بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 23 آب 2010م الموافق لليلة الثالثة عشرة من شهر رمضان المبارك من العام 1431ﻫ، نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

هل انّ معرفة الله ممكنة

دفع توهّم

«الْمُمْتَنِعُ مِنَ الأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ، وَمِنَ الأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهَامِ كَيْفِيَّتُه»1.
تقول السيّدة الزهراء (سلام الله عليها): إنّ الله تعالى قد أودع معرفة التوحيد وكذا عمليّة تلقّيه في قلوب الناس وجعل إدراكه بالعقل واضحاً وجليّاً في أذهان البشر وأفكارهم. هاتان الجملتان توحيان بأنّ معرفة الله هي معرفة واضحة وجليّة للغاية، بل وقد تُوهِم بأنّه بإمكان أيّ امرئ أن يتوصّل إلى إدراك حقيقة الباري تعالى بكلّ وضوح وشفافية. ولعلّ مولاتنا فاطمة (عليها السلام) قد أوردت الجمل القليلة التي تليها دفعاً لهذا التوهّم قائلة: صحيح أنّ الله قد جعل الإدراك العقليّ للتوحيد واضحاً، غير أنّ عين الإنسان عاجزة عن رؤية الله، ووهمه عاجز عن تصوره بالذهن، ولسانه عاجز عن وصفه بحقيقته.
منذ قديم الزمان والسجال قائم بين المتكلّمين حول كيفيّة معرفة الله، وأيّ لون من المعارف الإلهيّة ليس هو في متناول الإنسان. فالبعض من المستغرقين جدّاً في الظاهر والذين لا يمتلكون القدرة على التعمّق في الامور قد فهموا من بعض الآيات والروايات أنّ الله قابل للرؤية بالعين الحسّية! أمّا البعض الآخر فقال: لا يمكن رؤية الله في هذا العالم بالعين الحسّية، بيد أنّ ذلك ممكن في الآخرة! وقد صرّح بذلك بعض كبار علماء أهل السنّة.
لقد أوضحَت السيّدة الزهراء (عليها السلام) من خلال التعابير التي ساقتها أنّ الله تعالى قد تلطّف على عباده عندما أودع في عقولهم القدرة على معرفته معرفة واضحة وشفّافة. لكن لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّنا تعوّدنا أن نربط ما عرفناه بحواسّنا؛ وحتّى عندما ندرك شيئاً بعقولنا فإنّنا ندرك أوّلاً المصداق الحسّي لذلك الشيء بواحدة من حواسّنا الظاهريّة أو الباطنيّة، ومن ثمّ نجرّد هذا الفهم الجزئيّ لنحصل بالنتيجة على مفهوم عامّ ومعقول له. إذن فإنّ إدراكنا العقليّ يعتمد، بشكل أو بآخر، على الحسّ؛ بمعنى أنّه لابدّ لنا أن ندرك الشيء بالحسّ في بداية الأمر، ثمّ من خلال تجريده وتعميمهـ يتكوّن لدينا تصوّر عقلانيّ عن ذلك الشيء. لهذا فعندما يقال: «أنار في الفكر معقولها» فلعلّه سيقال إنّه: إذا كنّا ندرك الله بالعقل، فلابدّ أن نكون قد أدركناه سابقاً بالحسّ أو عبر الخيال والوهم ثمّ استخلصنا منه هذا الإدراك العقليّ من خلال التجريد. ومن أجل دفع مثل هذا التوهّم تقول الزهراء (سلام الله عليها): إنّ الله غير قابل للإدراك لا من خلال الحواسّ (التي من أبرزها العين)، ولا عبر قوّة الوهم أو الخيال. والمقصود من قوّة الوهم أو الخيال هو تلك القوّة التي تكوّن في ذهن الإنسان صورة للشيء بعد إدراكه له، سواء أكان لذلك الشيء وجود في خارج الذهن أم لم يكن؛ فعلى سبيل المثال يمكن للإنسان أن يكوّن صورة في خياله عن حصان مجنّح والحال أنّه لا وجود لمثل هذا الحصان في خارج الذهن، غير أنّ قوّة الخيال أو قوّة الوهم أو ما يصطلَح عليه الوهمـ تستطيع خلق مثل هذا التصوّر في الذهن. لكنّ الله سبحانه وتعالى ليس له حتّى هذه الصورة الوهميّة. فإذا لم يكن لدينا أي إدراك حسّي أو وهميّ عن الله تعالى فإنّنا لا نستطيع أن نصفه بصفات معيّنة.
معظمنا (نحن البشر) عندما نسمع بأنّ الله غير قابل للرؤية بواسطة العين الحسّية، وأنّه ليس له مكان وزمان، وليس له أجزاء، و...الخ، فإنّ غاية ما يسعنا التوصّل إليه، إذا اجتهدنا في أن نكوّن له تصوّراً صحيحاً، هو أنّه شيء مبهم لا حدود له وهو أشبه بالنور الذي ينير الكون بأسره، خصوصاً عندما تطرق مسامعنا الآية الشريفة: «اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»2. فهذا أقصى ما يمكننا تصوّره ب قوة وهمنا أو قوة مخيلتنا، بل قد لا نستطيع أن نُبعد هذه التصورات عن أذهاننا. فكلّما تبادرت هذه التصوّرات إلى أذهاننا فانّ علينا أن نقول: سبحان الله وننزّهه عز وجل عن مثل تلك الامور. فهذا التسبيح يعوّض عن هذا النقص في إدراكنا.

لماذا لا تبصره العيون؟

إنّه من غير الممكن أن يشاهَد شيء بالعين إلاّ إذا استقرّ في مقابلها؛ إذن لابدّ أن يكون ذلك الشيء محدوداً ليتمّ ذلك؛ أي يتعيّن أن يكون لذلك الشيء سطح يسقط عليه الضوء لينعكس في العين وينتقل أثره إلى الدماغ فتتمّ رؤيته. فإذا تقرّر أن يكون الله مرئيّاً بالعين لَلَزم ذلك استقرار الله بكامله أمام العين وعندها سيكون الله بأكمله محدوداً، أو أن يقع جزء من الله أمام العين وهذا بدوره يستلزم أن يكون لله أجزاء كي يقع واحد من تلك الأجزاء أمام ناظر الإنسان ليراه! لكنّ المحدوديّة والتركيب محالان بالنسبة لوجود الله تعالى. إذن فإذا فهمنا جيّداً ما معنى الرؤية بالعين لأدركنا أنّ أمراً كهذا مستحيل بالنسبة لله عزّ وجلّ.

لماذا لا تتصوّره الأوهام؟

إذا كان المقصود من الإدراك الوهميّ هو تلك الصورة الخياليّة، فإنّها تستقي أساسها من الإدراكات الحسّية أيضاً. فعلى الرغم من انعدام وجود الحصان المجنّح في الخارج، إلاّ أنّنا قد شاهدنا حصاناً ورأينا أجنحة طيور، وقوّة الخيال تستطيع أن تصنع من تركيب صور تلك المحسوسات صورة حصان له أجنحة. لكننا إذا لم نكن قد شاهدنا أيّ حصان أو أيّ جناح طير فيما مضى فلن نستطيع حينئذ أن نتخيّل حصاناً مجنّحاً. إذن فرصيد هذه الإدراكات المجعولة والزائفة مستقىً من تلك الإدراكات الحسّية؛ ومن هنا فإنّه إذا لم يكن للإدراكات الحسّية سبيل إلى موطن من المواطن، لم يكن للإدراكات الوهميّة والخياليّة معنى يذكر في ذلك المجال.

لماذا هو مُستعصٍ علي الوصف؟

بعد الرؤية والتصوّر يأتي الدور إلى الوصف اللسانيّ. فإنّنا نصف بألسنتنا ما تتصوّره أذهاننا. فإن افتقرت أذهاننا إلى تصوّر صحيح عن شيءٍ ما فلن نستطيع أن نترجمه بالبيان على النحو الصحيح. لهذا فبما أنّنا لا نستطيع، بواسطة ما نملكه من أدوات الإدراك، أن نكوّن تصوّراً صحيحاً عن الله عزّ وجلّ، فإنّنا عاجزون عن وصفه بشكل صحيح؛ فلا نستطيع أن نبيّن له كيفيّة معيّنة، أو شكلاً خاصّاً، أو غير ذلك من الامور. فكلّ تلك المسائل تُصنَّف ضمن لائحة الإدراكات الحسّية؛ فنحن ما دمنا غير قادرين على مشاهدة الله بالعين، فإنّنا لا نستيطع لمسه أيضاً بحاسّة اللمس؛ ذلك أنّه في هذه الحالة أيضاً لابدّ من وجود جسم كي تلامسه أيدينا، والتجسيم يستلزم المحدوديّة!

أنواع المفاهيم العقليّة

وهنا يُطرح سؤال هو: عندما تقول الزهراء (عليها السلام): «أنار في الفكر معقولها» (جعل الله في أذهاننا إدراكاً عقليّاً واضحاً بالنسبة له) فكيف يوجد هذا الإدراك العقليّ؟ طبقاً للتحليل الذي قدّمناه فإنّ إدراكاتنا العقليّة تستقي وجودها من الإدراكات الحسّية. ففي هذه الحالة إذا لم تكن الحواسّ قادرة على إدراك الباري تعالى، فكيف يمكننا تكوين إدراك عقليّ بخصوصه؟ هذا السؤال يسترعي الاهتمام والدقّة. ومن أجل أن أطرح جواباً له فلابدّ من أن اُشير باختصار إلى أمر، وأرجوا من أهل البحث والتحقيق متابعة هذه المسألة.
الجواب الذي أودّ طرحه هنا هو أنّ الإدراك العقليّ ينقسم إلى نوعين: الأوّل هو ما يُنتزع كما أسلفناـ من الإدراكات بتجريد الجزئيّات، أمّا الثاني فهو ما لا يتأتّى من تجريد الإدراكات الجزئيّة، بل يبدعه العقل نفسه بنحو من الأنحاء. فعندما تدركون تفاحة وترون لونها بأعينكم، وتشمّون رائحتها بشامّتكم، وتحسّون نعومتها وبرودتها أو حرارتها بأيديكم، و...الخ فستكون هذه هي مجموعة الإدراكات التي تملكونها حول التفّاحة والتي تعرفون التفّاحة من خلالها. ففي بادئ الأمر نحن نجرّد كلاًّ من تلك الإدراكات الحسّية لنحصل على مفهوم عامّ، ثمّ ندمجها مع بعضها ليتكوّن لدينا من مجموعها إدراك عقليّ يتعلّق بالتفّاحة. وهذا النمط من الإدراك يُدعى في اصطلاح المعقول بالإدراك الماهويّ أو المعقولات الأولي. فهذا الإدراك يرتبط بماهيّة الأشياء؛ لكنّنا، في الوقت ذاته، نكون قد أدركنا في هذه العمليّة شيئاً آخر أيضاً. فعندما عرفنا التفّاحة فإنّنا نقول تارة: «التفّاحة موجودة»؛ وتارة اُخرى: «التفّاحة غير موجودة». ففي هذه العبارة نحن نلاحظ مفهوماً آخر إلى جانب مفهوم التفّاحة، ألا وهو مفهوم «الوجود». لكن كيف حصلنا على هذا المفهوم؟ إنّنا ما لم نمزج هذين المفهومين مع بعضهما فإنّهما لن يحكيا عن علمنا بوجود تفّاحة. فإذا أردنا التصديق ﺑ«وجود تفاحة في الخارج» فلابدّ من حيازتنا على مفهوم آخر إلى جوار مفهوم التفّاحة ألا وهو مفهوم «الوجود» أو «الموجود».
فلو فرضنا أنّنا لا نملك إلاّ إدراكاً عن الله سبحانه، فمن الممكن أن يقول أحدهم: الله غير موجود. فهذا الإدراك لوحده لا يشير إلى الاعتقاد بالله تعالى. فما لم نقل: «إنّ الله موجود» فلن يظهر اعتقادنا بالله. إذن فهناك مفهوم آخر في هذا الباب هو «الوجود». وهناك مفاهيم اُخرى هي أيضاً من سنخ مفهوم الوجود وليست هي من قبيل مفاهيم مثل: التفّاح، والأصفر، والحلو، والكرويّ، و...الخ؛ بل هي من قبيل مفاهيم: العلّة، والمعلول، والممكن، والحادث، والقديم، و...الخ، وهذه الطائفة من المفاهيم تدعى المعقولات الثانية الفلسفيّة، وهي ما يصنعه العقل نفسه. بالطبع لا يعني ذلك أنّه يصنعها بمعزل عن الارتباط بالخارج، فهناك ارتباط لكنّه ليس على نحو ضرورة وجود إدراك جزئيّ في بادئ الأمر ليتمّ تعميمه فيما بعد؛ إذ لا وجود لإدراك حسّي لشيء تحت اسم «الوجود» كي نقول: لقد رأينا ذلك بأعيننا أو أدركناه بحاسّة اخرى، ومن ثمّ انتزعنا منه مفهوماً عامّاً للوجود؛ بل إنّنا هنا نكتشف شيئاً معيّناً من خلال العلم الحضوريّ ثمّ نصوغ له مفهوماً يكون له باصطلاح علم المعرفة المعاصرـ طابع رمزيّ؛ أي إنّه يشير من بعيد إلى تلك الحقيقة القابلة للإدراك بالعلم الحضوريّ. فهذا المفهوم لا يشبه مفهوم «الأحمر» الذي يُظهر الحمرة الخارجيّة وفي إزائها شيء يُرى بالعين الظاهرة. هناك في هذا الباب بحث فلسفيّ هو غاية في التفصيل والعمق والتعقيد في كيفيّة إدراك مفهوم الوجود. وكذا الحال مع مفهوم العلّة؛ فعندما نقول على سبيل المثال: «النار هي علّة الحرارة» فإنّنا نكون قد أدركنا واستوعبنا حرارة النار بحاسّة اللمس ورأينا شعلة النار بالعين؛ لكنّ السؤال هو: كيف أدركنا علّية النار؟ بأيّ حاسّة يمكن أن يُدرَك مفهوم العلّة كي يتكوّن لدينا إدراك عقليّ له؟ فهذا بحث على مستوىً عالٍ من الدقّة وأنا شخصيّاً لم أعثر في الكتب على جواب واضح ومقنع له. لكنّه يقال على سبيل الإجمال: إنّ هذا النوع من الإدراكات يبيّن الحيثيّات الوجوديّة وليس الحيثيّات الماهويّة. هذه المفاهيم تُدعى بالمعقولات الثانيّة، أمّا المفاهيم الماهويّة فتسمّى بالمعقولات الاولي. والمعقولات الثانيّة هي نمط آخر من الإدراك المنسوب إلى العقل والذي يعكس الوجود الخارجيّ وخصوصيّته بصورة رمزيّة. وهذا الإدراك هو من النوع الذي يمكن لعقولنا أن تعمّمه بحيث تُثبت له ما لا نهاية له من المصاديق، وتستطيع أن تدرك أنّ هذه العلّية هي لذلك الموجود الذي لا نهاية له؛ أي من الممكن أن تكون ثمّة علّة لا نهاية لوجودها. وهذه هي خاصّية هذا النمط من الإدراك العقليّ. لكنّ الإدراكات الماهويّة ليس لها هذه الخاصّية. لقد أعطى الله تعالى لعقولنا من القدرة ما يمكّنها من صياغة مفهوم يكون له طابع رمزيّ بالنسبة إلى الحقائق الموجودة في الخارج؛ وحسب قول أهل المعقول: إنّ مفهومها اعتباريّ؛ لكنّها تحكي الحقائق العينيّة. مفاهيم كهذه قابلة للإطلاق على الموجودات الغير المادّية بل حتّى على وجود الله عزّ وجلّ؛ ذلك أنّها لا تفصح عن ماهيّة معيّنة بل تبيّن كيفيّة الوجود فحسب.

لا تعطيل ولا تشبيه، بل معرفة من وجه

من الممكن استخدام المفاهيم الثانية الفلسفيّة فيما يتّصل بالله تعالى أيضاً؛ لكن بما أنّ أذهاننا تميل فوراً في هذه الحالة أيضاًـ إلى قياس تلك المفاهيم بالاُمور الحسّية، ولكي لا نقع في شبهة التشبيه، فإنّ علينا القول: «لكن ليس كالاُمور الاُخرى». ومن هذا المنطلق فإنّنا اُمرنا أن نقول في وصف الله تعالى: «إنّ الله عالم؛ لكنّ علمه ليس كعلمنا، وهكذا». وقد أطلقت الروايات على هذا النهج «نهج ما بين التعطيل والتشبيه»، فقالوا: لا ينبغي القول في وصف الله تعالى: «ليس لدينا معرفة بالله»، كما أنّه يجب أن لا يُقال أيضاً: «معرفتنا له سبحانه تشبه معرفة سائر الموجودات».
إنّ إدراك صفات الله هو إدراك يتّسم بالإبهام؛ فهو موجود لا نهاية له؛ لكن هل لنا أن نتصوّر معنى اللانهاية؟ ومع أنّه لا نهاية له، فهو غير مركّب حتّى من جزئين. نحن نستطيع أن نثبت كلّ واحدة من هذه الصفات بالبرهان؛ لكن لا نستطيع أن نكوّن في أذهاننا تصوّراً عنها. فوجود الله نفسه هو عين العلم، وعين القدرة، وعين الحياة. لكنّ أذهاننا لا تستطيع إدراك هذا الامر؛ ذلك أنّ الإدراك الوهميّ أو الخياليّ أو الحسّي إنّما يصحّ في الشيء الجزئيّ والمحدود؛ وإنّ تلك الإدراكات العقليّة، المأخوذة من الإدراكات الحسّية، تحكي عن نفس تلك المصاديق المحدودة؛ لكنّ ما يُدرَك عن طريق المعقولات الثانيّة فهو راجع إلى القدرة التي وهبها الله للعقل البشريّ في خلق مفهوم يكون مصداقه موجوداً غير محدود. وهذه من العنايات الخاصّة التي حباها الله لعقل الإنسان بأن أعطاه تلك القدرة على صياغة المفاهيم والإشارة بهذا النحو إلى الوجود الحقيقيّ لله تعالى من دون القدرة علي الإشارة إلى كُنهه. ويُطلق على هذا النوع من الإدراك: «معرفة من وجه»؛ أي إنّنا ندرك جهة واحدة، وحيثيّة عقلانيّة واحدة ممّا يتعلّق بالله تعالى؛ لكنّ ذلك لا يعني بحال أنّنا قد أدركنا كُنْه ذات الله تبارك وتعالى، أو كوّنا تصوّراً ذهنيّاً عنه.
إذن فمن الممكن أن يكون في عبارة: «أنار في الفكر معقولها» تنويه إلى أنّ الله تعالى قد أعطى للعقل البشريّ القدرة على إدراك مفاهيم معيّنة تكون قابلة بنحو من الأنحاءـ للإطلاق على الله؛ فنقول: الله موجود، وعالم، وقادر، وحيّ، و...الخ.
علينا أن نفهم جيّداً أنّ الله يمكن معرفته، بل ولابدّ من معرفته. فإن قيل: إنّه لابدّ من معرفة الله، لكنّ ذلك غير ممكن! فما معني «لابدّ» هذه؟ إذ أنّ هذا يعني التكليف بالمحال! فلو كانت معرفة الله محالة، فكيف نفسّر كلّ تلك الطالبات التي يطلبها المعصومون من الله في الأدعية: اللهمّ ألهمنا معرفتك؟ للأسف فإنّ البعض يقول: ليس بالإمكان معرفة الله؛ بل إنّ البعض قد صرّح أيضاً: بل لا ينبغي إطلاق لفظة الموجود على الله، وإنّ كلّ ما نثبته نحن في حقّ الله إنّما يعود إلى المعنى السلبيّ؛ أي: بما أنّه موجود؛ إذن فهو غير معدوم، و...الخ! لكن لابدّ من الردّ على هؤلاء بالقول: هل نستطيع يا ترى أن ننعت الله بعدم الجهل إذا لم يكن في أذهاننا أيّ تصوّر عن معنى العالِم؟ فنحن لا يمكننا أن نقول: «ليس بجاهل» إلاّ إذا علمنا أنّ الجهل هو نفي العلم. والسؤال الواضح الذي يوجَّه إلى أصحاب هذا النهج هو: لماذا يذكر القرآن الكريم لنا أوصاف الله مراراً وتكراراً؟ فهذه النزعة هي انحراف في الذوق. فحقيقة المسألة هي أنّ العقل يدرك هذه المفاهيم؛ لكنّ مصاديق تلك المفاهيم هي محدودة وناقصة بالنسبة لنا، أمّا بالنسبة لله عزّ وجلّ فلا نهاية لها؛ لكنّ علمنا على أيّة حالـ هو علم وليس بجهل، كما أنّ علم الله أيضاً هو علم. فلقد أعطى الله عزّ وجلّ لعقولنا قابليّة إدراك مفهوم يمكن أن يكون له مصداق لا نهاية له، ومصداق ضعيف في آن معاً. فإن قلنا: ليس لدينا هذه القدرة، فإنّنا نكون قد كفرنا بنعمة الله، فنفس كلمة «ذات» التي ننسبها إلى الله في قولنا: «ذات الله» هي أيضاً مفهوم، وهذا المفهوم تدركه عقولنا، لكنّه لا يعني أنّنا قد أدركنا كُنه ذات الله. فهذه هي ما يسمّى «المعرفة من وجه» التي منح الله كافّة البشر القدرة عليها؛ بالطبع هناك إدراك آخر يفوق تلك الإدراكات، وتوجد مرتبة منه في فطرة جميع الناس، وهو إدراك الله حضوريّاً وشهوديّاً؛ فهذا الإدراك هو غاية في القيمة والنفاسة، ونحن نرجو التوفيق إلى بلوغ مرتبة من مراتبه، بإذن الله تعالى.


1. بلاغات النساء، ص27؛ وبحار الأنوار، ج29، ص220.

2. سورة النور، الآية 35.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org