سبت 20 /10 /2012

من خلال ردّ سماحة رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث على السؤال القائل: «هل يحمل المؤمن والكافر انطباعاً واحداً بالنسبة للظواهر المختلفة»؟ قال: بالنسبة للظواهر الطبيعيّة فإنّ انطباعهما واحد، أمّا بخصوص الظواهر التي لها أثر على سلوك الإنسان وسعادته وشقائه فإنّ انطباعهما مختلف.

حسب تقرير الموقع الإعلاميّ لآثار سماحة آية الله مصباح اليزدي فقد تطرّق رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث في الاجتماع الخامس المنعقد ضمن سلسلة الاجتماعات التي تبحث موضوع العلم الدينيّ – تطرّق إلى الأسئلة التي تتناول قضيّة ما إذا كانت العقليّة التي يحملها الإنسان مسبقاً ونظرته الكونيّة وعقيدته ذات أثر على تشخيصه واستنتاجه في حقل المسائل العلميّة أم لا؟ وإذا كانت مؤثّرة فهل بالإمكان تفكيك هذه العقليّة عن العلم واستخراج العلم الخالص؟ وفي حال عدم إمكان التفكيك، ألا ينبغي القول: إنّه لا يوجد علم يقينيّ إذن؛ ذلك أنّ النتائج المستحصلة من علم معيّن إنّما تمّ الحصول عليها بتأثير عوامل مختلفة؟
وعبر بيان العلاّمة مصباح اليزدي أنّ هذا السؤال يُطرَح من قبل جماعتين قال: الجماعة الاُولى هي تلك التي تطرح هذا السؤال في باب فلسفة الدين وتميل إلى الاستنتاج بأنّه لا وجود للعلم اليقينيّ، لأنّ اختلاف الذهنيّات يؤدّي إلى اختلاف النتائج المتوصَّل إليها. أمّا الجماعة الثانية فهي التي سلكت سبيل الإفراط وتريد الوصول إلى نتيجة في حقل العلم الدينيّ مفادها أنّ كلّ علم ينقسم إلى قسمين؛ دينيّ وغير دينيّ؛ ذلك أنّ المؤمن والكافر يختلفان في سوابقهما الذهنيّة، وحيث إنّ هذا الاختلاف في العقليّة يؤدّي إلى حصول نتائج مختلفة، فإنّ نظرة الإنسان المؤمن إلى العلم تُنتج علماً دينيّاً بينما تكون النتيجة الحاصلة من نظرة الكافر إليه هي العلم غير الدينيّ.
وأضاف سماحته قائلاً: يرى أصحاب هذه الفكرة أنّ الشاهد على صحّة مدّعاهم هو تأثير الثقافات والبيئة والمعتقدات على اختلاف آراء العلماء.
ثمّ قدّم آية الله مصباح اليزدي في ردّه تحليلاً لهذه الأسئلة وقال: إذا كان قصد السائل هو: هل إنّ أيّ سوابق ذهنيّة تكون مؤثّرة على أيّ علم أم لا؟ وكان ناظراً إلى عموم القضيّة، فإنّه لا دليل على ذلك؛ والنموذج البارز على نقض هذه النظريّة هو المسائل الرياضيّة؛ حيث إنّ النتائج الحاصلة منها متشابهة في شرق الأرض وغربها، وحتّى لو ظهرت بعض الاختلافات بين الرياضيّات الحديثة والقديمة فإنّها لا ترقى إلى حدّ نفي بعضهما البعض. ومن هنا يمكن القول في الجملة إنّ الإنسان لا تحكمه عوامل مختلفة، وإنّه من الممكن أن يكون رأي واحد لمختلف الأشخاص الذين يحملون ميولاً شتّى.
وقال سماحته: كما لابدّ من النظر في المراد من كلمة العلم؛ ذلك أنّ العلم يعني أحياناً البيئة التي يبيّن فيها العلماء والمفكّرون آراءَهم ونظريّاتهم باتّباع الطرق والمناهج المختلفة، حيث إنّ الكثير من العوامل يمكن أن تلقي بظلالها على هذا النمط من العلم؛ فمثلاً: في علم الفقه الذي يُعدّ أقدس علومنا نلاحظ وجود هذه الاختلافات أيضاً، بل قد يفتي مجتهدٌ بحرمة أمر معيّن بينما يفتي آخر بوجوبه.
وتابع اُستاذ الفلسفة قائلاً: وقد يعني العلم أحياناً اُخرى الكشف المطابق للواقع، حيث نعتقد أنّ المرء يمكنه - باتّباع الاُسلوب والمنهجيّة الصحيحة - الوصول إلى نتيجة قطعيّة من دون التأثّر بالميول والسوابق الذهنيّة المختلفة، وإذا وقع شخص تحت تأثير النزعات والميول فإنّ ذلك ناشئ عن ضعف نفسه ليس غير.
وفي إشارة إلى تقسيم العلوم إلى وصفيّة وأمريّة قال سماحة مصباح اليزدي: العلم الوصفيّ هو ذلك العلم الذي يصف الظاهرة وكيفيّة ظهورها والعوامل المؤثرة فيها، أمّا العلم الأمريّ فهو العلم الذي يحمل طابعاً أمريّاً وقيميّاً ويتعامل مع ما ينبغي وما لا ينبغي من الاُمور، وإنّ احتمال تأثير العوامل النفسيّة وارد أساساً في العلوم الأمريّة.
وتابع العلاّمة مصباح اليزدي قائلاً: فإنّ تأثير العوامل الداخليّة على العلوم الرياضيّة يكون في حدود الصفر وليس للعوامل النفسيّة والعقائديّة - تقريباً - أيّ أثر على جميع المسائل الفلسفيّة والفيزيائيّة؛ ذلك أنّ هذين العلمين هما علمان وصفيّان وليسا أمريّين.
وعبر بيان سماحة مصباح اليزدي أنّه من أجل إثبات مسألةٍ مّا في العلوم فلابدّ من اللجوء إلى البديهيّات أو النظريّات التي تمّ إثباتها مسبقاً في علوم اُخرى وأضاف: فإذا فُرض في العلوم التجريبيّة على سبيل المثال أن العين لا تخطئ فهذه النتيجة المستحصلة في المختبر إمّا أن يكون قد تمّ التوصّل إليها خارج المختبر أيضاً فلابدّ من إثبات ذلك حينئذ، والحال أنّ ذلك لم يثبت وهناك شواهد عديدة تدلّ على خطأ البصر أو عدم الحصول على نتائج في الظروف التي تختلف عن ظروف المختبر، ومن هنا فإنّ النتائج الحاصلة من التجربة غير يقينيّة.
وأكّد العلاّمة مصباح اليزدي أنّه خلافاً لما في العلوم الأمريّة فإنّ الميول والعوامل النفسيّة لا تؤثّر على نتائج العلوم الوصفيّة وقال: إنّ ما يوجب الخلط أحياناً هو أنّ لبعض العلوم – كعلم النفس مثلاً الذي يصنَّف ضمن العلوم الوصفيّة – حيثيّة أمريّة عرضيّة أيضاً؛ فمثلاً إذا اكشتف عالم النفس علاقة معيّنة بين أحد العقاقير وحالة مرضيّة في بدن الإنسان فإنّه سيصف هذا العقار للمريض، وهذا الوصف يحمل صفة أمريّة، في حين أنّ أصل علم النفس هو علم وصفيّ؛ وبعبارة اُخرى فإنّ المهمّة الوحيدة التي يمكن أن يضطلع بها علم النفس هي بيان أثر الدواء على وجود حالة خاصّة في الإنسان لكنّه لا يصف الدواء، أمّا عالِم النفس وعبر اطّلاعه على هذه الصلة بين العقار والمرض فإنّه يوصي المريض بتناول هذا الدواء، وفي هذه الحالة يتّخذ طابعاً أمريّاً. وهنا من الممكن أن يكون للميول النفسيّة والمعتقدات والثقافة أثر على هذه الحيثيّة الأمريّة التي توجد بالعرض في علم النفس؛ كأن يبادر عالم النفس غير المسلم إلى وصف الكحول للمريض انطلاقاً ممّا له من أثر على بدنه، أمّا عالم النفس المسلم فعلى الرغم من عدم إنكاره لهذا الأثر لكنّه وبسبب ميوله الاعتقاديّة لا يصف الكحول للمريض.
وتابع سماحته قائلاً: العلم الذي يُبحث في حقل العلم الدينيّ يصنّف أيضاً ضمن العلوم الوصفيّة التي - كما قيل سلفاً - لا يتغيّر كشف الحقيقة فيها بتغيّر العقائد والعوامل النفسيّة، هذا على الرغم من أنّه في المواطن التي تتّخذ فيها الصبغة الأمريّة فمن الممكن أن تُحدث هذه الميول بعض التغيير فيها.
وفي معرض إشارة آية الله مصباح اليزدي إلى أنّ العلوم الإنسانيّة تشكّل القسم الأعظم من العلوم الأمريّة قال سماحته: النتائج الحاصلة من العلوم الأمريّة تتْبَع القيم التي اُسِّست عليها هذه العلوم وإنّ قوامها أساساً يكون بهذه المبادئ القيميّة، ومن هنا ففي نطاق هذه العلوم يمكن إثبات المعرفة اليقينيّة على أساس هذه المبادئ القيميّة ذاتها.
وأوضح سماحته أنّ الحكم القيميّ لا يمكن أن لا يُبنى على الاُصول والمبادئ القيميّة وأضاف: من باب النموذج فبالنظر إلى القيم الإسلاميّة المسيطرة على المجتمع الإسلاميّ فإنّ الحجاب يُعدّ أمراً ضروريّاً ومطابقاً للواقع كذلك، أمّا العلاقة بين الحجاب والسلامة النفسيّة للمرأة فهي قضيّة وصفيّة.
وأكّد العلاّمة مصباح اليزدي قائلاً: نفهم بالالتفات إلى ما تقدّم أنّه إذا كان المراد من العلم هو العلم الخالص؛ أي العلم بظاهرة معيّنة، فمن الممكن حصول هذا العلم من دون تأثير العوامل النفسيّة والعقائديّة وإنّ الكافر والمؤمن في هذا العلم سيصلان إلى نفس النتيجة، لكنّ القضيّة تختلف بالنسبة للعلوم الأمريّة.
وعبر بيان سماحته أنّ هذه التوضيحات من شأنها أن تقدّم جواباً شافياً على الأسئلة الاُخرى، تطرّق إلى السؤال القائل: «هل يرى كلّ شخص العالَمَ من منظاره الخاصّ»؟ وقال ردّاً عليه: ما المراد من النظر هنا؟ فإن اُريد به الظواهر الطبيعيّة فإنّها تتشابه عند الجميع ولا فرق بين المسلم والملحد، بيد أنّه عندما يأتي دور الحكم القيميّ، فإنّ المناظير ستختلف وستختلف معها النتائج المستحصلة منها أيضاً.
وأثناء إجابة رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث على السؤال: «هل يحمل المؤمن والكافر انطباعاً واحداً بالنسبة للظواهر المختلفة»؟ قال: بالنسبة للظواهر الطبيعيّة فإنّ انطباعهما واحد، أمّا بخصوص الظواهر التي لها أثر على سلوك الإنسان وسعادته وشقائه فإنّ انطباعهما مختلف.
يُذكر أنّ الاجتماع الخامس الذي تناول موضوع العلم الدينيّ قد عُقد يوم الخميس الموافق للسابع من حزيران 2012م في قاعة مؤتمرات مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org