بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 20 آب 2010م الموافق لليلة العاشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

شکر النعم الإلهيّة

النعم الإلهيّة، والعباد

«وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالشُّكْرِ لاتِّصَالِهَا، وَاسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا»1.
إنّ هذه الخطبة هي على درجة من الروعة والإمعان في الفصاحة والبلاغة حتّى إنّ المتخصّصين في هذا الفنّ ليقفون عاجزين عن بيان دقائق الالتفاتات الموجودة في هذه العبارات. فعندما يقرأ المرء هذه الخطبة يلتفت إلى أنّها تنطوي على جمال خاصّ. فالقسم الأوّل من الخطبة الذي يتضمّن الحمد لله والثناء عليه ينقسم بدوره إلى أربعة أقسام بُيِّن كلّ قسم منها في ثلاث جمل رُكّبت تركيباً خاصّاً من حيث السجع والنظم والوزن؛ إذ تقول الزهراء البتول (عليها السلام) في القسم الأوّل منها: «الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم»، وتُتبع ذلك في القسم الثاني بالقول: «من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام مِنن أولاها»، أمّا في القسم الثالث فتقول: «جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها». ولقد قدّمنا في المحاضرات الفائتة شرحاً لهذه العبارات.
أمّا في القسم الرابع فتختتم الزهراء (عليها السلام) فقرة الحمد بثلاث جمل اُخريات تبيّن فيها من خلال السجع والقافية الخاصّين أيضاًـ العلاقة التي تربط النعم الإلهيّة بالعباد. ففي العبارات السابقة بيّنت (سلام الله عليها) ما يختصّ بكثرة النعم الإلهيّة وكيفيّتها وطول أمدها وفي ذلك بيان لخصائص نفس النعم. أمّا في القسم الحاليّ فقد ركّزت على علاقة النعم بالخلائق وتعاطي المتنعمّين لها.
تقول فاطمة الزهراء (سلام الله عليها): «وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالشُّكْرِ لاتِّصَالِهَا، وَاسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا»؛ فالله عزّ وجلّ يثير في الناس الدافع إلى الحمد من خلال إسباغ تلك النعم الجمّة وكأنّه بذلك يطالبهم بحمده عليها من خلال العمل. وعلاوة على ذلك فهو يدعوهم إلى مطالبته بالمزيد من أمثال تلك النعم.
في هذه الجمل الثلاث تشير الزهراء (سلام الله عليها) إلى بضع نقاط. النقطة الاُولى هي أنّ الله تعالى، مضافاً إلى إعطائه النعم لعباده ابتداءً، فقد دعاهم إلى شكر تلك النعم من أجل نيل المزيد منها، وهذا الباب بحدّ ذاته هو نعمة عظيمة تفوق غيرها من النعم. فعلى الرغم من أنّ الله عزّ وجلّ لم يقصّر بشيء عند إسباغه لتلك النعم ابتداءً؛ لكنّه، بالإضافة إلى ذلك، فقد فتح لعباده باباً آخر للاستزادة من تلك النعم، وهذا يحكي عن سنّة إلهيّة جديدة. فالسنّة الاُولى هي أنّ الله يعطي لمخلوقات هذا العالم كلّ ما يلزمهم لمعيشتهم. غير أنّه تحنّی عليهم بلطف أسمى في إجازته لهم بالإفادة من المزيد من النعم. إذ يمكن لحياة الإنسان أن تستمرّ بما يسدّ رمقه من يسير الطعام وليس ثمّة من ضرورة لأن يضع في متناوله تلك الأصناف من الفاكهة، والخضار، واللحوم، واللبن، والعسل، وأنواع النباتات المختلفة، فمواصلة الإنسان لحياته من دون تلك الاُمور أمر مقدور عليه. إذن تنوّع الغذاء هو بحدّ ذاته نعمة زائدة. وكذا الأمر في سائر المسائل؛ فبعض الأشياء تكون ضمن حدّ الضرورة واحتياج الإنسان فقط، غير أنّ هناك إمكانيّة استفادته من نعم الله تعالى بما يفوق ما تستدعيه حاجته وجنْي المزيد من اللذّة منها، أمّا السبيل إلى ذلك فهو أن يقْدر النعم التي منّ الله بها عليه حقّ قدرها. وهذه هي من السنن القطعيّة والتي لا تقبل الاستثناء في التدبير الإلهيّ. يقول القرآن الكريم في هذا الباب ما يقلّ نظيره فيما يماثله من بيانه لمختلف السنن الإلهيّة: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»2. فالأذان هنا بمعنى الإعلان، وإنّ باب التفعّل يدلّ على قول الأذان بالمزيد من الصراحة والفصاحة والجزم؛ فكلمة «تأذّن» تعني: الإعلان الصريح والمؤكّد. ثمّ تبيّن الآية موضوع هذا الإعلان عن طريق العبارة التالية: «لئن شكرتم لأزيدنّكم»؛ أي: لأزيدنّكم نعمة. وقد كان بمقدور الله عزّ وجلّ أن يقول: «إن شكرتم زادكم الله» نعمةً، بيد أنّه جلّ وعلا لم يصغ العبارة هكذا، بل استخدم في صياغتها جملة تعدّ في نظر الاُدباء جواب قَسَم، فقال: «لئن شكرتم»؛ وتقديرها: «والله لئن شكرتم»، كما أنّ جواب القسم جاء بلام التأكيد ونون التأكيد الثقيلة؛ ومن هنا فقد روعي تأكيد الكلام بالكامل، ليكون المعنى: إنّ هذه السنّة الإلهيّة لا تدع بتاتاً أيّ مجال للشبهة وهي سنّة قطعيّة لا استثناء فيها؛ مفادها أنّكم إذا شكرتم نعم الله جلّ وعلا فإنّ نعمتكم ستزداد حتماً وقطعاً. «ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد». فالباري عزّ وجلّ يهدّد ويتوعّد بأنّكم إن كفرتم فاعلموا أنّ عذاب الله شديد. وهو بالطبع لا يقول: لأعذبنّكم.
وبهذا البيان فإنّ الله في الحقيقة يدفع بالناس إلى طلب زيادة النعم، فإنّ بيان هذا الأمر يخلق في الناس دافعاً إلى المزيد من الشكر. ومن الحَسَن هنا أن نفتح باباً للاخوة من أجل الدراسة والبحث حول هذه المسألة؛ فالشكر هو عمل اختياريّ، وكلّ عمل اختياريّ يحتاج إلى أرضيّة فكريّة؛ أي إنّ المرء يحتاج إلى العلم والاطّلاع من أجل القيام بهذا العمل، ولكنّه لابدّ قبل العلم من توفّر أرضية للدافع؛ بمعنى أنّه يتعيّن توفّر دافع في الإنسان لإنجاز هذا العمل، وأن يميل قلبه إليه. فبمعزل عن العلم بالعمل لابدّ من إرادة القيام به، وإذا ضُمّ هذان الإثنان إلى بعضهما تحقّق الفعل الاختياريّ. فهناك اُمور كثيرة يعلم معظمنا أنّها حسنة إلاّ أنّنا لا نأتي بها لانعدام الدافع فينا لذلك، فالإنسان لا يقوم بما يعلم أنّه فعل حسن إلاّ إذا وُجد في داخله الدافع للقيام به. ومن هنا فإنّ من أعظم أدوار المربّي والمعلّم هو تقوية دوافع المتربّي من خلال السعي إلى إثارة العاطفة والمحبّة في داخله.
فمجرّد العلم بأنّ الله قد منّ علينا بنعم جمّة هو غير كاف لاستثارة دافع الشكر في أنفسنا، فالأمر يتطلّب شيئاً آخر، وهو ضرورة توفّر الرغبة والميل القلبيّين لأن نكون شاكرين. وهذا من العوامل التي أوجدها الله بشكل فطريّ في كيان الإنسان؛ فالإنسان مفطور بطبيعته على أن يشعر في قرارة نفسه بضرورة الخضوع في مقابل من علِم بأنّه قد أسدى إليه خدمة، والإحساس بأنّه مدين له، والسعي لمجازاته على ما أسبغ عليه من اللطف؛ فعلى أقّل تقدير يأتي بالشكر على لسانه، أما إذا لم يفعل ذلك فانّه يظلّ يراوده شعورٌ كمَن فقدَ شيئاً ولم يعثر عليه. قبل بضع سنوات وفي أثناء رحلة إلى أمريكا دُعيت إلى إلقاء محاضرة في إحدى الجامعات، لكنّ ضجّة وزحاماً ما لبثا أن استولَيا على الجامعة برمّتها بعد إلقاء المحاضرة، وفي خضم ذلك التجمّع الغفير كان أحد الطلبة يصرّ إصراراً عجيباً على التقرّب منّي، فرجوت الأخوة المرافقين لي أن يسمحوا له بالتقرّب لنرى ما الذي يودّ قوله. فاقترب منّي مكتفياً بالقول: كنت أريد فقط أن أقول لك: شكراً جزيلاً. قال ذلك وذهب. فقد كان يشعر بنقص في داخله ولم يهدأ له بال إلاّ بالإعراب عن الشكر. هذه مسألة فطريّة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يكون غير مبالٍ أمام من أحسن إليه. بالطبع هذا الأمر ليس من مختصّات الإنسان بل هوموجود في الحيوانات أيضاً، بل إنّ بعضها يفوق الإنسان بكثير في إظهاره للشكر. فهناك من الحيوانات التي إذا أعطاها المرء لقمة خبز أو قطعة عظم تظلّ مدّة مطأطئة رأسها ومتذلّلة أمامه! فهذا أمر مودَع من قبل الله في جميع الحيوانات، أمّا في الإنسان فلابدّ أن يمتاز هذا الأمر بالمزيد من الوعي.
في إحدى المرّات وفي أثناء مجلس عقد بخصوص الشكر قال قائد الثورة المعظّم (حفظه الله تعالى): ينبغي توفّر بضعة اُمور من أجل الشكر؛ أوّلها عِلم الإنسان بأنّ ما في يده نعمة، وثانيها أن يعلم بأنّ هذه النعمة هي من الله تعالى؛ فإن اعتقد بأنّ النعمة هي من نفسه فإنّه لن يشعر في داخله بالدافع إلى الشكر. فالإنسان لن يبادر إلى الشكر إلاّ إذا أحسّ بأنّ هذه النعمة هي من الله تعالى وأنّ الله قد أعطاه إيّاها عن علم وقصد؛ لا أنْ يظنّ أنّها قد وصلت إليه في سياق عمليّة جبريّة. فبعد أن يعلم أنّها نعمة، وأنّ الله هو الذي منّ عليه بها، عندئذ سيُضَمّ هذا الإحساس الفطريّ إلى ذلك فيبادر إلى الشكر. فهذا الإحساس الفطريّ بالاعتراف بالجميل هو الآخر قد خلقه الله في وجودنا وهو بحدّ ذاته نعمة تحتاج بدورها إلى شكر.

مراتب الشكر

إنّ مسألة الشكر هي على جانب من الأهمّية حتّى أنّ كبار المتكلّمين عدّوها من بديهيّات العقل ودليلاً على وجوب معرفة الله تعالى.
وإنّ للشكر مراتب أوّلها أن يقول المرء بلسانه: شكراً لله؛ الحمد لله. والمرتبة الثانية هي أن يحافظ على هذه النعمة فلا يضيّعها. فلو أنّ صديقاً أهداك هديّة ثمّ لاحظ أنّك أهملتها وضيّعتها، فإنّه سيعاتبك! فحفظ النعمة بحدّ ذاته يعدّ مرتبة ثانية للشكر؛ وهي تعني أن لا يستعمل الإنسان النعمة فيما لا يحبّه الله؛ فلا ينبغي استعمالها في أمر يصبّ في مصلحة العدوّ وفي مواجهة المنعِم! وبتعبير آخر: يجب أن لا تُستخدم النعمة في سبيل المعصيّة.
أمّا آخر مراتب الشكر فهي أنّه إذا فَرضت النعمة علينا تكليفاً سواء أكان مستحبّاً أو واجباًـ فلابدّ عندها من أدائه؛ فإن اُعطينا ثروة واُريد منّا أن ندفع بعضها للفقير فلا نقصرنّ في ذلك، فهذا أيضاً من الشكر لهذه النعمة. وتلك هي المراتب المختلفة للشكر.
قلنا إنّه مضافاً إلى العلم فإنّ عمليّة الشكر بحاجة إلى الدافع والميل والرغبة؛ فإنّ إحساسنا بکوننا مدينين وشعورنا بضرورة أداء ما في أعناقنا من دين إنّما هي اُمور أودعها الله في فطرة الإنسان؛ وهي في غاية الحسن! لكنّ هذا الأمر الفطريّ يضعُف تدريجيّاً جرّاء التهاون والإهمال ويفقد أثره فيزول ذلك الدافع المحفّز. على سبيل المثال فإنّ المبتلين بالتدخين يشكون في المرحلة الاُولى من تدخينهم من السعال عند ممارسته؛ إلاّ أنّهم يألفون الدخان شيئاً فشيئاً حتّى يصلوا إلى حدّ الإصابة بحالة من الاضطراب إذا تركوا التدخين. وهذا يمثّل تخريب الفطرة الإلهيّة المودعة في النفس! ففطرة الله كانت تقتضي السعال والاختناق عند دخول دخان السيجارة إلى الرئة؛ لكنّ الإنسان يخرّب تلك الفطرة بنفسه ويعطّلها عن العمل، بل إنّه يُحدث في نفسه أثراً معاكساً لها! فإنّ الاُمور تصل بالإنسان أحياناً، نتيجة الأنانية، وحبّ الذات، والنزوع المفرط نحو اللذّات، إلى فقدان روح الشكر وعرفان الجميل بالكامل وحلول حالة اللامبالاة محلّها! فأشخاص كهؤلاء لا يفكّرون إلاّ بمصالحهم القريبة ويسعون إلى استنزاف كلّ ما يستطيعون استنزافه من كلّ مَن هو في طريقهم. فعندما تلبَّى حوائجهم ينسون خدمات الآخرين وألطافهم. وبهذه الطريقة تنطفئ تلك الفطرة الموهوبة من الله تعالى. فالله هو الذي أعطى هذه الفطرة؛ لكنّ هذا الإنسان، بتصرّفاته المشينة تلك، يقوم بإضعافها، بل ويبدلها أحياناً إلى الضدّ!

تقوية الاُمور الفطريّة

وفي المقابل أيضاً فإنّ هناك من العوامل ما يساعد على تقوية هذا الإحساس والميل الفطريّ في المرء، حيث إنّه من الممكن تقوية الاُمور الفطريّة بعوامل خارجيّة. وهذه الإمكانيّة تتوفّر أيضاً في الاُمور الغريزيّة؛ فعندما يجوع المرء وتصل رائحة الشواء إلى مشامّه يقوى عنده الإحساس بالجوع. فهذا الإحساس هو شيء داخليّ، إلاّ أنّ رائحة الطعام الشهي تقوّيه. وكذا فإنّ الميل إلى النظر إلى الوجه الحسن موجود في باطن الإنسان، فإن هو لم يسيطر على نظراته ووقعت عينه بضع مرّات على الأجنبيّة فسيقوى هذا الميل في داخله، وستمسي حينئذ محاربة الشيطان أمراً صعباً. فالعامل الخارجيّ هنا هو الذي يقوّي الإحساس الداخليّ. ولهذا فإنّ علينا أن نبذل قصارى الجهود في توفير العوامل الخارجيّة التي من شأنها أن تقوّي الاُمور الحسنة، وأن نسعى في المقابل إلى الابتعاد عمّا يقوّي عوامل المعصية. فكلّما قلّ وقوع نظر المرء على الأجنبيّات، ضعف الدافع إلى المعصية في نفسه.
فالله سبحانه وتعالى قد أوجد في أنفسنا الدافع إلى الشكر والحمد من خلال إعطائنا للنعم: «واستحمد إلى الخلائق بإجزالها»؛ حيث إنّه من خلال إعطاء المزيد من النعم قد هيّأ في داخل الإنسان الأرضيّة للحمد وإثارة هذا الإحساس. وكأنّه عزّ وجلّ يريدنا، عبر عمله هذا، أن نحمده ونثني عليه. لكنّه لم يكتف بذلك، بل: «وثنّى بالنَّدب إلى أمثالها»؛ فقد جاء بالمزيد؛ وهو أنّه دعى إلى الشكر، بل وأمر به أيضاً، بشكل علنيّ. فلو أنّ الله لم يأمرنا بالشكر أساساً لكان لزاماً علينا أيضاً، على أساس العامل الوجدانيّ والفطريّ المودَع فينا، أن نشكره؛ لكنّه لم يكتف بذلك فبادر مراراً وتكراراً إلى دعوة الناس إلى الشكر في قرآنه المجيد؛ كما في قوله: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ»3، بل إنّه جلّ شأنه يلوم علی أنّ المعترفين بالجميل والشاكرين هم قلّة من بين الناس: «وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ»4.
إذن فإنّه علاوة على امتلاكنا للعامل الفطريّ للشكر وأنّ ضمائرنا تحثّنا على أن نكون شاكرين في مقابل نعم الباري تعالى فإنّه لابدّ في البدء من معرفة النعم الإلهيّة. ومن هذا المنطلق علينا أن نفهم أنّ بإمكان تلك العلوم التي تعرّفنا على نعم الله تبارك وتعالى أن تكون ذات أثر في تبيين تكاملنا. وعلى وجه الخصوص فإنّني اُوصي إخواني وأعزائي من طلبة العلوم الدينيّة أن يطالعوا في مجال فسلجة جسم الإنسان كي يدركوا أيّ مقدار من النعم قد أغدقه الله علينا. فمن بين العلوم الطبيعيّة التي تبعث أكثر من غيرها على أن يقدّر المرء حقّ النعم هو علم الحياة ووظائف الأعضاء المتعلّق بالإنسان.
فالسيّدة الزهراء (سلام الله عليها) تشير في هذه التوصيات الأخيرة إلى تلك الالتفاتات اللطيفة عبر تعابير هي من الناحية الأدبيّة، فضلاً عن الجانب النغميّـ غاية في الروعة وقمّة في الجمال. فترتيب العبارات في كلامها ينمّ عن منتهى الحكمة. فكلامها هذا له أثر تربويّ قويّ للغاية وبإمكان الإنسان أن يفهم من خلال تلك الجملات القليلة أيّ محلّ يشغله من الإعراب وأيّ وظيفة له في الحضرة الإلهيّة، وأنّه لماذا يعطيه الله تعالى كلّ تلك النعم أساساً، ولماذا يذكّره بها أيضاً. فهو يذكّره بها كي يعلم أنّها من الله فتثير فيه، من خلال ذلك الإحساس الذي أودعه الله في كيانه، الدافع إلى الشكر فيكون شكره من موجبات زيادة نعمه ودوامها، وأن يفيد أكثر من نعم الله تلك فيكتسب بذلك اللياقة لنيل ما لا أمد له من نعمه تعالى في العالم الأبديّ.
هذا على الرغم من أنّ أيّ واحد من تلك الاُمور لا يُجدي الله أدنى نفع. فلو عكف البشر بأجمعهم طيلة ما اُعطوا من أعمار على شكر الله تعالى، فهل سيضيف ذلك الی الله شيئاً؟! فتعالى الله أن تتولّد فيه حالة من أثر فعل الآخرين. فمن نحن وما نحن كي نستطيع إيجاد حالة الرضا في الله عزّ وجلّ! فكلّ ذلك هو لطف منه من أجل أن تتوفّر فينا اللياقة لتلقّي رضاه، ورحمته، وقربه، ولعمري فإنّ في ذلك نعمة تفوق غيرها من النعم.
اللهمّ اجعلنا من الشاكرين لأنعمك والعارفين بآلائك يا الله.


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة إبراهيم، الآية 7.

3. سورة لقمان، الآية 14.

4. سورة سبأ، الآية 13.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org