فهرست مطالب

الجلسة الخمسون : وحدة الدنیا والآخرة

درس
جمعه, 3 مرداد, 1393

(50)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 25 تموز 2014م الموافق للیلة الثامنة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

وحدة الدنیا والآخرة

إشارة

فی قسم من حدیث المعراج القدسیّ، الذی یضمّ حواراً بین الله تبارك وتعالى ونبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله)، وبعد التوصیة ببُغض أهل الدنیا ومودّة أهل الآخرة، استُعرضت بعض صفات أهل الدنیا وأهل الآخرة وهو ما تطرّقنا إلیه فی المحاضرات السابقة.

وقد جاء التعبیر، فی أحد مقاطع الحدیث، عن میزة من میزات أهل الآخرة بهذه الصورة: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَیٌ‏ قَیُّومٌ كَرِیمٌ»[1]؛ فالناس عند أهل الآخرة موتى ولیس من حیّ فی نظرهم سوى الله عزّ وجلّ، الله الذی مائدة كرمه ممدودة وقوام العالم بأسره بإرادته. وقلنا فی المحاضرة الفائتة فی بحثنا لجانب من هذا المقطع أنّ المراد من موت الناس هنا عدم كونهم منشأً للأثر بشكل مستقلّ وأنّهم أدوات ووسائل یدیرها الله كیف یشاء.

أمّا أهل الدنیا، فبما أنّهم یرون للناس الأثر فی كّل الأمور فإنّهم یلجأون إلیهم فی تسییر شؤونهم الیومیّة لینتفعوا من إمكانیّاتهم ومساعداتهم. بل إنهم یستعبدون الضعفاء أو یستعمرونهم إن استطاعوا لاستنزاف طاقاتهم. ویتلخّص هدف أهل الدنیا من تعاملهم مع الآخرین وكسب ودّهم فی جلب انتباههم إلیهم كی یفیدوا منهم أكبر قدر من الفائدة فیما یصبّ فی مصالحهم. فی حین أنّه لیس فی رأی أهل الآخرة من موجود حیّ قیّوم مستقلّ الأثر فی كافّة الأمور إلاّ الله جلّ وعلا؛ فهو الذی خلق الكون بلطفه وكرمه ویحبّ أن تنعم مخلوقاته منتهى التنعّم برحمته وتبلغ حدّ التكامل، ولاسیّما المخلوقات المختارة كالإنسان، فهی التی یتعیّن علیها أن تهّیئ بنفسها أسباب نضجها وتكاملها ورقیّها، المتمثّلة بمعرفة الله والتقرّب منه.

النزوع إلى الآخرة والمیل إلى الآخرین

ولوقوف الأخرویّین على هذه الحقیقة فإنّهم یحاولون التعامل مع الناس بما یُعَرّفُهم بالله فیمهّد لهم التمتّع بالمزید من رحمته وكرمه: «یَدْعُونَ الْمُدْبِرِینَ كَرَماً وَیُرِیدُونَ الْمُقْبِلِینَ تَلَطُّفاً، قَدْ صَارَتِ الدُّنْیَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة». وبناءً علیه فعوضاً عن تأمین مصالح أنفسهم یسعى أصحاب الآخرة، خلافاً لعبید الدنیا، فی ما فیه نفع للناس؛ فیطلبون هدایتهم وكمالهم واقترابهم من الله أكثر لینالوا الأهلیّة للتنعّم برحمته الأبدیّة. لكنّه لـمّا كانت لبواعث الإنسان مستویات شتّى، وأنّ بعضها خفیّ، فلو سئل أهل الآخرة عن دافعهم فیما یبذلونه من جهود لإسعاد العباد لَقالوا: بما أنّ الله یحبّ سعادة مخلوقاته فنحن أیضاً نمضی فی هذا الاتّجاه. على أنّ هناك فی هذا البین بواعثَ لا یعیها الإنسان؛ فإنّ مساعی الأخرویّین لفعل ما یحبّه الله تعالى هی لكی ینعموا هم فی النهایة بلطف ربّهم ورحمته أكثر من ذی قبل.

من هنا لا یمدّ أهل الآخرة أیدیهم إلى الناس للفوز بالمواهب المالیّة ونیل المناصب والمقامات والحظوة بالمكانة والجاه الاجتماعیّین، بل یهدفون إلى تكامل الآخرین ورقیّهم وتمتّعهم بالأهلیّة لاستدراج الرحمة الإلهیّة. وفی هذا الخِضمّ قد ترى طائفة من الناس لا یسلكون السبیل القویمة، بل قد ینكصون على أعقابهم، فیعمد أهل الآخرة، تأدیةً لواجبهم وإتماماً للحجّة، إلى العمل على هدایة هؤلاء فیبیّنون لهم الحقّ والباطل، ویوجّهونهم إلى سبیل التكامل والرُّقیّ. لكن ثمّة طائفة أخرى منهم تعرف هذه السبیل وتُبدی الاستعداد للمضیّ فیها قُدُماً. ویتعاطى الأخرویّون مع أصحاب الطائفة الأخیرة بمنتهى الرأفة واللطف زیادةً فی استمالتهم إلیهم ولكی یُثبّتوا خُطاهم فی هذه السبیل فلا یتعثّرون فیها ولا یزیغون عنها.

وحدة الدنیا والآخرة

جاءت فی آخر المقطع المذكور من الحدیث عبارةٌ قد تبدو بعیدة عن أذهان البعض، وهی أنّ أهل الآخرة: «قَدْ صَارَتِ الدُّنْیَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة».

ولقد أسلفنا بأنّ حیاة ابن آدم تنقسم إلى دنیا وآخرة، وأنّ علیه فی الأولى العمل والسعی لجنی ثمار سعیه فی الأخرى. إذن فكیف تتوحّد الدنیا والآخرة فی نظر أهل الآخرة؟

مادام الإنسان دنیویّاً لا یؤمن بالآخرة فهو یرى حیاته كلّها مقصورة على هذه الحیاة الدنیا ولا یوجد فی قاموسه شیء باسم الحیاة الأخرى. لكنّه ما إن یؤمن بأنّ الآخرة هی جزء لا یتجزّأ من حیاة الإنسان فإنّ أوّل ما یرتسم فی ذهنه عن العلاقة بین الدنیا والآخرة هی أنّها علاقة النَّقْد بالآجل فیقول فی ذات نفسه: أدرِك الیوم «دنیاك» واعمل لها فإنّها نَقْد، فإن كان فی الغد «آخرةٌ» فسأفكّر فیها لاحقاً! ألم نشاهد أناساً لم یتورّعوا عن اقتراف أیّ موبقة أیّام شبابهم على أمل أن یتداركوا ذلك فی كِبَرهم بالتوبة؟ بل لقد كان من المتعارف فی غابر الأیّام أن تأتی بعض الشخصّیات المرموقة طیلة حیاتها بكلّ حسَن وقبیح ثمّ تجاور فی أواخر عمرها أحد المشاهد الشریفة للتكفیر عن معاصیها بالزیارة وإعانة الآخرین وما إلى ذلك! كما أنّ العقلیّة السائدة لدى أغلب الناس تقریباً هی أنّه مادام الإنسان شابّاً فدعه یستمتع بشبابه، فإذا شابَ فلیعمل لآخرته! وهی عقلیة تسود بین الناس كخطاب عمومیّ، فترى الأغلبیة الساحقة منهم، فی مقام مقارنة الدنیا بالآخرة، یرون الأولى نقداً والأخیرة آجلاً، فیرى البعض – من هذا المنطلق – أنّ حَمْل هَمِّ الآخرة هو شأن العاطلین، وأنّ الغارق فی أمور الدنیا ومشاكلها لا مجال له للقلق على آخرته. غیر أنّ لله عباداً ینظرون إلى كُلٍّ من الدنیا والآخرة بعین النقد ویؤمنون بأنّ الآخرة حقّ كإیمانِهم بأنّ الدنیا حقّ.

ولتقریب الموضوع إلى الذهن فلنتصوّر طالباً یزمع على المشاركة فی الامتحان الوزاریّ لیدخل الجامعة ویجتاز مراحلها كی یتمكّن فی نهایة المطاف من الحصول على عمل مناسب ومكانة اجتماعیّة جیّدة. فكم سنة سیقضی هذا الطالب یخصّص كل وقته للدراسة لیجتاز هذه المراحل بتفوّق؟ إنّ بعضهم قد یعطّل جمیع أعماله وبرامجه ویكبّ لیلَ نهارَ على دراسته أملاً فی اجتیاز الاختبار الوزاریّ بنجاح، لظنّه القویّ بإمكانیّة الحصول على عمل مناسب ومنصب وظیفیّ عن هذا الطریق. طالب كهذا تتساوى عنده السنوات الدراسیّة التی تسبق الامتحان الوزاریّ مع التی تتلوه حتّى حصولِه على فرصة العمل المنشودة؛ فكلّ هذه الرحلة تمثّل عنده طریقاً واحداً علیه اجتیازه.

وكذا الحال مع أهل الآخرة، فالدنیا لدیهم مقدّمةٌ وبدایةُ طریق تتمّتُه الآخرة. فالدنیا والآخرة لیستا ساحتین منفصلتین عن بعضهما، بل هما خیط بدایته فی الدنیا ونهایته فی الآخرة. وعلى العكس من أهل الآخرة، لا ینظر الدنیویّون الضعیفو الإیمان إلى الآخرة بهذه النظرة، فالدنیا محور جمیع تصرّفاتهم؛ من كسب الرزق، والعیش بكرامة، ونیل المناصب، واستجلاب احترام الآخرین، وصون المكانة الاجتماعیّة، ..الخ. على أنّهم قد یقومون أحیاناً - من بین جمیع أعمالهم الدنیویّة – بحركة طفیفة من أجل الآخرة، أمّا محور أعمالهم فهو الدنیا، لأنّ الدنیا والآخرة فی نظرهم شیئان منفصلان. لكن یعتقد أهل الآخرة بأنّ الدنیا والآخرة بمثابة طریق واحد له عدّة مراحل؛ بالضبط كالطالب الذی یدرس الیوم لیشترك بعد فترة وجیزة فی الامتحان الوزاریّ، لیجتاز بعدها المراحل الجامعیّة، ثمّ لیجد فی النهایة عملاً مناسباً، و..الخ.

الآخرة عَقِب الدنیا

كان المرحوم العلاّمة الطباطبائیّ (قدّس سرّه) فی درس تفسیره یفسّر عبارة: «عُقْبَى الدَّارِ»[2]، الواردة ثلاث مرّات فی سورة الرعد وصفاً للآخرة، بـ «عَقِب الدنیا»، أی هی نتیجة تترتّب على الدنیا. کالمزارع الذی یحرث الأرض یوماً، فیطرح فیها البذور فی یوم آخر، ثمّ یظلّ یعتنی بالزرع حّتى یأتی أوان حصاد الثمر؛ فهذه المراحل كلّها تمّثل دورة واحدة بعدّة حلقات. لكنّنا لا ننظر إلى الدنیا والآخرة بهذه النظرة؛ فللدنیا فی نظر عبیدها حسابها الخاصّ، وهی أنّها الأصل؛ وهی الاقتصاد والسیاسة والتجارة والصناعة والشؤون العسكریّة وما إلیها والتی إن لم یضعها المرء فی حسبانه عدُّوه عاطلاً! أمّا الآخرة والجنّة والنار فهی قضیّة أخرى لا ینبغی أن تُقلقنا! وهذا ناجم عن عدم إیماننا بأنّ لنا حیاة تبدأ من ساعة ولادتنا ولیس لها نهایة، وأنّ مرحلة قصیرة منها تمرّ عبر هذه الدنیا، مرحلة تقوم مقام المقدّمة والسبیل التی تعیّن مصیر باقی حیاتنا، أمّا المقصد والهدف فیأتی فی المرحلة التی تلی الدنیا. هذه الدنیا تمثّل مرحلة الحرث، أمّا مرحلة الحصاد فهی فی الآخرة: «فَإِنَّ الیَومَ‏ عَمَلٌ‏ وَلا حِسابَ وَإِنَّ غَداً حِسابٌ وَلا عَمَل»[3]. هذه هی رؤیة أهل الآخرة. أمّا نحن فلیست لنا مثل هذه الرؤیة إلى الدنیا والآخرة. على أنّنا جمیعاً نؤمن بالآخرة، لكنّ إیماننا هذا ضعیف، ذلك أنّنا منجذبون – بشكل أو بآخر - إلى الدنیا وهی فی أنظارنا ذات شوكة وخطورة. خلافاً لأهل الآخرة الذین «قَدْ صَارَتِ الدُّنْیَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة»، فكلّ من الدنیا والآخرة فی نظرهم مسیر واحد، یبدأ من لحظة الولادة، ثم لا ینتهی: «خَالِدِینَ فِیهَا أَبَداً»[4]، وإنّ مصیر الحیاة الأبدیّة تحدّدها الأیّام القلیلة التی نعیشها فی الدنیا؛ فكلّ ما نزرعه فی هذه الدنیا، نحصده فی الآخرة.

صورة الآخرة فی الدنیا

هذه قراءة أوّلیّة لهذا المقطع من حدیث المعراج. لكن ثمّة معنىً آخر یمكن طرحه لهذه العبارة. فاستناداً إلى ما قیل لحدّ الآن فإنّ الدنیا مقدّمة سیر وسفر نحو مقصد تبدأ مرحلته النهائیّة من ساعة الموت، لكن یبدو أنّه ثمّة من بین عباد الله من یشاهد المرحلة التالیة وهو فی الدنیا. وهناك روایات متعدّدة فی هذا المضمار أشهرها قصّة زید بن حارثة.

یروى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله علیه وآله) صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِی الْمَسْجِدِ وَهُوَ یَخْفِقُ وَیَهْوِی بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَیْنَاهُ فِی رَأْسِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله علیه وآله): كَیْفَ أَصْبَحْتَ یَا فُلانُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ‏ یَا رَسُولَ‏ اللَّهِ‏ مُوقِناً. فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله علیه وآله) مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ یَقِینٍ حَقِیقَةً فَمَا حَقِیقَةُ یَقِینِكَ؟» أی ما علامته؟ فأجاب الشاب: عینی لا ترى النوم لیلاً قلقاً من الآخرة، لقد هجرتُ النوم والطعام ولا أفتأ أفكّر كیف سأكفّر عن معاصیَّ «فَقَالَ: إِنَّ یَقِینِی یَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِی أَحْزَنَنِی وَأَسْهَرَ لَیْلِی وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِی، فَعَزَفَتْ نَفْسِی عَنِ الدُّنْیَا وَمَا فِیهَا» إلى أن قال: «.. كَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ یَتَنَعَّمُونَ فِی الْجَنَّةِ وَیَتَعَارَفُونَ وَعَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، وَكَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله علیه وآله) لأَصْحَابِهِ: هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالإِیمَانِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَیْهِ. فَقَالَ الشَّابُّ: ادْعُ اللَّهَ لِی یَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله علیه وآله) فَلَمْ یَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِی بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِیِّ (صلّى الله علیه وآله) فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ»[5].

كما نقلت طائفة من الروایات عن ادّعاء بعض الناس بأنّهم یعرفون أناساً یتعذّبون الآن فی النار. وروَت طائفة أخرى من الأحادیث عن لسان النبیّ (صلّى الله علیه وآله) ما شاهده لیلة المعراج، وأنّه رأى أناساً یعذَّبون فی جهنّم بصور شتّى، كأن یعلَّقوا من ألسنتهم، وآخرون متنعّمون فی الجنّة[6].

وبالالتفات إلى الروایات والأحادیث المذكورة آنفاً یصبح معنى عبارة «قَدْ صَارَتِ الدُّنْیَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة» أكثر دقّة. إذ یُنظر إلى الدنیا والآخرة فی القراءة الأولى كمسیرة متواصلة، الآخرة فیها بمثابة عقبى الدار وعَقِب الحیاة الدنیا. أمّا وفق القراءة الثانیة فالآخرة تقع فی وعاء آخر غیر الذی للدنیا، لكن بالإمكان مشاهدة تصویر عامّ لها فی هذا العالم.

ویتعیّن القول إجمالاً أنّنا لا نحمل الآخرةَ على محمل الجدّ كما ینبغی لها، وعلینا التأمّل أكثر فی هذه المسألة وتغییر سلوكنا بالشكل الذی یلفت انتباهنا أكثر إلى الأمور الأخرویّة، فلا تنصرف كلّ هممنا إلى الدنیا ولذّاتها وجاهها ومقامها. وإنْ مارسنا ضمن الشؤون الدنیویّة نشاطاً ما فلیكن من حیث إنّه محبوب لدى الله عزّ وجلّ، بالضبط كما اتّخذ نبیّ الله سلیمان (علیه السلام) الـمُلكَ وسیلة لإشاعة التوحید ومعرفة الله. ولقد قبل أمیر المؤمنین (علیه السلام) أیضاً بالحكم، لكنّه طالما أكّد: «وَاللَّهِ لَهِیَ (النَّعْل) أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ‏ إِمْرَتِكُمْ‏ إِلاّ أَنْ أُقِیمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»[7].

ولعلّه یوجد فی زماننا هذا مَن یقبل بمسؤولیّة ضخمة لا لشیء إلاّ طاعةً لله وتأدیةً للتكلیف الشرعیّ، وإلاّ فإنّه یرفضها.

نسأل الله تعالى أن یمنّ علینا جمیعاً بمثل هذه المعرفة ویوفّقنا لمعرفة قدر أمثال هؤلاء وتأدیة شكر نعمة وجودهم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین.



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. سورة الرعد، الآیات 22 و24 و42.

[3]. الكافی، ج8، ص58.

[4]. سورة النساء، الآیة 57، وسورة المائدة، الآیة 119، وغیرهما.

[5]. الكافی، ج2، ص53.

[6]. عیون أخبار الرضا (علیه السلام)، ج2، ص11: «وَرَأَیْتُ امْرَأَةً مُعَلَّقَةً بِلِسَانِهَا وَالْحَمِیمُ یُصَبُّ فِی حَلْقِهَا...».

[7]. نهج البلاغة، الخطبة 33.