فهرست مطالب

الجلسة الثانیة والأربعون: ثمار عدم التعلّق بالدنیا

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/26

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 17 تموز 2014م الموافق للیلة العشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

ثمار عدم التعلّق بالدنیا

42

إشارة

لقد جرى التأكید مراراً فی فقرات حدیث المعراج التی تمّ بحثها فی المحاضرات الفائتة على قضیّة أنّ محبّة الله تعالى لا تنسجم مع حبّ الدنیا وأنّ الذی یبغی الخوض فی وادی محبّة الله علیه أوّلاً أن یصغّر الدنیا فی عینه وینظر إلیها بعین الاحتقار: «تهون‏ علیه‏ الدنیا»[1]. ثمّ یؤكّد الباری جلّ وعلا فی ختام الحدیث على أنّه لا مكان فی جِواری لمن أجدُ فی قلبه مثقال ذرّة من حبّ الدنیا ولذّاتها ورئاستها وزینتها، بل: «ولأَنزعَنَّ من قلبه محبتّی».

ولقد قدّمنا فی المحاضرات الماضیة توضیحاً لسبب التعارض بین محبّة الله وحبّ الدنیا، لاسیّما وأنّ حبّ الدنیا یكون فی بعض المواطن مصحوباً بالهوى. بالطبع لقد تمّ التشدید أیضاً، وبشكل منفصل، على عدم التلاقی بین الهوى ومحبّة الله عزّ وجلّ، حیث بیّن الحدیث أنّه یتعیّن على الذی یسعى لاكتساب محبّة الله أن یحارب هواه.

وهنا تكمن بضع نقاط یتطلّب تناولها من جمیع أبعادها بحثاً مسهباً وشاملاً، لكنّنا سنشیر إلیها مجرّد إشارة لرفع بعض ما یكتنفها من لبس.

بُغض الدنیا، أم اجتناب أدناسها؟

أمثال حدیث المعراج الشریف هی أشبه بالوصایا العامّة التی یقدّمها طبیب حاذق لعامّة الناس من أجل المحافظة على السلامة والصحّة. فالطبیب فی مثل هذه المواطن یحذّر الناس بشكل عامّ من معاشرة مَن یحتمل أن ینقل المرض إلى الآخرین. فالنهی عن معاشرة أمثال هؤلاء المرضى لا یعنی بالضرورة أنّهم یحملون مشاعر عداء تجاه الناس، بل هو تحذیر من أنّ هذا المریض – الذی قد یكون من أعزّ أصدقائك – هو فی ظرف وحال یجعل انتقال مرضه إلیك لدى اقترابك منه أمراً محتمَلاً. بطبیعة الحال من الممكن أن یبیّت المریض، بدافع العداء، النیّة لنقل الأمراض للآخرین عن عمد وقصد، غیر أنّه لا علاقة لهذا الأمر بتوصیة الطبیب.

من هنا فإنّ النصائح والتوصیات التی یسدیها الله تعالى وأولیاؤه والمربّون الإلهیّون بتجنّب بعض الأشخاص والنأی عنهم لا تعنی بالضرورة أنّهم یضمرون أحاسیس العداء تجاه الآخرین. نعم من الممكن أن یكون هناك من بین هؤلاء مَن ینوی حقّاً إضلال الناس أیضاً، كما أقسم إبلیس الملعون بأنّه سوف یغوی بنی آدم ویستمیلهم: «لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّیَّتَهُ»[2]. وقد یعمد البعض أیضاً فی هیئته الإنسانیّة إلى التصرّف كشیطان. لكن لیس كل مَن نُهی الناس عن معاشرته یضمر العداء لغیره ویحاول إضلاله. فبقطع النظر عن قصد الأشخاص ونیّاتهم فإنّه یتعیّن على المرء أن یجتنب كلّ مَن یؤدّی التواصل معه إلى الضلال والإثم، وأن یحذر التأثّر من حالاته الضارّة. كما یتحتّم علیه أن یحاول، مهما أمكن، إعادة كلّ من تورّط بالضلالة إلى جادّة الصواب وإعانته على إصلاح نفسه.

وكما ذكّرنا فی المحاضرات الماضیة فإنّ أحد موارد الانتفاع من الدنیا یرتبط بحقائقها العینیّة، وهو ممّا لا یستحقّ الذمّ. وبالالتفات إلى هذا الأمر فإنّ النهی عن الدنیا لا یعنی اجتناب موجوداتها؛ ذلك أنّ نفس هذه الموجودات تُعدّ ضروریّة لابن آدم، بل إنّ حبّ الدنیا والتعلّق بها هو المضرّ. كما أنّ التواصل مع اُولئك الذین تجذّرت محبّة الدنیا فی قلوبهم حتّى أنسَتهُم ذكر الله والحیاة الأبدیّة قد یبعث على ابتلاء المرء بنفس هذه الآثار السیّئة. فإنّه من هذا المنطلق نُهی عن معاشرة أمثال هؤلاء لئلاّ تجرّ معاشرتهم ومجالستهم إلى تغلغل حبّ الدنیا فی قلب الإنسان فینسى، بسببه، ذكر ربّه والیوم الآخر.

ومن الطبیعیّ أن یكون الإنسان مضطرّاً فی معاشرته الآخرین إلى مداراتهم إلى حدّ من الحدود، الأمر الذی قد یوجب تأثّره – تدریجیّاً - بسلوكهم المشین ویخلق فی نفسه تحوّلاً فی نهایة المطاف. وكما یقول أحد مربّی الأخلاق: الرفیق أشبه بعضلات البلعوم؛ فكما أنّ الأخیرة تُیَسّر على الإنسان عملیّة ابتلاع الطعام، فإنّ الرفیق یسهّل على المرء اعتماد أشكال مختلفة من السلوك، سواء الحسَن أو القبیح. فالصدیق له دور مهمّ فی تعلّم المرء بعض ألوان السلوك وتثبیتها فی نفسه. ولهذا السبب فقد جاء النهی عن معاشرة أهل الدنیا. كما ورد التأكید – فی المقابل، ومن أجل الرُقیّ معنویّاً – على مجالسة من: «تذكّركمُ اللهَ رؤیتُه»[3].

اجتناب الدنیا وأهلها

لقد ذكرنا فی المحاضرات السابقة أنّ المراد من أهل الدنیا هم اُولئك الذین سیطر حبّهم للدنیا على قلوبهم، فصاروا من المغرمین بها، وأصبحت لذّاتُها الفانیة كلَّ همّهم وغمّهم، فغفلوا بذلك عن ذكر الله والیوم الآخر، ونسوا العلّة التی من أجلها خُلقوا، وكیف ستكون عاقبتهم.

والسبب من وراء تكرارنا هذه الاُمور هو أنّنا كلّما تحدّثنا عن بغض الدنیا والزهد بها ونبذ المادّیات تصوّر البعض خطأً أنّ القصد من ذلك هو اختیار الكهوف سكناً، واعتزال الخلق، وعدم السعی من أجل التقدّم العلمیّ والصناعیّ والاقتصادیّ وبلوغ الدرجات الرفیعة من التحضّر. وقد أشرنا سلفاً إلى أنّ الزهد لا یعنی ترك العمل والمثابرة، ولا یشكّل عائقاً أمام التطوّر فی مختلف المیادین. بل إنّ ما یمنع الجدّ والاجتهاد للوصول إلى المدارج العالیة للرقیّ والرفعة هو - تحدیداً - التعلّق بالدنیا ولذّاتها.

وفی میسورنا الوقوف على شواهد جمّة لهذه المسألة، وهی إمكانیّة أن تكون للمعاشرة آثار حسَنة أو سیّئة، وأنّ النهی عن بعض أنماط المعاشرة المضرّة نابع عن الحكمة. ففی أحد أسفاری إلى الولایات المتّحدة من أجل إلقاء محاضرة فی جامعة «تمبل»، اصطحبنی أحد الطلبة الجامعیّین الإیرانیّین المقیمین هناك - وكان شابّاً متدیّناً وثوریّاً، وهو الیوم یشغل منصباً مهمّاً فی البلاد – فی جولة تفقّدیّة على مختلف المراكز العلمیّة والثقافیّة، كان أحدها الجامعة التی یدرس فیها. وأثناء تقدیمه أحدَ أساتذته لی ذكر أنّه من الصین وأنّه خیرة أساتذة الجامعة. وكذا فإنّ طلبة الجامعة المتفوّقین هم بشكل رئیسیّ من الشرق، وأغلبهم إیرانیّون، ولا یتسنّى العثور من بین الأمریكیّین على اُستاذ فذّ أو طالب بارز إلاّ ما ندر. بالإضافة إلى ذلك فقد أطلعنی على العدد الكبیر من الأطباء الإیرانیّین الذین یقیمون فی الولایات المتحدة. وهنا انبرى أحد مسؤولی مكتب الممثّلیّة الإیرانیّة فی الاُمم المتّحدة إلى تأكید ذلك مضیفاً انّ معظم هؤلاء هم من الأطبّاء المشهورین فی أمریكا. وعند استفساری عن سبب هذا الأمر قال: الأمریكیّون یملیون أكثر ما یمیلون إلى السهرات اللیلیّة والسمَر والطرب وقلّما یفكّرون بالدراسة، خلافاً لاُولئك القادمین من بلدان مختلفة من العالم باذلین جهوداً مضنیة وصارفین مبالغ ضخمة من أجل الدراسة فی أمریكا، فهؤلاء یعرفون قدر أعمارهم وأوقاتهم ولیسوا على استعداد لإنفاقها فی العبث والترّهات.

وهذا على النقیض ممّا یتخیّله الكثیرون ممّن ینظرون إلى التطوّر القائم فی الدول الغربیّة من بعید. فنفس هذا الطالب الإیرانیّ المقیم فی أمریكا یقول: فی إحدى زیاراتی لإیران لتفقّد الأهل والأقرباء قام بعض أقاربی - اعتقاداً منهم بأنّنی آلَف مشاهدة الأفلام الإباحیّة - بوضع بعض هذه الأفلام فی متناولی. فبادرتُهم بالقول: أنا لم اُشاهد طیلة عمری مثل هذه الأفلام، بل لا تتوفّر لدیّ فرصة مشاهدتها أساساً!

كما أنّنی أعرف طالبین آخرین كانا قد سافرا إلى الولایات المتّحدة للدراسة بمشورة المرحوم آیة الله البهشتی (رحمه الله) وما یزالان هناك. فمن أجل أن یستفید هذان الطالبان من وقتهما الفائدة المثلى فقد عمدا إلى تنظیم برنامج صارم لحیاتهما، إلى درجة أنّهما لم یخصّصا للقاء أقاربهم وأصدقائهم القادمین من إیران لزیارتهما إلاّ نصف ساعة من لیالی معیّنة من الشهر خشیة أن یضیع وقتهما ویتخلّفا عن منهاجهم الدراسیّ!

فلو بنى الإنسان أمره على معاشرة جمیع الناس فسوف یصاب تدریجیّاً بعدوى الأمراض المتفشّیة فی محیطه وسینسى الدراسة، والدین، والصلاة، والحیاء، والعفّة، وغیرها الكثیر من الاُمور. فالذین یحذّرون المرء من هذه الأنماط من المعاشرة لا یفعلون ذلك بغضاً وعداءً له، بل لأنّ هذه السجایا - حالها حال بعض الأمراض – معدیة وأنّ كلّ مَن یتعرّض لها سیصاب بعدواها. وبطبیعة الحال فإنّ الطبیب الماهر العالِم بسبل مراعاة الصحّة العامّة والعارف بطریقة معالجة المریض، یستطیع – إلى جانب وقایة نفسه من المرض – علاج المریض المصاب بالعدوى. فمرافقة الضالّین من أجل إصلاحهم أمرٌ حسن، علّهم إذا لمسوا من الإنسان العاطفة والشفقة وحبّ الخیر لهم یكفّون عن المعاصی ویعودون إلى جادّة الصواب. هذا بشرط أن لا یكون المرء مصداقاً لقول سعدی: «ماءُ الجدول قد یجرف الغلام الذی مهمّته السقایة منه»[4]. فلربّما عكف بعض قلیلی الخبرة على معاشرة أهل المعاصی طلباً لإصلاحهم فتورّطوا هم، شیئاً فشیئاً، فی حبائل الإثم والخطیئة.

اجتناب اللذّات المادّیة خطوة نحو النموّ الاقتصادیّ

بناءً علیه فإنّ مغزى تعابیر الروایات التی تذمّ الدنیا، كتشبیه الأخیرة بعظْمَة خنزیر میت یقذفها شخص مصاب بالجذام[5]، هو أن نحذَر من الولَع بالدنیا كلّ الولع، ولیس أن نذر الكدّ والعمل ونعتزل الخلق فی ركن قصیّ سالكین مسلك الرهبان.

فالعمل لخدمة خلق الله، لاسیّما قضاء حوائج العیال والأقارب والجیران، إذا ما اُنجز طلباً لرضا الباری تعالى، فهو عبادة یسمو ثوابها على الكثیر من الصلوات والصیام. ولیس لهذا الأمر ارتباط بعدم الوَلَه بلذّات الدنیا؛ فالإنسان المنهمك فی العمل والمثابرة من أجل خدمة الخلق علیه أن یتجنّب الشغف بأموال الدنیا وثرواتها، لأنّ الشغوف بثروته لا یتسنّى له انتزاع قلبه منها من أجل خدمة الآخرین، خلافاً لمن لا یحبّ مال الدنیا فهو ینفقه بكلّ سهولة. فحبّ الدنیا لا یؤدّی إلى التطوّر، لیس هذا فحسب، بل یبعث أیضاً على الإمساك الذی یقف حجر عثرة أمام النموّ الاقتصادیّ.

لقد طرح أحد علماء الاجتماع الكبار نظریّة استناداً إلى الأبحاث التی أجراها على الأوضاع الاقتصادیّة للدول المسیحیّة. ومع كون النظریّة محطّ مناقشة ولا یستطاع تعمیمها، لكنّ الاستنباط الذی توصّل إلیه لافت للنظر. یقول: «الدول البروتستانتیّة، التی تعیش شعوبها عیشة القناعة بالقلیل، تتمتّع باقتصاد أكثر ازدهاراً من الدول الكاثولیكیّة. والسرّ فی ذلك یكمن فی سجیّة القناعة لدى البروتستانت. فنتیجةً لعیش الأخیرین البسیط وقناعتهم بالقلیل، فإنّهم یدّخرون بعض دخلهم موفّرین بذلك رأسمال للمشاریع الاقتصادیّة الضخمة، فی حین أنّ الكاثولیك ینفقون كلّ ما یكسبونه بإسراف. بناءً علیه فإنّ العیش البسیط والقناعة مفیدان حتّى لتطوّر الجانب الاقتصادیّ». بالطبع إنّ مناقشة مثل هذه المسائل تحتاج إلى بحث عمیق ودراسة تخصّصیّة.

فالثناء والإطراء على الفقر والتوصیة بتوقیر الفقراء هو سبیل عظیمة من سبل التربیة الاجتماعیّة هدفها عدم إحساس المحرومین والمعوزین بالحقارة. فوجود الفقراء والمحرومین هو واقع لا مفرّ منه یعیشه كلّ مجتمع. وإنّ الطبیعة المادّیة للإنسان تقضی بإهماله هذه الطبقة، وهو ما یقود – عملیّاً – إلى تخلّف المعوزین مادّیاً عن الباقین حتّى فی سائر المجالات فینتابهم - نتیجة لذلك – الشعور بالحقارة فی أغلب الأحیان، وهذا الأخیر یوطّئ - من الناحیة النفسیّة - لاقتراف المعصیة والجریمة؛ ذلك أنّ الذی لا یقیم لنفسه وزناً سوف لا یلقی لإهانة الآخرین له بالاً ولا یكترث لسماع شتائمهم تجاهه.

ومن أجل أن یحول الإسلام دون سقوط أفراد المجتمع فی هذا المستنقع الآسن فقد رفض اعتبار الثروة والملكیّة مناطاً لاحترام الناس ومیزاناً لشخصیّتهم ضمن المجتمع الإسلامیّ. فالإسلام یوصینا بأن لا نحقّر المتدیّن المتّقی لمجرّد كونه لا یتمتّع بالثروة، وارتدائه الثیاب القدیمة الخَلِقة، وأنّه یعیش عیشة الفقر والعوز، بل علینا أن نحبّه ونُظهر له الاحترام ونجلسه إلى جانبنا فی المجالس: «فأَدنِ الفقراء وقرّب مجلسَهم‏»[6]. فسلوك من هذا القبیل من شأنه أن یحیی أفراد طبقة من المجتمع كانت قد تهیّأت لهم أرضیّة الفساد والانحراف من ناحیة من النواحی، فیحول دون شعورهم بالحقارة جرّاء فقرهم، وهو ما یجعلهم أفراداً ناجحین فی المجتمع، وهذه أعظم خدمة للمجتمع البشریّ ولحضارته وثقافته.

ومع كلّ ذلك فهناك مَن یصرّ، بدافع الجهل أو بتحریض من الأجانب، على ضرورة وضع الأخلاق والثقافة الإسلامیّتین جانباً من أجل الحصول على التطوّرات الاقتصادیّة والعلمیّة والصناعیّة غافلاً عن أنّ الالتزام بالقیم الإسلامیّة لیس أنّه لا یعیق التقدّم فحسب، بل ویشكّل - من خلال تهیئة الأرضیّات المناسبة - عاملاً مساعداً مهمّاً على صعید التقدّم مادّیاً أیضاً. ومع أنّ التطوّر المادّی لا یمثّل الهدف الرئیسیّ، بل هو أداة لتحقیق التطوّرات فی الجانب المعنویّ والإنسانیّ، غیر أنّ للأوّل علاقة مباشرة مع التكامل المعنویّ للمجتمع. ففی المجتمع الذی یسود فیه الصدق والإخلاص فی العمل، یُنجز العامل عملَه بإتقان أكبر، وهو قلّما یعامَل بإجحاف من قبل ربّ العمل، وهذه أنماط سلوكیّة من شأنها أن تُعدّ البیئة للنموّ الاقتصادیّ.

فهناك من یتصوّر أنّه لابدّ، من أجل الوصول إلى التقدّم الذی یوازی ذلك الموجود فی الدول الغربیّة، من قبول الثقافة الفاسدة لتلك الدول، غافلاً عن أنّ هذه الثقافة، ومن خلال إلهاء المرء باللهو والتمتّع باللذّات المادّیة، تعمل على تلویث روح الإنسان وجسده وإمراضهما، وتحول بینه وبین الكدّ والعمل، ممّا یؤدّی إلى توقّف عجلة النموّ الاقتصادیّ فی المجتمع. فالثقافة الغربیّة تجرّ إلى فساد أخلاقیّ، وهذا الأخیر یقود إلى فساد اجتماعیّ واقتصادیّ أیضاً.

وإذا ما تصفّحنا تواریخ الاُمم البشریّة لَوقفنا على حقیقة أنّ معظم أشكال التطوّر، على المستویین المادّی والمعنویّ، إنّما حصلت على أیدی اُناس غیر لاهثین وراء لذّات الدنیا عازفین عن التعلّق بها، بل كان أغلبهم من الطبقات الفقیرة ولم تكن هذه الاُمور متاحة لهم أساساً.

كما أنّ معظم الذین دافعوا عن نبیّ الإسلام (صلّى الله علیه وآله) ودینه فی صدر الإسلام لم یكونوا یملكون من أموال الدنیا شیئاً. ومن الأمثلة على هؤلاء «أصحاب الصفّة» الذین لم یملكوا حتّى أثواباً تكفی لستر أبدانهم فكان كلّ تسعة منهم یشتركون فی ثوب واحد. لكن المستعدّین لبذل أرواحهم ذوداً عن الإسلام كانوا من بین هؤلاء. وفی المقابل فالذین كانوا یملكون من العبید والجواری الكثیر كانوا من المحاربین للإسلام والحكومة الإسلامیّة.

وهذا ینسحب على زماننا أیضاً. فالذین بذلوا أرواحَهم فی سبیل الثورة وجادوا بدمائهم أثناء الحرب المفروضة من دون أدنى منّة أو توقّع شیء فی المقابل هم من عامّة أفراد الشعب الذین یملأون الأزقّة والأسواق ویعانی معظمهم من الفقر والفاقة.

هذا وإنّ التطوّرات الاقتصادیّة والعلمیّة والصناعیّة التی نشهدها الیوم (فی بلادنا) هی الاُخرى من صنیعة أشخاص من هذا القبیل. فعلى ید مَن حصل كلّ هذا التطوّر على المستوى العلمیّ والصناعیّ والبحثیّ یا ترى؟ ومن أیّ اُسَر انحدر یا ترى اُولئك الذین وضعوا أرواحهم على أكُفّهم فی سبیل التقدّم العلمیّ النوویّ حتّى استُشهدوا فی هذا الدرب؟ معظم هؤلاء ینحدرون من عوائل متوسّطة أو فقیرة. إنّهم أشخاص متدیّنون یحضرون فی صفوفهم الدراسیّة ومختبراتهم وهم على وضوء. وما كان إطراء الإمام الخمینیّ الراحل (قدّس سرّه) على «الحفاة» والافتخار بهم، وإطلاق تسمیة «المرفّهین المترَفین» على أصحاب الثروات ورؤوس الأموال إلاّ انطلاقاً من هذه الثقافة الإسلامیّة.

إذن لا ینبغی أن نتصوّر أنّ توصیة الإسلام باحترام الفقراء تعنی التخلّی عن التقدّم المادّی ونبذ العلم والصناعة، بل إنّ مراد الإسلام منها هو عدم التعلّق بالثروة والانشداد إلى المادّیات، وضرورة انتزاع القلب من التشبّث بالمال والممتلكات وذلك من أجل خدمة خلق الله تعالى. فمَن هم الذین أسّسوا المرافق ذات المنفعة العامّة یا ترى؟ إنّهم الذین آمنوا بأنّ الله سیعوّضهم على إنفاق أموالهم فی مثل هذه المواطن سبعمائة ضعف من الثواب، «وَاللهُ یُضاعِفُ لِمَنْ یَشاءُ»[7].

فلنعلم أنّ إشاعة الثقافة الإسلامیّة الموصیة باحترام الفقراء وببساطة العیش والقناعة هو ممّا یمهّد للتطوّرات المادّیة، والعلمیّة والصناعیّة أیضاً، ویورث – فی نفس هذا العالم – المجتمعَ الإسلامیّ العزّة والمنَعة. ولا ینبغی أن نتصوّر أنّ أوضاع البلد الاقتصادیّة ستتحسّن إذا تصدّى للمسؤولیّة أشخاص همّهم اكتناز الثروة عن أیّ طریق، حلال أو حرام. فأمثال هؤلاء لا تحترق قلوبهم على أحوال الجیاع، وهم یسعون فی كلّ واد لحصد المزید من الربح لأنفسهم. فلا یخدم الشعب إلاّ أمثال الشهید رجائی الذین ذاقوا بأنفسهم مرارة الفقر.

هذا هو الدرس الذی یتعیّن لنا استلهامه من هذا المقطع من حدیث المعراج الشریف. یقول ربّ العزّة جلّ وعلا فی هذا الحدیث لنبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله): «یا أحمد! أَبغِض الدنیا وأهلَها وأَحِبَّ الآخرةَ وأهلَها»[8].

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین.


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص28.

[2]. سورة الإسراء، الآیة 62.

[3]. الكافی، ج1، ص95، باب مجالسة العلماء وصحبتهم.

[4]. بیت شعر للشاعر الإیرانی سعدی جرى مثلاً یقول فیه: «شد غلامی که آب جو آرَد / آب جو آمد و غلام ببرد».

[5]. «ولَدنیاكم أهوَن عندی من ورقة فی فِیّ جرادة تقضمُها وأقذر عندی من عُراقَةِ خنزیر یقذف بها أجذَمُها» بحار الأنوار، ج40، ص348.

[6]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[7]. سورة البقرة، الآیة 261.

[8]. إرشاد القلوب، ج1، 201.