بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 20 نيسان 2011م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

نداء: «هل من ناصر»؟ الذي أطلقته فاطمة (عليها السلام)

وصلنا في شرحنا للخطبة الفدكيّة المباركة إلى حيث رمت فاطمة (سلام الله عليها) بطرفها نحو الأنصار موجّهة خطاباً مهمّاً إليهم، وقد نقلنا قسماً منه في المحاضرات الفائتة. وقد كان هذا القسم بحاجة إلى مزيد من التوضيح، لكنّني أخشى أن يؤدّي الإسهاب الكثير إلى الملل، لذا ساُواصل في هذه المحاضرة شرح الخطبة الشريفة.
تستمرّ الزهراء (عليها السلام) في خطابها للأنصار مستخدمة تعبيراً آخر. لقد كان الأنصار يتكوّنون من قبيلتين رئيسيّتين هما الأوس والخزرج. وقد ذكر التاريخ أنّ جدّتهم العليا كانت تسمّى «قيلة»؛ ولهذا كان مجموع أفراد القبيلتين يُدعَون: «بني قيلة». لكنّهم انقسموا بعد موت قيلة إلى طائفتين عُرفت إحداهما بـ «الأوس» والثانية بـ «الخزرج».

لِمَ لا تقومون حاملين السلاح؟!

تخاطب الزهراء (سلام الله عليها) الأنصار بالقول: «إِيهاً (وهي كلمة تحذير) بَنِي قِيلَهَ! أَاُهْضَمُ تُرَاثُ أَبِي وَأَنْتُمْ بِمَرْأىً مِنِّي وَمَسْمَعٍ، وَمُنْتَدىً وَمَجْمَعٍ، تَلْبِسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَتْشَمَلُكُمُ الخِبْرَةُ، وَأَنْتُم ذَوُو العَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَالأَدَاةِ وَالقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّة»؛ أي: «إنّي أوجّه لكم تحذيراً يا أبناء قيلة! فهل صحيح أنّ إرث أبي يُداس ويُسحَق وأنتم تنظرون وتسمعون وأنا في جمعكم وأنتم حاضرون؟! فلو كنتم لا تسمعون نداء استغاثتي التمستُ لكم عذراً؛ ولو كنتم لا تعلمون الحقّ مع مَن فقد تكونون معذورين أيضاً؛ ولو كنتم تعلمون وتعرفون لكنّكم غير قادرين على المعونة والنصرة فمن الممكن أيضاً أن أعذركم؛ لكنّ دعوتي قد طرقت مسامعكم وقد وعيتموها وأدركتموها جميعاً، وإنّ جمعكم لكثير، وأنتم تتمتّعون بالعُدّة والعدد، والقوّة والمدد، وبحوزتكم الأسلحة والدروع». ويُستشفّ من هذه التعابير أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت تتوقّع من الأنصار نصرتها وقمع مَن سلبها حقّها حتّى بالسلاح إذا لزم الأمر.
«تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغِيثُونَ» فعلى الرغم من أنّكم تسمعون دعوتي، لكنّكم لا تجيبونني، ومع أنّ صرخة استغاثتي عالية فإنّكم لا تغيثونني!

تاريخ الأنصار

«وَأَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ» الشجاعة والبسالة، «مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، وَالنُّخَبَةُ الَّتِي انْتُخِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَت» من بين المسلمين «لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ».
وكما ذكرتُ في المحاضرة السابقة فقد أرادت السيّدة الزهراء (عليها السلام) أن تستغلّ كلّ العوامل من أجل إرشاد الأنصار؛ أي أن تستفيد من المنطق العقليّ من جهة، والمنطق الشرعيّ من جهة اُخرى، والمنطق العاطفيّ من جهة ثالثة. فهذه المقاطع هي أشدّ ميلاً إلى طابع التحريض العاطفيّ للأنصار منها إلى غيره. فمن أجل تشجيعهم فإنّها (عليها السلام) تذكّرهم في سياق كلامها هذا بماضيهم وتسرد لهم خدماتهم التي قدّموها للإسلام.
«قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَب». وحيث إنّ الأنصار عرب فإنّنا نفهم من هذا القول أنّ مسألة القوميّة لم تكن مطروحة آنذاك، بل المهمّ هو الحقّ والباطل. تقول فاطمة الزهراء (عليها السلام) هنا: «على الرغم من قلّة جماعتكم فقد نهضتم لقتال جحافل العرب المنحرفين والمعادين للإسلام وتحمّلتم في سبيل ذلك صنوف المشاقّ وألوان العناء».
«وَنَاطَحْتُمُ الأُمَمَ، وَكَافَحْتُمُ الْبُهَم» و«المناطحة» تُطلَق على العراك بين الحيوانات إذا كان بقرونها. تقول (عليها السلام): «لقد ناطحتم العرب المشركين المخالفين للإسلام وحاربتموهم وجهاً لوجه، وقاتلتم فحول العرب وشجعانهم بكلّ بسالة وإقدام».
«لا نَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الإِسْلام»؛ فما كان بعضنا ينفصل عن البعض الآخر، وما كنّا نذهب إذا لم تأتوا، لكن كلّ ذلك كان يدور في إطار الآمِر والمؤتمِر. فكنّا نأمركم وكنتم تمتثلون وتطيعون، حتّى دارت رَحى الإسلام بأيدينا.
«وَدَرَّ حَلَبُ الأَيَّامِ، وَخَضَعَتْ ثَغْرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإِفْكِ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّين» وهنا تستخدم (عليها السلام) تعابير أدبيّة هي غاية في اللطف والجمال؛ فهي تشبّه ما مضى من الأيّام منذ صدر الإسلام وحتّى ذلك اليوم باُنثى الحيوان المرضع التي كان ضرعها جافّاً من اللبن حتّى إذا أنجبت وليدها امتلأ ضرعها ودرّ منه اللبن. إذ تقول بضعة المصطفى (سلام الله عليها): «لقد درّ حليب الأيّام غزيراً، وهدأت أصوات الشرك التي كانت تصمّ الآذان، وخمدت فورة الكذب والبهتان». بمعنى أنّ المشركين في بادئ الأمر كانوا يطلقون شتّى التهم وأنواع البهتان على المسلمين، بل وعلى شخص النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وهو دأب شياطين الإنس والجنّ عندما تريد الغلبة على خصومها. تخاطب الزهراء (عليها السلام) الأنصار قائلة: «لقد أبليتم بلاءً حسناً في قتالكم طاعة للأوامر حتّى سكتت صرخات الشرك الصاخبة، وسكن فوران البهتان والكذب، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوات مَن نادى بالفتنة والهرج والمرج، وانسجم نظام الدين. فهذه هي أعمالكم التي قمتم بها بإرشاد وهداية منّا. لقد تجشّمتم كلّ هذا العناء، وقاتلتم، وضحّيتم، حتّى أثمرت شجرة الإسلام، ودارت رحاه؛ أي استتبّ حكم الإسلام، واُسّست الدولة الإسلاميّة.

إذن ما الذي حلّ بذلك التاريخ المشرق؟!

«فَأَنَّى حُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإِعْلانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإِقْدَام»؛ فبعد أن مضت ثلاثة وعشرون عاماً على هذا الأمر وتمكّنت دولة مقتدرة وعزيزة من تسلّم مقاليد الامور كيف ترجعون حيارى؟! لماذا أصبحتم في حيرة من أمركم لا تدرون ما تصنعون بعد أن تبيّن الحقّ واتّضح؟! وكيف تحوّلتم إلى العمل في الخفاء، وعقد الاجتماعات السرّية، وحياكة المؤامرات ضدّنا بعد دفاعكم عن الإسلام وعنّا أهل البيت في العلانية؟! ما الذي حصل لكم لتنكصوا وتتراجعوا بعد الإقدام ودخول ميدان النزال؟!
«وَأَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الإِيمَانِ، بُؤْساً لِقَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ «وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»1 وهذه من جملة تلك التعابير العنيفة جدّاً. فسيّدتنا الزهراء (سلام الله عليها) تخاطب المسلمين الذين كانوا أنصار الإسلام والذين قد أسْدَوا خدمات جليلة له، أو – كما تقول (عليها السلام) - الذين قام النظام الإسلاميّ أساساً على أكتافهم، تقول لهم: هل «أَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الإِيمَانِ»؟! ومن الواضح أنّ هذا الشرك ليس هو من نوع عبادة الأوثان؛ ذلك أنّه لم يعبد أحد منهم الأصنام في ذلك الزمان. فهو من نوع الشرك الذي يقول فيه القرآن الكريم: «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ»2؛ أي إنّ اليهود والنصارى اتّخذوا قادتهم وكبراءهم أرباباً لهم عوضاً عن الله عزّ وجلّ. بمعنى أنّ الإذعان لأوامر غير الله هو شرك تشريعيّ؛ فالقبول بحكومة لم تأت عن حقّ هو لون من ألوان الشرك، إذ يجب على الإنسان الموحّد أن لا يرى غير الله ربّاً وأن يطيع الله وحده. فإن أطاع غير الله من دون دليل وبشكل لم يؤدّ به إلى طاعة الله كان ذلك شكلاً من أشكال الشرك.
وفي متابعتها للخطبة تعود الزهراء (عليها السلام) مرّة اُخرى لاستخدام تعابير لاذعة لكنّها لا توجّه الخطاب بشكل صريح هذه المرّة، هذا وإن كان المصداق المقصود من الخطاب واضحاً. تقول (عليها السلام): «الويل لقوم نكثوا ميثاقهم مع الله عزّ وجلّ بعد أن عاهدوه». ثمّ تقتبس آية من الذكر الحكيم تتحدّث عن الكفّار الذين عقدوا أيمانهم مع الله ورسوله ثمّ نقضوا عهدهم وعادوا إلى الكفر من جديد. هذا النمط من الاقتباسات هنا يرجع إلى العناصر المشتركة الموجودة في هذه التعبيرات؛ فالمشركون الذين تعهّدوا بطاعة الله ورسوله ثمّ نقضوا عهدهم هم نفس اُولئك الذين أخرجوا النبيّ من دياره وحملوا سيوفهم لحرب عَبَدة الحقّ. فالسيّدة الزهراء (سلام الله عليها) تريد أن تقول هنا: «لماذا تسكتون عن الذين شرّدوكم عن أرضكم وبدؤوكم بالحرب؟ هل تخافونهم؟ فإن كنتم مؤمنين فعليكم أن تخافوا من الله وحده. فمهما كان لدى هؤلاء من القدرة فإنّ عددكم أكبر منهم بكثير وإنّ الذين عمدوا إلى هذا العمل هم نفر قليل ليس غير، وبإمكانكم أن لا تتعاونوا معهم، هذا أوّلاً. ثانياً: كنتم تستطيعون أن توقفوهم عند حدّهم؛ فما دامت القوّة والسلاح بأيديكم، إذن بمقدوركم أن تستلّوا سيوفكم وتمنعوهم من فعل ذلك». وفي ذلك إشارة إلى ضرورة عدم الخوف من الطرف المقابل في مثل هذا الظرف، بل لابدّ من الذود عن الحقّ مهما كانت الظروف، وعندها فإنّ الله سيمدّنا بالعون والغلبة أيضاً.

السبيل المنتهية إلى الكفر

أستعرضُ هنا بشكل إجماليّ بعض النقاط البارزة التي يمكن أن نتّخذها درساً لنا في زماننا الحاضر أيضاً. أوّلاً علينا أن نعلم أنّ المسألة هي على جانب من الجدّية بحيث إنّه لن يكون للغفلة عنها مصير غير الشرك. فعلى الرغم من أنّ السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) قد طرحت مسألة الإرث، غير أنّها لم تكن إلا ذريعة لتقول لهم: «لقد زغتم عن جادّة الإسلام، ونكثتم أَيمانكم مع الله ورسوله، ووطأتم أحكام الله تحت أقدامكم»، وفي كلامها (عليها السلام) إنذار بأنّه إذا تعاطى المرء مع مثل هذه المسائل الاجتماعيّة بحالة من اللامبالاة، ولم يبد حساسيّة تجاهها، وفضّل الدعة والراحة، فإنّ ذلك سيقوده إلى الشرك والخروج عن الدين، وإن لم يجرّه إلى الكفر الظاهريّ فسوف يؤول به حتماً إلى الكفر الباطنيّ.
ولو لم تحدث في الآونة الأخيرة تلك الأحداث المعروفة فقد نتصوّر أنّ في هذا الكلام بعض المبالغة، وأنّه لا معنى لطرح الشرك في موضوع غصب الإرث. لكن علينا أن نفهم أنّه عندما يتمّ التغاضي عن حكم قرآنيّ فمن الممكن أن يُتَغاضَى عن الحكم التالي أيضاً. فحينما يدوس المرء على العهد الذي عاهد به الله تعالى فأيّ ضمانة ستبقى لالتزامه بباقي العهود والمواثيق؟ فجميع الذين تخاطبهم الزهراء (سلام الله عليها) اليوم كانوا قد بايعوا الله منذ سبعين يوماً فقط؛ حتّى قال تعالى: «يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»3، فقبل سبعين يوماً فقط كانوا قد بايعوا مَن نصّبه الله عزّ وجلّ؛ أي قطعوا عهداً على أنفسهم أن يحموه بأموالهم وأنفسهم ويعتبروه خليفة للنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله). فعندما يُنسى عهد كهذا مع كلّ ما اكتنفه من مقدّمات وتحضيرات في يوم الغدير، فأيّ ضمانة ستظلّ يا ترى للالتزام بباقي العهود؟ وعندما ينحرف هذا المسير عن الحقّ فلن ينتهي إلاّ إلى السقوط؛ إذ حينما بدأ اُناس بتسلّق سفح جبل على نحو تدريجيّ على مدى ثلاثة وعشرين عاماً حتّى اقتربوا من قمّته وبلغوا ذروة العزّة والاقتدار والشرف لكنّهم نسوا كلّ ما اُسدي إليهم من خدمات في هذا المضمار فإنّ أوّل ما سيُعابون عليه هو كفران النعم الإلهيّة. فمخاطبو فاطمة (عليها السلام) كانوا اُناساً قد نالوا ببركة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الشرف الظاهريّ من جهة (أي بعد سابق الفضائح، والفقر، وقتل الإخوان، ووأد البنات، وأشكال ما كانوا غارقين فيه من الفساد فقد تحوّلوا إلى اُمّة شريفة أضحت أسوة لباقي الاُمم) والشرف الباطنيّ من جهة اخرى حتّى اُزيحت كتل ليل الشرك والكفر المظلم من قلوبهم وسطع نور الإيمان ونور معرفة الله وملائكته وأنبيائه في نفوسهم. فأي شرف يمكن أن يُتصوَّر فوق ذلك؟ وأيّ خدمة يمكن افتراضها تكون أجلّ ممّا قدّمه نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) للعرب؟ والله قد واصل مَنّه عليهم في هذا الزمان أيضاً، فمن أجل بقاء هذه العزّة واستمرار هذا الشرف الظاهريّ والباطنيّ فقد دلّهم بعد رحيل النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) على من هو أشبه الناس بالنبيّ. فهل من المستساغ أن ينسوا كلّ تلك النعم قائلين: «أجل، لقد أنجز النبيّ كلّ تلك الخدمات. أمّا الآن وقد رحل عنّا فقد ولّت تلك الخدمات وإنّ من واجبنا نحن أن نعيّن رئيسا لهذه الاُمّة وأن نجعل الحاكميّة للشعب»؟! فأوّل عيب يمكن أن يُنسَب إلى هذا المسير هو أنّه كفران لآلاء الله سبحانه وتعالى من جانب، وكفران لنعمة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) في عدم مراعاة أهل بيته (عليهم السلام) ونكث للعهد معه من جانب آخر، وكفران لنعمة أهل البيت ولاسيّما شخص أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) الذي كان أفضل من يليق بمنصب الخلافة بعد النبيّ من جانب ثالث. فهل يصحّ أن يتمّ نسيان كلّ ذلك على خلفيّة بعض الأوهام أو المصالح المادّية؟ لقد علم هؤلاء أنّه بتسلّم عليّ (عليه السلام) لمقاليد الاُمور فإنّه سيقف سدّاً منيعاً أمام سوء استغلالهم للمناصب، وسيعطّل كلّ أشكال الوساطات القائمة حول محور الرفاقة والقرابة والحزبيّة. لقد بدّد هؤلاء، نتيجة غفلتهم تلك، كلّ ما نالوه من عزّة وفخر في الدنيا والآخرة وما حظوا به من شرف الإنسانيّة. فأهمّ شرف يمكن أن يناله الإنسان هو التزامه بالعهد والميثاق. وإنّ أسمى قيمة اجتماعيّة معتبَرة عند جميع الاُمم والأقوام والأعراق هي الوفاء بالعهد. فلولا هذا الالتزام لألـمّت بالمجتمع حالة من الفوضى. فهل يستحقّ اُناس كهؤلاء أن يكونوا أسياد العالم وقدوة تقتدي بها سائر الاُمم والشعوب؟! فالمشروع الإسلاميّ كان يصبو إلى تنشئة اُناس يكونون اُسوة للعالمين. لكنّ البعض وبسبب مآربهم المريضة، والبعض الآخر جرّاء ما يعانونه من جهالة وقلّة إدراك لم يَدَعوا هذه الشجرة تؤتي اُكُلها من أجل تأمين السعادة الأبديّة لجميع سكّان المعمورة.

أعاذنا الله وإيّاكم والسلام عليكم ورحمة الله


1. سورة التوبة، الآية 13.

2. سورة التوبة، الآية 31.

3. سورة الفتح، الآية 10.

 

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org