بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 24 آب 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

اليقين؛ دعامة الإيمان الثانية

خلاصة ما فات

«وَاليَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الفِطْنَةِ، وَتَأَوُّلِ الحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ العِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ. فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الحِكْمَةُ عَرَفَ العِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ العِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأَوَّلِينَ»1.
يقول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): إنّ الإيمان يُدعّم بأربعة عناصر هي الصبر واليقين والعدل والجهاد. وقد ذكر لكلّ واحد من هذه العناصر شُعباً. وقد قلنا سلفاً بأنّ المفاهيم المطروحة في هذه الرواية من جهة والارتباط بينها من جهة اُخرى بحاجة إلى توضيح. ولقد وضّحنا في المحاضرة الماضية اُموراً حول الصبر ويمكننا القول - بقرينة ما طرحه (عليه السلام) من تفسير له – بأنّ المراد من الصبر في هذه الرواية هو المقاومة والثبات في مواجهة العوامل المعيقة.

ارتباط المفاهيم المستعملة في الرواية

نستطيع القول في الارتباط بين مفاهيم الرواية: إنّ الصبر واليقين من بين هذه العناصر الأربعة يتّصلان بالاُمور الفرديّة ولا يتوقّفان على الحياة الاجتماعيّة، في حين يجري العدل والجهاد في المسائل الاجتماعيّة. أمّا الوجه في اختيار الصبر واليقين بعنوان كونهما دعامتين للإيمان فلعلّه نابع من كون الإيمان – خلافاً للإسلام والمفاهيم المشابهة الاُخرى – يقتضي عزم الشخص المؤمن على الالتزام بلوازم ما يعتقد به وترتيب الأثر عليه. إذن فمن أجل حفظ الإيمان الذي يستلزم سلوكاً خاصّاً فإنّنا نحتاج إلى عنصرين يلعبان دوراً أساسيّاً في جميع أشكال السلوك الاختياريّ: الأوّل هو المعرفة والثاني هو الدافع. وبالالتفات إلى التوضيحات التي قدّمناها في المحاضرة السابقة يمكن القول: إنّ مراد الإمام عليّ (عليه السلام) من الصبر هو العامل المؤثّر في دافع الإنسان، كما أنّه يُستفاد من لفظة اليقين لأنّها من مقولة المعرفة. وبناءً عليه فإنّ هذين المفهومين يشيران إلى عاملين مؤثّرين وأساسيّين في أفعال الإنسان الاختياريّة.

بعض مصطلحات اليقين

إنّ لكلمة: «اليقين» استعمالاتٍ شتّى. فاليقين في الحوارات العرفيّة يساوي تقريباً العلم القطعيّ، أمّا في ثقافتنا الدينيّة فإنّه يحظى بمكانة خاصّة وهو مفهوم قيّم للغاية. فقد جاء في الخبر عنهم (عليهم السلام): «ما قُسِم في الناس شيء أقلّ من اليقين»2. وبطبيعة الحال فإنّ جميع المفاهيم المستعملة هنا هي مفاهيم ترتبط بالإيمان بشكل أو بآخر، وإلاّ فإنّ العلم بالاُمور التي ليس لها أدنى علاقة بالمعتقدات والسلوك والعاقبة من قريب أو من بعيد ليس له دخل في دعائم الإيمان أيضاً. وحتّى إذا اتّخذ اليقين مفهوماً عامّاً فإنّه سيختصّ بهذه الموارد أيضاً بقرينة المقام.
كما أنّ من مصطلحات اليقين هو ما يُستخدم في علم المنطق؛ أي العلم بثبوت المحمول للموضوع، والعلم بأنّ سلب هذا المحمول عن هذا الموضوع محال مهما كانت الظروف. إذ يقال في المنطق: لابدّ لمقدّمات البرهان من أن تتشكّل من مثل هذه القضايا كي تكون النتيجة متيَقَّنة.

مفهوم «اليقين» في هذه الرواية

يحاول أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الرواية بيان العوامل المقويّة للإيمان. ولهذا فإنّ مراده من اليقين هنا هو العلم المرتبط بتصرّفاتنا التي يحبّها الله عزّ وجلّ والذي يختلف عن سائر ما يُستخدم فيه العلم من مصطلحات. لقد أشار القرآن الكريم بصراحة في مواطن عديدة إلى العلم، وليس المراد من هذا العلم هو ما يكون منشأ للأثر، بل قد يُراد منه أحياناً العلم اليقينيّ المقترن مع الإنكار، كالعلم الذي ينسبه نبيّ الله موسى (عليه السلام) لفرعون عندما يقول له: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـٰؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»3. أمّا في الرواية محطّ البحث فلا يراد هذا اللون من العلم، بل إنّ المراد من «اليقين» في الروايات غالباً هو العلم الذي يكون منشأ للأثر العمليّ. فنحن نعلم باُمور كثيرة بصورة كلّية، لكنّنا عندما نرجع إلى أنفسنا نرى أنّ هذه العلوم لا تولّد في أنفسنا أثراً كبيراً. لكن عندما تتجسّد لنا هذه العلوم عبر حقائق عينيّة ويتحقّق نموذج ولو بسيط منها نلاحظ أنّ لها أثراً خاصّاً. فعندما أمضى موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) أربعين يوماً في ضيافة الله تعالى في جبل الطور أخبره ربّه هناك بأنّ قومك في الأيّام العشرة الأخيرة قد عكفوا على عبادة العجل. ولم يشكّ موسى (عليه السلام) لحظة بأنّ كلام الله هذا هو عين الحقيقة، بيد أنّ حاله لم يتغيّر لدى سماعه لهذا الخبر. لكنّه عندما رجع إلى قومه ورأى باُمّ عينيه كيف أنّهم قد صاروا عبدة للعجل ثار غضبه إلى درجة أنّه رمى الألواح التي كانت قد نزلت عليه من ربّه وأمسك بتلابيب أخيه هارون قائلاً: «لماذا تركتهم يعبدون العجل»؟ في حين أنّ إخبار الله سبحانه وتعالى له لم يثر فيه مثل هذا الغضب. فلقد خُلق الإنسان بصورة بحيث إنّ المفاهيم والقواعد العامّة لا تؤثّر في نفسه كثيراً. لكنّه إذا شاهد نموذجاً عينيّاً لها فسيكون ذا أثر كبير في نفسه.
فجميعنا يعتقد بأنّ أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) هم - بفضل الله وإذنه - أصحاب كرامات ويستطيعون أن يأتوا – بإذن الله - بما يشبه معجزات عيسى (عليه السلام) بل وبما هو أوسع نطاقاً منها بكثير. لكنّ هذا العلم الإجماليّ – في الغالب - لا يولّد فينا ذلك الأثر الذي يمكن أن يتولّد إذا رأينا بأعيننا أنّهم قد شفوا مريضاً. فإن مشاهدة نموذج عينيّ واحد من شأنها أن تولّد أثراً يفوق مائة برهان. بل وقد يكون لسماع قصّة حقيقيّة من شخص موثوق به بحيث يُعلم من قوله أنّها في أيّ زمان وقعت وفي أيّ مكان ومع مَن – قد يكون لها من الأثر ما يفوق أثر الأدلّة الكلّية، ذلك أنّها قضيّة خاصّة وعينيّة.

شفاء شخص لا عين له على يد الإمام الرضا (عليه السلام)!

وكنموذج للقضايا الخاصّة والعينيّة هي تلك التي يرويها السيّد إسحٰق الحسينيّ، وهو من أساتذة الحوزة والجامعة الفضلاء، حول معجزة حصلت على يد الإمام الرضا (عليه السلام).
يقول الحسينيّ: «ذات مرّة شددتُ الرحال إلى مدينة مشهد المقدّسة أملاً في مشاهدة معجزة من الإمام الرضا (عليه السلام). وفي ليلة من الليالي هناك جلستُ حتّى الصباح وسط المرضى الذين لجأوا إلى الإمام طلباً للشفاء. فأمسيت اُراقب شخصاً ضريراً قد فقد كرة عينه (وليس بصره فحسب). فطلبت من الإمام (عليه السلام) في قلبي أن يشفي هذا الرجل كي أرى منه معجزة عظيمة بعيني. فما كدنا نقترب من انبلاج الصبح حتّى رأيت باُمّ عيني وكأنّ أحدا يرسم للرجل ملامح وجهه؛ شاهدتُ شقّاً بدأ ينفتح في محلّ مقلة العين وبدأت عينٌ تظهر للعيان شيئاً فشيئاً! فما كان منّي إلاّ أن صرخت صرخة وسقطتُ مغشيّاً عليّ».
فإنّ أثر مشاهدة هذا المنظر، أو حتّى سماع قصّته يفوق بكثير أثر قولي لكم بشكل عامّ: إنّ الإمام الرضا (عليه السلام) قد شفى إلى الآن العشرات من العميان. فاليقين كمصطلح خاصّ هو ذلك العلم الذي يحصل في نفس الإنسان لدى احتكاكه بالحقيقة العينيّة ويكون منشأ للأثر فيه. فمثل هذا العلم يبعث على تقوية الإيمان. فنحن نعلم بشكل إجماليّ أنّ الله رازق وأنّه «يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»4، لكنّنا إذا شاهدنا مرّة أنّ الله قد رزق امرأً بلا وسائل ظاهريّة كما رزق السيّدة مريم (سلام الله عليها) فإنّه سيترك في وجودنا أثراً آخر مختلفاً.

الإفادة من تجارب الآخرين

إنّ حصول العلم اليقينيّ الناشئ عن تجربة شخصيّة، وليس عن تحليلات عقليّة وشرعيّة عامّة، هو محدود للغاية. لكنّ باستطاعة الإنسان أن يفيد من تجارب الآخرين أيضاً. فالقضايا اليقينيّة من هذا النوع تكون بالغة الأثر حتّى إذا نقلها الآخرون للمرء نقلاً من غير حضور.

قصّة عن الشيخ حسن علي النخودكيّ

كان آية الله العظمى المرحوم الشيخ الآراكيّ (رضوان الله تعالى عليه) يؤمّ المصلّين في المدرسة الفيضيّة كلّ ليلة. وقد كان ملتزماً كلّما خرج من المدرسة بقراءة سورة الفاتحة على أحد القبور في باحتها. ذات مرّة سأله أحد الأصدقاء عن سبب التزامه هذا، فقال في جوابه: «إنّ لهذا الرجل حقّاً عظيماً علَيّ. فقد روى في مجلس آية الله السيّد محمّد تقي الخوانساريّ (رضوان الله تعالى عليه) قصّة كانت سبباً في ازدياد إيماني. ولذا فإنّني أرى من واجبي أن أقرأ له الفاتحة كلّ ليلة. فقد حكى هذا الرجل في ذلك المجلس أنّ المرحوم الشيخ حسن علي النخودكيّ، وقد كان يعيش في مدينة مشهد، سمع ذات يوم أنّ أخاه قد فارق الحياة. فتأثّر لهذا الخبر كثيراً. ولـمّا كان لأخيه حقٌّ كبير عليه فقد قرّر أن يسدي له خدمة. يقول الشيخ: فخطر ببالي أن أطلب من الإمام الرضا (صلوات الله عليه) أن يتفضّل بالذهاب هذه الليلة إلى مدينة قمّ المقدّسة ويوصي أخته فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) بأخيه المدفون بقمّ. فذهبتُ إلى حرم الرضا (عليه السلام) وطلبت منه هذه الحاجة. فجاء في الصباح شخص وقال: لقد رأيتُ رؤياً، ألا تنبّئني بتفسيرها؟ رأيتُ فيما يرى النائم أنّني كنت أهمّ بدخول حرم الإمام الرضا (صلوات الله عليه) لزيارته فقالوا لي: لقد ذهب الإمام إلى قمّ ليوصي فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) بأخ الشيخ حسن عليّ. فبكى الشيخ عندما علم أنّ الحاجة التي طلبها من الإمام قد قُضيت».
فلعلّ الحكمة من قصّ الله عزّ وجلّ للكثير من القصص في القرآن الكريم مع ذكر الاسماء والتفاصيل هي أن يكون لها أثر أكبر على روح المتلقّي. فهو جلّ وعلا - مثلاً - ينقل لنا قصّة أصحاب الكهف بكلّ هذه التفاصيل وكم عاماً استمرّ نومهم وأين وكيف نام كلبهم: «وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»5، و...الخ.

عمق الرؤية والتحليل هما شرطان لتأثير التجارب

على أيّة حال فنحن بحاجة لمثل هذا اليقين لتقوية إيماننا. وهذا اليقين إمّا أن يحصل من خلال ما نجمعه من تجارب شخصيّة عبر الأحداث المختلفة، أو من سماع قصص الماضين. لكنّ مقدار تأثير التجارب والقصص على النفوس يتفاوت من شخص لآخر. فنحن لا نستطيع أن نجني من القصّة فائدة معنويّة مالم نُخضعها لتحليل دقيق. والتحليل الدقيق يحتاج إلى نظرة معمّقة والتجرّد من حالة السطحيّة في النظر إلى الاُمور. إذن فالقضيّة الأهمّ هي أن نتحلّى بنظرة ثاقبة وفطنة. فالذين ينظرون لجميع الأشياء نظرة عابرة وكلّية يعيشون في حيرة من أمرهم ولا يستطيعون استلهام العبر والدروس من قصص الدهر. فمن الواجب علينا دراسة الأحداث بشكل ذكيّ ودقيق ومعمّق؛ وذلك بأن نعرف - في بداية الأمر - تركيبة القصّة على نحو جيّد وصحيح كي نتمكّن من تحليلها بدقّة؛ بالضبط كما يحصل في الأحداث السياسيّة حيث لابدّ - بادئ ذي بدء - من جمع المعلومات عنها بغية التمكّن من تحليلها والإفادة من النتائج الحاصلة من ذلك. إذن فمضافاً إلى النظرة المتفحّصة والثاقبة علينا أيضاً أن نمتلك القدرة على التحليل كي يتسنّى لنا تفسير الحدث وفقاً للمبادئ والقواعد المعمول بها. وعند ذلك فقط نستطيع استلهام العبرة من هذا الحدث؛ بمعنى أن نتقصّى نقاط الضعف فيه لتجنّبها، ونفتّش عن نقاط القوّة فيه لتعلّمها. يعني أنّ سير عمليّة استلهام العبرة من الأحداث يبدأ من النظرة الثاقبة والذكيّة للحدث، مروراً بالتحليل الدقيق لمجرياته. فعلى غرار التحليل المرکّز على الحدث يتعيّن استخراج النقاط الملهِمة للدروس والعِبَر منه. ومن أجل توسيع نطاق معلوماتنا وعِبَرنا يمكننا أيضاً الإفادة من تجارب الآخرين، بما في ذلك تاريخ الأسلاف. فإذا ألحقنا مجريات تاريخ السلف بمعلوماتنا فسيزداد خزين تجاربنا بحيث نكون وكأنّنا قد عمّرنا ألف سنة أو آلاف السنين. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرسالة الحادية والثلاثين من نهج البلاغة التي يوصي بها ابنه الحسن (عليه السلام): «أيْ بُنَيّ! إنّي وإنْ لم أكن عُمِّرتُ عمر مَن كان قبلي فقد نظرتُ في أعمالهم وفكّرتُ في أخبارهم وسِرتُ في آثارهم حتّى عُدتُ كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من اُمورهم قد عُمِّرتُ مع أوّلهم إلى آخرهم»6 وأنا الآن اُريد أن أنقل هذه التجارب إليك! نفهم من ذلك أنّنا إذا اطّلعنا اطّلاعاً كاملاً على تاريخ الماضين فسيكون لأقسامه - التي يمكن أن تُستلهَم منها العِبَر – أثرٌ على سلوكيّاتنا، وإنّ هذه لغنيمة ما أعظمها من غنيمة.
والآن، وانطلاقاً ممّا قدّمناه من توضيح، نعود إلى الحكمة الحادية والثلاثين من نهج البلاغة. يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في هذه الحكمة: ««وَاليَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ» أي إنّ الدعامة الثانية للإيمان، التي هي اليقين، لها أربع شعب: «عَلَى تَبْصِرَةِ الفِطْنَةِ، وَتَأَوُّلِ الحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ العِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ». و«الفطنة» تعني حدّة الذكاء. فالإنسان الحادّ الذكاء والفطن ينظر إلى القضايا المختلفة برؤية عميقة وبصيرة ثاقبة ولا ينظر إليها نظرة عابرة وسطحيّة. وإنّ هذه الرؤية والبصيرة تمثّلان عنصراً ينهض بدور في حصول اليقين؛ بمعنى أنّ الذين يظفرون بهذا النوع من اليقين هم اُولئك الذين يتمتّعون بمثل هذا الذكاء والرؤية: «تبصرة الفطنة». وبعد أن تكون لهذا الشخص مثل هذه الرؤية لمجريات الدهر عليه أن يعمد إلى تفسيرها أيضاً. فإنّنا نقول عادةً في أكثر نُقولنا: «لقد شاهدتُ الشيء الفلانيّ أو سمعتُ به»، لكنّنا في الواقع لا نكون قد رأينا هذا الشيء ولا سمعناه، بل إنّنا ننقل تفسيرنا لتلك الحادثة أو الشيء. إذن فتفسير المرئيّات هو غير المرئيّات نفسها. ولقد ذكروا في علم النفس مراحل لحصول هذا التفسير.
إذن علينا بعد النظر إلى الحادثة نظرة متفحّصة أن نقدّم تحليلاً دقيقاً وصائباً لها؛ وهو ما يعبّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبارة: «تَأَوُّل الحِكمَة»؛ أي التفسير والتحليل النابعان من الحكمة والاُصول الصحيحة العقلائيّة، وليس التفسير الناشئ عن الهوى. ثمّ أنْ نسعى بعد ذلك إلى تقصّي نقاط الضعف والقوّة في هذا الحدث واستلهام العبرة والموعظة منه وهو ما يتطلّب استعداداً خاصّاً: «موعظة العِبرة». ومن بعد الاتّعاظ والاعتبار يتحتّم علينا الإفادة من تجارب الآخرين كما نستفيد من تجاربنا بالضبط: «وسُنَّة الأوَّلين». فإنّ لدينا مصدراً لا ينضب من تجارب الآخرين يمكننا الانتفاع منه ألا وهو عاقبة الماضين. فإن ضُمّت تلك الاُمور الأربعة إلى بعضها البعض فسيمتلك المرء يقيناً يكون له أثر على سلوكه وهو ما سيؤدّي إلى تعزيز إيمانه وصيانته.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. نهج البلاغة، الحكمة 31.

2. بحار الأنوار، ج67، ص136.

3. سورة الإسراء، الآية 102.

4. سورة البقرة، الآية 212.

5. سورة الكهف، الآية 18.

6. نهج البلاغة، الرسالة 31.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org