فهرست مطالب

الجلسة الاربعون: الفقراءُ الإلهیّون!

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/24

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 15 تموز 2014م الموافق للیلة الثامنة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الفقراءُ الإلهیّون!

40

 

إشارة

تناولنا فی المحاضرات الماضیة بحثاً فی مقاطع من حدیث المعراج القدسیّ دار محوره الرئیسیّ حول محبّة الله وقد طُرحَت فیه اُمور من قبیل: كیفیّة تهیئة الأرضیّة فی قلب الإنسان لتحقّق محبّة الله، وشروط بقاء هذه المحبّة، والآثار الناجمة عنها، والأمارات التی یستطیع الناس من خلالها التمییز بین المحبّ الحقیقیّ والذی یدّعی المحبّة كذباً. كما أشرنا فی سیاق البحث إلى قضیّة أنّ المحبّة هی حقیقة حیثما وُجدت، شعّ نورُها على آثارها وتوابعها ولواحقها. فالذی یحبّ امرأً سیحبّ متعلّقاته بالضرورة؛ فإنّه یقبّل صورته، ویشمّ ثیابه، ویطوف بداره، ویتباهى بمدینته وبلده. ولا یعنی هذا السلوك احتواء قلب هذا العاشق على ألوان متعدّدة ومتمایزة من الحبّ، بل إنّ جمیع هذه الأشكال من إظهار الودّ هی أشعّة من محبّة صاحب الصورة والثیاب والدار تشعّ من قلب المحبّ. فالذی یشغفه حبّ الله تعالى فإنّه سیحبّ أولیاءه بطبیعة الحال. ولیس الحبّ الأخیر بمنفصل عن سابقه، بل إنّ شعاع المحبّة لله إنّما یسطع أیضاً على أولیائه. ومع قلیل من التأمّل سندرك أنّ المغرَم بالله تبارك وتعالى هو محبّ بالضرورة لرسول الله (صلّى الله علیه وآله) وآله الأطهار (علیهم السلام) من أجل حبّه لله.

كذلك فإنّ حبّ الله عزّ وجلّ یتطلّب فی بعض الأحیان معاداة بعض الناس. فلیس فی میسورنا القول إنّ فلاناً من الناس یحبّ الله، لكنّه یحبّ عدوّه أیضاً! نعم قد لا یكون هذا الترابط واضحاً فی بعض الأمثلة ویكون بحاجة إلى توضیح. كما أنّ التأكید قد تمّ فی حدیث المعراج على حبّ بعض الأصناف من الناس، إلى درجة أنّه فسّر محبّة الله بمحبّتهم، لكنّ العلاقة بین حبّ الله وحبّ هؤلاء لیست واضحة المعالم. كذلك فإنّ التلازم بین محبّة الله ومعاداة المعاندین له ولدینه یمكن استیعابه بسهولة، إلا أنّه لیس على هذه الدرجة من الوضوح فی بعض المواطن. ولعلّ تذكیر حدیث المعراج بهذه الاُمور یرجع إلى هذا السبب. وسنتعرّض فیما یلی إلى واحدة من هذه الموارد.

محبّة الله مودَعة فی محبّة الفقراء!

«یا أحمد! إنّ المحبّة لله هی المحبّة للفقراء»[1]. وفی أدب العرب فإن «هی»، وهی ضمیر الفصل، إذا دخلت على خبر معرَّف بالألف واللام فإنّها تفید الحصر. أی: إنّ المحبّة لله هی نفسها المحبّة للفقراء. ولو أنّ الله تعالى كان قد قال، عوضاً عن هذا الكلام: إنّ محبّة الله هی محبّة الأنبیاء أو الأولیاء، فسوف لا یصعب على المتلقّی فهم الترابط بین المحبّتین، لكنّ إدراك قضیّة أنّ محبّة الله مخبّأة فی محبّة الفقراء هو أمر صعب. ولعلّ سؤال النبیّ (صلّى الله علیه وآله) ربَّه عند سماعه هذا الكلام: «یا ربّ! ومَن الفقراء» الذین محبّتهم هی عین محبّتك؟ یرجع إلى هذا السبب.

یقول الله عزّ وجلّ جواباً لنبیّه الكریم: «الذین رضُوا بالقلیل، وصبروا على الجوع، وشكروا على الرخاء، ولم یشكوا جوعَهم ولا ظمأَهم، ولم یكذبوا بألسنتهم، ولم یغضبوا على ربّهم، ولم یغتمّوا على ما فاتهم، ولم یفرحوا بما آتاهم». فالفقراء الذین محبّتهم هی عین محبّة الله هم المنزَّهون عن الطمع والجشع، والقانعون ببسیط العیش. ویُفهم من هذه العبارة أنّ محبّة الله لا تتماشى مع الطمع والجشع وحبّ التسلّط والاستعلاء على الآخرین. فالله عزّ وجلّ یقول فی كتابه العزیز أیضاً: «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذینَ لا یُریدُونَ عُلُوّاً فِی الأَرْضِ وَلا فَساداً»[2]؛ فعالَم الآخرة، بكلّ عظمته، قد جعلناه للذین لا یسعون إلى الاستعلاء فی الأرض ولا یفسدون فیها، أی لیسوا من الذین یقارنون أنفسهم بالآخرین ویرون أنفسهم أفضل منهم. بالطبع هذه السجیّة، حالها حال غیرها من خصوصیّات ابن آدم، تنطوی على نزوع إلى اللانهایة ولا تُحَدّ فی حدود ضیّقة، فلو سنحت للإنسان الفرصة فإنّه سیدّعی الاُلوهیّة. ألم یدّعِ فرعون الربوبیّة؟ وقد قال عنه ربّ العزّة: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِی الأَرْضِ»[3]. فالعلوّ والاستعلاء كانت الصفة الرئیسیّة لفرعون، وهی الخصوصیّة التی تسبّبت – بالالتفات إلى الآیة السابقة لتلك الآیة – فی حرمانه من سعادة الآخرة. وطبقاً للروایة الواردة فی تفسیر هذه الآیة، فحتّى الذی یرغب فی أن یكون رباط حذائه أفضل من رباط حذاء غیره فإنّه مشمول بهذه الآیة[4]! لأنّه أیضاً ضرب من العلوّ والاستعلاء، وهی صفة ذمیمة تسلب من المرء سعادة الآخرة حتّى وإن كان فی مراتب العبودیّة الدنیا، فما بالك بالمحبّة الخالصة لله التی لا تستقرّ إلاّ فی قلبٍ لا سبیل لكلّ ما سوى الله إلیه. إنّها من صفات الطفولة وهی لا تتناغم مع مقام المحبّة لله تبارك وتعالى.

صفات أولیاء الله

إنّ اُولى خصوصیّات الفقراء، الذین محبّتهم هی محبّة الله تعالى، هی قناعتهم بالقلیل ونزاهتهم من صفتی الاستعلاء والطمع. لكن إذا عرضت ظروف حالت دون تلبیة حاجاتهم الأساسیّة فما الذی سیحصل؟ إنّهم، حتّى فی مثل هذه الظروف، لا یجزعون؛ «وصبروا على الجوع». بل إنّهم إذا توفّرت لهم سبل الرفاهیة والرخاء لم ینسوا الله وشكروه على ما أسبغ علیهم من نعَمِه: «وشكروا على الرخاء». «ولم یشكوا جوعَهم ولا ظمأَهم»؛ كما أنّهم لیسوا من أهل الشكوى والتبرّم إذا نزلت بهم نازلة أو أحسّوا بالظمأ أو الجوع. وإذا اضطرّوا إلى عرض حاجتهم على الآخرین فإنّهم لا یلجأون إلى الكذب ولا یُلقون الكلام جزافاً ولا یتجاوزون الواقع. والقرآن الكریم یصف هؤلاء الناس بالقول: «یَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِیَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ... لا یَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً»[5]. فهؤلاء الفقراء یقاسون الأمرَّین حتّى لا یطّلع الآخرون على فقرهم وعندئذ یحسبونهم أغنیاء. فعزّة أنفسهم وإباؤهم یردعانهم عن إراقة ماء وجههم وإظهار حاجتهم للآخرین. أمّا إذا اقتضت الضرورة الطلب من الآخرین، فإنّهم یكتفون بمقدار الضرورة ولا یكذبون. كما أنّهم لا یعاتبون ربّهم على الإطلاق، وینظرون إلى كلّ ما یحلّ بهم بوصفه تقدیراً إلهیّاً وأنّه مبنیّ على حكمته عزّ وجلّ.

«ولم یغتمّوا على ما فاتهم، ولم یفرحوا بما آتاهم»؛ فعلى الرغم من ضنك العیش وسلب النعمة فإنّ أمثال هؤلاء لا یغتمّون، وهم یعتقدون بأنّ الله تعالى، ولمصلحةٍ ما، قد ائتمنهم على شیء حتّى إذا رأى أنّ من الصلاح استرجاعه منهم عاد فاسترجع أمانته. من هذا المنطلق فإنّهم لا یضطربون ولا یمسكون بتلابیب الآخرین على خلفیّة سلب نعمة ما، بل إنّهم لا یفقدون توازنهم عندما تُنَزّل علیهم نعمة عظیمة. یقول القرآن الكریم فی هذا الصدد: «مَا أَصَابَ مِن مُّصِیبَةٍ فِی الأَرْضِ وَلا فِی أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِی كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى الله یَسِیرٌ * لِّكَیْلا تَأْسَوْاْ عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَاكُمْ»[6]؛ فكلّ نازلة تحلّ بكم إنّما هی مُعَدّة مسبقاً ووفق حسابات دقیقة ومستنِدة إلى حكمة الله عزّ وجلّ المدوَّنة فی سجل، وذلك لكی لا تفقدوا توازنكم إذا أصابتكم نعمة، ولا تجزعوا ولا تستسلموا للعویل والبكاء إذا ابتُلیتم بمصیبة. فإنّ نِعم الله والبلایا هی - على حدّ سواء - أسباب لامتحان العباد، ونابعة من حكمة وهی مُقَدَّرة ومحسوبة بدقّة. فالذین یتّصفون بهذه الخصال وینتهجون هذا النهج هم الفقراء الذین تُعَدّ محبّتهم محبّة الله.

لماذا الفقراء؟

ثمّ یعود البارئ تبارك وتعالى لیؤكّد مرّة اُخرى، فی سیاق الحدیث نفسه، على أنّه: «یا أحمد! محبّتی محبّةٌ للفقراء». والسبب من وراء التأكید على محبّة أمثال هؤلاء هو تأثّر الإنسان بخصالهم الحمیدة عن طریق صحبتهم. فإنّ من الاُمور الثابتة فی علم النفس هی أنّ الإنسان یتأثّر بمن حوله ومن یعاشرهم حتّى انّ عاداتهم وسجایاهم وسیرتهم تنتقل إلیه، لاسیّما إذا اقترنت هذه العلاقة بالعاطفة. ولهذا السبب، فإنّ الله تعالى، ومن أجل أن یربّی عباده، ویمهّد لنموّ هذه الصفات الحمیدة فی أنفسهم، فإنّه یوصیهم بمحبّة المتّصفین بمثل هذه الصفات وتوطید العلاقة بهم.

ومن المناسب هنا أن نطرح اُنموذجاً من سلوك هؤلاء العظماء. یروی المرحوم الشیخ عبّاس الطهرانیّ الذی كان من تلامذة المیرزا جواد آقا ملكی التبریزیّ قائلاً: كان اُستاذنا – مَثَله مَثَل الكثیر من العلماء الآخرین - یولی اهتماماً بالغاً یإحیاء عید الغدیر وكان یقیم فیه الاحتفالات ویدعو الناس إلى مائدته. وقد ذهبنا مرّة إلى منزله (رضوان الله تعالى علیه) فی یوم الغدیر لنبارك بالعید وإذا بصوت بكاء وعویل یرتفع فجأة من القسم «الداخلی» من البیت. وقلق جمیع الضیوف من ذلك. فدخل المرحوم ملكی إلى الداخل وقام بتهدئة أهل الدار، لكنّه بعد أن عاد انهمك فی ضیافة القادمین ومتابعة الحفل من دون أن یفصح عن شیء. وبعد انتهاء الحفل وعندما همّ الضیوف بالمغادرة، انبرى المرحوم المیرزا جواد إلى القول للحضور: «إذا كنتم راغبین بالمشاركة فی تشییع جنازة أحد الشبّان وكسب الثواب من ذلك فهلمّوا». فهرع الجمیع مندهشین إلى السؤال عمّا حصل، فإذا بالمیرزا یقول من دون أن تبدو علیه أمارات الاستیاء: إنّ ابنه الشابّ، الذی كانت تربطه به علاقة حمیمة، قد فارق الحیاة!

هكذا هم عباد الله الذین تكون محبّتهم من محبّته سبحانه؛ فلا یصیبهم الجزع والفزع عند الشدّة، ولا یستولی علیهم الغرور إذا غمرتهم النعم. فالله تعالى یوصینا بمعاشرة أمثال هؤلاء.

كما أنّه من الواضح – من ناحیة اُخرى – أنّ الفقراء لا یحظون باهتمام كبیر من قبل الناس، إذ لا یجد المرء ما یدفعه إلى احترامهم، خلافاً للأثریاء وأصحاب المناصب والمكانات، فإنّ الجمیع یتهافتون على صحبتهم ورفقتهم طمعاً فی مالهم أو انتفاعاً من مكانتهم. فإنْ أحَبّ امرؤ فقیراً فلیس لفقره، بل من أجل ما یلمس فیه من حمید الصفات، وطیب السجایا، وهو ما یجعل هذا النمط من المحبّة مصوناً من آفة الریاء وحبّ الدنیا والأغراض الشخصیّة وأقرب ما یكون إلى الإخلاص.

أمّا الخصوصیّة الثالثة لمحبّة الفقراء فإنّه خلافاً لما یعتقده البعض من أنّ الفقر هو سبب المعاصی والذنوب، فإنّ أسباب المعاصی هی أقلّ توفُّراً للفقراء منها للأغنیاء. صحیح أنّ المجرم العاصی إذا ابتُلی بالفقر خلق مشاكل جدیدة، لكن هل یا ترى انّ كلّ فقیر فهو مذنب ومجرم؟ فإنّ ادّعاء كهذا یتعارض مع منطق القرآن الكریم الذی یقول: «كَلاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَیَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ»[7]. فإذا ما أحسّ الإنسان بالاستغناء تراه یتّخذ مسیر العصیان والطغیان ویتفلّت من مراعاة العدل والإنصاف.

بناءً على ما تقدّم فإنّ محبّة الفقراء تنطوی على ثلاث خصوصیّات إیجابیّة ومفیدة للإنسان: فهو یتأثّر بصفاتهم الصالحة إذا عاشرهم أوّلاً، وإنّ هذه العلاقة والمحبّة هی أقرب إلى الإخلاص ثانیاً، وإنّ معاشرتهم تضیّق المجال أمام المرء لارتكاب المعصیة ثالثاً. ومن أجل ذلك فإنّه جلّ وعلا یوصی نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) فی هذا الحدیث القدسیّ بقوله: «یا أحمد! محبّتی محبّةٌ للفقراء، فأَدْنِ الفقراءَ وقرّب مجلسَهم منك»؛ أی قرّب الفقراء منك وافتح أمامهم أبواب مجلسك؛ فحذار من أن تدفعك أسمال شخصٍ البالیة إلى طرده من حضرتك. كما یتعیّن علیك فی المقابل أن تنأى بنفسك عن الأغنیاء: «وبعّد الأغنیاءَ وبعّد مجلسَهم منك، فإنّ الفقراء أحبّائی».

نسأل الله تعالى أن یوفّقنا إلى الإفادة من معارف أهل بیت نبیّه الكریم (صلوات الله علیهم أجمعین) على أتمّ وجه والعمل بها فی حیاتنا الیومیّة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. سورة القصص، الآیة 83.

[3]. سورة القصص، الآیة 4.

[4]. تفسیر نور الثقلین، ج4، ص144، «الرجل لَیُعجبه شراك نعله فیدخل فی هذه الآیة: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ...» الآیة».

[5]. سورة البقرة، الآیة 273.

[6]. سورة الحدید، الآیتان 22 و23.

[7]. سورة العلق، الآیتان 6 و7.