بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 26 آب 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الجهاد؛ دعامة الإيمان الرابعة

«وَالجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الفَاسِقِينَ»1.كنّا نتأمّل في حديث أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في جوابه لمن سأله عن الإيمان عندما قال: «الإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ وَاليَقِينِ وَالعَدْلِ وَالجِهَادِ» وقد تحدّثنا في الليالي الماضية بمقدار ما وفّقنا الله سبحانه وتعالى عن الدعائم الثلاث الاُولى، وارتباط الدعائم الأربع مع بعضها، وتأثيرها على تقوية الإيمان. وقد ذكرنا أنّ الركنين الأوّلين، أي الصبر واليقين، يتعلّقان بسلوك الإنسان الفرديّ في حين يرتبط الركنان الآخران بسلوكه الاجتماعيّ.

تأمّل في مسير تحوّل الألفاظ

لقد اتّخذت الكثير من المفاهيم المذكورة في القرآن الكريم والروايات والموجودة في ثقافتنا الإسلاميّة - اتّخذت اليوم معاني خاصّة. وبعبارة اُخرى فإنّ المعنى الذي اُريد من هذه الألفاظ في الآيات والروايات لا يشبه ما نفهمه نحن اليوم منها، بل إنّ المعنى الذي كان يُراد منها هو أعمّ أو أخصّ. كما ومن الممكن أيضاً أن يختلف المعنى اللغويّ لهذه الألفاظ عمّا هو مستعمل في الثقافة الدينيّة.
فكلمة «التقيّة» على سبيل المثال تعني حفظ النفس من الأخطار وهي ترادف في المعنى كلمات من قبيل الاتّقاء، والتُقاة، والتقوى. فكلمة التقيّة كانت تُستعمل في زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) بما يناظر كلمة التقوى؛ فقد جاءت في نهج البلاغة عبارات استُخدمت فيها كلمة التقيّة عوضاً عن التقوى؛ نحو: «اتّقوا الله تقيّة»2. لكن بعد مضيّ مدّة من الزمن، وخصوصاً في زمان الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، اكتسبت كلمة التقيّة مدلولا خاصّاً؛ فقد شاعت في زمان هذين الإمامين (صلوات الله عليهما) المسائل الخلافيّة بين الشيعة والسنّة وكانت الحكومة – المنتسبة إلى المذهب السنّي – تحاول إقصاء الشيعة بل وقتلهم أحياناً. بالطبع فإنّ أصل مسألة التقيّة كان موجوداً حتّى في زمان النبيّ الأكرم (صلوات الله عليه وآله)؛ فالقرآن الكريم يقول: «إِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً»3؛ فكلمة «التُّقاة» هنا تعطي معنى التقيّة تماماً. لكنّ كلمة «التقيّة» قد أصبحت في زمان الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) مصطلحاً خاصّاً يطلق على السلوك الذي يتّبعه المرء في سبيل حفظ مذهبه ونفسه وماله وعرضه. فهذا السلوك ينطوي أيضاً على حفظ النفس من الخطر لكن ليس أيّ خطر.
أمّا كلمة: «الجهاد» فهي مأخوذة من «الجُهد» الذي يعني السعي والمثابرة. لكن عندما تصاغ مادّة في صيغة المفاعلة فإنّ أحد معانيها هو سلوك بين شخصين يحاول فيه أحدهما التغلّب على الآخر. فإن اُريد من هذه المادّة فعل شخصيّ وليس غير فلا تستعمل له لفظة: «الجهاد»، بل غالباً ما تستخدم كلمة: «الاجتهاد». وحتّى كلمة الاجتهاد هذه قد أصبحت بمرور الزمان تعني في علم الفقه وعلم الاُصول مصطلحاً خاصّاً. فعندما تُصاغ مادّة الجهد بصيغة المفاعلة يكون مصدرها «المجاهدة» و«الجهاد» ولابدّ أن تلاحَظ فيها قضيّة المواجهة بين شخصين ومحاولة كلّ منهما الإطاحة بالآخر أو محاولة أحدهما على الأقلّ التغلّب على الآخر. ولم يُلحظ في المعنى اللغويّ للجهاد والمجاهدة أكثر من هذا المعنى. ولهذا فعندما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ الركن الرابع للإيمان هو الجهاد، فإنّ المفروض هنا هو أن يوجَد أمام الشخص عدوٌّ مّا أو أيّ شخص يمارس سلوكاً غير مناسب وعلى هذا الشخص بذل الجهد لمواجهته. وهذا هو المعنى اللغويّ للجهاد وقد جاء في القرآن الكريم بنفس هذا المعنى أيضاً. لكنّه بمرور الزمان فقد أصبحت كلمة الجهاد مصطلحاً فقهيّاً خاصّاً. ومن هنا فإنّه يقال في الكتب الفقهيّة عادة: إنّ الجهاد على ثلاثة أقسام: الجهاد الابتدائيّ مع الكفّار والمشركين، والجهاد الدفاعيّ في مقابل المعتدين على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم، والجهاد مع البغاة؛ وهو مقارعة الثائرين على حكومة الحقّ. إذن فالمقصود من الجهاد ضمن هذه الأجواء هو الجهاد العسكريّ الذي يُلجأ فيه إلى السلاح. أمّا معنى الجهاد اللغويّ المستخدم في القرآن والسنّة فهو يعمّ كلّ جهد يُبذل ضدّ العدوّ؛ سواء في المجال الاقتصاديّ بإنفاق المال، أو في المجال الثقافيّ، أو على الصعيد السياسيّ، وسواء أكان هذا الجهد موجّهاً ضدّ العدوّ الخارجيّ أم ضدّ النفس.
إذن فما هو معنى الجهاد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الأخذ بهذه النقاط بنظر الاعتبار؟ عندما تكون للفظة معيّنة مصطلحات واستخدامات متعدّدة فلابدّ من الاستعانة بالقرائن الكلاميّة أو المقاميّة لفهم المعنى المراد منه. فموضوع البحث في كلام عليّ (عليه السلام) يدور حول الإيمان والعوامل الداعمة له. لكنّ هذه القرينة لوحدها لا توضّح ما إذا كان المراد من كلمة الجهاد هو الجهاد المسلّح أو معنىً أوسع من ذلك. لكن من خلال القرائن والتوضيحات اللاحقة يتبيّن أنّ الجهاد العسكريّ ليس هو المعنى الوحيد الذي اُريد هنا بل قد اُريد معنى أوسع من ذلك. وقد استُخدم مثل هذا المعنى العامّ في القرآن الكريم والروايات الاُخرى أيضاً. فالقرآن الكريم مثلاً يقول: «وَالَّذينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا»4؛ فكلّ مقارعة مع عدوّ الحقّ هنا تُعدّ مصداقاً لهذه الآية الشريفة. وحتّى أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه يقول في هذه الرواية مواصلاً لحديثه: «والجهاد منها على أربع شُعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشَنَآن الفاسقين»؛ فالجهاد الذي يحفظ الإيمان ويقوّيه ينقسم إلى أربع شعب: اُولاها وثانيتها هما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن المسلّم أنّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون عبر السلاح فحسب، بل هناك أمر ونهي باللسان أيضاً. إذن فالجهاد الذي ينقسم إلى أربع شعب لا ينحصر بالجهاد المسلّح، بل يحمل معنى أوسع من ذلك وهو عبارة عن المجاهدة ضدّ عدوّ الحقّ بأيّ وسيلة كانت.
أمّا الشعبة الثالثة من الجهاد فهي «الصدق في المواطن». ويظهر أنّ لفظة المواطن قد اقتُبست من القرآن الكريم حيث يقول عزّ من قائل: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي‏ مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ»5؛ ويراد من المواطن هنا المواقف العسكريّة. إذن فـ «الصدق في المواطن» يعني: عليكم أن تكونوا صادقين في المواضع التي أبرمتم فيها مع الله ميثاق دمٍ وعاهدتموه على الثبات على العهد والتضحية حتّى آخر قطرة دم في عروقكم. وقد قدّمنا في المحاضرات السابقة توضيحاً لكلمة الصدق وقلنا إنّه لا يقتصر على الصدق في الكلام بل يشمل الوفاء بالعهد أيضاً. إذن فالمصداق القطعيّ لعبارة الصدق في المواطن هو الوفاء بعهد الجهاد العسكريّ.
وأخيراً فإنّ الشعبة الرابعة من الجهاد هي معاداة الفاسقين «شَنَآن الفاسقين»؛ والشنآن هو العداء المقرون بالغلظة والشدّة. وقد استُعملت كلمة: «شنآن» في القرآن أيضاً وذلك في قوله تعالى: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلاّ تَعْدِلُواْ»6؛ أي عندما تحكمون بين الناس ينبغي أن يكون حكمكم عادلاً. وحذار من أن يؤدّي عداؤكم لأحد إلى زيغ في حكمكم.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ الشعبة الرابعة من الجهاد هي أن تعادوا من يسحق الأوامر الإلهيّة تحت قدميه بكلّ وقاحة ولا يقيم للقيم الإسلاميّة وزناً. فهناك نوع من العداوة في قلوب المؤمنين تجاه أهل الفسق والفجور. ولو كان هذا العداء غير موجود في قلوبنا فإنّنا لن نوفَّق في ساحة الجهاد، بل ولن ننجح في إنجاز سائر تكاليفنا أيضاً. فالشخص الذي لا يعتبر في قلبه أنّ الصهاينة الجناة أعداءٌ، فإنّه لن يتورعّ من أجل مصالحه الدنيويّة عن شراء بضائعهم أو تقوية اقتصادهم. فلو لم تكن هذه العداوة فإنّ المرء لا يستطيع الوفاء بعهده في ساحة الجهاد الاقتصاديّ.

توضيح لمفردات شُعب الجهاد

مفاهيم «الأمر بالمعروف» و«النهي عن المنكر»

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من المفردات التي تعرّضت بمرور الزمان إلى تغيّر في المعنى، بحيث اُضيفت تدريجيّاً إلى المعاني اللغويّة للأمر والمعروف والنهي والمنكر قيود أو حُذفت منها قيود فتحوّلت إلى مصطلحات خاصّة. فكلمة: «الأمر» تعني إصدار القائد أو المسؤول الأعلى أمراً إلى مَن دونه وهذا الأمر يكون غالباً باللسان أو الكتابة. و«النهي» هو في مقابل الأمر. أمّا «المعروف» فهو من عائلة «عَرَف» و«المعرفة» وأمثالهما. والمعنى اللغويّ والأصليّ للمعروف هو «الشيء الذي يُعرف». وفي مقابله «المنكر» وهو «غير المعروف». فعندما أعرف شخصاً أقول: إنّه معروف لديّ، أو عندما يعرف الناس امرأ فإنّهم يقولون: إنّه شخص معروف. لكنّه عندما يأتي المعروف والمنكر ضمن عنوان أحد فروع الدين فإنّهما لا يحملان هذا المعنى. ففي العرف العامّ، أي بقطع النظر عن الشرع وأحكامه، عندما يقال: أمر معروف فإنّه يضاف إلى المعروف قيد غير مكتوب؛ بمعنى: كونه عملاً يعلم العقلاء أنّه ينبغي عليهم القيام به. وهذا المعنى للمعروف هو ما يُصطلح عليه في العرف العامّ، وطبقاً لهذا المصطلح فإنّ المعروف هو الشيء الذي ينظر إليه العقلاء على أنّه حسن. أمّا «المنكر» فهو يعني الشيء الذي لا ينظر إليه العقلاء على أنّه حسن ولا يرونه كذلك.
لكنّ مفردتَي المعروف والمنكر قد تحوّلتا فيما بعد إلى مصطلحين دينيّين فقهيّين. فالمعروف وفقاً لهذا المصطلح هو الشيء الذي يراه المتديّنون حسناً في نطاق الشرع. فمن الممكن أن يرى المتديّنون شيئاً حسناً ولا يراه جميع العقلاء كذلك، أو أن يرى المتديّنون شيئاً قبيحاً في حين أنّ بعض العقلاء لا يرونه كذلك. وإنّ المعروف والمنكر الإسلاميّين هما اللذان يعرفان بعنوان كون الأوّل حسناً والثاني قبيحاً في المحيط الإسلاميّ وضمن بيئة المتشرِّعَة، لا في أوساط الفسّاق والكفرة. وبالطبع فإنّ المناط في تعيين حُسن المعروف وقُبح المنكر وفقاً لهذا المصطلح هو الدين نفسه.

جواب على مغالطة

يزعم البعض أنّ الأمر بالمعروف يعني أنّ يتعلّم الناس الدين جيّداً أوّلاً قبل أن يتمّ أمرهم به؛ لأنّ المعروف يعني الشيء الذي يُعرف. وهذا الكلام فيه مغالطة؛ لأنّ المعنى اللغويّ للمعروف هو الشيء الذي يُعرف، بيد أنّ هذه المفردة لها عدّة اصطلاحات. فهي تعني وفق أحد اصطلاحاتها - الذي تكون دائرته أضيق بعض الشيء من معناه اللغويّ – ما يراه العقلاء حسناً. وهذا المصطلح يُستعمل حينما يكون العقل قادراً على إدراك حُسن الشيء أو قبحه. أمّا المعروف في العرف الدينيّ فهو ما يُعرف في الدين بأنّه حسن حتّى وإن لم يدرك جميع العقلاء حُسنه، وإنّ المنكر في الوسط الدينيّ هو ما يُعرف في الدين بأنّه قبيح، حتّى وإن لم يره جميع العقلاء قبيحاً. فكلّ ما يراه الدين حسناً ويرى أداءه واجباً يجب الأمر به سواء أعرفه الناس أم لم يعرفوه. فعندما نهى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن عبادة الأوثان ووَأد البنات لم يكن الناس يرون في هذه الأعمال قُبحاً، لكنّه كان على النبيّ أن ينهى الناس عمّا يراه الله عزّ وجلّ قبيحاً. فإذا كان الله يرى أمراً قبيحاً ولا يراه الناس كذلك فإنّه يتعيّن على المؤمنين في البداية تكليف آخر ألا وهو تعليم الجاهل؛ فعليهم أوّلاً أن يفهموه بأنّ هذا العمل قبيح، أمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو تكليف آخر يتحتّم القيام به في محلّه. فإن قلنا: يتعيّن أوّلاً معرفة الدين ومن ثمّ الأمر بالمعروف، فسيتبادر السؤال التالي إلى الأذهان: إلى متّى ينبغي انتظار ذلك؟ ففي كلّ مجتمع هناك ثلّة تعتبر أفدح المعاصي حسنة. فهل علينا أن ننتظر حتّى يَعتبِر هؤلاء أيضاً هذه الذنوب قبيحة؟! إذ - في هذه الحالة - لن يصل الدور إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبداً بل وسيُلغى هذا التشريع من الأساس. فإن أحببنا أن يعرف جميع الناس الحسنات والقبائح فلابدّ من تنفيذ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لآلاف المرّات. وإن لم تُمنع أكثر المفاسد فلن تحصل هذه المعرفة. فإن قال أحدهم: «أنا لا أرى فعل الذنب الفلانيّ قبيحاً» فهل يتعيّن القول: إنّه مجاز في فعله؟! فأمثال هذه المغالطات هي من إلقاءات الشيطان التي يراد منها ترك أعظم فريضة في الإسلام وتقديم تبرير لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنّ جذورها تعود إلى عدم إدراك هؤلاء لكون المفردة قد تتعرّض على مرّ الزمان إلى تحوّلات وأنّه يجب التفتيش عن معنى كلّ كلمة في عُرف نزولها وصدورها، وإذا كانت من الألفاظ المشتركة فلابدّ من اللجوء إلى القرائن بغية تعيين المعنى المراد منها.
الالتفاتة الاُخرى هي أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ذُكر في فروع الدين كقسيم للجهاد، أمّا هنا فيقول أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما شعبتان من شعب الجهاد. فهذا الجهاد هو غير الجهاد الذي يُذكر في فروع الدين إلى جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنّ له معنى أعمّ منه. وبناءً عليه ينبغي لنا النظر في ماهيّة مصطلحات كلّ بيئة وأن نفهم اللفظ ونفسّره ضمن هذا الإطار كي يكون تحقيقنا وبحثنا صحيحاً فلا نستعمل المصطلح المستخدَم في بيئة خاصّة في مكان آخر. فإنّ عدم الالتفات إلى معاني المصطلحات هو علامة على الجهل؛ هذا إذا لم يكن ثمّة سوء نية في البين؛ كأن يقول امرؤ في درس الرياضيّات حينما يتمّ الحديث عن درس الجبر: «لا جَبْرَ ولا تفويض»!7 فهذا يدلّ على الجهل وعدم الاطّلاع على المسائل العلميّة.

مفهوم «شنآن الفاسقين»

جاء في أحاديث كثيرة أنّ أوّل مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي حالة قلبيّة تنتاب الآمر أو الناهي؛ بمعنى أنّه عندما يشاهد المؤمن ما يجري في المجتمع من ألوان المفاسد والمعاصي والتمرّد على القوانين والاستهتار بها وما إلى ذلك فإنّ أوّل ما يجب عليه في عمليّة التعاطي مع هذه الظواهر هو شعوره باستياء قلبيّ. فقد ورد في روايات جمّة أنّ من واجب المؤمن أن يلقى المتجاهر بالفسق بوجه عبوس. وقد جاء في الخبر أنّ الله بعث ملكَين لعذاب جماعة من الناس فوجد أحدُهما رجلاً يدعو الله ويتضرّع إليه أن لا يُنزل العذاب على هؤلاء. فرجع الملك وسأل الله عن طلب هذا الرجل، فجاءه الخطاب من الله عزّ وجلّ: «امضِ بما أمرتُك به فإنّ ذا رجل لم يتَمَعَّر وجهُه غيظاً لي قطّ»8؛ أي لم يقطّب وجهه لأجلي ولا مرّة واحدة طيلة عمره.
إذن فأوّل ما على المؤمن فعله عند مواجهة فعل المعصية هو شعوره بالاستياء القلبيّ ثمّ ظهور هذا الاستياء على قسمات وجهه. أمّا في المرحلة الثالثة فعليه أن ينهى عن ذلك بلسانه فإن لم يترك ذلك أثراً فسيأتي الدور للمراحل اللاحقة ممّا يتعيّن أحياناً تدخّل أجهزة الحكومة الرسميّة. فالذي لا يمقت الذنب فسيُبتلى شيئاً فشيئاً بنفس هذا الذنب وسيحيق به الفسق، ولا ريب أنّ إيمان الإنسان الفاسق يكون في خطر وقد يغادر الدنيا وهو كافر.
فإنّ في رقابنا واجبين تجاه المعصية: الأوّل هو الاستياء من فعل المعصية نفسها أيّاً كان الشخص الذي صدرت منه. أمّا إذا بدرت من المؤمن فلا ينبغي أن نتبرّأ منه - إذ أنّ من واجبنا حبّ المؤمنين حتّى وإن كانوا في أوطأ مراتب الإيمان – بل أن نعدّ فعله قبيحاً. أمّا الذين دأبهم المعصية والذين لا يقيمون أدنى وزن للقيم الدينيّة والمعتقدات الإلهيّة فيتعيّن التبرّؤ منهم واعتبارهم أعداء، بالضبط كما صرّح إبراهيم الخليل (عليه السلام) ومَن معه عندما واجهوا المشركين: نحن برآء منكم وإنّ بيننا وبينكم عداوة حتّى تؤمنوا: «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ»9. ونحن أيضاً مكلّفون بأن نعادي من أعماق قلوبنا كلّ مَن يضمر العداء للدين والنظام الإسلاميّ حتّى وإن أظهر الإسلام والثوريّة نفاقاً. فعبارة: «شنآن الفاسقين» هي غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ يتحتّم علينا أن نعاديهم في قلوبنا، وإلاّ ضعف إحد أركان إيماننا ولن يكون هذا الإيمان ثابتاً راسخاً، بل سيكون عرضة للخطر والسقوط.

أعاذنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. نهج البلاغة، الحكمة 31.

2. نهج البلاغة، الحكمة 210.

3. سورة آل عمران، الآية 28.

4. سورة العنكبوت، الآية 69.

5. سورة التوبة، الآية 25.

6. سورة المائدة، الآية 8.

7. الكافي، ج1، ص160.

8. الكافي، ج5، ص58.

9. سورة الممتحنة، الآية 4.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org