهة، ومن حيث التركيب من جهة اُخرى كي نصل إلى معرفة الصلة بين الاُمور الأربعة التي ذكرها (عليه السلام) بعنوان كونها الدعائم الأربع للإيمان، ولماذا اختار (عليه السلام) هذه الامور بالذات من بين جميع الفضائل؟ ولقد تحدّثنا في المحاضرة الماضية عن أصل الإيمان وأكّدنا على أنّ الإيمان لا ينحصر في التصديق الذهنيّ وحصول العلم، بل ثمّة عامل اختياريّ وإراديّ له دور في الإيمان وهو لهذا قد أصبح محطّ تكليف؛ كما في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ»1.
ومن ناحية اُخرى فإنّ الشخص المؤمن هو الشخص الذي يعزم على العمل بما يعلم ويلتزم به. وانطلاقاً من هذه الفكرة فقد عَدّت كثير من الروايات العملَ جزءاً من الإيمان: «الإيمان تصديق بالجَنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان»2. لكن من الممكن في ظروف معيّنة أن يكون الإيمان موجوداً من دون أن تتوفّر إمكانيّة العمل. إذن فليس هذا بتعريف منطقيّ يذكر فيه جنس وفصل ويحاول بيان ماهيّة الإيمان بشكل كامل. أمّا عندما نقول: إنّ فلاناً مؤمن، فهذا يعني أنّه على استعداد للعمل بمقتضى إيمانه؛ فهذا الاعتقاد يقتضى العمل. لكن بالالتفات إلى ما يحصل للإنسان من موانع - سواء أكانت وساوس الشيطان، أو أهواء النفس، أو العوامل الاجتماعيّة المختلفة – فإن الإيمان بحاجة إلى تقوية وتدعيم. ومن هنا فلابدّ من تقوية زوايا الإيمان بدعامات كي لا يصيبه الضرر ويكون مؤثّراً على سعادة الإنسان. ومن الممكن أن نقسّم الدعائم التي يذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) للإيمان إلى قسمين: فالدعامتان الاُوليان تتّصلان بالتصرّف الفرديّ للإنسان، أمّا الدعامتان الاُخريان فترتبطان بسلوكيّاته الاجتماعيّة.

مبادئ الأفعال الاختياريّة

هناك عاملان على الأقلّ مؤثّران على إنجاز أيّ عمل اختياريّ؛ الأوّل يرتبط بمقولة المعرفة والثاني هو من سنخ الحافز. فإنّ انعدام المعرفة والدافع يؤدّي إلى عدم إنجاز العمل الاختياريّ، وعلى العكس فإذا جُمع الاثنان معاً فسيقوم الإنسان بهذا العمل. لكنّ أهمّ حافز ذي أثر في دفع الإنسان إلى إنجاز العمل هو حافز الخوف من الضرر ورجاء المنفعة. وبناء على ذلك فمن أجل أن نقوّي الإيمان في نطاق سلوكيّاتنا الفرديّة فإنّه يتحتّم علينا الاهتمام بمقولة المعرفة من جهة؛ أي أن يكون سلوكنا مقترناً بمعرفة راسخة تصل إلى حدّ اليقين، وأن نمتلك دافعاً قويّاً - من جهة اُخرى - كي نتمكّن من السيطرة على سلوكنا وتصرّفاتنا. فطالما انعدم الإيمان ولم يُقِم المرء للقيَم أيّ اعتبار فسيرى نفسه حرّاً طليقاً وسيفعل كلّ ما يحلو له. أمّا إذا وُجد الإيمان، فستخضع تصرّفات الإنسان للمحاسبة. وبناءً عليه فإن لم يكن حافز الإنسان قويّاً فإنّ الدوافع الحيوانيّة ستفعل فعلتها حينئذ، وعندها فإنّ المرء لا يجشّم نفسه عناء التصرّف بشكل إيمانيّ، ولا ينهض لمقارعة نفسه، وسيذعن لغرائزها وشهواتها. وهنا يعبّر الإمام عليّ (عليه السلام) عن امتلاك هذا الدافع بـ «الصبر»، وإنّ مراده من الصبر هو التحلّي بدافع السيطرة على السلوك والتصرّفات. وكتأييد لهذا الكلام يمكننا الإشارة إلى رواية تقسّم الصبر إلى ثلاثة أقسام: «الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية»3. فقد يتحتّم على الإنسان أن يبذل جهوداً جبّارة في سبيل أداء الواجبات لأنّ أداءها لا ينسجم مع الركون إلى الدعة وطلب الراحة فهي تحتاج إلى دافع قويّ. وحينما يحاول العاملُ المساعد على الذنب جرّ الإنسان إلى ارتكابه فإنّ الصبر حينئذ هو بمعنى أن يسيطر المرء على نفسه ولا يرتكب هذا الذنب. كما أنّ المصائب لـمّا كانت مخالفة لميل الإنسان فإنّها تجعله يستاء ويتذمّر ممّا قد يدفعه أحياناً حتّى إلى الاعتراض على الله عزّ وجلّ. ومن هنا فإنّ الإنسان بحاجة إلى الصبر لمواجهة المصيبة أيضاً.

مفهوم الصبر في الرواية محطّ البحث

عندما يقول الإمام عليّ (عليه السلام) إنّ إحدى دعائم الإيمان هو الصبر فهو لا يقصد الصبر على المصيبة فحسب، بل يريد به القدرة على المقاومة والثبات في مقابل العوامل المعيقة. وهذا العامل المعيق قد يمثّل النزعات الشيطانيّة للإنسان نفسه، كما أنّه قد يكون عاملاً خارجيّاً. بل وقد تقود الزوجة والأبناء أنفسهم المرءَ إلى اقتراف المعصية: «إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ»4. فإنّ المناط بالنسبة للمؤمن هو إرادة الله ومشيئته. ومن هنا ففي المواطن التي يطلب الله فيها مراعاة حالة الاُسرة والأولاد ويعمل المؤمن على مراعاة هذه التوصية فإنّ عمله هذا يُعدّ عبادة. فقد جاء في الخبر ما نصّه: «المؤمن يأكل بشهوة أهله والمنافق يأكل أهلُه بشهوته»5؛ أي إنّ المؤمن في بيته يحاول أن يتناول ما يشتهيه عياله من الطعام بينما يأكل عيال المنافق ما يشتهيه هو نفسه. فعلى المؤمن أن يراعي حال اُسرته في المباحات، لكنّه لا ينبغي أن يستسلم في المواطن التي لم يُجِزْها الله تعالى. وليس الأمر بحاجة إلى النزاع والضرب، بل عليه أن يقول بكلّ هدوء: إنّ ما تطلبونه لا يجيزه الله تعالى ولا أستطيع أن اُلبّي لكم هذا الطلب.
فالصمود والمقاومة بوجه العوامل التي ترغّب الإنسان في مخالفة ما فيه رضا الله تعالى تحتاج إلى قوّة يكون العنوان العامّ لها هو الصبر. فالصبر هو امتلاك الدافع وقوّة المقاومة بوجه العوامل التي تحول دون فعل المرء للخير أو تدعوه لفعل المفاسد.

شُعَب الصبر

ثمّ يتابع أمير المؤمنين (عليه السلام) فيقول: «والصبر منها على أربع شُعَب: على الشوق، والشَّفَق، والزهد، والترقُّب»6. وبالرجوع إلى المقدّمة التي قدّمناها في بداية الكلام فإنّ المقصود من الشُّعَب هنا العوامل التي تحفّز هذا الدافع. فقد ذكرنا في المقدّمة أنّ رجاء المنفعة وخوف الضرر هما من أهمّ العوامل المؤثّرة في هذا الجانب. وأمير المؤمنين (سلام الله عليه) يعبّر عن هذين العاملين بكلمتي: «الشوق» و«الشفق»؛ فالشفق هو ضد الشوق ويعني الخوف. فكلّما زاد اعتقاد الإنسان بكون العمل ذا نفع وفائدة بالنسبة له بالَغَ أكثر في السعي لإنجازه. وإنّ النفع على مراتب أيضاً؛ بدءاً من الربح الدنيويّ ووصولاً إلى الثواب الاُخرويّ ورضوان الله تعالى. وبطبيعة الحال فإنّ الشوق المؤثّر على أعمال الإنسان المؤمن هو الشوق إلى ثواب الآخرة. فالإسلام يمنح المؤمن هذه الرؤية وهي أنّ الحياة الدنيا ليست سوى مقدّمة ومرحلة تمهيديّة، أو بتعبير أدقّ: مرحلة جنينيّة، للحياة الأصليّة. فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»7. فهناك تكمن الحياة الحقيقيّة. إذن فالمؤمن يتصرّف بالشكل الذي ينفعه في حياته الحقيقيّة وإنّ اشتياقه يكون لثواب الآخرة. فمن أجل إثارة عوامل الصبر في أنفسنا علينا أن نعلم أنّ للصبر أربعَ شُعب: «الشوق، والشَّفَق، والزهد، والترقُّب».

الشوق إلى الجنّة مطفئ للشهوات

ثمّ بدأ (عليه السلام) يذكر فوائد كلّ واحدة من هذه الشعب، فقال: «فمَن اشتاق إلى الجنّة سَلا عن الشهوات». فعندما يشتاق الإنسان إلى ثواب الآخرة فإنّه يغضّ الطرف بكلّ سهولة عن الشهوات. وهذه القاعدة سارية حتّى على الاُمور الدنيويّة؛ فمثلاً إذا اشتاق الشابّ للزواج من فتاة وقالوا له: لابدّ أن تحصل على شهادة عالية كي تتمكّن من الزواج منها فسيكون مستعدّاً لتجشّم كلّ أنواع المصاعب والمشقّات لتحقيق طموحه وسيسهُل عليه التغاضي عن بعض أسباب الراحة. يقول (عليه السلام): إذا اشتاق الإنسان إلى الجنّة فسيسهل عليه غضّ البصر عن الشهوات. أفلا يستحقّ الظفر بالثواب الأبديّ الذي لا نفاد له أن يصرف الإنسان نظره عن بعض ميوله وغرائزه لبضع من السنين؟! إذن فلنحاول أن نصدّق بوجود الثواب الاُخرويّ ولنطالع الآيات التي تصف الجنّة ونعيمها.
يقول أحد الأشخاص - الذي يزعم بأنّه خبير في الشؤون الإسلاميّة - وهو يروي الآيات القرآنيّة كأحاديث: «إنّ المرء ليشمئزّ من ذكر هذه الخصوصيّات يقصد الخصوصيّات التي يذكرها القرآن للجنّة. فكم يحتاج الإنسان إلى العسل يا ترى حتّى تُجعل له أنهارٌ من عسل»؟! وهذا الانحطاط في الفهم ناجم من عدم إدراك عالم الآخرة. فكما أنّ النعم هناك لا نهاية لها فإنّ احتياج الإنسان لا نهاية له أيضاً. فإنّه ثمّة حاجات تتجلّى وتنشأ للإنسان في ذلك العالم بحيث إنّها إذا لم تُلَبَّ له فستتحوّل حياته هناك إلى جهنّم. فأهل النار يشعرون بهذه الحاجات لكنّها لا تُلَبَّى لهم. فإنّ من أشدّ ما ينزل بهم من ألوان العذاب هو أنّ الله يكون مستاءاً منهم: «لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ»8. فنحن لا نشعر الآن بالحاجة إلى تكلّم الله معنا، أي إنّنا لا ندرك هذه الحاجة. أمّا في ذلك العالم فإنّ الحقائق ستظهر والحاجات ستتجلّى، وحينها فإنّ أشدّ أنواع العذاب يوم القيامة هو أن لا يتكلّم الله مع الإنسان. وعلى أيّة حال فإنّ أوّل عنصر يُعدّ ضروريّاً لتحقّق الصبر هو الشوق إلى ما في الآخرة من ألوان الثواب واللذّات والكمالات.

الخوف من العذاب هو العامل لترك المعاصي

«ومن أشفق من النار اجتنبَ المحرّمات». إذن فالعنصر الثاني هو الخوف. فأمل المؤمن يكون في الجنّة، وخوفه هو من النار؛ فنار جهنّم هي رمز العقاب الإلهيّ. فلابدّ من قراءة الآيات القرآنيّة والأحاديث التي تتحدّث عن خصوصيّات جهنّم للتعرّف على هذه الخصوصيّات والوقوف على أنواع العذاب فيها كي يتولّد في قلوبنا خوف منها.

الزهد مزيل للمصائب

«ومَن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات». أمّا في المصائب - حيث لا عامل الخوف مؤثّر ولا عامل الرجاء - فلابدّ من قطع الارتباطات والتعلّقات بالدنيا. فمصائب الدنيا إنّما تكون ثقيلة وأليمة على المرء إذا كان متشبّثاً بتعلّقاته الدنيويّة. فالإنسان عندما لا يكون متعلّقاً بشيء فإنّه لا يشعر بالحزن والأسى إذا فقده.
ذات مرّة روى المرحوم الشيخ المهندسيّ (رضوان الله تعالى عليه) في برنامج تلفزيونيّ قصّةً - تَبَيّن فيما بعد أنّها متعلّقة به - قال فيها: «قالوا لأحدهم: لقد سرقوا سيّارتك. فأجابهم: كانت خُردة حديد ظلّت تحت تصرّفي لفترة من الزمن والآن هي في يد غيري، فإن كان محتاجاً لها فهنيئاً مريئاً، وإن لم يكن هداه الله إلى سواء السبيل»! فعندما لا يكون قلب المرء متعلّقاً بالدنيا لا تكون المصيبة مصيبة. أمّا إذا كان متعلّقاً بها فإنّ فقدان ورقة نقديّة واحدة من فئة الألف تومان من شأنها أن تقضّ مضجع المرء. فإذا نظر الإنسان إلى جميع النعم الإلهيّة بعنوان كونها أمانة إلهيّة فلن يشكّل استرجاعها مصاباً وسيكون تحمّل ذلك يسيراً عليه. فالزهد في الدنيا يعني عدم التعلّق بها. فإن وُجدت النعمة، فهي من الله ويتعيّن عليه شكرها، وإن فُقدت وجب عليه الرضا بما يراه الله صلاحاً له. إذن فإنّ الشعبة الثالثة لهذه الدعامة هي الزهد.

ذكر الموت محرّك للإنسان نحو الصالحات

«ومَن ارتقبَ الموت سارَع إلى الخيرات». فآخر شعب الصبر هي «الترقّب». والترقّب لغةً يعني الانتظار، أمّا المراد منه هنا فهو أن يكون المؤمن دائم النظر إلى المستقبل وأن ينتظر الحقائق التي من المقرّر أن تحصل في المستقبل. فإنّ ما يهمّ الإنسان وما يُعدّ انعطافة في مسيرة وجوده هو الموت. فالموت هو الذي يقلب صفحة الحياة وينقلنا من عالم الاختيار إلى عالم آخر لا نكون مختارين فيه. فليس لنا في ذلك العالم أن نكسب ثواباً ولا أن ندفع عقاباً. لكن بالطبع إذا كان المرء قد استعدّ مسبقاً وأعدّ لنفسه متاعاً فسيكون سفره هذا بمثابة النجاة من مكان ضيّق مظلم عفن متّسخ إلى مكان فسيح أخضر طريّ. أمّا إذا تصرّف على العكس من ذلك فستكون النتيجة معكوسة أيضاً.
فنحن لا نشكّ أبداً في وقوع الموت، لكنّنا نركَن دائماً إلى التغافل أو لا نسمح لفكرنا أن يسرح في هذا الاتّجاه. وهذا التغافل يؤدّي إلى تعلّق المرء بالدنيا ونزوعه نحو الشهوات. إذن فمضافاً إلى أنّ المؤمن لا ينبغي أن يتعلّق بلذّات الدنيا، فإنّ عليه أن يكون بعيد النظر وأن يُعِدّ نفسه للقاء الموت. فالذي يكون منتظراً للموت يسارع إلى فعل الخيرات كي يكون سفره هذا سفراً مباركاً فيه نجاته من المصاعب والمحن.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين


1. سورة النساء، الآية 136. 

2. بحار الأنوار، ج66، ص74.

3. الكافي، ج2، ص91. 

4. سورة التغابن، الآية 14.

5. بحار الأنوار، ج59، ص291. 

6. نهج البلاغة، الحكمة 31.

7. سورة العنكبوت، الآية 64.

8. سورة البقرة، الآية 174؛ وسورة آل عمران، الآية 77.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org