الجلسهَ الرابعهَ: العدل؛ دعامهَ الایمان الثالثهَ

تاریخ سخنرانی: 
1390/02/05

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 25 آب 2011م نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

العدل؛ دعامة الإیمان الثالثة

تتمّة لما فات

«وَالعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَائِصِ الفَهْمِ، وَغَوْرِ العِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ، وَرَسَاخَةِ الحِلْمِ. فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ یُفَرِّطْ فِی أَمْرِهِ وَعَاشَ فِی النَّاسِ حَمِیداً»1.
یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی جوابه لمن سأله عن الإیمان: «یُدعَم الإیمان ویقوّى بأربعة عوامل هی الصبر والیقین والعدل والجهاد». وقد قلنا فی تبریر العلاقة بین هذه المفاهیم إنّ الدعامتین الاُولیین - ألا وهما الصبر والیقین - ترتبطان بالسلوك الفردیّ للإنسان أمّا الركنان الآخران - ألا وهما العدل والجهاد - فیرتبطان بسلوكه الاجتماعیّ. ولقد تحدّثنا فی المحاضرتین السابقتین عن الصبر والیقین وشُعَبهما. ومن أجل تتمیم التبریر المذكور نستطیع القول: لقد تمّ اختیار العدل والجهاد من باب أنّ هناك قضیّتین تُطرحان بخصوص الإنسان الذی یعیش فی نطاق مجتمع: الاُولى هی: كیف یتعیّن علیه أن یكون ویتصرّف فی المجتمع؟ والثانیة هی: ما هو تكلیفه تجاه الآخرین؟ وعلى هذا الأساس فإنّ العنصر الثالث الذی ذُكر هنا هو «العدل»؛ وهو یوضّح مكانة الإنسان فی الحیاة الاجتماعیّة من جهة تعیین تكلیفه تجاه الآخرین؟

شكل النظام الذی یقوم على العدل

وهنا یُطرح سؤال مفاده: إذا أردنا معرفة واجباتنا الاجتماعیّة وأحببنا العمل بموجبها فما الذی سنحتاجه؟ ولا بأس أن نقول هنا من باب المقدّمة: إنّ أساس الحیاة الاجتماعیّة مبنیّ على العلاقة التی تربط أفراد المجتمع ببعضهم البعض. فكلّ فرد فی المجتمع، مهما كان المجتمع صغیراً، لابدّ وأن یتأثّر بأفراده الآخرین من ناحیة وأن یؤثّر فیهم من ناحیة اُخرى، وأن ینتفع من الآخرین من جهة، وینفعهم من جهة اُخرى. فإنّ الحیاة الاجتماعیّة أساساً لا تستمرّ إلاّ من خلال هذه العلاقات. المهمّ هو أنّه فی ظلّ هذه العلاقات لابدّ أن تكون السلوكیّات ممّا یؤمِّن حقوق الآخرین ولا یسمح بتعدّی وظلم أحدهم للآخر. إذن فإنّ من واجب كلّ فرد فی المجتمع معرفة حقوق الآخرین ومراعاتها. فإذا أحبّ المرء أن یكون سلوكه مع الآخرین عادلاً فعلیه أوّلاً أن یعرف ما هو العدل، وإذا أراد أن یراعی حقوق الناس، تحتمّ علیه أن یعرف ما معنى الحقوق وما لأفراد المجتمع من حقوق على بعضهم البعض، وما الذی علیهم - فی المقابل - من واجبات تجاه بعضهم البعض. إذن فإذا تقرّر إقامة مجتمع بشریّ یسوده العدل ویهدف إلى تأمین مصالح جمیع أفراده فعلى جمیع هؤلاء الأفراد أن یعلموا ما الذی علیهم من واجبات تجاه غیرهم وما لهم من حقوق فی هذه الحیاة الاجتماعیّة. لاسیّما نحن - الذین نعتقد بأنّ الحیاة الدنیا هی مقدّمة للسعادة الأبدیّة – فمن الضروریّ أن نعرف ما لنا من حقوق وما علینا من تكالیف لیتسنّى لنا توفیر أسباب سعادتنا.

الفهم العمیق هو أوّل شرط لاستتباب العدالة

یبیّن الإمام علیّ (علیه السلام) فی المقطع الذی تلوناه فی مستهلّ المحاضرة السبیلَ للوصول إلى هذا النظام المبنیّ على العدالة ویذكر أربع شُعب للعدل. إذن فالعدل - الذی یمثّل بذاته دعامة من دعائم الإیمان - ینقسم إلى أربع شُعب لكلّ واحدة منها تأثیر على الاُخرى. ومن أجل إقامة نظام عادل فإنّ علینا أن نعرف، بادئ ذی بدء، أیّ الأنظمة یكون عادلاً. ومن هنا فإنّنا بحاجة إلى قوّة تتمتّع بفهم صحیح یمكن الوثوق به. وكما أسلفنا فی البحث السابق فإنّ بعض الناس یراقبون مجریات العصر بنظرة سطحیّة ولا یتمتّعون بفهم عمیق للاُمور. وحتّى فی المسائل الاجتماعیّة فإنّ أمثال هؤلاء یمتلكون نفس النظرة؛ فعلى صعید الاُسرة - على سبیل المثال - فإنّهم لا یلتفتون إلى مسائل من قبیل ما للأبناء أو الآباء من حقوق على بعضهم البعض وما علیهم من واجبات تجاه بعضهم البعض، وما هی واجبات كلّ من الزوجین على بعضهما البعض وحقوقهما تجاه بعضهما البعض؟ إذن علینا أوّلاً أن نتمتّع بفهم وإدراك یمكن الوثوق بهما من أجل الخوض فی ماهیّة الأحكام الاجتماعیّة والحقوق والواجبات. من هذا المنطلق یقول الإمام (علیه السلام): إنّ الخطوة أو الشعبة الاُولى للعدل هو: «غَائِص الفَهم»؛ أی الفهم النافذ. فـ «الغائص» هو من الغوص فی الماء، والغوّاص هو الذی ینفُذ من سطح الماء الظاهر إلى أعماقه. إذ لا یقال لمن یسبح على سطح الماء غوّاص، بل هو سبّاح. فبإمكان الإنسان أن یستخدم فهمه بصورتین: الاُولى بسیطة وسطحیّة لا یُنظَر فیها إلاّ إلى السطح، وإنّ كلّ ما یدركه لا یعدو كونه ظاهر الأمر، والثانیة نافذة بحیث یجتاز فیها السطح إلى العمق. یقول (علیه السلام): إذا أحببنا أن ننظّم سلوكنا على أساس العدل ونقوّی بذلك إیماننا فلابدّ أوّلاً أن نتحلّى بفهم نافذ وعمیق. ففی عبارة: «غَائِص الفَهم» اُضیفت الصفة إلى الموصوف وهی تعنی الفهم النافذ. وهذا الفهم هو مجرّد وسیلة ولیس له محتوىً بذاته.

غور العلم هو ثانی شُعَب العدل

لكن لأیّ شیء تُستخدم هذه الوسیلة؟ وأیّ لؤلؤٍ یتعیّن علینا استخراجه بهذا الفهم؟ یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام): الشعبة الثانیة للعدل هی «غَور العِلم»؛ أی العلم العمیق الذی یجب استخراجه بذلك الفهم النافذ. فعبارة: «غَور العِلم» اُضیفت فیها الصفة إلى الموصوف أو المصدر إلى المفعول. بمعنى أنّنا إذا تحلّینا بفهم نافذ استطعنا الحصول على علم عمیق یمكن الاعتماد علیه ونستطیع من خلاله التوصّل إلى مباحث لا یمكن استخلاصها بسهولة؛ وهی مباحث یستوجب فهمها وإدراكها الكثیر من التمعّن والتدقیق والغوص فی الأعماق.

الحُكْم الزاهر هو ثالث شُعب العدالة

لكنّ العلم ینطوی على طیف واسع من المسائل ویشمل قواعد كلّیة وعامّة. ومن هنا فإنّه یتعیّن علینا الوصول - بمساعدة هذه القواعد – إلى الحكم فی المسائل الجزئیّة. بمعنى أنّنا إذا علمنا ما هو السلوك الاجتماعیّ الذی ینمّ عن إیمان، فعلینا الإفادة من هذا العلم فی تشخیص ما إذا كان سلوكنا حسناً أم قبیحاً. ومن أجل ذلك فإنّنا بحاجة إلى شكل من أشكال الحُكم. فالحكم فی الحقیقة هو تطبیق للقواعد الكلّیة العامّة على مورد بعینه. فإذا كنّا قد فهمنا القواعد بشكل جیّد وكان فهمنا نافذاً أیضاً فسیكون بمقدورنا أن نحكم حكماً صائباً یكون له الأثر فی تكاملنا وتكامل مجتمعنا. ومن هذا المنطلق یقرّر مولانا أمیر المؤمنین (سلام الله علیه) بأنّ الشعبة الثالثة للعدل هی: «زُهرَة الحُكْم». و«الزهرة» هی من الجمال والإشراق. فإذا كنّا نمتلك فهماً نافذاً وعلماً عمیقاً فسیكون باستطاعتنا أن نحكم حكماً زاهراً، وهو الحكم الذی یلتذّ العاقل إذا شاهده.

لابدّ لتنفیذ العدل من الحِلْم

القضیّة الاُخرى هی أنّ ردّ فعلنا بعدَ حُكمنا فی هذا المورد قد یكون عاطفیّاً. فمثلاً إذا ارتكب شخص جنایة وقد علمنا – استناداً إلى الحكم العادل والصحیح – أنّه یمكننا تنفیذ حكم القصاص فی حقّه، لكن قد تغلب علینا العاطفة فی مقام العمل فنتجاوز حدودنا؛ فإذا كان – مثلاً – قد وجّه صفعة واحدة فإنّنا نوجّه له صفعتین فی حین أنّنا لا نملك مثل هذا الحقّ. فإذا لم نشأ أن نصفح عنه ولم تقتض المصلحةُ العفوَ فإنّ الحكم الصحیح یكمن فی القصاص. أمّا إذا أردنا أن ننفّذ فی حقّه القصاص فعلینا أن ننفّذه ببرود أعصاب وصبر: «رَسَاخَة الحِلْم». فإذا غلب علیّ الغضب وأخذَتْنی العاطفة أصبحتُ ظالماً وجانیاً ولن یُصار إلى مراعاة العدالة فی مثل هذه الحالة. فإنّ الفرض الذی فرضناه هو أنّنا نرید إقامة نظام مبنیّ على العدل وأن نشخّص واجبنا ضمن هذا النظام. ومن هنا فإنّ هذه الشُّعَب الأربع تترتّب إحداها على الاُخرى.

ترتّب شُعب العدالة

من هذا المنطلق یقول الإمام علیّ (علیه السلام): «فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ»؛ أی إذا امتلك المرء فهماً نافذاً فإنّه سیظفر بعلم عمیق بالسلوك الذی ینمّ عن إیمان وهو ما سیؤدّی إلى تقویة إیمانه. «وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ». وهنا لم یستخدم بعض الشرّاح مصطلح الفهم النافذ فی توضیحهم لهذه العبارة وظنّوا أنّ عبارة: «شرائع الحكم» تعنی: أحكام الشریعة. لكنّنا إذا اعتمدنا هذا التفسیر فلن یكون لعبارة: «صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ» معنىً واضحٌ. فإنّ «صَدَر» تُسخدم فی مقابل «وَرَد». ففی قدیم الزمان كانت تُجعل للنهر مداخل تُستخدم كسُبُل للذهاب إلى النهر والاستسقاء من مائه تسمّى الواحدة منها «شریعة». و«الشرائع» جمع شریعة وهی الطرق والمشارب المستخدَمة للوصول إلى ماء النهر. فإذا ذهب أحدهم إلى النهر قیل: «وَرَد الشریعة»، وعندما یرد الماء ویغادر یقال: «صدر عن الشریعة». وإذا عدنا إلى كلام أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی هذه الروایة وجدناه یقول: «وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ»؛ أی إنّ الذی ظفر بالعلم العمیق فإنّه سیخرج من شرائع الحكم. إذ یُفهم من هذه العبارة أنّ هذا الشخص قد ورد شرائع معیّنة لیستسقی لنفسه وللآخرین ماءً وقد خرج منها بعد أن وجد ضالّته. وقد شَبّهت هذه العبارة طُرق معرفة الأحكام والقوانین والحقوق والقواعد السلوكیّة فی الاُمور الاجتماعیّة بالشرائع. وكأنّ نظام الحقوق المستند إلى الإیمان أشبه بنهر شُقَّت على جانبیه طُرُق للورود إلى مائه. فالذین یرِدون عبر الطرق الصحیحة یستطیعون النیل من مائه؛ فیرتوون هم من الماء ویستسقون للآخرین فی آن واحد. لكن إذا لم یَلِج المرء من خلال الطرق الصحیحة، ولم یكن یتحلّى بالفهم النافذ والدقّة الكافیة فسیرجع ضمآن. وأمّا بعد تشخیصنا لتكلیفنا فعلینا تنفیذ حكمنا الصحیح بدقّة مع الصبر والحلم.
یبقى من دعائم الإیمان وأركانه ركنٌ واحد وهو: هل إنّ فی رقابنا واجباً تجاه الآخرین؟ وهل یتعیّن علینا أن نراقب تصرّفاتهم أیضاً؟ وهل یجب علینا الاصطدام مع مرتكب المخالفة؟ فهذه المسألة تؤلّف الركن الرابع من أركان الإیمان الذی سنتعرّض له فی المحاضرة القادمة.
إذن فمحصّلة كلامنا فی محاضرة الیوم هی أنّ الركن الثالث من أركان الإیمان هو العدل، وأنّ له أربعَ شُعب هی: الفهم النافذ، والعلم العمیق، والحكم الزاهر، والحلم والسیطرة على السلوك كی لا یتجاوز المؤمن حدود السلوك الذی ینمّ عن عدل.

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله


1. نهج البلاغة، الحكمة 31.