فهرست مطالب

الجلسة التاسعة والاربعون : الحیاة لله سبحانه وحده

تاریخ سخنرانی: 
1393/05/02

(49)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 24 تموز 2014م الموافق للیلة السابعة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الحیاة لله سبحانه وحده

تطرّقنا فی المحاضرات الفائتة إلى بعض أوصاف أهل الدنیا وأهل الآخرة التی أخبر الله عزّ وجلّ بها نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) لیلة المعراج.

الحیاة والموت الحقیقیّان

بهذه العبارات تابع حدیث المعراج قوله فی صفات أهل الآخرة: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَیٌ‏ قَیُّومٌ كَرِیمٌ، یَدْعُونَ الْمُدْبِرِینَ كَرَماً وَیُرِیدُونَ الْمُقْبِلِینَ تَلَطُّفاً، قَدْ صَارَتِ الدُّنْیَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة»[1]، فهو یشیر فی هذا المقطع إلى ثلاث خصوصیّات لأهل الآخرة، سنتعرّض فی هذه المحاضرة إلى أولاها.

یقول الحدیث: الناس فی نظر أهل الآخرة موتى ولیس من حیّ عندهم سوى الله تبارك وتعالى. لكن ما المراد هنا من كون الناس موتى؟

من الواضح أنّه لا یراد بالموت هنا ذلك المعنى الذی یُوقِف قلبَ الإنسان ودماغَه عن العمل ویعطّل أعضاءه وجوارحه، إذ أنّ لجمیع أهل الآخرة وأهل الدنیا فی هذا العالم أعیناً وآذاناً، وهم یتحرّكون، ویتنفّسون، ..الخ. ومن هنا فإنّ «للموت» فی هذه العبارة مدلولاً آخر قد یكون مجازاً أو استعارةً، أو أنه یشیر إلى حقیقة هی فوق فهم العامّة.

وقد وردت فی القرآن الكریم أیضاً تعابیر من هذا القبیل، كقوله تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى»[2] یخاطب بذلك نبیّه الكریم (صلوات الله علیه وآله)؛ أی: لا تحزن، فهؤلاء سوف لا یؤمنون بك، لأنّهم كالموتى الذین یتعذّر إسماعُهم. وإطلاق مفردة «الموتى» على الذین لا یؤمنون یأتی من باب أنّهم لا یفهمون ما ینبغی لهم فهمه، ولا یفعلون ما یتعیّن علیهم فعله. ونظیر هذا الإطلاق نجده أیضاً فی آیات قرآنیّة أخرى، كقوله تعالى: «أَوَمَنْ كَانَ مَیْتاً فَأَحْیَیْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً یَمْشی‏ بِهِ فِی النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِی الظُّلُماتِ لَیْسَ بِخارِجٍ مِنْها»[3]. والآیة تقول فی مقام المقارنة بین فئتین من الناس: هل إنّ الذی كان میتاً فأحییناه وجعلنا له نوراً یستعین بضیائه لیمشی بین الناس هو كالقابع فی الظلمات لا یستطیع الخروج منها؟! فالفئة الأولى هم الذین كانوا فی ضلال فأعانهم نور الهدایة على تمییز الحقّ عن الباطل وتبیُّن طریق السعادة. أمّا الفئة الثانیة - فی المقابل – فهم الذین قد توغّلوا فی الظلمات حتّى لم یعُد ثمّة أمل فی خروجهم منها. فالآیة – فی الحقیقة – تكشف عن التقابل بین فئتین من البشر: فئة الموتى الذین اُحیُوا بنور هدى الله، وفئة الموتى الذین انغمسوا فی دیاجی الظلمات فلا یُرجى خلاصهم، فی حین أنّ المقارنة التی یطرحها مقطع حدیث المعراج محطّ البحث هی بین الناس والله جلّ وعلا: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَیٌ‏ قَیُّومٌ كَرِیمٌ»؛ فما من أحد من البشر، عند أهل الآخرة، له حظّ من الحیاة، فإنّ مثلَهم كمَثَل الموتى، وما من حیّ فی نظر الأخرویّین غیر الله تعالى.

والمراد من «الحیّ» فی هذا المقطع هو الموجود الذی یكون منشأ الأثر على نحو الاستقلال، ولـمّا كان الأخرویّون قد بلغوا فی توحیدهم الأفعالیّ درجةً لا یرون فیها غیر الله تعالى مؤثّراً حقیقیّاً فی الكون، فإنّ الحیّ الحقیقیّ فی رأیهم هو الله فحسب، أمّا المخلوقات الأخرى التی لها تأثیرات فی عالم الطبیعة بمراتب مختلفة فهی وسائل وأدوات لیس لها إلاّ تأثیر مستعار، وهو من الله، وإنّه جلّ وعلا یسترجعه منها متى شاء. فإّن القادر الوحید الذی لیس لأحد بتاتاً أن یسلبَه قدرتَه، والحاضر فی كلّ مكان، والنافذة إرادته فی كلّ شیء، هو الله سبحانه وتعالى. إذن فأهل الآخرة قد وصلوا إلى مرتبة من التوحید الأفعالیّ بحیث لا یرون فیها سوى الله مؤثّراً مستقلاًّ.

المؤثّر الحقیقیّ

یُعنى القرآن الكریم عنایة خاصّة بنسبة جمیع ظواهر الكون إلى الله عزّ وجلّ. فهو یقول فی آیات شتّى: نحن الذین نُنشئ السحاب، ونحن الذین نحركّه، ونسوقه إلى أرض میتة، ونحن الذین نُمطره، فنُنبت به الزرع من الأرض، ونحن نرزقكم من الحبوب والثمار التی نُنبتها فی الأرض، بل نحن نفلق الحبّ الذی یسقط على الأرض. وإنّ هذا التوجّه الخاصّ یُلمَس فی كلّ موضع من كتاب الله وبصور شتّى. بل ویجری هذا النهج أیضاً على أفعال البشر الاختیاریّة، تلك التی لولا الاختیار لما سُئل فاعلها عنها ولما بقی مجال للثواب أو العقاب علیها. ومن هذه الأفعال الإیمان، فلو لم یكن إیمان المرء وقبوله الهدایة نابعاً من اختیاره، فما هی الثمرة المرتجاة منه؟! غیر أنّ الله عزّ وجلّ ینسب إیمان عباده إلى نفسه، فیقول: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»[4]. وإنّ العلّة وراء تأكید القرآن الكریم على أنّه ما من أمر إلا وبید الله إنجازه هی تنبیه الناس إلى أنّه ثمّة نظام آخر مهیمن على كافّة شؤون الكون وحوادثه هو فوق الأسباب المادّیة والطبیعیّة التی یعیشها الإنسان ویعرفها.

ولتقریب المعنى إلى الذهن لنتصوّر سیّارة تسیر. فإن سُئل مهندس عن كیفیّة سیرها قال: «یمتزج البنزین فی محرّكها بالهواء، فیحترق، فتتحوّل الطاقة الكیمیاویّة إلى طاقة حركیّة تدیر المحرّك، فیعمل الأخیر – عبر القوى المحرّكة – على إدارة العجلات، فتسیر السیّارة». وهذا الجواب صائب. لكن إذا لم یجلس سائق السیّارة خلف المقود فكیف ستسیر؟ فقد لا یلاحَظ السائق، إلاّ أنّ السیّارة بحاجة إلیه إضافة إلى الطاقة والقوى المحرّكة.

فأغلبنا لا یرى فیما یجری فی العالم من أحداث سوى تأثیر العوامل المادّیة ولا یلتفت إلى أنّه ثمّة، مضافاً إلى تلك العوامل، یوجد عامل آخر یسمو علیها هو ضروریّ فی السیطرة على الأمور وتوجیهها، وید أخرى فوق هذه الأسباب تدیر هذا النظام الكونیّ. فحتّى الإنسان الذی یفكّر، ویقّرر، ویرید، ویحرّك أطرافه بقوّته البدنیّة للقیام بعمل ما فهو لیس بخارج عن هذا النظام. فلو صعّدنا نظرتنا عن عالم الطبیعة قلیلاً ورأینا النظام الماثل فوق الأسباب الطبیعیّة، لشاهدنا كیف أنّ جمیع العوامل المتوفّرة فی العالم المادّیّ تُدار بمنظومة أخرى. ولا یعنی هذا بالطبع نفی تأثیر هذه الأسباب، بل إنّ تأثیرها متأثّر بتلك الإدارة. فالقرآن الكریم یحاول، عبر التأكید على دور الله عزّ وجلّ فی جمیع الأمور، السموّ بالإنسان عن حیّز الأسباب المادّیة الضیّق ولفت نظره إلى وجود عامل هو فوق العوامل الظاهریّة، كی یشاهد سائقَ السیّارة الذی یمسك بمقودها أیضاً.

فابن آدم فی سلوكه یقصر نظره عادةً على العوامل الظاهریّة ولا یلتفت إلى محلّ الله تعالى من الإعراب. فالإنسان یجوع، ولابدّ أن یأكل طعاماً لسدّ جوعه، ومن أجل الحصول على الطعام یتحتّم علیه دفع المال، وبغیة كسب المال علیه أن یعمل، فما هو دور الله جلّ وعلا فی هذه العملیّة؟

ومع أنّ أغلب الناس یقرّون بوجود الله، لكنّهم غافلون عن أثره فی مجریات وأحداث العالم، وهذه هی الظلمات التی یسیر فیها ابن آدم. وإنّ باستطاعة كلّ امرئ، بمقدار إیمانه، أن یفتح من هذه الظلمات نافذة إلى النور. فبعض الناس لا یتذكّرون ربّهم إلاّ عند المصائب والملمّات. ویشبّه الله هؤلاء بمن: «رَكِبُوا فِی الْفُلْكِ»[5] (أی السفینة) حتّى إذا هّبت أعاصیر عاتیة، وأخذت أمواج البحر المتلاطم تأخذ سفینتهم ذات الیمین وذات الشمال، واستولى الذعر على كلّ ذرّة فی كیانهم مخافة الغرق، وفقدوا كلّ أمل. فی موقف كهذا لا یبقى أمام الإنسان بُدٌّ سوى التوسّل بالله جلّت آلاؤه. فهاهنا: «دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصینَ لَهُ الدِّینَ لَئِنْ أَنْجَیْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرین»[6]. لكنّ هؤلاء القوم أنفسهم الذین توجّهوا إلى الله داعین ملتمسین فی مثل هذا الظرف تراهم ینسون ربّهم ثانیة بعد ما نجوا ووطأت أقدامُهم برّ الأمان: «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ یُشْرِكُون»[7]. ألا وإنّ هذه حال أغلبنا! والقرآن الكریم الذی هو نور الله یحاول إنقاذنا من هذه الظلمات كی نرى ید الله فی كلّ شیء فیستقطب اهتمامنا ونعقد علیه آمالنا، فینهل كل ّامرئ من تذكیرات القرآن الكریم بحسب معرفته وإیمانه.

وخلافاً لأغلبنا حیث لا نقیم لله سبحانه وتعالى فی حیاتنا وزناً وتنصبّ آمالنا فی الخلق فقط، فإنّه ثمّة من بین عباد الله مَن یستحوذ الله على اهتمامهم فی كلّ حال، وهم الذین یصفون ربّهم بهذه الصفة: «وَالَّذِی هُوَ یُطْعِمُنِی وَیَسْقینِ»[8]. فحینما سأل النمرود نبیّ الله إبراهیم (علیه السلام): «مَن ربّك». قال إبراهیم: «إنّه الذی یطعمنی الطعام ویسقینی الماء! فلم یقل: «الذی یرزقنی»، بل قال: «الذی یطعمنی». «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ یَشْفِین»[9]. فمحلّ الطبیب والدواء محفوظ، أمّا الذی یُشفی فهو الله. ومن هنا فإنّه (علیه السلام) یقول: «إِنَّ صَلاتِی وَنُسُكِی وَمَحْیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِین»[10].

هكذا هم عباد الله الخُلّص. فعندما رموا بالنبّی إبراهیم (علیه السلام) بالمنجنیق إلى النار جاءه جبرئیل (علیه السلام) وقال له: «هل لك من حاجة»؟ فقال: «أمّا إلیك فلا»![11]؛ فأنا لست بحاجة إلیك أمّا إلى الله فإنّی محتاج من قمّة رأسی إلى أخمص قدمَیّ. ومیزة عباد الله هؤلاء أنّ «الناس عندهم موتى» لیسوا مصدراً لأیّ أثر. فهم یعاشرونهم، ویحترمونهم، ویقضون حوائجهم، لكنّهم لا یرونهم مصدرَ أثرٍ فی أیٍّ من شؤونهم، لأنّ جمیع الأمور تُدَبَّر من موضع آخر. على أنّه ینبغی لكلّ امرئ أن یؤدّی واجباته تجاه نفسه، وتجاه الله، وتجاه الناس، لكنّه لیس لتصرّفاتنا من أثر إلاّ بمقدار ما یدبّره هو عزّ وجلّ، فجمیع المخلوقات أدوات یعتمد تأثیرها على إذنه تعالى. فمتى ما أذن الله، استطاعت فعل شیء، سواء أكان شیئاً عادیّاً، مثل: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»[12]، أو خارقاً كإبراء المرضى بید نبیّ الله عیسى (علیه السلام): «وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِی»[13].

تأثیر الرؤیة فی السلوك

أهل الآخرة الذین یرون الناس جمیعاً موتى لا یرون الحیاة إلاّ لله جلّ وعلا: «وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَیٌ‏ قَیُّومٌ كَرِیمٌ». ألا وإنّ من ینال هذه الرؤیة، التی أَتحفَ الأنبیاءُ (علیهم السلام) البشرَ بها، یتغیّر نمط حیاته تغییراً جذریّاً. فلو ألقینا إلى حیاتنا نحن نظرة لرأینا أنّنا لا نتوانى عن فعل أیّ شیء لبلوغ مآربنا؛ فنحن ننتشی لإطراء الناس لنا، نخطّط للحصول على المناصب، نتآمر، نظلّ سنوات نقلّب الأفكار ونرسم الخطط ولربما نستعین بالكذب والخدیعة علّنا نربح الانتخابات یوماً لنتربّع لبضعة أیّام على مقعد الرئاسة! معنى ذلك أنّنا نرى الناس هم الأحیاء ونعتقد بأنّ باستطاعتهم - عبر الدعایة والأموال وما إلى ذلك – توفیر الكراسی والمقامات لنا. أمّا دَور الله تعالى فی كلّ هذا فلعلّنا نتخیّل أنّه سبحانه أجلّ من أن یقحم نفسه فی مثل هذه الأمور! فی حین أنّ القرآن الكریم یقول فی الباری جلّ وعلا: «تُؤْتِی الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِیَدِكَ الْخَیْرُ»[14]، فما من خیر إلا وهو بیده. ویقول فی آیة أخرى: «وَإِنْ یَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ یُرِدْكَ بِخَیْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ»[15]، فإن أراد الله بشخص خیراً فلا أحد یستطیع منعه منه وإن أراد بشخص ضرّاً فلیس لامرئ تغییر تقدیر الله. إذن فمَن ذا الذی یمكن اعتباره حیّاً؟

«وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَیٌ‏ قَیُّومٌ كَرِیمٌ» فإنّ النعم كلّها، حسب أهل الآخرة، تُسبَغ بلطفه وكرمه عزّ وجلّ، وإنّ تدبیر العالَم تكویناً وتشریعاً بیده. أمّا أغلب الناس فإمّا أنّهم لا یؤمنون بذلك، أو أّنهم غافلون عنه یلهثون وراء الأسباب كافرین بأنعمه تعالى. ولعلّ هذا ما دفع المرحوم الشیخ غلامرضا كوتشه بیوكی، أحد علماء یزد الأجلاّء، إلى القول: «غیّر عقلك یا عزیزی»! فینبغی أن نغیّر رؤیتنا ونؤمن بأنّ مقالید الأمور لیست بید هذا وذاك، وأن نضع فی حسباننا بأنّ هنالك ربّاً بیده كلّ شیء. فإن غفلنا عن ذلك بُلینا بالسنن الإلهیّة.

سُنَن الله التی لا تبدیل لها

لا یجامل الله عزّ وجلّ أحداً حتّى أنبیاءه (علیهم السلام) فی إجرائه سُنَنَه. فماذا فعل جلّ وعلا مع نبیّه یونس (علیه السلام)؟ فلقد دعا یونس قومَه أعواماً إلى دین الله ولم یؤمنوا، فسأل ربّه أن ینزل علیهم العذاب. فلمّا بانت أمارات العذاب تركهم، وهو نهج لیس بالمحبَّذ كثیراً فی منطق الرحمة الإلهیّة. «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَیْهِ»[16]؛ فلقد هجر یونسُ قومَه غاضباً ظنّاً منه أنّ الله لن یضیّق علیه لتركه هذا الأَولى، فكان عقابه أن یلتقمه الحوت ویلبث فی بطنه لا یجد سبیلاً للخلاص «فَنَادَىٰ فِی الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّی كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِینَ»[17]. تنبّه یونس وهو فی بطن الحوت إلى خطئه فبادر إلى التوبة وراح یسبّح الله، فأنجاه الله. ومع ذلك یقول جلّ وعلا فی موضع آخر: «فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِینَ‏ * لَلَبِثَ فِی‏ بَطْنِهِ إِلَىٰ یَوْمِ یُبْعَثُونَ»[18]، فلو أنّه لم یرجع عن خطئه لتورّط بالسنّة الإلهیّة إلى الأبد، لأنّ الله لا یجامل حتّى نبیَّه، ولهذا فهو جلّ وعلا یقول لنبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله): «وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ»[19]، اقتدِ یا محمّد بجمیع الأنبیاء، لكن لا تكن مثل یونس، واصبر فی الظروف الصعبة: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ»[20].

فالله تبارك وتعالى شدید جدّاً فی إجرائه سُنَنَه ولا یستثنى من هذه القاعدة حتّى الأنبیاء (علیهم السلام). فلا نتصورَنّ أنّ كوننا مسلمین، وشیعة، وثوریّین، ومشاركین فی جبهات القتال، ومجروحین فیها، ..الخ هی میزات تجعلنا عزیزین ممیَّزین عند الله فیُغضَى عن خطایانا ومعاصینا! فإنّ حساب الله دقیق، وإنّ كلّ صنیع تصنع تُؤجَر علیه، كما أنّ لكفران النعمة، والغفلة عن الله، وطَرق باب غیره حسابَه الخاص، فالذی یرتكب ذلك یوكله الله إلى نفسه ویقول له: «ما دمتَ لجأت إلى غیری فدعك عنّی ولا شأن لی بك»!

فإن أحببنا التنعّم بألطاف الله وأیادیه علینا فی حیاتنا الدنیا والأخرى وصیانة أنفسنا من البلایا ووساوس النفس والشیطان فعلینا أن نكون عبیداً لله وأن لا نرى لأنفسنا قیمة أمامه، بل أن لا نجد فی أنفسنا اللیاقة لمخاطبته بشكل مباشر، فنعمد دائماً بأدب إلى شفاعة أولیائه عندَه ونتوجّه إلى الحضرة الإلهیة متوسّلین بهم. فإنّه من لطف الله تعالى أیضاً أن یوسّط العبد العاصی عند الله أولیاءه الصالحین إذا استحیى بسبب خطایاه من النظر فی وجه بارئه، فیناجیه على استحیاء: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ ذُنُوبِی‏ قَدْ أَخْلَقَتْ‏ وَجْهِی‏ عِنْدَكَ‏ وَحَجَبَتْ‏ دُعَائِی‏ عَنْكَ‏ وَحَالَتْ بَیْنِی وَ بَیْنَك‏... فَهَا أَنَا ذَا مُسْتَجِیرٌ بِكَرَمِ وَجْهِكَ وَعِزِّ جَلالِكَ مُتَوَسِّلٌ إِلَیْكَ مُتَقَرِّبٌ إِلَیْكَ بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَیْكَ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَیْكَ وَأَوْلاهُمْ بِك»[21]؛ اللهمّ إن كانت ذنوبی قد سوَّدَت وجهی وحجبتنی عنك فلم تعُد تسمع صوتی فإنّی أوسّط لحضرتك أفضل عبادك عندك.

نسأل الله ببركة أولیائه أن یسبغ على أفئدتنا التی لا تساوی شیئاً مثقالَ ذرّة من هذه المعرفة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین.



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. سورة النمل، الآیة 80.

[3]. سورة الأنعام، الآیة 122.

[4]. سورة یونس، الآیة 100.

[5]. سورة العنكبوت، الآیة 65.

[6]. سورة یونس، الآیة 22.

[7]. سورة العنكبوت، الآیة 65.

[8]. سورة الشعراء، الآیة 79.

[9]. سورة الشعراء، لاآیة 80.

[10]. سورة الأنعام، الآیة 162.

[11]. الأمالی للصدوق، ص457.

[12]. سورة آل عمران، الآیة 145.

[13]. سورة المائدة، الآیة 110.

[14]. سورة آل عمران، الآیة 26.

[15]. سورة یونس، الآیة 107.

[16]. سورة الأنبیاء، الآیة 87.

[17]. نفس الآیة السابقة.

[18]. سورة الصافات، الآیتان 143 و144.

[19]. سورة القلم، الآیة 48.

[20]. سورة الأحقاف، الآیة 35.

[21]. بحار الأنوار، ج99، ص172.