ثلاثاء 08 /01 /2013

قال عضو مجلس خبراء القيادة مشيراً إلى أنّ للقيم في الإسلام مراتبَ: القيمة المطلقة هي لله عزّ وجلّ وهو تعالى يعدّ كلّ أمر ينتسب إليه – بشكل من الأشكال – ذا قيمة. وبمجرّد أن يُنجَز عملٌ ما بغية الفوز بالجنّة أو النجاة من عذاب جهنّم الذي قدّره الله عزّ وجلّ فإنّه تعالى يعدّه ذا قيمة. ليس هذا فحسب، بل حتّى العمل الدنيويّ الذي يمكن أن يهيّئ الأرضيّة ويمهّدها للقيم الإلهيّة فإنّه سبحانه وتعالى يعدّه ضرباً من القيم ولا يغفله.

حسب تقرير الموقع الإعلاميّ لمركز آثار سماحة آية الله مصباح اليزدي فقد أعرب رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث في الملتقى الوطني لتعليم القيم والتربية عليها – أعرب عن شكره لمنظِّمي هذا الملتقى وقال: على الرغم من أنّ كلمة «التربية» تطلَق أيضاً على تربية الشجر والحيوان والرضيع، لكنّ التربية المتعلّقة بالإنسان المكلّف البالغ العاقل تعني تمهيد الأرضيّة من أجل قيامه باختيار صحيح من شأنه أن يقوده نحو الكمال.
وعبر إشارة العلاّمة مصباح اليزدي إلى أنّ عمليّة نموّ الإنسان هي عمليّة اختياريّة أضاف قائلاً: إنّ دور المربّي يقتصر على تمهيد الأرضيّة، وتقوية الدافع، وإيقاظ العوامل المضمَرة والخفيّة ورفعها إلى السطح من أجل أن يسلك الإنسان السبيل القويمة باختيار منه.
وتابع عضو مجلس خبراء القيادة مشيراً إلى ما للقيمة من مدلولات مختلفة قائلاً: يضيّق البعض مفهوم «القيمة» فيجلعه مقتصراً على الآداب الدينيّة، في حين يعمد البعض الآخر إلى توسيعه إلى درجة استيعابه للآداب العرفيّة والاجتماعيّة وحتّى الفرديّة، بينما يرى البعض الثالث أنّه مساوٍ للقيم الأخلاقيّة.
ولدى بيان سماحة مصباح اليزدي أنّ أكثر البحوث حول القيمة شيوعاً هو ما نعرفه نحن بمعنى الآداب والأدب استطرد سماحته قائلاً: يمكن أن تشمل القيمةُ القيمَ الأخلاقيّة أيضاً. وانطلاقاً من فهمنا لماهيّة جذور القيم في حقل فلسفة الأخلاق، فمن الممكن أن تكون هذه الأخلاق أخلاقاً إسلاميّة أو غير دينيّة.
وفي معرض إشارة آية الله مصباح اليزدي إلى اختلاف المفكّرين والفلاسفة الباحثين في هذا المضمار في النزعة والاتّجاه الفكريّ قال: يتّسم البعض بنزعة واقعيّة براغماتيّة في تعاطيه مع هذا الموضوع؛ فهو لا يتقصّى جذوره وفلسفته، بل يعتبره ذا قيمة بمقدار ما هو مقبول في المجتمع. أمّا البعض الآخر فيتبنّى اتّجاهات وضعيّة وينظر إلى القيم نظرة نسبيّة وأنّها قابلة للتغيير والتبدّل؛ بمعنى أنّه من الممكن أن يكون أمر ما ذا قيمة الآن لكنّه قد يتحوّل في المستقبل إلى أمر غير ذي قيمة أو مضادّ لها.
وأضاف العلاّمة مصباح اليزدي مشيراً إلى الآراء الاُخرى الموجودة في هذا المجال قائلاً: من بين اُولئك الذين يرون أنّ القيم ترقى على ما هو متداول ومقبول عند المجتمعات البشريّة يذهب بعضهم إلى أنّ القيم هي أمر فطريّ، وبعضهم الآخر يذهب إلى أنّها أمر عقلانيّ، في حين يرى بعضهم الثالث أنّها قضايا عرفانيّة. بل إنّ هناك من يعتقد أنّ القيم لا تُستقى إلاّ من الدين، وأنّ الدين هو محض تعبُّد، وهذه الاتّجاهات شاعت أكثر في القرون الوسطى، ولعلّ الأشاعرة – القائلين بالحسن والقبح الشرعيّين – هم أقرب المسلمين إلى هذه النزعة. من هنا يتعيّن علينا تحديد موضعنا بين المدارس القيميّة، ذلك أنّه هناك اختلاف في هذا البحث حتّى بين المفكّرين المسلمين.
وأوضح آية الله مصباح اليزدي أنّ مسألة التربية على أساس القيم ليست بالأمر الجديد وقال: مسألة التربية على أساسي القيم هي عين ما كان يعرف في الماضي باسم الأدب والآداب؛ والأدب يراد منه وصول المرء إلى مرحلة تمكنه من الاختيار الصحيح والمناسب كي يعينه على بلوغ الكمال.
وأردف سماحته مشيراً إلى الآراء المختلفة حول ملاكات القيم قائلاً: يأخذ البعض القيمَ بنظر الاعتبار من باب كونها من دواعي تنعّم الناس بالدعة والأمن والحياة الهادئة المطمئنّة ومن ثمّ تأمين مصالحهم الدنيويّة، في حين يذهب البعض الآخر إلى أبعد من هذه الفكرة فيرى أنّ الحياة ليست مقتصرة على هذه الدنيا بل يضع في حسبانه ما يكون سبباً في نيل الجنّة والتنعّم بالحياة السرمديّة. لكن يبدو لنا أنّه حتّى هذا الرأي لا يُشبِع فطرة الإنسان الطالبة للكمال.
وذكر آية الله مصباح اليزدي أنّ القيم على نوعين؛ أصيل وسلوكيّ وقال: ليس للقيمة المطلقة مصداق إلا فيما يتعلّق بالله عزّ وجلّ حيث بمقدور المرء التقرّب منه تعالى. لكنّ الذين يستطيعون الظفر بهذه القيم الأصيلة ولا يأتون بفعل إلا على أساسها ومرضاةً لله، وليس من أجل المصالح الاُخرويّة فضلاً عن الدنيويّة، هم نادرون جدّاً.
وعبر إشارة سماحة مصباح اليزدي إلى أن الإسلام، ومن خلال نظرته الواقعية، يرى أن القيمة على مراتب وأن باستطاعة كل امرئ الحصول على مرتبة من مراتبها تابع قائلا: لهذا فإنّ الله تعالى يعدّ كلّ أمر ينتسب إليه – بشكل من الأشكال – ذا قيمة. وبمجرّد أن يُنجَز عملٌ ما بغية الفوز بالجنّة أو النجاة من عذاب جهنّم الذي قدّره الله عزّ وجلّ فإنّه تعالى يعدّه ذا قيمة. ليس هذا فحسب، بل حتّى العمل الدنيويّ الذي يمكن أن يهيّئ الأرضيّة ويمهّدها أمام القيم الإلهيّة فإنّه سبحانه وتعالى يعدّه ضرباً من القيم ولا يغفله.
وقال رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث مستشهداً بآية من الذكر الحكيم: القيم كلّها متعلّقة بالله تعالى ولابدّ أن يسطع شعاع منه كي يكون لأمرٍ ما قيمة.
وفي إشارة لسماحته إلى الثقافة الترقيعيّة المتفشّية في مجتمعنا المعاصر وبصمات النزعات المستورَدة من الثقافات الإلحاديّة على ثقافتنا قال: فالحجاب في حياتنا المعاصرة لا يُتعاطى معه أحياناً كقيمة إلهيّة، بل بعنوان كونه قيمة اجتماعيّة؛ بمعنى أنّ أصالة هذه القيمة تنبثق من المجتمع، وأنّ أفراد المجتمع يعتبرون الحجاب ذا قيمة من باب كونهم مسلمين، وليس من منطلق أنّ الحجاب هو قيمة ذاتيّة أو إلهيّة!
ومن خلال إشارة العلاّمة مصباح اليزدي إلى ضرورة إشاعة المثل الإلهيّة الأصيلة بين الأوساط المتعلّمة والمثقّفة من المسلمين تابع سماحته قائلاً: عندما تُبنى معتقدات الطبقة المثقّفة والمتعلّمة من المجتمع على اُسس القيم الإلهيّة فإنّها ستنفذ إلى شرائح المجتمع الاُخرى وتتفشّى فيها. أمّا إذا ترعرع هؤلاء في جوّ تربويّ غير إسلاميّ فسيتضاءل أثر القيم الإلهيّة على المجتمع وسيُتّهَم المتكلّمون بالمنطق الإسلاميّ بالكلاسيكيّة في التفكير.
وألمح آية الله مصباح اليزدي إلى تأثير الثقافة الترقيعيّة حتّى على أوساط المسؤولين وأصحاب المناصب في البلاد وقال: فقد يرجّح المرء بشكل غير شعوريّ – في عمليّة المقابلة بين القوميّة والدين – الرؤى القوميّة والنزعات الإيرانيّة [على التوجّهات الدينيّة] ويعمد إلى طرحها؛ ذلك أنّه منذ اليوم الأوّل الذي دخل فيه إلى المجتمع واسم إيران يتكرّر على مسامعه وقد بُني فكره على هذا الأساس. انّ أصالة القوميّة هذه ستترك أثرها على المجتمع وستؤدّي إلى حالة عدم الاكتراث بمصير الشعوب الاُخرى، الأمر الذي تجلّى بشكل واضح في شعار: «لا غزّة، لا لبنان، روحي فداء لإيران» .
وقال سماحة مصباح اليزدي مؤكّداً على إصلاح الاُصول الفكريّة: علينا أن نبدأ أوّلاً من الركائز الأساسيّة؛ ألا وهي علم معرفة الوجود الإسلاميّ، وعلم معرفة القيم الإسلاميّ، وعلم معرفة الإنسان الإسلاميّ وحلّ جميع ما يتعلّق بها من مسائل؛ فإن حصل ذلك فلن يعود هناك ما يستحقّ الطرح في مقابل الإسلام.
وفي جانب آخر من الحديث طرح العلاّمة مصباح اليزدي السؤال التالي: ما هي السبل التي يتعيّن اتّباعها من أجل توطيد القيم الإلهيّة والمثل الإسلاميّة في المجتمع؟ وقال مجيباً: علينا بادئ ذي بدء الالتفات إلى أنّ معنى التربية لا يقتصر على تربية التلاميذ في المرحلة الابتدائيّة حتّى يصلوا إلى الثانويّة، بل إنّها تشمل جميع الفئات من مختلف الأعمار؛ منذ الطفولة وحتّى الشيخوخة. ومن هذا المنطلق يتحتّم الإفادة من كافّة الإمكانيّات والطاقات المتاحة ووضع خطط لكلّ فئة عمريّة بما يتناسب مع مرحلتها العمريّة وظروفها.
وأردف سماحته مشيراً إلى وجود التفاتات ظريفة للغاية في قصّة طالوت التي يطرحها القرآن الكريم قائلاً: يعرض القرآن الكريم في قصّة طالوت جذور ثقافة المقاومة، ويثبّت فكرة أنّ الظفر لا يتأتّى إلاّ في ظلّ الصبر والاستقامة وسحق الهوى؛ وهو ما رأيناه رأي العين إبّان فترة الدفاع المقدّس التي استمرّت لثمان سنوات، وحرب تمّوز التي دامت ثلاثة وثلاثين يوماً، وحرب غزّة ذات الأيّام الثمانيه. ومن هنا فمن أجل تثبيت ثقافة المقاومة لابدّ أن تكون تربيتنا باُسلوب نعلم من خلاله بأنّه لا رُقِيّ ولا نصر من دون تحمّل المشاقّ والمصاعب.
وعبر إشارة آية الله مصباح اليزدي إلى أنّ سرد القرآن الكريم لبعض القصص يهدف إلى تربية الإنسان على القيم قال سماحته: إنّ تأكيد قائد الثورة الإسلاميّة على تدوين مذكّرات وقصص سنوات الدفاع المقدّس ينبع من الدور التربويّ المهمّ الذي تنهض به القصّة. لكنّ القصّة وحدها غير كافية، فهناك حاجة إلى الاستدلال العقليّ، وتزكية النفس، والارتباط بالله عزّ وجلّ؛ فكما قد مرّ فإنّ منشأ القيم هو القرب من الله عزّ وجلّ وأنّ جميع الحروب والمحن والمكاره هي من أجل التقرّب إلى الله، ومن هنا فمن غير الممكن أن يعمل المرء لمرضاة الله ثمّ لا يُعِدّ منهجاً لتزكية نفسه.
وأوضح العلاّمة مصباح اليزدي أنّ معرفة الله تأتي كمقدّمة لتربية الإنسان على القيم وأضاف قائلاً: إنّه انطلاقاً من معرفة الله يمكننا التخطيط لبناء النفس وتزكيتها، وفي هذه الحالة فقط سيكون الظفر والنصر حليفنا. وهذا النصر ليس هو الهدف الغائيّ بالطبع، بل هو لتهيئة البيئة من أجل معرفة البشريّة بالإسلام وبلوغ القرب من الله.
كما وقال سماحته مفيداً من قصّة طالوت: يتعيّن علينا من أجل الظفر بالنصر سلوك سبيل العبادة، وطاعة الله في جميع شؤون حياتنا، ومن جملتها اختيار القائد. وإذا علم المرء أنّ قائداً مّا هو موضع رضا الله جلّ وعلا فعليه طاعته بمجامع قلبه وكلّ كيانه.
يذكر أنّ ملتقى تعليم القيم والتربية عليٰ أساسها قد اُقيم بتاريخ 13/12/2012م في مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org