فهرست مطالب

الجلسة العاشرهَ: الأعمال المحبوبة عند الله

تاریخ سخنرانی: 
1392/11/16

(10)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 5 شباط 2014م الموافق للخامس من ربیع الثانی 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الأعمال المحبوبة عند الله

تذكیر بالنعمة العظیمة المتمثّلة بانتصار الثورة الإسلامیّة

 

لقد قال بعض حواریّی عیسى له (علیه السلام): كم هو جمیل أن ینزّل علینا ربّنا مائدة سماویّة لنأكل منها وتكون عیداً لأهل هذا الزمان ومَن سیأتی فی المستقبل! بالطبع لم یكن اُسلوبهم مؤدّباً فی طرح السؤال؛ فقد قالوا له: «هَلْ یَسْتَطِیعُ رَبُّكَ أَن یُنَزِّلَ عَلَیْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ... *...* ...تَكُونُ لَنَا عِیداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا»[1]. لكن نبیّ الله عیسى (علیه السلام) أصلح تعبیرهم حینما سأل الله ذلك فقال فی دعائه: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَیْنَا مَائدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا... وَءَایَةً مِّنكَ»؛ آیةً تدلّ على قدرتك وعظمتك! فكان أنْ أنزَلَ الله علیهم المائدة.

وبالالتفات إلى هذه القصّة یتبادر إلى الذهن السؤال التالی: إذا كان إنزال مائدة طعام من السماء من موجبات احتفاء الأوّلین والآخرین، أفلا یكون من المناسب أن نحتفی بهذه الأیّام المباركة التی تصادف ذكرى انتصار الثورة الإسلامیّة وذلك بما أنزل الله تعالى فیها على اُمّتنا من البركات ممّا یفوق مائدة الطعام آلاف آلاف المرّات؟! فینبغی أن نتذكّر هذه النعم الإلهیّة. وإنّ إقامة الاحتفالات والأفراح والتضرّع إلى الله بالدعاء وممارسة الأعمال العبادیّة شكراً لهذه الآلاء الجسیمة لهی أقلّ واجب یمكن القیام به فی هذا المجال. أسأل الله تعالى أن یمنّ علینا جمیعاً بمعرفة النعم والتوفیق لشكرها أیضاً.

تذكیر بالمباحث الفائتة

لقد قلنا إنّه لحصول المحبّة تجاه الله عزّ وجلّ فإنّه لابدّ من توفیر أرضیّات روحیّة ونفسیّة. إذ لابدّ أن یعلم المرء أنّ الله هو أحبّ موجود فی هذا العالم كی تترسّخ محبّته فی قلبه شیئاً فشیئاً وینخرط فی زمرة محبّیه ومریدیه جلّ وعلا. ثمّ أشرنا إلى جانب من آثار ولوازم هذه المحبّة استناداً إلى ما یستفاد من القرآن والسنّة وقلنا إنّ حیازة الكثیر من هذه الآثار هو أسهل من حصول نفس المحبّة، وإنّ ترتّب الاُولى على مراتب أدنى من المحبّة یوجب تقویة الأخیرة تدریجیّاً. وقد قلنا أیضاً إنّ من الآثار الطبیعیّة للمحبّة هو رغبة المحبّ فی أن یبادله المحبوبُ الحبَّ أیضاً، وهو أثر على جانب من الأهمّیة بحیث إنّ المحبّ أحیاناً ینتشی من إحساسه بمحبّة المحبوب نشوةً هی أسمى وأنفس من أیّ شیء آخر، بل وتهوّن علیه كلّ ما یتحمّله فی سبیلها من مِحَن ومكاره.

الأعمال المحبوبة عند الله

من الأسالیب التربویّة التی یتبنّاها القرآن الكریم هی أنّه إذا أراد الإطراء على صفة معیّنة والحثّ علیها فإنّه یقول: هذا ما یحبّه الله، وإن أراد ردع الناس عن أمر ما یقول: هذا ما لا یحبّه الله. وهذا النمط من الآیات یحاول أن ینبّهنا إلى هذه الحقیقة، وهی: انّ فطرتكم تطالبكم بفعل ما یجعل الله یحبّكم، كما وأنّ علیكم أن تعلموا أنّكم إن فعلتم كذا وكذا فإنّ الله تعالى سوف لا یحبّكم. مضافاً إلى أنّ الأدب القرآنیّ ینتهج اُسلوباً فذّاً حیث إنّ معظم الآیات القرآنیّة تحرص على توطید علاقة متبادلة بین العبد وربّه؛ كقوله تعالى: «رَضِیَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ»[2]، وقوله: «یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَه»[3]. وإنّ الالتفات إلى مثل هذه الآیات یساعدنا كثیراً على تنمیة محبّتنا لربّنا من جهة والاطمئنان من محبّته لنا من جهة اخرى. ونرى من المناسب هنا أن نحصی ما عدّه الله حسناً من الصفات وأن نسعى لتقویتها فی أنفسنا، إذ سنضاعف – بذلك - من محبّتنا لربّنا من جهة، وستزداد محبّته عزّ وجلّ لنا من جهة ثانیة.

1. الجهاد

قد یتبادر إلى أذهان البعض – استناداً إلى الأبحاث الماضیة التی ركّزت أكثر على العبادة والمناجاة والذكر والبكاء – أنّ الإنسان المثالیّ الذی یطلبه الله عزّ وجلّ ویریده الإسلام هو ذلك الذی یتجشّم یومیّاً عناء السهر من أوّل اللیل حتّى السحر، ویواظب على الإمساك بالمسبحة وذكر الله وتبدو علیه أمارات الشحوب والإنهاك، غافلین عن أن نفس هذا الإسلام یقول فی الآیة الرابعة من سورة الصف: «إِنَّ اللهَ یُحِبُّ الَّذِینَ یُقَاتِلُونَ فِی سَبِیلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْیَانٌ مَّرْصُوصٌ»[4]. إذ لا یقول الباری عزّ وجلّ هنا: قاتلوا كالبنیان المرصوص، أو: إذا كنتم كذلك فهذا حسن والله یحبّ ذلك؛ بل یقول: إنّ هناك اُناساً یقاتلون فی سبیل الله من دون أدنى تزعزع، ویصمدون أمام عدوّهم ویقاومونه بصلابة كصفّ مرصوص فلا یُهزمون أبداً. كما ویقول عزّ من قائل فی محلّ آخر: «فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِینَ عَلَى الْقَاعِدِینَ أَجْراً عَظِیماً»[5].

هذا وانّ سیرة النبیّ الأعظم والأئمّة الأطهار (صلوات الله علیهم أجمعین) تحكی فضیلة وأهمّیة الجهاد. وإنّ الاُنموذج الكامل لهذه الفضیلة بالنسبة لنا نحن الشیعة هو سیّد الشهداء (علیه السلام)؛ فهو الاُنموذج الذی لا یشوبه نقص أو عیب. ولم یكن (علیه السلام) من صُفر الوجوه والمنشغلین بالذكر والـمُجهَدین الذین لا یتنفّسون إلا بصعوبة. لقد كان شخصیة أعطت كلّ ما عندها فی سبیل الله، وكان كلّما قُتِل له ابن أو أخ فی میدان القتال فقد كان یزداد وجهه إشراقاً ویصیر أكثر حیویّة، ومن حیث إنّه كان یزداد قرباً من محبوبه لحظة بعد لحظة، فقد كانت تشتدّ عزیمته ویتألّق جماله.

وبناءً علیه ینبغی أن نضع كلّ أبعاد الإسلام فی نظر الاعتبار، وأن نستعین فی منهاجنا العملیّ باُولئك المحیطین بجمیع معارف الإسلام، ولیس بذوی الاُفق الضیّق الذین ینظرون إلى الإسلام من زاویة واحدة، ویقتصرون على مجموعة واحدة من الروایات غافلین عن المواضیع الاخرى. بالطبع فإنّ الناس مختلفون جدّاً من حیث المعرفة والهمّة والإیمان والتقوى، لكنّه یوجد – فی النهایة – أشخاص یتمسّكون ببُعد واحد من الإیمان ویغفلون عن الأشیاء الاخرى، إمّا نسیاناً أو انّهم یتغافلون عنها لأنّها لا تلائم مزاجهم. وعلى أیّة حال فالقرآن الكریم یقول: «إنّ الله یحبّ اُولئك المتأهّبین للجهاد والمقاتلین فی سبیل الله بهذه الكیفیّة»، بل وقد سُمّیت سورة قرآنیّة باسم «الصف» انطلاقاً من هذه الآیة.

بالطبع إنّ الناس قد رُغِّبوا فی القرآن الكریم بصور شتّى بالجهاد والقتال فی سبیل الله، لكنّ الحرب لیست هی مما یكون التمهید لها بأیدینا، كما وأنّ إشعال الحرب لیس بالأمر المطلوب. لكن ما یهمّنا فی الوقت الحاضر هو تقویة هذه الروح فی نفوس الناس بحیث إذا أصدر الیوم صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) أو نائبه أمراً بالتوجّه إلى جبهات القتال، فإنّ الجمیع سوف یُهرع لتلبیة هذا الأمر بكلّ فخر وولع؛ بالضبط كالعشق الذی اشتعل فی قلوب الناس تجاه الإسلام والثورة فی السنی الاُولى من فترة الدفاع المقدّس، إذ كانوا یتركون عیشهم وأزواجهم وأبناءهم ویهرعون إلى میدان الحرب بإشارة واحدة من الإمام الراحل (رحمة الله علیه). فهذه الروح هی المهمّة. إذ ینبغی أن یكون الإنسان على اُهبة الاستعداد حتّى إذا قیل لهم: إلى الأمام! فإنّهم لا یتلكّؤون لحظة واحدة. إذ یُحكى عن أحوال العلماء الماضین أنّهم كانوا ینطلقون أیّام الجمعة فی الصحاری لیتمرّنوا على ركوب الخیل والضرب بالسیف لیكونوا على اُهبة الاستعداد فیما إذا ظهر صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) فجأة وأصدر الأمر بالجهاد.

فالتحلّی بهذه الروح مهم، لكن - بالطبع - هناك شروط للتحلّی بها؛ فإنّ التعلّق ببعض شؤون الحیاة – حتّى تلك المطلوبة فی الجملة – یُنقص من هذه الروح. فحبّ الوالدین والزوج لیس محظوراً فی الإسلام، لكنّه إذا شكّل عقبة أمام الاستعداد للجهاد فی سبیل الله، فإنّه لا یتناسب مع الإیمان؛ یقول تعالى: «قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِیرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَیْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِی سَبِیلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى یَأْتِیَ اللهُ بِأَمْرِهِ»[6]. وهو تحذیر یدلّ على أنّ الله لا یحبّ هذه الحالة؛ أی: حذار من أن تمنعكم هذه الاُمور عن الجهاد! لأنّها إن منعتكم فهو دلیل على أنّ حبّكم لهذه المسائل أكثر من حبّكم لله. وهذه الحالة هی من الحالات السیّئة التی لا تنسجم مع الإیمان؛ فالحدّ الأدنى من الإیمان هو أن یحبّ المرء الله أكثر من أیّ شیء آخر. بالطبع إن سقف الإیمان هو أن لا توجَّه المحبّة الأصیلة إلا إلى الله وأنّ یحبّ المرء جمیع الأشیاء من أجله جلّ وعلا. لكنّ هذه الدرجة من الحبّ تفوق مستوانا وهی تتطلّب شخصاً كالإمام الحسین (علیه السلام) الذی یقول:

تركتُ الخلقَ طُرّاً فی هواكا       وأیتمتُ العیالَ لكی أراكا

فأقلّ ما ینبغی أن یقتصر علیه سعینا هو أن نبذل غایة جهدنا لكی لا تمنعنا التعلّقات الدنیویّة عن أداء التكلیف. إذ أنّ أكبر آفات محبّة الله والجهاد والشهادة فی سبیله هو حبّ الدنیا. فهذان الأمران لا ینسجمان مع بعضهما، فقد جاء فی الخبر أنّه كما أنّ العالم لیس له إلهان وأنّ وجود معبودَین وإلهین أمر محال، فإنّه لا معنى لحبّ إلهین اثنین؛ فلا یمكن أن نحبّ الله تعالى ونحبّ ما یبغضه فی آن معاً. وبناء علیه فإذا كان المرء محبّاً لله فلا یمكن أن یحبّ الدنیا أیضاً، فإنّ التعلّق بالسرّاء والدعة والراحة والرفاهیة لا یتناغم مع حبّ الله عزّ وجلّ. إذن فلابدّ لنا من السعی لتقویة هذه الروح فی أنفسنا كی نُغَلِّب حبّ الله فی قلوبنا على غیره من التعلّقات. لكن بالطبع قد یحصل تزاحم عند أشخاص معیّنین بین واجب كفائیّ وواجب أهمّ. فلمّا كانت قیادة الاُمّة والمجتمع بالنسبة للإمام الخمینیّ الراحل (رضوان الله تعالى علیه) – مثلاً – أوجب من ألف جهاد، فإنّه (رحمه الله) لم یحضر بجسده فی حرب الدفاع المقدّس التی دامت ثمان سنوات.

لكنّ السؤال المطروح هنا هو: ما السبیل إلى تقویة هذه الروح؟ فإنّ الجوّ والوضع اللذین یسودان أثناء الحرب العسكریّة كفیلان لوحدهما بأن یساعدا على تقویة هذه الروح. فعندما كان یؤتَى بأجساد الشهداء الطاهرة من جبهات القتال إلى المدن كانت تثور ثائرة الناس، وتتأجّج مشاعرهم وأحاسیسهم فیغدون أكثر استعداداً وتأهّباً. ویزداد عزم الناس على المشاركة فی الجهاد خصوصاً عندما یكون جثمان الشهید المشیَّع من أصدقائهم أو أرحامهم. فإنّ توجیهات الإمام الراحل (قدّس سرّه) وما كان یستشهد به من آیات وأحادیث مضافاً إلى انقیاد العلماء والعظماء الآخرین له كانت قد بلورت ذلك الجوّ الملكوتیّ الذی تلاشى فی ضوئه ما كان من آفات وشوائب.

أنواع الجهاد

بناءً على ما تقدّم فإنّ أجواء الحرب هی بحدّ ذاتها أجواء بنّاءة. وهنا یتعیّن القول بأنّ الحرب بین الحقّ والباطل قائمة باستمرار ولا تنتهی. لكنّ شكلها وهیئتها هی التی تتغیّر؛ فتارة تكون الحرب عسكریّة، وطوراً فكریّة، وحیناً اقتصادیّة، وزماناً سیاسیّة. فالقرآن الكریم یقول فی هذا الصدد: «إِنَّ اللهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنینَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ»[7]. فبذل المال هو أیضاً ضرب من الجهاد؛ بمعنى أنّه ثمّة جهاد اقتصادیّ أیضاً. كما أنّ هناك جهاداً فكریّاً كذلك، وهو المتمثّل بالحرب الناعمة التی یُعدّ خطرها أكبر وأهمّ بكثیر من الحرب الخشنة العسكریّة. فكلّ ما قلنا بخصوص الجهاد فإنّ له مصداقاً فی هذه المجالات أیضاً. فقد حوصر المسلمون فی صدر الإسلام لبضع سنین فی شعب أبی طالب، وقد منع الأعداء عنهم حتّى الماء والخبز. وكان أمیر المؤمنین (علیه السلام) برفقة عدد من الأشخاص یتسلّلون لجلب قربة من الماء وبعض الطعام للمحاصَرین. لقد كان هذا امتحاناً عظیماً. وهذه هی سنّة الله فی الحیاة، فهو عزّ وجلّ یُخضِع اولئك الذین یرید ترقیتهم لمثل هذه الامتحانات.

الضرّاء وأرضیّة التضرّع فی حضرة الباری عزّ وجلّ

یقول الله سبحانه وتعالى فی الآیة المرقّمة 94 من سورة الأعراف: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِی قَرْیَةٍ مِنْ نَبِیٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ یَضَّرَّعُونَ»؛ أی: إنّنا ما أرسلنا إلى قوم من نبیّ إلا وابتلیناهم بالشدائد والمكاره لعلّهم یتوجّهون إلى الله بسبب ذلك ویتضرّعون إلیه ویبكون بین یدیه. فعندما یكون الناس فی دعة وطمأنینة فإنّ لذائذ العیش تجعلهم ثملین، أمّا البأساء والضرّاء فإنّها تصقل الإنسان وتكسبه التواضع وتوجهه نحو الله. فالله عزّ وجلّ یعرف عباده، فإذا أرسل لهم رسولاً فإنّه یعرّضهم للشدائد لیهیّئ لهم أرضیّة التضرّع بین یدی ربّهم. وقد ورد هذا المضمون فی الآیة المرقّمة 42 من سورة الأنعام بلفظة «یتضرّعون»[8] ثمّ بیّن عزّ وجلّ بعد ذلك أنّ السبب من وراء عدم التضرّع هو قسوة القلب: «فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطَانُ مَا كَانُواْ یَعْمَلُونَ»[9].

وهذه القضیّة مستمرّة؛ فیومٌ جهاد عسكریّ، ویوم حصار فی شعب أبی طالب، ویومٌ تحدث فیه واقعة فی صحراء كربلاء، ویوم یُسجن فیه موسى بن جعفر (علیه السلام). هذه هی الدنیا، ففی كلّ یوم یرى الناس لوناً من ألوان الفتن والبلایا، فالمبرَّؤون من قسوة القلب یقعون تحت تأثیر هذا العامل، فیندمون ویتوبون إلى الله ویقبلون نصائح الأنبیاء (علیهم السلام)، أمّا القاسیة قلوبهم فإنّهم یقولون للأنبیاء: ما هو دوركم؟ ما لكم ولنا أساساً؟ فشعیب (علیه السلام) كان ینصح قومه بعدم التطفیف بالمیزان وعدم الغش فی البیع: «وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِیمِ  ذَلِكَ خَیْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِیلاً»[10]. فهل یوجد ما هو أبسط من هذا الكلام وأكثر مقبولیّة عند الناس وأنفع لهم؟ كان یقول لهم إن مساوئ عملكم هذا ستحیق بأنفسكم؛ فإن طففتَ بالمیزان الیوم، فسیغشّك غیرك إذا اشتریت منه غداً! فعندما تتفشّى حالة عدم مراعاة الإنصاف والعدل فی المجتمع، فإنّ من تعامله الیوم بلا إنصاف سیعاملك غداً بنفس الاسلوب. وعندها سیحصل التضخّم والغلاء ممّا سیحیق بضعاف الحال لاسیّما أصحاب الدخل الثابت الذین یتقاضون راتباً شهریّاً. فكان جواب قوم شعیب (علیه السلام): هذا لیس من شأنك: «أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا یَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِی أَمْوَالِنَا مَا نَشَـٰـؤُا»[11]. إذهب واشتغل بصلاتك، فما دخلك بهذه الامور؟! إنّك غیر متّخصص فی القضایا الاقتصادیّة والسیاسیّة! یعنی: إذهبوا یا علماء الدین واشتغلوا بدروسكم ولا تحشروا اُنوفكم بهذه المسائل!

ولكن لا تحبّون الناصحین!

إنّكم تتّهمون الناصحین بالاُمّیة وقلّة الفهم وفساد الفكر وما إلى ذلك ولا تحبّون أن یسدی أحد إلیكم النصیحة. تدّعون كذباً أنّكم تحبّون النقد وأنّ الحقّ دائما مع الطرف الآخر، إذ أنّكم لا تطیقون الإصغاء حتّى إلى النقد الهادئ. لقد بادر العلماء والعظماء وورثة هذه الثورة واُسر الشهداء إلى نصحكم بأن لا تأكلوا الطعم الذی وضعته أمیركا ولا تلهثوا وراء راحة وهمیّة! بل إنّكم لن تبلغوا هذه الرفاهیة الزائفة التی یعدونكم بها. وحتّى لو بلغتموها، فإنّها لا تستحقّ منكم أن تبیعوا عزّة هذا الشعب ومجده، وتنسوا دماء آلاف الشهداء التی سالت على مدى بضع وثلاثین سنة ، كی یعیدوا إلیكم بضعة دولارات هی أساساً من أموالكم! أیّ حماقة هذه! لا تنسوا القیم الإلهیّة! فمن أجل أیّ شیء ثار هذا الشعب؟! ولأی سبب نهض الإمام الراحل (رحمه الله)؟! ولأیّ هدف قدّم الشعب كلّ هؤلاء الضحایا؟ أمِن أجل تخفیض سعر الخبز یا ترى؟ ومن أجل ماذا ألبسَتْ تلك الاُمّ شبّانها الثلاثة أكفانهم بیدها وبعثت بهم إلى جبهات القتال من دون أن تدَعَ حتّى دمعة واحدة تفرّ من مقلتیها؟! أمن أجل إشباع بطنها؟! فلماذا نتناسى القیم؟ والأمَرّ من ذلك أنّنا ننسب ما نفعله إلى الإمام الراحل (قدّس سرّه) وقائد الثورة المعظّم (دام ظله) قائلین: إنّ ما نفعله هو اتّباع للإمام الراحل وامتثال أوامر قائد الثورة!

أعاذنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


1. سورة المائدة، الآیات 112 – 114.

2. سورة المائدة، الآیة 119.

3. سورة المائدة، الآیة 54.

4. عندما تُلحَم المعادن ببعضها یكون اللحام عادةً أصلب من المعدن نفسه ویقال له «مرصوص».

5. سورة النساء، الآیة 95.

6. سورة التوبة، الآیة 24.

7. سورة التوبة، الآیة 111.

8. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ یَتَضَرَّعُونَ»

9. سورة الأنعام، الآیة 43.

10. سورة الإسراء، الآیة 35.

11. سورة هود، الآیة 87.