فهرست مطالب

الجلسة التاسعة والعشرون: خطوةً خطوةً نحو السماء

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/13

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 4 تموز 2014م الموافق للیلة السابعة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

خطوةً خطوةً نحو السماء

 

29
 

إشارة

«وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا وتصغر فی عینیه، وتعظُم الآخرة عنده، ویُؤْثِرَ هوایَ على هواه، ویبتغی مرضاتی ویُعَظِّمَ حقّ عظَمتی‏»[1].

قلنا فی المحاضرات الماضیة إنّ الله تبارك وتعالى یشیر فی هذا المقطع من الحدیث القدسیّ إلى خصوصیّات للحیاة الأبدیّة السعیدة؛ أوّلها أن تصغُر الدنیا فی عین الإنسان. وقد ذكرنا بهذه المناسبة، ومن خلال التطرّق إلى مختلف استخدامات مفردتَی «الدنیا» و«الآخرة»، انّ العلم بكون الدنیا أحقر وأقلّ أهمّیة من الآخرة لا یستلزم بالضرورة أن ینطبق سلوكنا على هذا العلم. ونحن جمیعاً واقفون على هذا الأمر فی تصرّفاتنا؛ فعلى الرغم من اعتراف أغلبنا بأنّ الدنیا أقلّ أهمّیة من الآخرة فإنّ سلوكنا یوحی بأهمّیة الدنیا فی نظرنا. ولعلّ هذا هو السبب فی أنّ الله لم یجعل الحیاة الباقیة نتیجةً لهذه الرؤیة، بل قال: «فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا»؛ فإنّ على الإنسان من أجل بلوغ الحیاة الباقیة أن یبذل غایة المجهود حتّى تصغر الدنیا فی عینه، وإنّ العلم بحقارة الدنیا، وإقامة الدلیل والبرهان على ذلك، ومطالعة الآیات والروایات حول هذا الموضوع لا تكفی وحدها لنیل هذا الهدف. فعلینا من أجل بلوغ هذه المرحلة أن نتمرّن كثیراً وبشكل مستمرّ وهو ما یصطلح علیه ﺑ «الترویض». والنتیجة هی أنّ مثل هذا الجهد والمثابرة هو الذی یظهر لنا حقیقة الدنیا ویجعلنا ندرك دناءتها، كما یصفها أمیر المؤمنین علیّ (صلوات الله علیه): «ولَدنیاكم أهون عندی من ورقة فی فَم جرادة تقضمها، وأقذر عندی من عُراقَة خنزیر یقذف بها أجذمها»[2].

بناءً على ما تقدّم فبعد الاعتقاد بوجود الآخرة والإیمان بأنّها: «خَیْرٌ وَأَبْقَىٰ»[3] فإنّ الخطوة الاُولى على طریق الوصول إلى الحیاة الباقیة التی أعدّها الله تعالى لأولیائه تتمثّل فی السعی فی الاتّجاه الذی یجعل الدنیا حقیرة فی أعیننا. وأفضل اُسوة فی هذا السبیل هو سلوك أمیر المؤمنین (صلوات الله علیه) حیث لا نعثر على سلوك هو أكمل منه وأكثر منه جاذبیّة. فلعلّكم سمعتم قصّة أمیر المؤمنین (علیه السلام) عندما كان یقود جیشاً فی إحدى الحروب وكان ینبغی أن ینصبّ جلّ اهتمامه فی أمر الحرب والقیادة لكنّ ابن عبّاس دخل علیه فی الخیمة فرآه یخصف نعله، فتعجّب من ذلك وقال: ماذا تصنع؟! تخصف نعلك بدلاً من النظر فی اُمور الحرب! فقال أمیر المؤمنین: «ما قیمة هذه النعل»؟ فقال ابن عبّاس: لا قیمة لهذه النعل المقطوعة. فقال: «والله لهی أحبُّ إلیّ من إمرتكم، إلاّ أن اُقیم حقّاً أو أدفع باطلاً»[4]؛ أی: أن آخذ حقّاً من ظالم لاُعطیه لصاحبه. ولسنا بحاجة إلى توضیح أنّ هدفاً كهذا لیس هو هدفاً دنیویّاً، بل هو إداءُ تكلیفٍ واجب وتلبیةُ طلبٍ إلهی. فعلیّ (علیه السلام) الذی كانت جمیع بلاد الإسلام ما عدا الشام تحت إمرته كانت قیمة النعل المقطوعة عنده أكبر من هذه الإمارة. إلى هذا الحدّ كانت الدنیا حقیرة فی عینه!

أوّل خطوة لقطع تعلّق القلب بالدنیا

من المستحیل بلوغ هذه الدرجة من عدم الاكتراث بالدنیا عن طریق الدراسة والبحث والاستدلال، بل یتعیّن الكدّ والمثابرة: «یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا». فبهذا الكدّ والسعی ستُرفع أكبر عقبة عن الطریق المفضیة إلى الحیاة الباقیة، ألا وهی التعلّق بالدنیا. فطالما تعلّق القلب بالدنیا فسوف لا یفكّر المرء بشیء آخر، أمّا إذا انقطع تعلّقه بها فسیتساوى عنده تلّ الذهب وتلّ التراب. فالذی یسعى وراء المادّیات سیلجأ إلى أیّ فعل، وسیتفوّه بأیّ كلام، وسیوقّع على أیّ ورقة، وسیمارس أیّ حیلة وخداع من أجل بلوغ هدفه؛ لأنّ الدنیا فی عینه مهمّة. أمّا الذی هانت الدنیا وصغرت فی عینه فسیصبح عنده تلّ الذهب وتلّ التراب سیّان؛ فإن حوى كیسُه المالَ لینفقه فی سبیل الله، فنعم المطلوب، أمّا هو فیكفیه أن یفطر بكسرة خبز شعیر جافّة.

فما دام التعلّق بالدنیا والانشداد نحوها موجوداً فسوف لا ینال المرء الحیاة الباقیة حتّى إذا تحدّث على المنبر لساعات عن حقارة الدنیا. فلابدّ أوّلاً من رفع هذا المانع عن الطریق، وفصل القلب عن الدنیا، فإن هانت وصغرت الدنیا فی نظر ابن آدم فستبدو الآخرة عظیمة أمامه. وقد قلنا إنّ لفظی «الدنیا» و«الآخرة» متضایفان مفهوماً، ولهذا فإنّ هوان الدنیا فی نظر الإنسان سیصاحبه عظمة الآخرة. وهنا یأتی الدور إلى المرحلة التالیة: «ویُؤْثِرَ هوایَ على هواه»، فبارتفاع هذا المانع ستمهَّد للإنسان الأرضیّة لتقدیم هوى ربّه على هوى نفسه عند التزاحم.

بالطبع هذا الأمر ینطوی على درجات؛ فقد یدور الأمر بین تكلیف واجب وفعل حرام، لكنّه قد یدور فی مراتبه الاُخرى بین المستحبّات والمشتبهات. المهمّ هو أن یقدّم الإنسان إرادة الله تعالى إذا دار الأمر بینها وبین إرادته هو. وطالما یوجد تعلّق بالدنیا فسوف لا یتحقّق ذلك؛ والسبب هو انّ «حبّ الدنیا رأس كلّ خطیئة»[5]. فإنّ اجتثاث هذه العلاقة سیجعل الدنیا حقیرة فی نظر الإنسان وعندها فإنّه قد یتأمّل فی أنّه: هل إنّ الله عزّ وجلّ یحبّ ما أهُمّ بالقیام به أم لا؟ وما الذی سأرجّحُه من بین هوى ربّی وهوى نفسی؟ فمثل هذه الاُمور لا تخطر ببال عاشق الدنیا بتاتاً.

الخطوة الثانیة: ابتغاء مرضاة الله

فما إن یتمكّن الإنسان بالتمرین والممارسة وتزكیة النفس من تغلیب هوى ربّه على هواه فسیستطیع وضع قدمه فی مرحلة أعلى، فیها «یبتغی مرضاتی ویُعَظِّمَ حقّ عظَمتی‏». فالمرحلة السابقة كانت فی الحقیقة مقام العمل، أمّا فی هذه المرحلة فإنّ مبادئ الفعل الاختیاریّ هی التی تكون منشأ العمل وإنّ التغییر فیها هو أصعب ممّا فی سابقتها. إذ من الممكن فی مقام العمل أن یقرّر الإنسان فجأةً القیام بأمر ما، لكنّ الوصول إلى حالة یصبح فیها إیثار هوى الربّ على هوى النفس ملَكَة فی نفس الإنسان فإنّه بحاجة إلى تربیة تدریجیّة.

وفی مقام التربیة فإنّه - إلى جانب المحافظة على العلاقة المنطقیّة بین مراحل التربیة المختلفة - یتعیّن أخذ إمكانیّة وسهولة العمل بالتوصیات فی نظر الاعتبار فلا یوصی المربّی بدایةً إلاّ بما یكون تطبیقه سهلاً ویسیراً على المتربّی. فیجب أن تكون عملیّة التربیة تدریجیّة، وتبدأ بالسهل ثمّ الصعب، وأن تكون بالتمرین والممارسة حتّى یجد المتربّی فی نفسه الاستعداد للقیام بعظیم الأعمال. فهل فی میسور المرء یا ترى أن یأتی – منذ البدایة - بجمیع ألوان سلوكه - من إشباع الغرائز، والأكل والشرب، وارتداء الثیاب، وصولاً إلى المطالبات والنشاطات الاجتماعیّة، واستقطاب احترام المقابل، ونیل المكانة والمحبوبیّة الاجتماعیّة – قربةً إلى الله تعالى؟ فهذا یتطلّب تمریناً وممارسة طویلة الأمد للوصول إلى هذه المرحلة بالتدریج.

ففی المرحلة السابقة وهی إیثار هوى الربّ على هوى النفس كان هناك نوعان من الهوى وینبغی للإنسان تغلیب أحدهما على الآخر. أمّا فی هذه المرحلة فالحدیث لا یدور بتاتاً عن هوى النفس، وإنّ الدافع الأساسیّ لتحرّك الإنسان هو ابتغاء مرضاة الله؛ بالضبط كالشخص الذی من فرط محبّته لحبیبه فإنّه لا یرى فی مقابله أیّ میل إلى نفسه، بل هو دائم التفتیش عمّا یرید محبوبه ویرغب فیه.

فباستطاعة الإنسان أن یصل إلى مقام یكون فیه دائم الالتفات إلى ربّه والاهتمام به من منطلق أنّه العبد وذاك هو المولى. فلا ینبغی للعبد أن یفكّر ببطنه لاسیّما إذا عرف أنّ مولاه الكریم یعلم كیف یضیّف عبده. وهنا لا یحصل أیّ تضادّ حتّى یكون الكلام فی ترجیح شیء على آخر؛ ذلك أنّ المرء قد بلغ هنا مقامَ انّه «یبتغی مرضاتی» فصار كلّ همّه وغمّه فیما یرضی ربّه ویسُرّه.

الخطوة الثالثة: إدراك عظمة الله

المبحث الآخر الذی یتناوله الحدیث هو: «ویُعَظِّمَ حقّ عظَمتی‏». وهنا یطرح سؤال وهو أنّ سلوك أولیاء الله المحبّین فی حضرته یوحی بأنّهم لا یرون من المحبوب سوى الخیر والرحمة واللطف والعنایة. هذا من ناحیة. ومن ناحیة اُخرى فإنّ أنینهم فی جوف اللیل، وبكاءهم وتضرّعهم وعبارات مناجاتهم تفصح عن خوف وخشیة من ربّهم. ویمكن العثور على نماذج جمّة لهذه التعابیر فی دعاء كمیل ودعاء أبی حمزة الثمالیّ. فهذا سیّد الساجدین (علیه السلام) یخاطب ربّه بكلّ خضوع: «فمَن یكون أسوأ حالاً منّی إنْ أنا نُقلتُ على مثل حالی إلى قبری؟!... أبكی لخروجی من قبری... أبكی... أبكی...»[6]. فلماذا كلّ هذا البكاء والتضرّع مع الالتفات إلى محبّة الله ولطفه ورحمته؟

ولعمری فإنّ هذه من بدائع صنع الله فی خلقة ابن آدم وهی أن یودع فیه حالات تبدو متضاربة ولا یمكن الجمع بینها فی الظاهر، مثل سمات أمیر المؤمنین (علیه السلام) المتضادّة؛ حیث كان – من جهة - یظهر فی ساحة الوغى من الشجاعة والهیبة ما لا یمكن لأیّ قوّة أن تصمد أمامه، لكن دموعه – من جهة ثانیة – تسیل على وجنتیه إذا شاهد ألَمَ طفلٍ یتیم. فقد خُلقت روح الإنسان بأوجه وأبعاد مختلفة، أو بتعبیر آخر: بخلیطٍ من عناصر شتّى یتعیّن لكلّ واحدة منها أن تظهر فی موطن من المواطن فی مسیرة العبودیّة كی یصل الإنسان إلى أكمل مراتب الأخیرة.

أحد هذه الأبعاد هو حالة الخوف الانفعالیّة، وهی أن ترتعد فرائص العبد بین یدی الله. لكن یتعیّن – إلى جانب هذه الحالة – أن یكون راجیاً ربَّه رجاءً یؤهلّه لأن یقول بكلّ جرأة: لو أبقیتَ علیَّ فی جهنّم ألف سنة لما انقطع رجائی منك! وكلّ واحدة من هذه الحالات تنبع من صفات الله عزّ وجلّ؛ فواحدة تنبع من حكمته، واُخرى من رحمته، كما وتنشأ رابطة بین جمیع هذه الأبعاد وبین حالاتنا النفسانیّة. لكنّ الله یحبّ أن تسیر روح الإنسان فی جمیع أبعادها على طریق عبودیّته.

فإنّ من المسائل المطروحة فی مقام العبودیّة لله تبارك وتعالى هی إدراك عظمته وإظهار حالة تتناسب مع مقامه وعظمته تلك. فلعلّ جمیعنا قد مرّ بهذه التجربة وهی أن نصاب بحالة من الذهول إذا واجهنا شخصیّة عظیمة، بل وقد ننسى – بمقدار إدراكنا لعظمة هذه الشخصیّة – الكلام العادیّ فی حضرتها أیضاً. ولیس السبب وراء هذه الحالة هو الشعور بالذنب أو الخوف، بل إنّها تعود إلى إدراك عظمة شخصیّة هذا العظیم. فإذا اعتقد المرء بعظمة الله جلّ وعلا، فإنّه حتّى وإن وعَى لطفه ورحمته ومحبّته وعنایته غیر المتناهیة فإنّه سیجد نفسه ولهانَ فی حضرته، وهذا الولَه لا ینافی رحمته تعالى، فهو نتیجة طبیعیّة لإدراك عظمة الطرف المقابل. فإن اعتقدنا بعظمة الباری جلّ شأنه فمن الطبیعیّ أن تحصل لنا مثل هذه الحالة عندما نلتفت إلى هذه العظمة. بالطبع نحن لا نتوقّع مثل هذه الحالات حینما تكون أذهاننا منشغلة باُمور اُخرى.

فهذه الحالة تتناسب مع مقدار ما یدركه المرء من عظمة ربّه. یقول عزّ من قائل: «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً»[7]. فنتیجة لتجلّی جانب من عظمة الله تعالى فقد تهدّم الجبل وخرّ موسى (علیه السلام) مغشیّاً علیه. فلو أدرك امرؤ عظمة الله حقّاً لظهرت علیه مثل هذه الآثار. وقد أشار القرآن الكریم إلى نموذج من سلوك عباد الله الذین أدركوا عظمته فقال: «إِذَا تُتْلَىٰ عَلَیْهِمْ ءَایَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِیّاً»[8]. فإنّ تجلّی عظمة الله من خلال تلاوة آیات الذكر الحكیم یؤدّی هو الآخر بعباد الله إلى أن یخرّوا إلى الأرض سجّداً باكین بین یدی ربّهم، وهی حالة لا تتنافى بتاتاً مع لطف الله ورحمته. فإنّ مَن یخرّ ساجداً وباكیاً نتیجة إدراكه عظمة ربّه، فإنّه یعلم برحمة ربّه حتّى فی هذه الحالة. وإنّ ما یشعر به من لذّة فی تلك الحالة لا یشعر به أیّ عاشق بوصال معشوقه، فی الوقت الذی نتأسّف على حاله نحن الذین نجهل بكلّ شیء! وإنّها لمن روائع صنع الباری تعالى أنّه خلق الإنسان على هذا النحو وأودع فی وجوده كلّ تلك الحالات كی تظهر كلّ واحدة منها حیثما سنحت الفرصة وتوفّرت الظروف وتتكامل لتشكّل مظهراً من مظاهر عبودیّة الإنسان فی مقابل ربّه. بل إنّ الإنسان أساساً قد خُلق لهذا الغرض؛ یقول عزّ وجلّ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِیَعْبُدُونِ»[9].

اُخطُ خطوة خارج نفسك لتشاهد الطریق

إنّ أوّل عائق یعیق الإنسان عن بلوغ هذه الدرجات هو حبّ الدنیا. وبإزالة هذا المانع فإنّه: «تهون علیه الدنیا وتصغر فی عینیه، وتعظُم الآخرة عنده». ومن ثمّ یحصل صراع بین ما یریده هو وما یریده ربّه حتّى یفلح، عبر بذل الجهد والتمرین والممارسة، فی تقدیم هوى ربّه على هواه. لكنّه فی المرحلة الأكثر تقدّماً یصل إلى درجة لا یعود یلقی فیها لهواهُ بالاً، بل «یبتغی مرضاتی»؛ فلا یفكّر العبد فی هذه المرحلة إلاّ فیما یرضی بارئه. بید أنّ هذا لا یمثّل إلاّ وجهاً واحداً من وجهَی العملة؛ فالعبد، وبدافع حبّه وعشقه لربّه، یصنع ما یرید محبوبه وهو یُسرّ غایة السرور ویصاب بمنتهى النشوة جرّاء امتثاله لإرادة محبوبه وعمله بما یرضاه. أمّا الوجه الآخر لها فهو أنّ العبد العاشق یحسّ بالحقارة والضآلة فی مقابل عظمة المحبوب. فإنّ كمال المحبوب یكمن - من ناحیة - فی إیصاله معرفتَه بصفات جمال محبوبه إلى مستوى الكمال والعمل على تلبیة طلباته من منطلق العشق والمحبّة تجاهه، ومن ناحیة اُخرى فی إدراكه صفات جلاله أفضل ما یكون الإدراك وهَوِیِّهِ إلى الأرض مدهوشاً بأنینٍ وبكاءٍ إذا تجلّت له عظمته جلّ وعلا. فقد كانوا أحیاناً یخبرون الزهراء (سلام الله علیها) بأنّ علیّاً (علیه السلام) قد سقط فی بستان النخیل مُغمىً علیه، ولـمّا كانت (علیها السلام) عارفة بما یصیب زوجها من حالات فإنّها كانت تقول: «هی والله... الغشیة التی تأخذه من خشیة الله»[10] فهذا شأنه فی كلّ لیلة، ولقد تعوّدنا على مثل هذه الحالات منه.

فإذا جمعنا بین حبّ صفات الله الجمالیّة، والشعور بالحقارة والصغر فی مقابل عظمته جلّ وعلا فلیس فی میسورنا أن نصف ذلك إلاّ بأنّه من بدائع خلقة الله، وهو تعالى یرغب فی أن یصل جمیع عباده إلى هذه المراتب، وقد بیّن سبحانه وتعالى السبیل إلى ذلك فی هذا الحدیث القدسیّ. فما علینا بدایةً إلاّ إزاحة ما یقف أمامنا حجرَ عثرة فی هذا الطریق، ألا وهو حبّ الدنیا، كی تصغر الأخیرة فی أعیننا ویتساوى لدینا تلّ الذهب وتلّ التراب، ولا نأبه إن هتف الناس «یعیش» أو «یسقط» فی حقّنا، ولا نكترث سواء أشتَمَنا الناس وسبّونا أم قبّلوا أیدینا واحترمونا، فلا ننظر إلاّ إلى ما یرضیه هو عزّ وجلّ. فإن وصلنا إلى هذه المرحلة فالمرحلة التالیة هی: «یُؤْثِرَ هوایَ على هواه» ومن ثمّ «یبتغی مرضاتی» وهو ما یمثّل وجه العملة الأوّل، أمّا وجهها الثانی فهو أن یعلم العاشق المفتّش عن رضا محبوبه بأنّ هذا المحبوب هو غایة فی العظمة، وكلّما أدرك عظمة محبوبه وحقارة نفسه أكثر، زاد التذاذه بملاطفته ومداعبته له.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. الأمالی للصدوق، ص623.

[3]. سورة الأعلى، الآیة 17.

[4]. مجموعة ورام، ج2، ص9.

[5]. الكافی، ج2، باب ذمّ الدنیا والزهد فیها، ص131.

[6]. مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج2، ص591، دعاء أبی حمزة الثمالیّ.

[7]. سورة الأعراف، الآیة 143.

[8]. سورة مریم، الآیة 58.

[9]. سورة الذاریات، الآیة 56.

[10]. الأمالی للصدوق، ص79.