فهرست مطالب

الجلسة السابعة والاربعون : أهل الآخرة مستیقظة قلوبهم دائم ذكرهم

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/31

(47)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 22 تموز 2014م الموافق للیلة الخامسة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

أهل الآخرة مستیقظة قلوبهم دائم ذكرهم

إشارة

موضوع بحثنا فی المحاضرات السابقة تناول صفات أهل الآخرة التی ذكرها ربّ العزّة فی لیلة المعراج. وقد خصّ بعض هذه الصفات بعلاقة أهل الآخرة بالناس وهو ما تحدّثنا عنه فی المحاضرة السابقة. لكنّ البعض الآخر منها یتكلّم حول علاقة هؤلاء القوم بالله جلّ وعلا، ومنها قوله تعالى: «تنام أعینهم ولا تنام قلوبهم، أعینهم باكیة وقلوبهم ذاكرة، إذا كُتب الناس من الغافلین كُتبوا من الذاكرین، فی أوّل النعمة یحمدون وفی آخرها یشكرون»[1].

غیر أنّ بعض التعبیرات المذكورة هاهنا غریبة بعض الشیء عنّا، إذ لیس من السهل علینا إدراك مفهوم: نوم العیون ویقظة القلوب.

نعم نحن نعلم إجمالاً أنّه ثمّة طائفة من القضایا تخطر فی ذهن المرء أثناء النوم. فلقد اتّفق أن برزت لمعظمنا فی حال النوم مسائل من قبیل ذكریات الماضی، وتعلّقات القلب، والطموحات، وأشكال الحرمان، وما إلى ذلك. وقد قام بعض علماء النفس بدراسات وبحوث حول قضیّة الحلم، وأنواعه، وارتباطه بشخصیّة النائم، وعلاقاته، وعواطفه، ومیوله، ونشاطاته الیومیّة، وغیرها من القضایا ذات العلاقة، وقد توصّلوا فی هذا المضمار إلى نتائج، مقدّمین إیّاها كقواعد لتفسیر الأحلام. ومن بین هؤلاء فروید، وهو عالم نفس شهیر صنّف كتاباً حول تفسیر الأحلام. بل إنّ لكلّ واحد منّا تقریباً تجارب فی هذا المجال، حیث قد شاهدنا فی عالم الرؤیا أحداثاً، ومسرّات، ومخاوف، وما إلى ذلك.

لكن یا ترى هل المقصود من یقظة القلب أثناء النوم هو مشاهدة هذه المسائل؟ من الواضح أنّه لیس هذا هو المقصود، ذلك أنّ الناس جمیعاً، بما فیهم محبّو الدنیا وطلاّب الآخرة یرون مثل هذه التصوّرات والتلقّیات فی عالم الرؤیا. إذن المراد من هذه العبارة هو مفهوم آخر یخرج فهمه عن دائرة إدراك الأشخاص العادیّین من أمثالنا.

فی ردّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) على سؤال أحد الیهود إیّاه حول خصوصیّاته الشخصیّة قال (صلّى الله علیه وآله) : «تنام عینای ولا ینام قلبی»[2]. وهذه من الخصوصیّات المذكورة فی كتب الیهود لنبیّ آخر الزمان. لكن أنّى للمرء أن یبقى قلبه یقظاً نشطاً وهو فی حال النوم؟

نحن لیس لدینا تصوّر واضح عن هذا المفهوم لكنّنا نعلم أنّه حقیقة، حاله حال الكثیر من الأمور الأخرى التی لا نفهمها ونتصوّر أنّها من قبیل التعبیرات التی یستخدمها الشعراء. فنحن، مثلاً، لا نستطیع أن ندرك جیّداً كیف یبقى الشهید حیّاً بعد أن یُوارى جثمانه الثرى وتمرّ على دفنه أعوامٌ ومن المحتمل أن لا یكون قد بقی منه سوى عظیمات؟ فقد یتصوّر البعض أنّ المراد من حیاة الشهید بعد استشهاده هو بقاء اسمه وذكراه. لكنّ لبعض عوائل الشهداء ضروباً من التواصل مع شهیدهم وهم ینقلون عنه أموراً هی ممّا یثیر الاستغراب والدهشة فی أمثالنا.

الشهداء الأحیاء

ویمكن الإشارة، من باب المثال، إلى قصّة شفاء أمّ الشهید معماریان[3] والتی قد روتها بنفسها قبل بضع سنین فی إحدى القنوات التلفزیونیّة. فلقد أصیبت الأمّ بعد استشهاد ولدها ببضع سنوات بألم شدید فی ساقها. وبعد أن توسّلت فی إحدى اللیالی بسیّد الشهداء (سلام الله علیه) من أجل شفاء ساقها، رأت ولدها الشهید فی المنام وقد أتى لزیارتها. وبعد أن مسح بیده على رأسها ووجهها ربط موضع الألم فی ساقها بخرقة خضراء وقال لها: لقد ذهب ألم ساقك. تقول أمّ الشهید المبجّلة: بعد أن صحوت من نومی وجدت نفس الخرقة الخضراء وقد رُبطت بساقی ولیس ثمّة أیّ أثر للوجع.

وبعد مدّة بلغ هذا الخبر المرحوم آیة الله العظمى الكلبایكانی (رضوان الله تعالى علیه) فأرسل فی طلب أمّ الشهید معماریان واستخبرها عن تفاصیل القصّة. وبعد أن قارن الخرقة الخضراء وعطرَها مع عطر تربة سیّد الشهداء (علیه السلام) التی فی حوزته، والتی قد وصلته من أجداده الطاهرین، قال: «هذه الخرقة مصدرها نفس المكان الذی جُلبت منه هذه التربة». هذا ناهیك عن المرضى الكثیرین الذین تماثلوا للشفاء بسبب هذه الخرقة الخضراء اللون.

فأنّى لشابّ یافع، قد استُشهد قبل سنوات عدیدة ثم وُوری جسده الثرى، أن یربط ساق أمّه فی عالم الرؤیا بخرقة، وإذا بنفس هذه الخرقة، بعطرها ولونها، تبقى على حالها فی عالم الیقظة؟!

وهناك نماذج لا تحصى من هذه القصص قد مرّت بأُسر الشهداء، لكن من غیر المعلوم إلى أیّ مدى یمكننا أن نتعامل معها بجدّیة ومن صمیم قلوبنا!

وللقرآن الكریم فی هذا الخصوص تعبیرات عجیبة. فهو یقول ابتداءً فی آیة كریمة: «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ یُقْتَلُ فی سَبیلِ اللهِ‏ أَمْواتٌ»[4]. ولعلّ البعض یتصوّر هذ الأمر من باب مراعاة احترام الشهید. لكنّه یقول فی آیة أخرى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ قُتِلُوا فی سَبیلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُون‏»[5]. ونحن لا نعی جیّداً المراد من أنّ الشهداء یُرزقون. إذ لعلّه یعنی أنّه ثمّة كمالات أكثر ستظهر للشهداء عند ربّهم. لكنّ المتیقّن هو تأكیده المبرم على ضرورة عدم الظنّ بأنّ الشهداء أموات، بل إنّهم أحیاء. وإنّ الذی یملك أقلّ إیمان بالله عزّ وجلّ ورسوله (صلّى الله علیه وآله) والقرآن الكریم لا یستطیع المرور أمام هذه التعبیرات مرور الكرام، بل إنّ من الواضح لكلّ امرئ أنّ هذا الكلام لا یأتی من باب المجاملة ولا بوصفه كلاماً شعریّاً، بل إنّه یحكی عن واقع. لاسیّما عندما نقف على هذا الكمّ الهائل من الشواهد والآثار العینیّة على كون الشهداء أحیاء وكیف أنّهم یعالجون ما یواجه أسرهم من مشكلات، ویرشدونهم عند تأزّم الأمور، ویبشّرونهم بأمور معیّنة، ...الخ.

كلّ هذه الأمثلة تشیر إلى وجود حقیقة دامغة نعجز نحن عن مشاهدتها، لكنّها موجودة على أیّة حال. فالشهید حیّ، وهو ینجز أموراً، وینطق بكلام، وتصدر عنه تصرّفات ممّا یستحیل تحقّقه من الإنسان المیت. بالطبع لیس جمیع الشهداء فی مستوى واحد، بل إنّهم یختلفون فی المقامات، لكنّ المقدار المتیقّن به هو أنّ هناك من بین الشهداء من یقوم بأعمال كثیرة، وتتوسّل بهم عوائلهم وغیر عوائلهم فیقضون حوائجهم. وهذه نماذج من الحقائق التی باتت، بفضل شهداء حرب الدفاع المقدّس،  تشاهَد عیاناً إلى حدّ ما، حتّى زال ما كان یرین علیها من شكوك وشبهات، وتهّیأت الأرضیّة المناسبة لتصدیقها من قِبل الناس.

العلماء ذوو القلوب المتیقّظة

ومن الحقائق الأخرى التی یشقّ علینا استیعابها هی بقاء قلوب بعض الناس وأرواحهم یقظة ناشطة فی وقت تنام فیه أعینهم.

لعلّ أحلام غالبیّة الناس - كما یشیر إلى ذلك بعض علماء النفس - هی نتیجة نشاطاتهم أثناء الیقظة ومتأثّرة برغباتهم الباطنیّة. لكنّه ثمّة أشخاص عادیّون أیضاً، من غیر أولیاء الله، ممّن یفیدون من ساعات نومهم أكثر مما یفعلون فی ساعات صحوهم. إذ كان یوجد من بین العلماء مَن لم یتوصّل إلى حلّ مسألة ما حتّى بعد طول التفكیر والتأمّل فیها حال الیقظة فإذا به یعثر على جوابها فی المنام ثمّ یتذكّر الجواب بكلّ وضوح بعد الصحو. أو بعض من لم یجدوا لمعضلتهم حلاًّ حال الیقظة لكنّهم بلغوا النتیجة المرجوّة أثناء النوم.

هناك قصّة معروفة مفادها أنّ شخصاً كان قد أمّن كتاباً لدى المرحوم الشیخ عبّاس القمّی (رضوان الله تعالى علیه) وبعد أن توفّی الشیخ جاء الرجل إلى وُلْده مطالبًا بكتابه، فلم یتمكّنوا من العثور علیه. وقد نقل أحد أولاد الشیخ قائلاً: «رأیت والدی الشیخ عبّاس القمّی فی عالم الرؤیا فأخبرنی بموضع الكتاب الذی نبحث عنه فی المكتبة. وعندما صحوت من نومی توجّهت إلى ذات المحلّ الذی أخبرنی به فی المنام فإذا بی أجد الكتاب هناك». إذن مثل هذه الحوادث تقع حتّى للأشخاص العادیّین.

ویحكی أحد الأصدقاء وقد كان طالب علوم دینیّة فی مدرسة الحاج أبی الفتح فی طهران، وكان إلى جانب درسه الحوزویّ یعطی هو درساً أیضاً: «فی إحدى اللیالی بقیت مستیقظاً أطالع الدرس الذی علیّ إلقاؤه فی الغد. وفی ساعة متأخّرة من اللیل قالت لی والدتی، بعد أن استیقظت عدّة مرّات أثناء اللیل وشاهدتنی على تلك الحال: «كفاك مطالعة یا بُنیّ، إذهب إلى فراشك»! ومع أنّنی لم اُنهِ مطالعتی بعدُ، قلت فی ذات نفسی: لعلّی أتسبّب فی إیذاء أمّی لو تابعت المطالعة. فأغلقت الكتاب وأویت إلى الفراش. وفی عالم الرؤیا وجدت نفسی قد تناولت الكتاب وانهمكت فی مطالعة ما یتعلّق بدرس الغد من نصّ الكتاب وحواشیه بنفس تلك الدقّة التی كنت أتوخّاها فی الیقظة. وعندما توجّهت إلى الصفّ صباحاً شعرت وكأنّنی طالعت الدرس حسبما یلزم وتذكّرت كلّ تفاصیله كما لو أنّنی طالعته فی حال الصحو».

هذا الأمر یحتاج إلى نمط من التركیز الروحیّ ینشأ من شدّة رغبة المرء وتعلّقه بموضوع ما. وتركیز كهذا من شأنه أن یوجّه كلّ تفكیر المرء نحو الموضوع المنظور إلى درجة مشاهدة نفسه فی عالم الرؤیا مستغرقاً فی التفكیر فی الموضوع ذاته بالضبط كما لو كان یقظاً. ثمّ إنّ لطف الله عزّ وجلّ قد یشمل الإنسان أحیاناً فیفهم فی الرؤیا بإشراقة ذهنیّة ما لم یفهمه فی حال الصحو.

وقد ذكر المرحوم المیرزا الشیخ جواد ملكی التبریزیّ فی أحد كتبه: «أعرف شخصاً (ولعلّه یقصد نفسه) كدَّ دهراً طویلاً للوصول إلى معرفة نفسه، فلم یتیسّر له ذلك فی عالم الیقظة، حتّى بلغ هذه المعرفة فی لیلة من اللیالی وهو فی المنام، فانتبه من نومه فزعاً بعدما أدرك مدى عظمتها».

وهذا ضرب من یقظة القلب؛ وهو أنّ انشغال بال المرء بأمر معیّن وتركیزه علیه یجعله مشغول الفكر به حتّى فی حال النوم فیتسّنى له الاستمرار بالتفكیر فی شأنه. والحال أنّ الآخرین الذین لا ینشغل بالهم بأمر ما ولا یركّزون علیه لا یقدرون على مثل ذلك.

ومع أنّ من الممكن أن یعود ما ذُكر فی الحدیث أعلاه إلى هذا النمط من الأمور وإلى نتاج التركیز والتعلّق القلبیّ، إلاّ أنّه یسمو على التفكیر، وإنّ لاخیتار المرء فیه أثراً أكبر.

أهل الآخرة المتیقّظة قلوبهم

ذكرنا سابقاً أنّ هذا الحدیث تناول سمات أولئك الذین بلغوا أعلى ذرى الإنسانیّة. وهو یقول فی هذا المقطع أیضاً: «تنام أعینهم ولا تنام قلوبهم»، والمراد أولئك الذین یستفیدون من نومهم كما ینتفعون من صحوهم، وكما أنّ كلّ تفكیرهم فی حالة الیقظة منصبّ على الله تعالى فهم فی حالة عبادة قلبیّة، فبإمكانهم أن ینعموا بمثل هذا الالتفات أثناء النوم أیضاً، فلا یكون عندهم فارق – من هذه الناحیة – بین الصحو والرقاد. فأرواح أمثال هؤلاء ملتفتة إلى الله ومتوجّهة إلیه ومشتغلة بعبادته اختیاراً حتّى فی حالة النوم، بل لربما أصابت من النتائج فی تلك الحالة ما یفوق ثماره تلك الحاصلة أثناء الصحو. وكأنّ للأشخاص من هذا القبیل عمرین؛ إذ علاوة على النفع الذی یجنونه من أعمارهم فی حال الیقظة فإنّهم یفیدون منه ویعبدون الله فی ساعات النوم أیضاً.

ومن هذا المنطلق فلقد سبقنا هؤلاء فی هذا المضمار؛ فخلافاً لأمثالنا المحتاجین للجوء إلى الأذكار والأوراد كی نقی أنفسنا من الوقوع فی الوساوس أثناء الرقاد، یشتغل هؤلاء حتّى فی هذه الساعات بعبادة ربّهم ویبلغون – عبر تكامل الروح – مقامات لم یبلغها الكثیرون حتّى فی حال الصحو. وهذه واحدة من خصوصیّات أهل الآخرة حیث یتساوى عندهم نومهم ویقظتهم، ویعبدون الله، وتتوجّه قلوبهم إلیه فی رقدتهم كما یفعلون فی یقظتهم. فلقد نقل البعض: «إنّنا نصحو من نومنا أحیاناً فنجد أنفسنا مشغولین بتردید وِرد معیّن، أو إنّنا انشغلنا بالصلاة من اللحظة الأولى التی غلب فیها علینا النوم، وأتینا بعدّة ركعات قبل أن نصحو شاعرین بآثارها ونورانیّتها بعد الصحو».

الفقرة التالیة من الحدیث تتحدّث عن سمة أخرى من سمات أهل الآخرة وهی: «أعینهم باكیة وقلوبهم ذاكرة» باستمرار. ثمّ یتبع ذلك بالقول: «إذا كُتب الناس من الغافلین كُتبوا من الذاكرین» فلا شیء یشغلهم عن ذكر الله: «رِجَالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ»[6]. على عكس الأشخاص العادیّین الذین تلهیهم أصغر الأشیاء عن ذكر ربّهم، بل وقد ینسون حتّى صلاتهم. فالجوع والعطش وغیرها الكثیر من المسائل التافهة من شأنها أن تشغل معظمنا أثناء الیوم واللیلة، أمّا أهل الآخرة فلا یلهیهم أیّ شیء عن ذكر الله عزّ وجلّ.

«أعینهم باكیة وقلوبهم ذاكرة، إذا كُتب الناس من الغافلین كُتبوا من الذاكرین». فأغلب المؤمنین یذكرون الله فی حال الصلاة وحضور قلوبهم أثناءها محفوظ إن شاء الله؛ إذ «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ»[7]. فمن الطبیعیّ أن یكون المؤمن فی حال الصلاة، واثناء تلاوة القرآن، وفی مجلس الموعظة ذاكراً لله تعالى ولأولیائه. لكنّ المرء عادة یغفل فی بعض المواطن عن هذه الأمور. فلو حصل حریق، مثلاً، فی مكان ما فسینشغل كلّ امرئ فی إنقاذ نفسه من النار وسوف لا یكون ذاكراً لله بطبیعة الحال. وعندما یصاب موضع من جسم ابن آدم بألم شدید فسوف ینعدم التفاته إلى الصلاة والدعاء. ولو أصاب الإنسان بهجة غامرة ونشاط مفرط فسینسى كلّ شیء إلى درجة أنّه قد یصاب بالجلطة. هكذا هو ابن آدم. لكنّ لله عباداً لا یغفلون عن ذكره مهما كانت الظروف؛ ففی حال المصیبة والبلاء یستعینون بربّهم لحّل مشكلاتهم، وفی ساعة الفرح والبهجة یشكرون الله على ما أنعم به علیهم، وإذا واجهتهم معضلة علمیّة توسّلوا بدایةً إلى الله فی حلّها؛ فمع انتفاعهم ممّا وهبهم خالقهم من ذكاء وقابلیّة وعقل، ومع الإفادة من الاستاذ الذی وفّره الله لهم، والكتاب الذی جعله سبحانه تحت تصرّفهم، فإنّهم یتوّجهون إلى ربّهم قائلین: إلهی! ألهمنی فهماً یمكّننی من حلّ معضلتی العلمیّة. فمثل هؤلاء هم أهل الآخرة.

لقد قیل فی أوصاف أهل الدنیا إنّهم لا یشكرون أنعم الله، ولا یشكرون الآخرین على إحسانهم، ولا یصبرون على المصائب، بل یجزعون ویفزعون، أمّا أهل الآخرة - فی المقابل - فإنّهم: «فی أوّل النعمة یحمدون وفی آخرها یشكرون»؛ فهم یشكرون الله تعالى ابتداءً بمحض قدوم النعمة وقبل الانتفاع منها.

أغلب الناس یجرون على ألسنتهم عبارة «الحمد الله» بعد أن یكونوا قد انتفعوا من النعمة بما فیه الكفایة، لكنّ أهل الآخرة یشكرون الله فی البدایة ویثنون علیه فی النهایة بما أنعم علیهم من النعم وجعل فی متناولهم من الأسباب، معترفین بأنّهم غیر قادرین على شكر تمام نعم ربّهم. هؤلاء هم أهل الآخرة. لكن لو انهالت السماء على أهل الدنیا نعماً لظلّوا یئنّون من النقص الفلانی! ولو قدّم لهم إنسان عشرات أنواع الإحسان لأمطروه بوابل من الشتائم على خطأ واحد. فهم ینظرون أبداً إلى النصف الخالی من الكأس. أمّا أهل الآخرة فإنّهم دوماً یشاهدون الحسنات، ویرضون بكلّ ما فی حیاتهم، ویشكرون الله على كلّ ذلك. برأیكم أیّ واحدة من هذه الحالات أفضل؟

اللهمّ ببركة أولیائك وعنایتهم ألحقنا بأهل الآخرة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. بحار الأنوار، ج22، ص27.

[3]. الشهید محمّد معماریان أحد شهداء حرب الدفاع المقدّس التی دامت ثمانی سنوات.

[4]. سورة البقرة، الآیة 154.

[5]. سورة آل عمران، الآیة 169.

[6]. سورة النور، الآیة 37.

[7]. سورة العنكبوت، الآیة 45.