فهرست مطالب

الجلسة الخامس عشر: عوامل محبّة الله وموانعها

تاریخ سخنرانی: 
1393/01/20

(15)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 9 نیسان 2014م الموافق للتاسع من جمادى الثانیة 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

عوامل محبّة الله وموانعها

 

إشارة

لقد قلنا فی تعریف المحبّة إنّه من الواضح أنّ ما نجده فی أنفسنا وما نملك – كما یصطلح علیه - علماً حضوریّاً به لیس هو بحاجة إلى تعریف. وكذا هو الحال بالنسبة للمحبّة، فنحن جمیعاً نمارسها ونعرف ما هی. لكن بما أنّه قد یحصل أحیاناً خطأ فی مقام تفسیر المعطیات الحضوریّة والبحث فیها ونقلها فقد حاولنا طرح تعریف للمحبّة. وبالطبع فإنّ ید المعرِّف فی مثل هذه التعاریف مبسوطة إلى حدٍّ ما وباستطاعته أن یتناول المفهوم بشكل موسّع أو مضیّق. وذكرنا فی توضیحنا لمفهوم المحبّة أنّ المحبّ یشعر بانجذابه نحو المحبوب وأنّ المحبوب یفعل فعل المغناطیس فی اجتذابه المحبّ نحوه. وتبعاً لذلك یشعر المحبّ بالمیل إلى توطید علاقة أعمق مع المحبوب وتقلیص المسافة بینهما كی لا تبقى ثمّة أیّ واسطة بینهما. ولابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ هذا النمط من الانجذاب هو انجذاب عن إدراك، لأنّ الانجذاب من دون إدراك وعلم لیس هو بمحبّة. فقد وسّع البعض تعریف المحبّة لیشمل معظم الأشیاء التی لا شعور لها؛ فالحكماء – على سبیل المثال – یقولون: إنّ «الهیولى الاُولى» تحبّ وتطلب الصورة وهی تحاول جذب الصورة نحوها. ومن الواضح أنّ الهیولى الاُولى لیست هی موجودةً بالفعل ولیس لها شعور أو إدراك، ولا یصدق معنى المحبّة بالنسبة لها حقیقةً، إلاّ أنّه حصل هنا لون من توسیع المفهوم وحالة من التجوّز. وعلى أیّة حال فإنّ المرء یشعر فی حالة المحبّة بأنّه ینجذب نحو شخص أو شیء ما وهو یحبّ - عن غیر وعی منه - التقرّب إلیه ویحسّ باللذة من ذلك.

متعلّقات المحبّة

إنّ كلّ كائن ذی شعور یحبّ – أصالةً وبالذات – نفسه أوّلاً وكمالاته ثانیاً. وبالطبع فإنّ حبّ الكمال هذا ینشأ من نفس ذاك الحبّ للذات؛ فمن حیث إنّه یحبّ نفسه، فهو یودّ أن یصیر كاملاً. وفی إثر هذه المحبّة تأتی محبّة كلّ شیء یكون سبباً فی حصول هذا الكمال. فمن حیث إنّ الإنسان – مثلاً – یعتقد بأنّ فی العلم كماله، فإنّه یحبّ العلم، ولـمّا كان المعلّم والكتاب والمدرسة وسائل لبلوغ هذا الكمال، فإنّه سیحبّ هذه الاُمور أیضاً. فلو كان الإنسان كائناً بسیطاً وكان كماله منحصراً فی شیء واحد لوجدناه محبّا لذلك الشیء دائماً ولما تعلّقت محبّته أصالةً بشیء آخر. لكنّ الإنسان كائن متعدّد الأبعاد وله أبعاد طولیّة وعرضیّة كثیرة، وهو لذلك یرى كماله فیما یتناسب مع هذه المراتب والمجالات الوجودیّة. فكمال قوّة الإنسان الجسدیّة یختلف عن كمال قوّة الواهمة عنده وهذا لا یشبه كمال قوّة العقل لدیه؛ ولهذا فإنّ إدراك المعانی العقلیّة الكلّیة لیس بكمال بالنسبة للعین مثلاً. لأنّ ما یرتبط بالعین هو المشاهدات، ولو كان الإنسان عیناً فقط، لأحبّ كلّ ما تلتذّ به العین، ولأصبح ذلك كمال عینه. إلا أنّ للإنسان قوى شدیدة الاختلاف فیما بینها. وحتّى قوى الإنسان الجسدیّة فهی تختلف فیما بینها اختلافا كبیراً، بل وقد یحصل نوع من التضادّ بین هذه الاُمور.

وهذه هی میزة الإنسان. فنفس هذا الاختلاف فی القوى والقابلیّات والعوامل المختلفة یهیّئ الأرضیّة لأعمال شتّى، بل ویمهّد – فی نهایة المطاف – للامتحان والاختیار. فالإنسان كائن یجب علیه أن یختار بنفسه ما الذی علیه صنعه وكم علیه أن یثابر. فلو أنّه اُكره على سلوك مسیر معیّن، فهو لا یصل إلى الكمال الإنسانیّ. فالله عزّ وجلّ یقول: «لَوْ یَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِیعاً»[1]. فالله سبحانه وتعالى لا یهدی الناس بالإجبار، بل یهدیهم باُسلوب بحیث یبقى ثمّة مجال للاختیار: «فَمَن شَاءَ فَلْیُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْیَكْفُرْ»[2]. فإنّ المیزة التی تؤهّل الإنسان لأن یكون خلیفة الله فی الأرض هی أنّ علیه أن یصطفی بنفسه فی حالة التزاحم ویختار – من بین الطرق المتعدّدة المتاحة أمامه - الطریق التی ینبغی علیه سلوكها. فإنّ شتّى أنواع اللذّات تُعرض على الإنسان ولیس جمیعها هو ممّا یوجب كماله. بل قد یكون بعضها مضرّاً بالنسبة له أیضاً؛ فعیوننا تتمتّع بالنظر إلى كلّ جمیل[3]، لكن لیس كلّ نظرة إلى جمیل ستبلغنا الكمال المنشود. فإنّ النظر إلى بعض الأشیاء یستلزم اُموراً ویجرّنا إلى حیث الحرمان من سعادة الدارین. ففی مثل هذه المواطن لابدّ من غضّ البصر؛ یقول تعالى: «قُل لِّلْمُؤْمِنِینَ یَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ»[4]. فعلى الرغم من أنّ فی رؤیة الأشیاء الجمیلة متعة للبصر، لكن نحن الذین ینبغی أن نقرّر ما الذی علینا النظر إلیه وبأیّ مقدار، وما الذی ینبغی ترجیحه على ماذا؟

القرب من الله هو الكمال الحقیقی للإنسان

وفقاً للمعرفة التی حبانا بها الدین فإنّنا نعلم بأنّ علینا إنفاق كلّ ما اُوتینا من قوى وإمكانیّات فی سبیل التقرّب إلى الله جلّ شأنه. فكمالنا الحقیقیّ یكمن فی قربنا من الله عزّ وجلّ. وحسب ما نتمتّع به من إدراك عقلیّ فإنّ أسمى شیء نحبّه ینبغی أن یملك أقصى درجات الكمال. وبناءً علیه، واستناداً إلى الدلیل العقلیّ، فإنّ الهدف الرئیسیّ الذی یتحتّم علینا السعی لتحقیقه هو أن نحبّ الله تعالى، وننبذ كلّ ما یتعارض مع هذا الحبّ؛ إذ أنّ أمراً كهذا یتنافى مع كمالنا، بل ویولّد فینا النقص ویوجب السقوط. أمّا الذین لا یملكون مثل هذه المعرفة الإلهیّة، ویؤمنون - انطلاقاً من نزعاتهم الإنسانیّة المختلفة - بالأصالة للإنسان فیقولون: كلّ ما یملكه الإنسان فهو حسن، ولابدّ لكلّ شیء آخر أن یكون فی سبیل الإنسان أیضاً، إلى درجة أنّهم أوجَدوا بعض النزعات المتطرّفة فی المذهب الإنسانیّ. فمثل هذه النزعات ترى كلّ محبّة مقدّسة وأنّ محبّة الإنسان لأیّ شیء وبأیّ صورة هی مقدّسة أیضاً. أمّا فی المذاهب التوحیدیّة فالأمر یختلف، فإذا تعارض لون من ألوان الحبّ مع محبّة الله تعالى فهو مذموم، بل وإذا استلزمت محبّة الله تعالى بغض بعض الناس، فیتعیّن اكتساب هذا البغض. لكنّنا نلاحظ أنّنا - حتّى بعد اكتسابنا للتربیة الدینیّة وما سمعناه من كلمات عظمائنا - لسنا كذلك. وهنا یُطرح السؤال التالی: لماذا نحن هكذا؟ وأین هو مكمن النقص؛ بحیث إنّنا لا نستطیع أن نحبّ الله طبقاً لما یأمرنا به العقل، وما تقرّ به تعالیم القرآن والسنّة؟

اكتساب المقدّمات الاختیاریّة للمحبّة

القضیّة الاُخرى تتعلّق بكون المحبّة اختیاریّة أو غیر اختیاریّة. فعندما نرجع إلى أنفسنا نرى أنّ الأمر لیس على هذا النحو بحیث إنّ باستطاعتنا أن نحبّ أیّ أحد كان متّى ما شئنا أو أن نبغض أیّ شخص كان متّى ما لم نشأ محبّته، بل – وفقاً لما یصطلح علیه أهل المعقول – فإنّ المحبّة هی كیفیّة نفسانیّة تأتی عن طریق المقدّمات والأسباب. بناءً على ذلك فإنّنا إذا علمنا من خلال العقل أو الشرع بأنّ المحبّة كمال ویتحتّم اكتسابها، فإنّ علینا أن ننظر أوّلاً ما هو السبیل لكسب هذه المحبّة وما هی الاُمور التی یمكن أن تثیرها فی أنفسنا. وبعبارة اُخرى: صحیح أنّ المحبّة لیست فی أیدینا بحیث نحبّ ما نشاء متّى نشاء ونبغض ما نشاء متى نشاء، لكنّ بعض أسباب إیجاد المحبّة هی فی متناول أیدینا، ومن هذا المنطلق فإنّنا مكلَّفون فی اكتساب المحبّة وإنّ تكلیفنا یكمن فی تهیئة المقدّمات الاختیاریّة للمحبّة، وهذه المقدّمات هی فی أیدینا، وإلاّ فإنّه لا یمكن أن نكلَّف بتوفیر الأسباب غیر الاختیاریّة للمحبّة.

لقد ذكرنا أنّ الإنسان – وبدافع الفطرة – یحبّ نفسه ویحبّ كماله أیضاً، فإنْ علِم بأنّ كماله فی شیءٍ ما فسیحبّ ذلك الشیء. فكیف إذا علمنا بأنّ محبّة الله عزّ وجلّ هی الإكسیر النفیس والكمال الأعظم الذی یمكن أن یناله إنسان؟ عند ذاك فمضافاً إلى معرفة السبیل لاكتساب هذه المحبّة فإنّه ینبغی الوقوف على موانعها؛ إذ لیس ثمّة من جدوى من سلوك الطریق مع وجود الموانع والعراقیل. إذن فیتعیّن تشخیص كلّ ما یقف حجر عثرة فی طریق اكتساب الكمالات والعمل – مبدئیّاً - على النأی بالقلب عنه، ثمّ تهیئة أنفسنا لنیل كلّ ما هو مطلوب وقیّم.

نیل المحبّة عن طریق الإحاطة بآلاء الله

إنّ إحدى السبل الطبیعیّة لاكتساب المحبّة، والتی أكّدت علیها الأحادیث الشریفة أیضاً، هی التفكّر فی أفعال الله والتعرّف على نعمه عزّ وجلّ. فإنّ علاقة الإنسان بما یوجب كماله هی علاقة فطریّة، وإنّ نعم الله عزّت آلاؤه هی من موجبات بقاء وجود الإنسان ونموّه، ومن ثمّ كمال روحه. من أجل ذلك فكلّما أدركنا قدر هذه النعم أكثر فسیزداد حبّنا لله تعالى بشكل طبیعیّ. فالله سبحانه وتعالى یطالب بعض أنبیائه فی جملة من الأحادیث القدسیّة بأن: «أحِبَّنی وحبّبنی إلى خلقی»؛ أی واجعل الآخرین یحبّوننی. وحینما قال له هذا النبیّ (علیه السلام): «یا ربّ! إنّك لَتعلم أنّه لیس أحبّ إلیّ منك، فكیف لی بقلوب العباد؟ فأوحى الله إلیه: فذكّرهم نعمتی وآلائی»[5]. فلقد خلقتُ هؤلاء وجبلتهم على حبّ مَن أنعم علیهم. فإن علموا بأنّ الله هو الذی وهبهم كلّ ما هو محبوب، وأنّ باستطاعته أیضاً أن یعطیهم كلّ ما له الأثر فی سعادتهم فی الدنیا والآخرة، فإنّهم سیحبّوننی.

لماذا یحبّ الله أن نحبّه؟

لكنّ السؤال الذی یتبادر إلى الذهن لدى الاطّلاع على مثل هذه الروایات هو: ما حاجة الله لمحبّتنا كی یأمرنا بحبّه؟ فقد یعتقد بعض ذوی المعرفة الضحلة بالله وأولیائه بأنّه كما أنّنا معاشر البشر نرغب فی أن یحبّنا الناس ویحترمونا ویهتفوا باسمنا فإنّ الله هو كذلك. لكنّ كلّ مَن یعرف الله فإنّه سیدرك على الأقلّ بأنّه تعالى لیس بحاجة إلى شیء؛ فهو لیس بحاجة إلى عبادتنا ولا إلى محبّتنا. فمحبّتنا لا تزید على ذات الله شیئاً، وبسبب أعمالنا لا ینال جلّ وعلا مقاماً. بالطبع إنّ كلّ موحّد یعلم بذلك إجمالاً، لكنّ الذین تلقّوا المزید من العلم واتّسع تبحّرهم فی هذه الاُمور وزاد اطّلاعهم على معارف أهل البیت (علیهم السلام) فإنّهم واقفون أكثر من غیرهم على قضیّة أنّ ذات الله تعالى لا تشكو من أیّ نقص وأنّه ما من شیء باستطاعته أن یكون ذا أثر فیها، بل وما من أمر یمكنه أن یُدخل السرور إلیه جلّ شأنه أو یثیر سخطه. وإنّ ما یَرِد من تعابیر من أنّ الله غضب على قوم أو رضی عن آخرین فإنّها تُساق بما یتناسب مع فهمنا، ولاستنهاض هممنا، أمّا روحها وحقیقتها فهی أسمى من هذا المعنى بكثیر. فمثل هذه التعابیر هی من التعابیر المتشابهة التی ینبغی تجریدها من لوازم النقص ثمّ إسنادها إلى الله تعالى. وقد اُشیر فی بعض الروایات وحتّى فی طائفة من الأدعیة والمناجاة وخطب نهج البلاغة إلى أنّ سَوق مثل هذه التعبیرات هو ضرب من المجاز. ولعلّ أشهر ما یدلّ على ذلك هذا المقطع من دعاء عرفة: «إلهی تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك، فكیف یكون له علّة منّی»[6]. فوجود الرضا فی الذات الإلهیّة لیس معلولاً بعلّة أوجدها الله نفسه، فما بالك بأن أصنع أنا ما یوجب حصول الرضا فی ذاتّه تعالى! فمَن أنا وما الذی فی یدی كی اُوجب الرضا فی ذات الله؟! فإنّ رغبة الله فی أن نحبّه هی من باب أنّ كمالنا هو فی حبّنا لله وأنّ الله یحبّ أن نصیر من الكاملین.

فإنّ من لوازم كمال ذات الله عزّ وجلّ هی حبّه لكمالات آثار ذاته. فالمحبّة هی كالنور، حیث إنّ للنور فی النقطة التی صدر منها أقصى درجات الإضاءة، ثمّ یشعّ – شیئاً فشیئاً – على ما حوله ویذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حتّى قد ینتقل إلى الغرفة المجاورة أیضاً. فهذا هو الضیاء أساساً. فذات النور هی أنّه إذا سطع من مبدأ معیّن فإنّه سیضیء ما حوله وما یتعلّق به. وكذا المحبّة، فهی نور[7] إذا وُجِد أضاءَ كلّ متعلّقاته. وهذا كلام مجرَّب بالكامل؛ فعندما یحبّ المرء أحداً، فإنّه سیحبّ ثیابه وبیته واسمه وكتابه، وكلّما اشتدّت هذه المحبّة، سرت إلى متعلّقاته الأبعد. بل إنّ میزة المحبّة هی هذه، وإذا لم تتّصف بهذه المیزة فإنّها لا تكون محبّة أساساً.

فالله عزّ وجلّ یحبّ نفسه أكثر من أیّ شیء آخر، بل إنّ محبّته لذاته لا نهایة لها، ذلك أنّ كمال الله لیس له نهایة. ومن هنا فإنّه لیس ثمّة ما هو أشدّ محبوبیّة من الله سبحانه، ولا ریب أنّ محبّة الله لذاته – وهو العالِم بكلّ شیء والعارف بذاته أكثر من أیّ شیء آخر - تسمو على محبّته للأشیاء كلّها، وبما أنّ المحبّة تسری إلى الآثار أیضاً، فإنّ محبّة الله تكون أزید لكلّ ما هو أقرب منه. وعلى هذا الأساس فإنّ أكثر مخلوقات الله محبوبیّة لدیه هو الوجود المقدّس المتمثّل بالنبیّ الأعظم (صلّى الله علیه وآله). فمحبّة الله ترتبط بذاته هو، وعندما تشعّ على آثاره فستشمل كلّ ما له أكبر قدر من الكمال الحقیقیّ، بل حتّى أبعد الأشیاء من الله من حیث الكمال فإنّها لا تكون محرومة من محبّته بالكامل.

وبتعبیر آخر: فبما أنّ الله یحبّ ذاته، فإنّه یحبّ أیضاً الكمالات المرتبطة بذاته والتی هی كمالات حقیقیّة، وإنّ محبّته تزداد لكلّ موجود یحوز على أكبر قدر من كمالاته تعالى. ومن هنا فإنّ محبّة الله جلّ وعلا تكون أكبر لكلّ مَن هو أقرب إلیه وأكثر علاقة معه واتّصالاً به. فإنّ قول الله لنا: أحبّونی، هو من باب أنّ محبّتنا إیّاه تؤدّی إلى قربنا منه وإنّ حبّه تعالى یشتّد لكلّ ما هو أشدّ قرباً منه. وهذا هو عین الكمال المنشود الذی هو شعاع من الكمال الإلهیّ. فالله یحبّ نفسه ویحبّ كلّ تلك الكمالات أیضاً ویرید منّا أن نحظى بهذه الكمالات ونحبّه ونعبده ونشكره كی نكون أكمل. وأبسط تعبیر عن هذا المضمون هو ما عبّر به هذا البیت لجلال الدین الرومیّ حیث قال:

لم أخلق الخلق طلباً للمنفعة     بل لكی أجود على العباد[8]

فهو تعالى ینشد كمالنا. فعندما یقول: اشكرونی، واعبدونی، وأحبّونی فهو من باب أنّه یرغب فی أن نتكامل نحن، لا أن یضاف شیء ما إلى كمالاته هو. فكلّ ما هو ممكن الوجود فهو مُلك لله تعالى، وما من شیء یضاف إلیه. وإنّ كلّ ما یَخلُقه هو فإنّه سیحظى بالوجود.

بناءً علیه فإنّ طلب الله تعالى من نبیّه بأن: «حبّبنی إلى خلقی» نابع من أنّ كمال العباد هو فی حبّهم لی، وبما أنّنی أودّ أن یبلغوا الكمال فإنّنی اُوصیك بأن تفعل ما یزید فی حبّهم لی.

هذا الموضوع من شأنه أن یمهّد لنا الأرضیّة لكی نطیل التفكیر فی سبل محبّة الله تعالى، والعراقیل التی تواجهها، وأن نفید أقصى درجات الإفادة من توصیات وتوجیهات أهل البیت (صلوات الله علیهم أجمعین).

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله


1. سورة الرعد، الآیة 31.
2. سورة الكهف، الآیة 29.
3. بالطبع هذه العبارة صحیحةٌ مسامحةً. فالعین بنفسها لا تتمتّع، إلاّ أنّ روحنا هی التی تتمتّع بواسطة العین.
4. سورة النور، الآیة 30.
5. قصص الأنبیاء للجزائری، ص305.
6. الإقبال، ص349.
7. وقد ورد تعبیر «النور» هذا فی الروایات أیضاً.
8. نصّ البیت بالفارسیّة هو: من نکردم خلق تا سودی کنم     بلکه تا بر بندگان جودی کنم.