بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 24 تشرين الثاني 2010م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

الشرك ألدّ الأعداء

عيد الله

نبارك لصاحب العصر والزمان إمامنا المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) بمناسبة حلول عيد الغدير الأغرّ عيد الله الأكبر. ولكي نعطّر المجلس بذكر مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أستعرض في مطلع اجتماعنا هذا موجزاً عن عيد الغدير.
يمكننا أن نستفيد من عبارة: «الذي جعلته للمسلمين عيداً»1 التي نقرأها في قنوت صلاة عيدَي الفطر والأضحى أنّ هذين العيدين هما عيدان للمسلمين. أمّا عيد الغدير فإنّ الروايات تسمّيه بـ «عيد الله الأكبر» وهو تعبير يحمل معنى عميقاً للغاية؛ فهذا العيد هو عيد الله، لكنّ عيد الفطر هو عيد المسلمين. ولعلّ بإمكاننا القول تعليلاً لهذه التسمية: إنّ المسلمين يصومون شهراً كاملاً هو شهر رمضان المبارك ويتوقّعون من الله الأجر والجائزة على ذلك. فمن أجل تتميم عبادة استمرّت لشهر كامل فهم يتّخذون يوماً معيّناً عيداً ويصلّون فيه. فعيد الفطر - في الحقيقة - هو مكمّل لصيام شهرٍ كامل. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى فإنّ الله جلّ وعلا قد أنزل دين الإسلام على النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) على امتداد ثلاثة وعشرين عاماً كان يُنزل خلالها في كلّ مناسبة حكماً خاصّاً. ومع ذلك فقد ظلّ هذا الدين ناقصاً، إلى أن قال عزّ وجلّ في نهاية المطاف: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»2. فعيد الفطر هو يوم إكمال شهر رمضان المبارك، أمّا اليوم (عيد الغدير) فهو اليوم الذي أكمل الله فيه أمره؛ فقد أكمل تبارك وتعالى تشريع دينه بولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام). إذن فهذا العيد هو عيد الله، ومن هذا المنطلق نستطيع القول: إنّ هذا العيد أشرف من عيدي الفطر والأضحى. نسأل الله العليّ القدير أن يمنّ علينا بالتوفيق للعبادة في هذا اليوم. اُقسم بالله العظيم، إذا أعارنا أمير المؤمنين (عليه السلام) نظرة ولو بطرف عينه فمن شأن ذلك أن يضمن سعادتنا في الدنيا والآخرة.

التوحيد، عصارة الإسلام

في متابعتنا للخطبة الفدكيّة لمولاتنا الزهراء (سلام الله عليها) وصلنا إلى العبارة التي قالت (عليها السلام) فيها: «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة»3. لقد ابتدأت (سلام الله عليها) هذا القسم من الخطبة بعبارة: «فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ» واختتمته بجملة: «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة». ولعلّنا نستشفّ من هذا التنسيق والتنظيم في العبارات أنّ التوحيد هو مبدأ الدين ومنتهاه. فأوّل عمل قام به الأنبياء (عليهم السلام) هو محاربة الشرك وآخر مهمّة نهضوا بها هي اقتلاع جذور الشرك، وإنّ ما يوصل الإنسان إلى السعادة هو التوحيد، وما يجرّه إلى السقوط والتعاسة هو الشرك.
إنّ للتوحيد معانيَ عميقةً وغنيّةً ولطيفةً إذا نحن أدركناها بدقّة فسنفهم أنّ كلّ ما في الدين من أَلِفِه إلى يائِه ليس هو إلّا التوحيد. يقول المرحوم العلامة الطباطبائيّ (رضوان الله عليه) في هذا الباب: «إذا جمعْنا الإسلام وضغطناه فسنحصل على التوحيد، وإذا بسطنا التوحيد وشرحناه فستخرج الشريعة بكلّ تفاصيلها من أعماقه». فالتوحيد هو أشبه ما يكون بالقرص الـمُدمَج الذي يضمّ الإسلام كلّه.

التوحيد، هو الطريق الوحيدة الموصلة إلى الحبيب

إنّ من النصوص القرآنيّة التي لا تقبل التأويل بتاتاً هي الآية الشريفة: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ»4 إذ أنّها تبيّن حصراً قاطعاً ومفهوماً واضحاً. ولا يعني قوله تعالى هذا أنّ الله بحاجة إلى عبادتنا، إذ أنّ الفعل الأساسيّ لله تبارك وتعالى وما يصدر من ذاته المقدّسة هو الإفاضة والرحمة والعطاء. ولعلّ هذا هو تعليل جعل صفة الرحمٰن صفة خاصّة لله عزّ وجلّ لأنّها تشمل كلّ كرم وعطاء. فكلّ مخلوق من مخلوقات الله جلّ شأنه يملك استعداداً خاصّاً لكمال معيّن. فشجرة الجوز مثلاً لها قابليّة النموّ إلى حجم معيّن، ونبتة الخيار لها قابليّة النموّ إلى حجم آخر. فلا يمكن أن نتوقّع من نبتة الخيار أن تنمو لتبلغ حجم شجرة الجوز. وكذا الحيوانات فلكلّ نوع منها حدود للنموّ. وحتّى الإنسان فإنّ له حدّاً معيّناً للنمو لا يمكن أن يتخطّاه. لكنّ الناس غالباً ما ينظرون إلى أشكال الرقيّ والكمال التي يتّصفون بها بمنظار مادّي؛ كالطول، والوزن، والنشاطات البدنيّة، والقدرة على رفع الأثقال، والقابليّة على أكلّ كمّيات كبيرة من الأطعمة، ...الخ. لكن علينا أن ندرك أنّ إنسانية الإنسان تكمن في روحه، وقدرة روح ابن آدم ليست هي ممّا يمكن قياسه. بل لابدّ أن نقول إجمالاً إنّ ظرفيّة روح الإنسان تقترب ممّا لا نهاية له أو تميل إلى ما لا نهاية؛ أي لا يمكننا تحديد حدّ معيّن لها. ونستطيع القول: إنّه يمكن لعلم الإنسان أن يبلغ حدّاً بحيث يعلم كلّ شيء، ويقدر على إنجاز كلّ عمل. لكنّ هذه الامور هي آثار ذلك الكمال الذي يستطيع أن يبلغه. فإذا أردنا أن نصوغ ذلك الكمال بعبارة موجزة، فلابدّ أن نقول، بما يتماشى مع التعبير القرآنيّ: «القرب من الله». فالإنسان باستطاعته أن يسمو ويترقّى حتّى يقترب من الله عزّ وجلّ: «عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ»5. ومن أجل الوصول إلى ذلك المقام فليس ثمّة سوى طريق واحدة ألا وهي الارتباط بالله عزّ وجلّ اختياريّاً وهو ارتباط قوامه اعتقاد المرء بأنّ الله هو ربّه حقّاً وأنّ الإنسان عبده حقّاً. ويطلق على هذا الارتباط اسم «العبادة»، أو «العبوديّة». إذن عندما يُطرح السؤال التالي: لماذا خَلَقنا الله؟ فإنّه يتعيّن الإجابة: «من أجل العبوديّة»؛ بمعنى أنّنا إذا لم نعبد ونعمل وفقاً للعبوديّة فإنّنا لن نصل إلى ذلك المقام. والعبوديّة تكمن في تقوية علاقتنا مع الله تبارك وتعالى، وأن نعمل بما يقرّبنا إلى الله أكثر، ويزيد من اُنسنا به، وحبّنا له.

الشرك هو عدوّ الوصول إلى الحبيب

إنّ عدوّ ابن آدم الذي يحول بينه وبين بلوغ هذه المنزلة الرفيعة هو العامل الذي يؤدّي إلى زوال روح العبوديّة؛ ذلك أنّ العامل الوحيد الذي من شأنه أن يقود الإنسان نحو التسامي والرُقيّ وإيصاله إلى قرب الله تعالى هو «روح العبوديّة». فالركون إلى هذا العدوّ يُطلق عليه في الثقافة الإسلاميّة اسم «الشرك». وإطلاق كلمة الشرك على هذا العمل يستبطن لطيفة مفادها: أنّ فطرة الإنسان لا تستطيع نسيان وجود الله سبحانه وتعالى. فإذا لجأ الإنسان إلى غير الله فإنّه يجعل - في واقع الأمر – شريكاً له. فالشرك – على أيّة حال – هو ألدّ أعداء الإنسان، ومن هذا المنطلق فإنّ الشيطان يبذل قصارى جهده من أجل إبعاد ابن آدم عن العبوديّة لله الواحد وتقريبه من الشرك.

مراتب التوحيد والشرك

إنّ لكلٍّ من مقولتَي توحيد الله والشرك به مراتبَ تبدأ من فوق الصفر وتقترب ممّا لا نهاية له. فأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تجعل للإيمان وأمثاله مراتبَ؛ فقد جاء في بعض الأخبار – على سبيل المثال – أنّ «للإيمان سبعة أسهم»، وجاء في بعضها أيضاً أنّ «للإيمان عشر درجات». وهذه المقولات هي لتقريب المسألة إلى الذهن وإلاّ فإنّ لكلٍّ من هذه الأسهم والدرجات امتداداً وهي - من هذا الباب - قابلة للتقسيم أيضاً؛ فكلّ امتداد يمكن تقسيمه إلى ما لا نهاية. إذن فمراتب الإيمان والشرك كثيرة جدّاً؛ فالإيمان يبدأ من مجرّد اعتراف الإنسان بوجود الله ويستمرّ حتّى يصل إلى إيمانٍ كإيمان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مثلاً. لكنّ المسافة بين الاثنين تشبه المسافة بين الصفر وما لا نهاية. وكذا الشرك فهو يبدأ من أقلّ شرك بالله حتّى يبلغ منزلة أسفل السافلين: «ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ»6. إذن فإنّ لدينا طريقاً نحو الأعلى باتّجاه الله وهو السير الصعوديّ وإنّ له مسيرةً طويلة ومراتبَ كثيرة جدّاً، وإنّ له طريقاً نحو الأسفل هو السير النزوليّ وهو يبدأ ممّا دون المكان الذي يوجد فيه الإنسان حتّى يصل إلى أسفل وأخسّ موضع: «أُوْلَئكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة»7. فالإنسان يقع بين هذين المسيرين اللذين لا نهاية لهما. أمّا الهدف من خلقتنا فهو ذلك المقام الرفيع، وهو مقام خلافة الله تعالى ومجالَسة النبيّ الأعظم والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، وإنّ ألدّ أعداء ذلك المقام هو الشرك. فالقرآن الكريم يقول في هذا المجال: «لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»8. فالظلم هو أن يغتصب امرؤ حقّ غيره. وهل من حقّ هو أسمى وأعظم من حقّ الله على عباده؟! فحقّ الله على عباده هو أن يسيروا نحوه كي يوصلهم إلى ما لا نهاية له من الكمال. وبعبارة أبسط: إنّ لله على عباده حقّاً وهو أن يعبدوه. وسَلْب هذا الحقّ من الله تعالى يعني عدم عبادته، وهو أعظم أشكال الظلم، وأفدح أنواع الحيف لحقّ من الحقوق؛ ومن هنا يقول الباري تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ».

التوحيد في النيّة، أعلى مراتب التوحيد

قلنا سلفاً إنّ لكلّ من الإيمان والشرك مراتبَ. لكنّنا إذا أمعنّا النظر فسوف نجد أنّ الدرجات الضعيفة من الإيمان تكون مصاحبة لبعض مراتب الشرك، لكنّه كلّما قَوِي أحد هذين الطرفين ضَعُف الطرف الآخر. فحيثما ضعف الإيمان فلابدّ أن يوجد الشرك. يقول عزّ من قائل: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ»9؛ فإيمان أكثر الناس يكون مشوبا بالشرك والسبب في ذلك هو ضعف إيمانهم. فكلّما قَوِي الإيمان ضَعُف الشرك وقلّ معه الرياء في العبادة.
فبعض الناس إنّما يقف إلى الصلاة كي يشاهده الآخرون! لكن ليس الجميع مرائين إلى هذا الحدّ. فبعضهم يصلّون بإخلاص، لكنّهم يفرحون إذا علم الآخرون بصلاتهم. وهذه أيضاً هي مرتبة من مراتب الشرك. فالخلوص في العبادة هو أن يكون الأمر بالنسبة للمرء سيّان، إنْ عَلِم الناس بصلاته أم لم يعلموا. فإذا أثّرت ردود أفعال الناس في سلوك المرء عُلِم حينئذ أنّه مبتلىً بمرتبة من مراتب الشرك.
كما أنّ للشرك مرتبةً اخرى ترتبط بالنيّة. فإنّنا نصلّي امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ؛ لكن لو قال الله لي: «الصلاة واجبة عليك، لكنّني لن اُدخلك الجنّة حتّى إذا صلّيت»! أو يقول: «حتّى إذا صلّيت فإنّني ساُدخلك النار» فهل سنصلّي عندئذ؟ فإذا كان جوابنا بالنفي، علمنا أنّنا لا نصلّي طاعة لأمر الله تعالى فقط، بل إنّ نيّتنا مشوبة بالخوف من العذاب أو الشوق إلى نيل الثواب وهذه أيضاً هي مرتبة من مراتب الشرك. فالنيّة الخالصة هي نيّة الإمام السجّاد (عليه السلام) إذ يقول: «لَئِنْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ لَأُخْبِرَنَّ أَهْلَ النَّارِ بِحُبِّي‏ لَكَ»10 و الذي يقول: «إِلَهِي... وَ عِزَّتِكَ وَ جَلَالِكَ لَوْ كَانَ رِضَاكَ فِي أَنْ أُقْطَعَ إِرْباً إِرْباً وَ أُقْتَلَ سَبْعِينَ قَتْلَةً بِأَشَدِّ مَا يُقْتَلُ بِهِ النَّاسُ لَكَانَ رِضَاكَ أَحَبَّ إِلَي»‏11
فالسبيل للوصول إلى أعلى درجة هيّأها الله للإنسان هي العبادة الخالصة: «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّين»12. فمن أجل بلوغ هذا المقام يتحتّم على الإنسان أن يتخلّص شيئاً فشيئاً من هذه الأشكال من الشرك الجليّ والظاهر كي يكتسب تدريجيّاً الاستعداد لاجتناب معانيه الأكثر ظرافة ليقول كما يقول عليّ (عليه السلام): «ما عبدتُك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتُك»13، فهذا هو الدين الخالص. بالطبع إنّما هي ألطاف عليّ (عليه السلام) وعناياته التي تعيننا على اجتناب الشرك؛ لكنّ السبيل الأساسيّة – على أيّة حال – هي أن يكون التفاتنا وتوجّهنا إلى الله وحده.

لا يليق للعبد إلا العبوديّة

إذا طُرح السؤال التالي: لماذا يتعيّن علينا ممارسة العبوديّة؟ فالجواب هو: لأنّنا عبيد. فإنْ لم يمارس العبدُ العبوديّةَ، فماذا سيصنع إذن؟ وإذا لم يعط المصباح النورَ فماذا سيفعل؟ فالإضاءة هي ذاتيّة للنور. فمتّى ما استطعنا الاستقالة من العبوديّة فليس من الضروريّ أن نمارسها بعدئذ، لكن ما دمنا عبيداً فلابدّ أن نعمل بمقتضى العبوديّة. والملفت هنا هو أنّ كمال عزّتنا مخبّأة في هذه العبوديّة وأن أقصى درجات اللذّة هي في العبوديّة. فقد كان المرحوم آية الله بهجت (رضوان الله تعالى عليه) يقول: «لو علم السلاطين ما في الصلاة من اللذّة لتركوا سلطانهم وهرعوا للصلاة». وقد أوصى المرحوم الميرزا حسن الشيرازيّ أن تُقضى عنه جميع صلواته. فاستفسر أحد المقرّبين منه عن علّة هذه الوصيّة فأجابه قائلاً: «أخشى أن تتنافى اللذّة التي كانت تنتابني أثناء الصلاة مع قصد القربة». إذن فإنّ لله أمثال هؤلاء العبيد أيضاً. لقد خلق الله هذا الدين كي نتعلّم طريق العبادة فنصل من خلالها إلى درجة القرب منه سبحانه وتعالى. إذن فالسبيل للقرب منه هو توحيده، وعدوّ هذا السبيل هو الشرك به. ومن هذا المنطلق تقول سيّدتنا الزهراء البتول (عليها السلام): «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة».

الشرك التشريعيّ

إنّ للشرك في الربوبيّة أنواعاً أحدها الشرك التشريعيّ. إذ يقول القرآن الكريم بخصوص اليهود والنصارى: «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ»14؛ أي إنّ هؤلاء كانوا قد تورّطوا في مرتبة من مراتب الشرك بأن اتّخذوا علماءهم ورهبانهم أرباباً. وقد سُئل أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) عن سبب سجود هؤلاء لعلمائهم فقال (عليه السلام): «أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون»15. وهذا يُعدّ شركاً في الربوبيّة التشريعيّة. فالذي يسنّ قانوناً إلى جانب القانون الإلهيّ فهو مشرك، اللهمّ إلاّ أن يكون سنُّه لهذا القانون بإذن الله تعالى. فقد جاء في الخبر أنّ الله قد فوّض لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) وضع الكثير من الأحكام وكان (صلّى الله عليه وآله) يسنّ تلك القوانين بنفسه. فأمثال هذه الموارد لا تُعدّ شركاً لأنّها تكون بتفويض وإذن من الله عزّ وجلّ. وكذا الحال إذا اُجيز الوليّ الفقيه بسنّ قانون مؤقّت في ظروف خاصّة فإنّه لا يُعدّ هذا من قبيل الشرك؛ ذلك أنّ الوليّ الفقيه مأذون من قبل المعصوم (عليه السلام) والمعصوم مأذون من قبل الله عزّ وجلّ؛ إذن فعمل الوليّ الفقيه هو بإذن الله أيضاً. وبناء عليه فلو انتخب الشعب بأكمله شخصاً لمنصب رئاسة الجمهوريّة فلن يتمتّع بالمشروعيّة ما لم ينصبه الوليّ الفقيه لهذا المنصب. ومن هذا المنطلق قال الإمام الراحل: «إذا أدلى جميع أفراد الشعب بأصواتهم لرئيس الجمهوريّة ولم ينصبه الوليّ الفقيه لهذا المنصب فهو طاغوت وطاعته محرّمة». فالحاكميّة والربوبيّة هي لله وحده؛ فإنْ أجاز تعالى لأحد من الناس بذلك اكتسب الأخير المشروعيّة، وإلا فلا: «قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُون»16؛ أي تفترون بالتحليل والتحريم من عند أنفسكم؟!

إذن فالتوحيد في العبادة هو السبيل الوحيدة المؤدّية إلى تلك المنزلة التي جعلها الله للإنسان؛ إذن لابدّ من الحذر من الشرك. ومن هذا المنطلق انطلقت مولاتنا الزهراء (عليها السلام) في قولها: «وَحَرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ إِخْلاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّة».
جعلنا الله وإيّاكم من الموحّدين

والسلام عليكم ورحمة الله


1. إقبال الأعمال، ص289.

2. سورة المائدة، الآية 3.

3. بحار الأنوار، ج29، ص223.

4. سورة الذاريات، الآية 56.

5. سورة القمر، الآية 55. 

6. سورة التين، الآية 5.

7. سورة البيّنة، الآية 6.

8. سورة لقمان، الآية 13.

9. سورة يوسف، الآية 106.

10. دعاء ابوحمزه الثمالي.

11. بحارالأنوار ج:74 ص:26 حديث ليلة المعراج.

12. سورة الزمر، الآية 11. 

13. بحار الأنوار، ج67، ص186.

14. سورة التوبة، الآية 31.

15. بحار الأنوار، ج2، ص98.

16. سورة يونس، الآية 59.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org