أحد 13 /01 /2013

قال عضو مجلس خبراء القيادة مبيّناً ظروف ووضع المجتمع اليوم وأوجه سموّه على ما كان عليه في الأمس: على الرغم من شيوع سبل الفساد وتوفّرها بسهولة لشباب اليوم فإنّهم يصونون أنفسهم. كما وانّ ما يبديه شباب اليوم من مقاومة في طريق حفظ القيم الإسلاميّة تفوق ما كان في الماضي بكثير. ولذا فإنّ الإمام الراحل (رحمة الله عليه) يفضّل مسلمي اليوم على مسلمي صدر الإسلام.

حسب تقرير الموقع الإعلاميّ لمركز آثار سماحة آية الله مصباح اليزدي فقد أشار رئيس مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث في الملتقى السابع عشر لمكتب الدراسات الثقافيّة الخاصّ بالوسط الصحّي للبلاد – أشار إلى آراء الناس المختلفة حول الوضع الراهن للبلاد وذمّ بعضهم له وإطراء البعض الآخر عليه وقال: يعتقد البعض بأنّ الدهر في تدهور وإيمان الناس في تضاؤل، في حين يذهب البعض الآخر من المتجدّدين والمتأثّرين بالثقافات الاخرى إلى أنّ الانتساب إلى ثقافة الماضي هو أمر سلبي للغاية وأنّ من المقوّمات التي تجعل مجتمع اليوم محطّ إعجاب وتقدير هي الاختراعات الحديثة والتطوّرات الصناعيّة والتقنيّة.
وفي معرض إشارة العلاّمة محمّد تقي مصباح اليزدي إلى أنّ هذه الأحكام نابعة من فرضيّات مُسبَقة ورواسب ذهنيّة خاصّة في منظومات التقييم المختلفة أضاف سماحته: من الناحية العقليّة والعلميّة والدينيّة فإنّ مجرّد القِدَم والحداثة لا يمثّل ميزة بحدّ ذاته، بل إنّ الميزة تكمن في ما نرى فيه قيمة الإنسان وسعادته، ثم محاولتنا لمقارنة الأزمنة المختلفة وفقاً لهذا المعيار كي نرى أيّاً منها أكثر قيمة من سائر الأزمنة.
وتابع سماحته قائلاً: إذا أقررنا بقاعدة أنّ رضا الله تعالى وبلوغ قربه هما معيار الفضل والقيمة في كلّ زمان لادّعى البعض أيضاً بأنّ المؤمنين والمتديّنين في الماضي كانوا أكثر عددا وأنّ الإيمان كان أكثر وضوحاً في الحياة العامّة ذاكرين أحيانا قصصا مختلفة عن أشخاص كمؤيّد على مدّعاهم.
وأوضح آية الله مصباح اليزدي أنّ هذا الحكم ليس صحيحاً بشكل مطلق وقال: إنّ المعيار لصلاح الشخص أو الأشخاص وإيمانهم قد يُحصر أحياناً في بعض المسائل الظاهريّة كالصلاة والصوم وإقامة العزاء وزيارة الأولياء في حين أنه ينبغي اعتبار مدى استعداد الشخص للتضحية في سبيل دينه هو المعيار للقيمة.
وأضاف سماحته قائلاً: نلاحظ من خلال اطّلاعنا على التدبير الإلهيّ أنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل في الحياة البشريّة دائماً حالة من التوازن بين قوى الخير والشرّ، بالضبط كما هو الحال في باطن الإنسان حيث يتصارع جانبا الخير والشرّ باستمرار.
وقال عضو مجلس خبراء القيادة مشيراً إلى قصّة هابيل وقابيل: نلاحظ أنّ أخوين من نفس الأب والامّ ترعرعا في أجواء تربويّة وبيئيّة متشابهة يحاول أحدهما قتل الآخر بينما لا يحاول الآخر قتل أخيه حتّى من باب الدفاع عن نفسه، ممّا يشير إلى أنّ كلاّ من عوامل الخير والشرّ موجودة في داخل الإنسان وهو ما يتيح للمرء اختيار طريقه بنفسه سواء أكان خيراً أم شرّاً.
وبيّن سماحة مصباح اليزدي أنّ الإمام الخمينيّ (رحمة الله عليه) طرح الواجبات الاجتماعيّة في المجتمع كتكاليف شرعيّة وأحيى هذا الجانب المغفول عنه من الدين وقال: في السابق عندما كنت أطالع قصّة حنظلة غسيل الملائكة الذي ذهب إلى القتال في أوّل صباح له بعد زواجه واستُشهد كان يساورني العجب من أنّه كيف يمكن لرجل أن يتمسّك بمعقتداته إلى هذا الحدّ؟ أمّا في سنوات الدفاع المقدّس فقد خلق ثُلّة من الشباب بتضحياتهم من الملاحم ما تضاءلت أمامها قصّة حنظلة. ألا وإنّ شبّان اليوم، وكما يقول قائد الثورة الإسلاميّة، لا يقلّون حماسة وتضحية عن شباب الأمس.
وبيّن عضو مجلس خبراء القيادة ظروف ووضع المجتمع اليوم وأوجه سموّه على ما كان عليه في الأمس: علينا أن نضع في الحسبان قضيّة أنّ عوامل الفساد المهيّئة اليوم بكلّ سهولة حتّى للأشخاص العاديّين كانت مستحيلة أو صعبة المنال حتّى بالنسبة للشخصيّات المهمّة ممّا يجعل مقاومتها أصعب بكثير من السابق. ومع ذلك فعلى الرغم من شيوع سبل الفساد وتوفّرها بسهولة لشباب اليوم فإنّهم يصونون أنفسهم. كما وانّ ما يبديه شباب اليوم من مقاومة في طريق حفظ القيم الإسلاميّة تفوق ما كان في الماضي بكثير. ولذا فإنّ الإمام الراحل (رحمة الله عليه) يفضّل مسلمي اليوم على مسلمي صدر الإسلام.
وأوضح سماحته أنّ المقاومة أمام وفرة عوامل الفساد يوجب ترقّي الشباب معنويّاً وأضاف: والسبب هو أنّه ما لم يحسّ المرء بالخطر محدقاً فإنّه لا يرى ضرورة لمراقبة نفسه، لكنّ من يرى نفسه عرضة لمختلف الأخطار فإنّه يتّخذ جانب الحذر. ومن هنا فإنّ وجود عوامل الفساد يؤدّي بالشباب - نوعاً ما - إلى مضاعفة مراقبتهم لأنفسهم ورفع مستوى التقوى لديهم.
وأردف آية الله مصباح اليزدي مقارنا بين مجتمع اليوم ومجتمع صدر الإسلام قائلا: مع أن الناس في الماضي كانوا أحيانا يدخلون الإسلام أفواجا وهو ما لا نشاهده اليوم، لكن علينا الالتفات إلى أن إدراك الناس في الوقت الحاضر ومستوى معرفتهم ودرجة تكاملهم قد زادت عما مضى. وإذا کان إيمان شيخ القبيلة في الماضي يؤدي أحيانا إلى اعتناق جميع افرادها الإسلام تبعا له، فإن الشاب المعاصر يفتش عن الدليل والمنطق المحكم لمعرفة عقائده كي لا يكون إيمانه من دون برهان. ومن هنا فإن الناس في الماضي كانوا يدخلون الدين بسهولة، لكنهم كانوا يخرجون منه بسهولة أيضا أما اليوم فعلى الرغم من أنهم لا يؤمنون بسهولة لكنهم في المقابل لا يفرطون بإيمانهم بسهولة.
وقال سماحة مصباح اليزدي مشيراً إلى نضج المجتمع فكريّاً: لقد تخلّص الناس من صفة التقليد الأعمى. ومع أنّ ذلك قد يحرفهم عن الصراط المستقيم، لكن مجرّد رغبتهم في العثور على الصراط المستقيم توحي بنضوج لا يستهان به من الناحية الفكرّية لديهم، ولا ريب أنّهم سينضجون أكثر في هذا المجال في المستقبل.
وأشار عضو مجلس خبراء القيادة إلى سلوك الشعب السياسي في الانتخابات كمؤشر على نضوجه الفكري وأضاف: إن عدم حصول قائمة بأكملها على أصوات الناخبين يرجع إلى نضوج الناس فكريا. فمع تأييد جماعة من المحترمين وأصحاب التاريخ النظيف لقائمة معينة، لم يدل الناس بأصواتهم لكل القائمة بل حاولوا بما اوتوا من قوة التفكير واتخاذ القرار أن ينتخبوا الأصلح برأيهم. فلا الشعارات ولا الدعاية الانتخابية ولا دعم الأفراد والجماعات قد شكلت سببا لانتخاب قائمة كاملة.
وتابع العلاّمة مصباح اليزدي مؤكّداً على ضرورة عدم إغفال دور بعض الشخصيّات المرموقة في المجتمع قائلاً: ممّا لا شكّ فيه أنّ لبعض الشخصيّات أثراً في المجتمع جرّاء ما تحظى به من مكانة اجتماعيّة، وتجربة، وغير ذلك. ولذا فتكليف هؤلاء الأشخاص يتعاظم بنسبة تأثيرهم؛ فإن أثّروا إيجاباً في أفراد المجتمع كانوا شركاء لهم في ثوابهم وإن أثّروا سلباً فيهم شاركوهم في خطاياهم. لذا ينبغي لكلّ امرئ معرفة مكانته في المجتمع وتنظيم قوله وفعله بحسب تكليفه.
وأردف آية الله مصباح اليزدي مشيرا إلى ما لمختلف الأشخاص من واجبات اجتماعية متعددة قائلا: فقد يكون امرؤ مكلفا بالترشيح للانتخابات، وقد يكون مكلفا بتوعية الجماهير. ومن هنا فإنه إذا أحجم عن القيام بواجبه الشرعي خشية مهاجمة الآخرين له أو تشويههم لسمعته فهو مسؤول.
وأكّد سماحة مصباح اليزدي على أنّ الوسط الطبّي هو من الشرائح المؤثّرة في المجتمع وقال: مضافاً إلى امتلاك هذه الشريحة لمكانة مرموقة في مجال تخصّصها العلميّ فإنّ الأطبّاء يحظون باحترام الناس لحاجة الناس لهم وعلاقتهم بهم، ممّا يجعل لهم أثراً على الناس وهذا بحدّ ذاته يمثّل نعمة من النعم الإلهيّة الجمّة وشكر هذه النعمة يكمن في سعي الأطبّاء لتأمين سعادة الجماهير إلى جانب مساعيهم لتوفير صحّتهم وسلامتهم، ذلك أنّ تأمين سلامة البشر بدنيّاً ليس له أثر أبديّ، في حين أنّ تأمين سعادتهم له ذلك الأثر.
يُذكر أنّ هذا الملتقى كان قد عُقد في يوم الجمعة الموافق 21/12/2012م في قاعة مؤتمرات مؤسّسة الإمام الخمينيّ (ره) للتعليم والأبحاث.

العنوان:قم المقدسة - شارع محمد الأمين (ص) -شارع جمهوري إسلامي - مؤسسه الإمام الخميني(ره) للتعليم والبحث
 البريد الأليکتروني: Info@MesbahYazdi.Org