فهرست مطالب

الجلسة الاولی؛ مراتب محبّة الله وشروطها

تاریخ سخنرانی: 
1392/08/29

(1)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 20 تشرین الثانی 2013م نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

محبّة الله

مراتب محبّة الله وشروطها

إضاءة

لقد تطرّقنا فیما مضى مراراً، ومن زوایا عدیدة، إلى القیم الإسلامیّة وأهدافها أملاً فی أن یداعب قلوبَنا - ببركة أنوار كلمات الله تعالى وأقوال المعصومین (صلوات الله علیهم أجمعین) - شعاع من نور علّها تُنتَشَل ممّا هی فیه من أوحال الدنس وغیاهب الظلمات.

إنّ من المواضیع التی یتمّ بحثها مراراً وبالتفصیل هو القرب من الله عزّ وجلّ والسبیل إلى نیله. وقد استنتجنا، بالإفادة من الآیات والروایات، وعبر اللجوء إلى البحوث العقلیّة، أنّ السبیل الوحیدة لبلوغ هذا الهدف هی عبادة الله. كما أنّنا قد تحدّثنا حول مفهوم العبادة وأقسامها ومراتبها وكیفیّة تجلّیها فی حیاة الإنسان. وكنّا قد ذكرنا أنّ الطریق إلى قرب الله یكمن فی حركتنا الاختیاریّة ونشاطنا الإرادیّ. فموهبة كهذه لا تُعطى لأحد بالقوّة، ولا إجباراً، ولا إكراهاً، بل إنّ على المرء أن یطلبها، ویسعى إلیها، ویمهّد لها كی یفیضها الله تعالى علیه. وقد قلنا فیما یتّصل بكیفیّة اختیار الطریق الموصل إلى قرب الله وسلوكه بأنّ كلّ حركة إرادیّة إنّما تنشأ من مبدأین: هما المعرفة والإرادة، وهما قضیّتان متغایرتان وقابلتان للانفكاك عن بعضهما؛ فبعض الناس یعلم ما الذی ینبغی صنعه، لكنّه لا یفعل شیئاً، وبعض الأشخاص یرغبون فی فعل شیء، لكنّهم لا یعلمون ما الذی یتعیّن فعله. وقد تناولنا من أجل ذلك بحوثاً حول أنماط المعرفة، والدوافع اللازمة لتكامل الإنسان، والسبیل إلى تقویتها.

مراتب محبّة الله

إنّ أقوى الحوافز التی من شأنها أنّ تدفع الإنسان لیخطو باتّجاه التقرّب إلى الله هی محبّة الله عزّ وجلّ؛ فكلّما اشتدّت محبّة الإنسان لربّه زادت رغبته فی التقرّب إلیه.

وهنا یكمن سؤال: ماذا نصنع لنحظى بهذه المحبّة؟ فالمحبّة هی من القیم السامیة التی لا یسهل نیلها، وإنّ طی طریقها یحتاج إلى السعی والمثابرة. بالطبع إنّ لجمیع المؤمنین مرتبة من مراتب محبّة الله سبحانه وتعالى. یقول القرآن الكریم: ﴿وَالَّذِینَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ[1]. كما ویبیّن الله تعالى فی آیة اُخرى الحدّ الأدنى من هذه المحبّة بقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِیرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَیْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِیلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ یَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ[2]؛ أی إن كان حبّه لهذه الاُمور یفوق حبّه لربّه، ویشكّل مانعاً له من طاعته عزّ وجلّ فإنّه سیكون عرضة لخطر جسیم. فلا یجوز أن یكون حبّ الإنسان لأیّ شیء أكثر من حبّه لله. وهذه هی إحدى مراتب المحبّة اللازمة لتحقّق الإیمان، ولكنّها لیست كلّ شیء. فإنّها لنعمة عظیمة أن یحبّ الإنسان الله حقّاً ویكون مستعدّاً لبذل نفسه فی سبیله وسبیل الإسلام، لكنّ هذا هو الحدّ الأدنى للقضیّة، فأیّ هبوط دون هذا الحدّ یُعدّ خطَراً یحذّر الله عزّ وجلّ منه.

إنّ لله جلّ وعلا عباداً تفوق محبّتهم له مستوى عقولنا. إذ یروى أنّ نبیّ الله شعیباً (على نبیّنا وآله وعلیه السلام) بكى لسنوات طویلة حتّى فقد بصره، فأعاد الله له بصره، فعاد إلى البكاء لأعوام حتّى عمی ثانیة، فردّ الله له بصره مرّة اُخرى، فعاود البكاء لسنین، فأوحى الله تعالى إلیه: «یا شعیب! إن كان هذا البكاء لأجل الجنّة فقد أبحتُها لك، وإن كان من أجل النار فقد حرّمتها علیك» فماذا تطلب بعد ذلك إذن؟ «فقال:» إلهی! أنت تعلم أنّ بكائی لیس خوفاً من جهنّم ولا شوقاً إلى الجنّة «لا بل شوقاً إلیك»، فإنّنی اُحبّك وأطلب لقاءك. «فقال الله تعالى: لأجل هذا أخدَمتُك نبیّی وكلیمی موسى عشر سنین»[3]. فقصّة فرار موسى (علیه السلام) من «مَدیَن» ولقائه ببنات شعیب كانت مقدّمة من أجل أن یرعى موسى لشعیب (علیهما السلام) أغنامه لثمان أو عشر سنین.

لكن ما هی حقیقة هذه المسائل؟ وماذا یعنی البكاء لمحبّة الله بالضبط؟ بل البكاء إلى درجة أن یعمى الإنسان ثمّ یُعاد إلیه بصره حتّى یُفعل به ذلك عدّة مرّات! إنّها لمن المسائل التی لا یسعنا إدراكها جیّداً.

لقد جاء فی الخبر بخصوص مراتب معرفة ومحبّة نبیّ الله إبراهیم (علیه السلام) أنّه عندما ترك (علیه السلام) قوم النمرود متوجّهاً نحو الأرض التی كتبها الله له كان یصطحب معه قطیعاً ضخماً من الأغنام[4]. فنادى جبرئیل فی دجى اللیل بأمر من الله عزّ وجلّ: «سُبّوح قُدّوس» فإذا بجذبة تصیب إبراهیم عند سماعه النداء فیقول: یا مَن ذكرتَ اسم محبوبی! أعِدْه ثانیة ولك نصف غنمی[5]. لا أدری إن حصل لكم ذات مرّة أن تستیقضوا من رقادكم فی منتصف اللیل على صوت تلاوة قرآن، أو أذان، أو مناجاة فتنتابكم حالة من البهجة والسرور؟! أعاد جبرئیل النداء: «سُبّوح قُدّوس» فالتهب شوق إبراهیم (علیه السلام) وقال: لك باقی غنمی أیضاً، أعدها مرّة اُخرى!

أیُّ حالة هذه التی ألـمّت بقلب إبراهیم لدى سماع اسم محبوبه؟ فكیف یكون الحبّ یا ترى، وإلى أیّ درجة یمكن أن یبلغ حتّى یكون إبراهیم (علیه السلام) حاضراً لِیَهَب كلّ ما یملك من أجل سماع اسم محبوبه؟! علینا أن نعلم إجمالاً أنّ المسافة بین محبّتنا ومحبّة نبیّ الله إبراهیم (علیه السلام) هی كالمسافة ما بین السماء والأرض؛ فنحن نحبّ الله، وعلیّ (علیه السلام) أیضاً كان یحبّ الله، لكن شتّان بین محبّتنا ومحبّة أمیر المؤمنین وإبراهیم (علیهما السلام). ولابدّ أن نصدّق أنّه من الممكن أن ینال المرء مثل هذه الدرجات من محبّة الله، وأنّ الكمال الحقیقیّ للإنسان وقیمته الإنسانیّة هما فی أن یكون له مثل هذه العلاقة مع الله جلّ وعلا.

فإذا كانت لهذه الامور حقیقة، وأنّ الأنبیاء قد جاءوا لیسلكوا بنا السبیل الذی سلكوه ویوصلونا إلى المقام الذی وصلوه، فعلینا نحن أیضاً أن نطلب هذه الاُمور. ولا أدّعی بالطبع أنّ من الضروریّ أن نصیر مثلهم؛ فنحن أضأل وأقلّ بكثیر من أن نستطیع نیل أدنى مراتب الحبّ بصدق، وإذا ما أصبنا تلك المرتبة من دون أن نصبح محطّ سخط الباری عزّ وجلّ، فینبغی أن نطیر من الفرح، لكنّه ثمّة من بین عباد الله، ممّن یمتلكون الهمم العالیة والقلوب الطاهرة، قد آمنوا بمسیر الأنیباء (علیهم السلام)، وعلموا بأنّ الكمال هو هذا تحدیداً، وأنّه لابدّ من الحذو حذوهم وسلوك مسلكهم. ویتحتّم القول هنا بأنّ السیر فی هذا الطریق لا یتنافى بتاتاً مع أداء الواجبات الاجتماعیّة والسیاسیّة، وإنّ ما قام به إبراهیم (علیه السلام) من تحطیم الأصنام وما تعرّض له من الإلقاء فی النار كان فی هذا الطریق أیضاً. فالعبودیّة لله عزّ وجلّ وحبّه تسری إلى كلّ شیء، وتظهر تجلّیاتها فی كلّ موضع؛ «حبّ الله إذا أضاء على سِرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل وكلّ ذكر سوى الله»[6].

مراتب الإیمان والعلاقة مع الله

لكنّ السؤال الذی یتبادر إلى الذهن هنا هو: أنّى لنا أن نوطّد علاقة مع الله مع كلّ ما یُحیط بنا من مشاكل الدنیا، والصراعات، والتهالك على المال والجاه والمناصب؟ فكلّنا یرغب فی أن یصیب شیئاً من هذه المراتب، فماذا نصنع من أجل أن یحلّ حبّ الله فی قلوبنا، فننسى كلّ ما سواه، وتكون كلّ أفعالنا فی سبیله تعالى؟ وقد قلنا مراراً، بأنّ للقیم الإلهیّة، المذكورة فی القرآن والسنّة، والتی تؤیّدها الأدلّة العقلیّة أیضاً، مراتب عدّة. فإنّ للإیمان درجات، وإنّ قلوبنا لتهفوا إلى بلوغ تلك الدرجات والتشبّه بأولیاء الله بمقدار ما نتمتّع به من إیمان بهذه الحقائق. والأمثلة التی ذكرناها تشیر إلى أنّ للمحبّة درجات كثیرة؛ فإحدى درجاتها هی أن نستطیع نحن على الأقلّ ادّعاءها. والدرجة الاُخرى هی محبّة إبراهیم (علیه السلام) وإنّ بین هذا المبدأ وذاك المنتهى مراتب كثیرة لا یمكن إحصاؤها بدقّة. فإذا ادّعى أحدهم أنّه مادام كلّ امتداد قابلاً للقسمة إلى ما لانهایة فإنّه یمكن أن تصل هذه المراتب إلى ما لانهایة، فإنّه لم یُلقِ قوله على عواهنه. فالسیر من هذا المبدأ إلى ذاك المنتهى، والذی نعلم إجمالاً أنّه ممكن وإنّ لم نعلمه تفصیلاً، یتطلّب سیراً تدریجیّاً وطویلاً، ولیست القضیّة أنّ الإنسان یُحقن بمادّة وإذا به قد وصل فجأة إلى ما وصل إلیه إبراهیم (علیه السلام). فلابدّ من المكابدة، ومعرفة الطریق، والكدح، والهمّة لطیّ مراحل من هذا الكمال. فما الذی نصنع من أجل أن نمضی فی هذا السبیل ونزید من حبّنا لله ولأولیائه؟

محبّة أولیاء الله شعاع من محبّة الله

إنّ محبّة أولیاء الله هی شعاع من محبّة الله عزّ وجلّ؛ فنحن نحبّ الإمام الحسین (علیه السلام) لكونه عبد الله وحبیبه. یروى أنّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) سلّم علیه [فی الطریق] غلامٌ دون البلوغ وبشّ له وتبسّم فرحاً بالنبیّ (صلّى الله علیه وآله) فقال له: «أتحبّنی یا فتىٰ؟ فقال: إی والله یا رسول الله. فقال له: مثل عینیك؟ فقال: أكثر. فقال: مثل أبیك؟ فقال: أكثر. فقال: مثل أمّك؟ فقال: أكثر. فقال: مثل نفسك؟ فقال: أكثر والله یا رسول الله. فقال: أمثل ربّك؟ فقال: الله الله الله یا رسول الله، لیس هذا لك ولا لأحد فإنّما أحببتك لحبّ الله»[7]. تخیّلوا البیئة الثقافیّة التی كانت سائدة فی ذلك العصر! وكیف تمكّن النبیّ (صلّى الله علیه وآله) من تربیة الناس یا ترى كی یتحدّث حَدَثٌ لم یبلغ العاشرة أو الثانیة عشرة من عمره بهذا المنطق؟! فحبّ الإمام الحسین (علیه السلام) وكلّ ما قدّمه الناس له من تضحیات هو لأجل أنّه حبیب الله وعبده الصالح.

فمن أجل أن نسلك طریق محبّة الله سبحانه وتعالى یتحتّم علینا أن نمتلك المعرفة وأن نعلم ما الذی علینا صنعه كی نضاعف من حبّنا لله. بالطبع نحن نعلم إجمالاً بأنّ جمیع الكمالات هی بیده عزّ وجلّ، وأنّه هو من ینبغی أن یفیضها علینا، ولكن نحن بدورنا علینا أیضاً أن نهیّئ فی أنفسنا الأرضیّة والأهلیّة لذلك.

المعرفة أوّلاً، أم المحبّة؟

أحیاناً یُطرح السؤال التالی: هل المعرفة هی مقدّمة للمحبّة، أم العكس هو الصحیح؟ بتعبیر أبسط: عندما نقول إنّه ینبغی لنا أن ننمّی محبّتنا لله فهذا یعنی أنّه حتّى وإن كنّا نشعر بقلیل من المحبّة، فإنّنا نرغب فی زیادتها، ومن أجل زیادة المحبّة لابدّ أن نسعى وراء المعرفة. وبناءً على ذلك فالمحبّة مقدّمة على المعرفة. لكنّ الإنسان – من ناحیة اُخرى – لا یحبّ شیئاً إذا لم یعرفه، وإذن فلابدّ من معرفةٍ لحصول هذه المحبّة ابتداءً. إذن یتبادر إلى الذهن هنا سؤال: هل المعرفة هی مقدّمة، أم المحبّة؟

ولا بأس أن نطرح السؤال بشكل أشمل: فنحن جمیعاً نعلم أنّ هناك عاملَین مؤثّرین فی أفعال الإنسان الإرادیّة هما: المعرفة والإرادة. لكن هل ینبغی حصول المعرفة أوّلاً كی تنبثق الإرادة، أم لابدّ من وجود الإرادة ابتداءً كی تحصل المعرفة؟ والجواب هو أنّ العلاقة بین هذه المسائل هی علاقة متماسكة ومتصاعدة؛ فالله سبحانه وتعالى یعطی الإنسان مرتبة من مراتبها مجّاناً. فإن أفاد الإنسان منها على النحو الصحیح، ترتّبت علیها نتائج، وإذا ما أحسن استغلال هذه النتائج أیضاً، فإنّه یصار إلى تدعیم الطرف الآخر من القضیّة، وهكذا. وهذه العلاقة تلاحَظ فی الطبیعیّات أیضاً؛ فلابدّ لأوراق الشجرة – على سبیل المثال – أن تستعمل الهواء، والضوء، والحرارة كی تبقى الشجرة على قید الحیاة. فأوراق الشجرة، لاسیّما فی وقت المطر، تمتصّ الرطوبة لتنقلها إلى الساق التی تنقلها بدورها إلى الجذور، لتحصل هناك عملیّة صنع الغذاء النباتیّ. ثمّ ینتقل هذا الغذاء من الجذور عبر الساق إلى الأغصان والأوراق لتنمو، فتُزهر الشجرة، وتعطی الثمر. فلولا نزول المطر لجفّت الشجرة ولم تعد الجذور تؤدّی وظیفتها ولجفّت شیئاً فشیئاً. فالمطر وضوء الشمس والهواء یصلون إلى الورقة من الأعلى ثمّ ینتقلون إلى الجذور، ثمّ تعود المواد الغذائیّة لتنتقل من الجذور إلى الأوراق ثانیة. وتتكرّر هذه العملیّة مرّة اُخرى. وهذه العلاقة المتأرجحة تتحقّق غالباً فیما یتّصل بالكمالات والقیم الإنسانیّة أیضاً؛ أی إنّ إحداها تكون مقدّمة للاُخرى، فإذا توفّرت هذه تهیّأت الأرضیّة أكثر لنموّ الاولى. وإنّ علاقة الإیمان بالعمل هی نموذج آخر على ذلك؛ فالإنسان یؤمن أوّلاً ثمّ یعمل بمقتضى هذا الإیمان. فإن أنجز المرء عملاً، قَوِی إیمانه، وإنّ قوّة الإیمان ستدفعه إلى الإتیان بعمل أكثر وأفضل. وكلّما استمرّت هذه العلاقة زمناً أطول، فإنّها ستقود إلى مزید من التكامل والنضج وبلوغ المرء كمالات أكثر. وقد تتحقّق هذه العلاقة تارةً بشكل واضح ومن دون واسطة، لكنّها لا تحصل تارةً اُخرى إلاّ بواسطة وحلقة خفیّة نوعاً ما.

المعرفة؛ شرط ضروریّ

على أیّة حال، فلابدّ لنا من معرفة السبیل إلى استكمال محبّتنا. وعلى هذا فإذا قلنا إنّه یتعیّن علینا تقویة معرفتنا من أجل مواصلة طریق التكامل، والتقرّب، والعبودیّة، والمحبّة، واكتساب جمیع القیم الإلهیّة السامیة، فإنّنا لم نتكلّم جزافاً. لكن لابدّ من الالتفات إلى أنّ العلم والمعرفة لیسا هما العلّة التامّة. فالمعرفة تهیّئ البیئة للنموّ والتكامل، بشرط أن یضیف إلیها الإنسان الهمّة والإرادة ومن ثمّ الطلب، وإلاّ فقد تؤدّی مفعولاً عكسیّاً؛ كما هو الحال فی النبات؛ فنفس ذلك الماء الذی یبعث الحیاة فی النبات فإنّه لا یقود - عند غیاب العوامل الاُخرى - إلى عدم نموّ الشجرة فحسب، بل وإلى اندراس جذورها وتفسّخها أیضاً. لكنّ المرء، على أیّة حال، إذا رغب فی سلوك سبیل الله وبلوغ ما یرضاه بارئه من الكمالات، فإنّ اكتساب المعرفة والازدیاد فی العلم یُعدّ شرطاً لازماً لذلك.

نسأل الله جلّ وعلا، ببركة سیّد الشهداء (صلوات الله علیه) وأصحابه المضحّین فی سبیله، وكلّ من یعمُر حبُّ الحسین قلبَه، ویسیر فی مثل هذه الأیّام وغیرها من الأیّام على طریق محبّة الإمام الحسین، أن یتفضّل علینا بتنمیة معرفتنا ومحبّتنا، ویعیننا على مواصلة الطریق التی نحظى فیها برضا ربّنا وبالزیادة فی كمالنا.

 

وصلّى الله على محمّد وآله


 

[1]. سورة البقرة، الآیة 165.

[2]. سورة التوبة، الآیة 24.

[3]. إرشاد القلوب، ج1، ص171. بالطبع هذا النمط من الوحی ینطوی على بُعدٍ تربویّ، وهو أن یسمع الناس القصّة فیستوحوا منها الدروس ویدركوا بها الحقائق، وإلا فعلّة بكاء شعیب (علیه السلام) لم تكن لتخفى على الله، وهو عزّ وجلّ أعلم من غیره بسبب بكائه.

[4].  عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: «ما بعث الله نبیّاً قطّ حتّى یسترعیه الغنم یعلّمه بذلك رعیّة الناس» (علل الشرائع، ج1، ص32)؛ أی ما بعث الله نبیّاً إلاّ ویأمره برعی الأغنام كی یكون حسن السلوك مع الرعیّة ولا یتوقّع منهم الكثیر ویتحمّل جهلهم وغفلتهم.

[5]. تفسیر الصافی، ج1، ص505.

[6]. مصباح الشریعة، باب 92، ص192.

[7]. إرشاد القلوب، ج1، ص161.