فهرست مطالب

الجلسة التاسعة: مناجاة الله إلى جانب التكالیف الاخرى

تاریخ سخنرانی: 
1392/11/09

(9)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 29 كانون الثانی 2014م الموافق للسابع والعشرین من ربیع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

مناجاة الله إلى جانب التكالیف الاخرى

 

إشارة

وصلنا فی محاضرتنا الماضیة إلى أنّه من جملة علامات أحبّاء الله وأولیائه أنّهم ینتظرون حلول اللیل لیهرعوا إلى الخلوة بربّهم ومناجاته. وقد ذكرنا فی علّة اختیار اللیل لمناجاة الله سبحانه أنّه إلى جانب أنّ اللیل هو وقت السكینة وهدوء الأصوات وذهاب الجمیع إلى مضاجعهم، فإنّ الظلمة تساعد الإنسان على التركیز أكثر. وقد اُشیر فی آیات الذكر الحكیم إلى هذه القضیّة فی قوله تعالى: إنّ سبب إصراننا على أن تقوم ثلثَی اللیل أو نصفه هو أنّ عبادة اللیل هی أشدّ أثراً: «إِنَّ نَاشِئَةَ الَّیْلِ هِیَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِیلاً»[1]. كما ویشیر تعالى إلى نقطة اُخرى فی قوله: «إِنَّ لَكَ فِی النَّهَارِ سَبْحاً طَوِیلاً»[2]. فلیس لدیك فی النهار متّسع من الوقت للعبادة المطوّلة، لأنّك مكلَّف فیه بتكالیف جمّة ومرتبط بأعمال ومشاغل كثیرة تمنعك من الخلوة بربّك. وقد أكثرَت الروایات من توصیاتها بإحیاء الأسحار بالعبادة وطول السجود. ومنها روایة نوف البكالیّ التی یصف فیها أمیر المؤمنین (علیه السلام) حال المتّقین فی اللیل والنهار، حیث یقول: «أمّا اللیل فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن یرتّلونه ترتیلاً... وتارةً یفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجری دموعهم على خدودهم»[3]. وعلى أیّة حال فإنّه لا نظیر للتأكیدات الواردة على قیام اللیل والسحر، ویندر أن نجد فی المصادر الدینیّة تأكیداً على شیء بهذا الحجم.

وهنا یتبادر إلى الذهن السؤال التالی: لو أنّنا رغبنا بالعمل بتعالیم القرآن الكریم، من قیام ثلثی اللیل للعبادة، وعدم النوم بین الطلوعین، وتأدیة التعقیبات بعد الصلوات، فكیف سننجز باقی أعمالنا یا ترى؟ لاسیّما وأنّ هناك مستحبّات واردة للنهار أیضاً، بل وهناك دعاء لكلّ ساعة من ساعات النهار أیضاً، ولا نكاد ننتهی من هذه الأدعیة حتّى یحین وقت نوافل وفریضتی الظهر والعصر وما ورد بعدهما من أدعیة. فالذی یسهر ثلثی اللیل لا تبقى لدیه رغبة ونشاط للعمل؛ فإذا كان طالباً جامعیّاً، فسیغفو فی الصفّ، وإذا كان عاملاً أو مزارعاً، فإنّه لا یجد فی نفسه القدرة على العمل. كما وأنّ الروایات قد وصفت هؤلاء الأشخاص بأنّ وجوههم صفراء، وألوانهم شاحبة، وشفاههم ذابلة[4]. ففی هذه الحالة سوف لا یُنجَز عمل قطّ. بل إنّ شخصاً كهذا سوف لا یكون لدیه النشاط حتّى لعبادات النهار. فإذا كان هذا هو النموذج المثالیّ للمؤمن، فكیف سنقوم بمهامّنا الاجتماعیّة؟ وأنّى لمجتمع مكوّن من هذا النمط من الأشخاص أن یحظى بالتطوّر العلمیّ ویمارس النشاطات الاجتماعیّة والسیاسیّة ؟ فالقضیّة لیست منحصرة بقیام السحر، إذ أنّ هناك الكثیر من التكالیف الاُخرى ممّا لو عمل المرء بها فإنّه لا تعود ثمّة فرصة ولا قدرة على إنجاز باقی الأعمال. فإذا كان مقتضى العمل بهذه التعالیم هو الخروج بمجتمع ضعیف عدیم النشاط والحیویّة، وهو ممّا لا یرضى به الإسلام، إذن فلماذا كلّ هذا الإصرار والتوصیة على العمل بهذه الاُمور؟

الإفادة من المصادر الدینیّة تحتاج لمتخصّص

من أجل تهیئة الأذهان لتقبّل الإجابة نشبّه المصادر الدینیّة بالكتب الطبّیة. إذ یكرَّس جانب من هذه الكتب عادةً للأعشاب، والعقاقیر، والأملاح، والأغذیة، وما إلى ذلك. ومن الواضح أنّ كتباً من هذا القبیل تبیّن خواصّ الأعشاب والعقاقیر، وانّ العمل بموجبها لا یعنی بالضرورة التوصیة بتناول جمیع ما ذُكر فیها من أعشاب وعقاقیر. كما أنّ الكتب الأكثر تخصّصاً تتناول أضرار ومحاسن هذه الموادّ. ویتعیّن - من أجل العمل بهذه الكتب - مراجعة الطبیب والعمل بوصفته التی یحرّرها بعد الفحص وإجراء التحالیل المختبریّة. وكلّما كان الطبیب أشدّ حذقاً وتجربة واطّلاعاً على أنواع الأدویة والأغذیة، كانت وصفته أفضل. وهذه المسألة تصدق أیضاً على تعلیمات المصادر الدینیّة. فقد یتصوّر بعض عوامّ الناس، استناداً إلى الروایات التی تتحدّث عن ثواب البكاء على أبی عبد الله الحسین (علیه السلام) أنّ بإمكانهم ارتكاب ما یحلو لهم من الذنوب طیلة العام، فإذا حلّ یوم عاشوراء ذرفوا بعض الدموع فیُغفر لهم! غیر ملتفتین إلى أنّ الروایات المذكورة هی لبیان أنّ ذرف الدموع فی عزاء سیّد الشهداء (علیه السلام) له مثل هذه القدرة، لكنّ أثراً كهذا یتطلّب تحقّق بعض الشروط. لذلك یتعیّن الالتفات إلى أنّ استحسان الروایات (أو ذمّها) لشیءٍ ما لا یعنی ترخیصاً مطلقاً للعمل به. فكما أنّ علینا - فی الأحكام الفقهیّة – الرجوع إلى الفقیه المجتهد الذی یضع جمیع الأدلّة الفقهیّة إلى جانب بعضها، وبعد ملاحظة المطلق والمقیّد، والناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، یخرج بفتوى لیدلّنا على تكلیفنا الشرعیّ، فإنّه یتعیّن - فی المسائل الأخلاقیّة أیضاً - الرجوع إلى المتخصّص فیها، لاسیّما وأنّ معظم هذه المسائل تُعدّ من الواجبات المهمّة للغایة وانّ المتخصّص المتبحّر فی هذه الاُمور سیأخذ جمیع الأدلّة بنظر الاعتبار، فیرخّص الشخص المقابل للقیام بعمل معیّن اعتماداً على حاجته وقابلیّاته.

یروى أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) كان له صدیق نصرانیّ وقد سعى – شیئاً فشیئاً - فی هدایته حتّى دخل الإسلام. ذات لیلة طرق هذا المؤمن باب صدیقه الحدیث العهد بالإسلام سحراً لیصطحبه إلى المسجد لصلاة اللیل. وبعد الانتهاء منها قال له: لقد اقترب الصبح، فلنصبر حتّى نصلّی الصبح. ثمّ حبسه بعد الصلاة حتّى طلوع الشمس لأداء التعقیبات. وفی نهایة المطاف عاد الرجلان إلى دارهما. لكنّ هذا المؤمن عاد سحراً إلى منزل رفیقه لیدعوه مرّة اُخرى إلى صلاة اللیل. فقال له المسلم الجدید: یا فلان! إنّ دینكم حَسَن، لكنّه ینفع العاطلین، فإنّ لی عیالاً وأنا لا اُطیق هذه الحیاة، لقد كان دینی السابق أفضل لی. فأشار الإمام الصادق (علیه السلام) بعد ضربه هذا المثل إلى أنّ هذا المؤمن قد أخرج رفیقه من الإسلام من حیث أدخله فیه[5]. ومن هنا فإنّه لا یجوز وصف منهاج عملیّ لامرئ من دون معرفة قابلیّته، وظروف حیاته، ومقدار معرفته، وسنّه، وقدرته البدنیّة، وواجباته الاُسریّة والاجتماعیّة المختلفة.

تقسیم العمل

وبناءً على ما ذكرنا فإنّ الفقیه المحیط بهذه المسائل یوصی بضربٍ من تقسیم العمل. وبعبارة اُخرى فإنّ العمل بتعالیم الدین لا یعنی أداء جمیع الأعمال فی كلّ حین، بل یتعیّن تقسیم العمل. إذ تدلّ بعض الروایات على ضرورة أن یكون للمرء فی یومه ولیلته عدّة أنواع من العمل. فقد أكّدت بعض الأحادیث على تقسیم ساعات اللیل والنهار إلى ثلاثة أقسام: قسم للنوم وتلبیة حاجات البدن، وآخر لكسب الرزق، وآخر للعبادة. وقد أضافت روایة اُخرى قسماً لمعاشرة الإخوان والتمتّع بالحلال جاعلةً من الأخیر ضماناً لأداء باقی التكالیف بشكل صحیح[6]. ولا نفهم ممّا ذكر أنّ هذه الروایات تقسّم ساعات الیوم واللیلة إلى ثلاثة أو أربعة أقسام متساویة، بل إنّها – إجمالاً - فی مقام النهی عن رتابة الحیاة.

أقسام التكالیف

ما نستشفّه من مصادر الدین – سواء الآیات أو الروایات أو سیرة أهل البیت (علیهم السلام) – هو أنّ أعمالنا تنقسم إلى مجموعتین عامّتین: فردیّة واجتماعیّة. إذ انّ لدینا واجبات اجتماعیّة تجاه الأب والاُمّ، والزوج، والولد، والجار، والاُستاذ، والتلمیذ، وصولاً إلى إمام الاُمّة ومسؤولی البلاد، وحتّى الدول الصدیقة والعدوّة. كما وأنّه ثمّة مجموعة اُخرى من التكالیف ترتبط بالشخص نفسه ویتعیّن علیه إنجازها، سواء أوُجد شخص آخر أم لم یوجد. كما أنّ المسائل الفردیّة تنقسم هی الاُخرى إلى ثلاثة أقسام: الحاجات الضروریّة للبدن، والحاجات النفسیّة، والعلاقة مع الله. فالحاجات الضروریّة للبدن[7] هی ممّا یحتاجه جمیع الناس ولیس من مفرّ عنها؛ فجمیع البشر هم بحاجة إلى الطعام واللباس والسكن. ولا یدور الكلام فی مثل هذه الحاجات حول ما إذا كانت تلبیتها - شرعاً - واجبة أو محرّمة أو مستحبّة فی حدّ ذاتها، إذ یتعیّن على كلّ إنسان تأمینها من أجل البقاء. بالطبع إذا نوى المؤمن القیام بهذه الأعمال طاعةً ومرضاةً لله، فستُحسب عبادة أیضاً، لكنّها لیست من التكالیف الواجبة، وإنّها لَمِن مهارة المؤمن أن یستطیع إنجاز جمیع هذه الأعمال – حتّى أشدّها حیوانیّة – بقصد طاعة ربّه وتحویلها إلى عبادة عظیمة (واجبة أو مستحبّة).

أمّا الحاجات النفسیّة فإنّها لا ترتبط بالجسم، لكنّ إنسانیّة الإنسان وروحه هما بحاجة لها. فكلّ امرئ یحتاج لأن یكون عزیزاً وذا كرامة. بالطبع من الممكن أن یبقى الإنسان على قید الحیاة بالتسوُّل، لكن لیس هذا شأن الإنسان المحترم.

وأخیراً فإنّ المجموعة الثالثة من الحاجات هی ما یتّصل بالعلاقة مع الله وعبادته، وهی ما یمكن تصنیفه – بشكل من الأشكال – ضمن حاجات الإنسان النفسیّة أیضاً.

كما وتنقسم المسائل الاجتماعیّة أیضاً إلى قسمین أساسیّین: مادّی، ومعنویّ. وعلاوة على ذلك كلّه فإنّنا معاشر البشر بحاجة إلى شیء آخر ألا وهو طلب العلم. ومن الواضح أنّ طلب العلم هو أمر واجب لكلّ من القضایا الفردیّة والاجتماعیّة. ولیكن فی علمنا – بالطبع – أنّ بإمكاننا إنجاز جمیع هذه الأعمال بنیّة التقرّب إلى الله وطاعته، فتصیر كلّها عبادة.

ومن المطالبات الاُخرى أیضاً هو ما یتّصل بالدفاع والأمن. فإذا تآمر العدوّ – الداخلیّ أو الخارجیّ – على الإخلال باستقرار المجتمع، فلابدّ من وقوف جهاز الأمن والقوّة الدفاعیّة بوجهه. ولیس بوسع شخص واحد سدّ هذه الحاجة، بل إنّها تتطلّب جهازاً منظّماً وضخماً.

فكلّ ما ذكر یمثّل ما نحن بحاجة إلیه فی هذه الحیاة الدنیا، وقد طالَبَنا الإسلام بأن نكون اُنموذجاً وقدوة لغیرنا فی جمیع ذلك. فیتعیّن ممارسة كلّ هذه النشاطات، لكن یتحتّم أن تتّخذ جمیعها وجهة إلهیّة.

الحاجة إلى المناجاة مع الله

یتخیّل البعض أنّ المراد من العبادة، التی یوصَىٰ بممارستها على مدى ثلثی اللیل أو نصفه، هو كلّ ما یقوم به المرء فی سبیل الله، مستندین فی ادّعائهم هذا إلى الحدیث القائل: «العبادة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء فی طلب الحلال»[8]. لكنّ القضیّة لیست بهذه الصورة؛ إذ أنّ الروایات التی تدعو الإنسان إلى تخصیص ساعات من یومه لعبادة الله والمناجاة معه لا تقصد شیئاً آخر.

إنّ من أهمّ الأعمال عند العقلاء هی قضیّة إدارة المجتمع، إذ أنّها تطغى على جمیع الشؤون الاُخرى. وهذه الأهمّیة هی على جانب من الكِبَر والضخامة حتّى أن بعض الأخبار قد عدّت فائدة تنفیذ حدّ واحد من حدود الله أكثر من فائدة المطر لأربعین یوماً متوالیة. فعندما أرسل أمیر المؤمنین (علیه السلام) مالك الأشتر إلى مصر بعد أن عیّنه والیاً علیها كتب له عهداً شرح فیه بالتفصیل جمیع أركان الحكومة وكیفیّة التعامل معها وواجب كلّ منها. لكنّه (علیه السلام) طالبه ضمن هذه الأوامر أن یخصّص أفضل أوقات یومه لعبادة الله عزّ وجلّ. والملفت أنّه (علیه السلام) یقول فی هذا العهد: «واجعل لنفسك فیما بینك وبین الله أفضل تلك المواقیت وأجزَل تلك الأقسام، وإنْ كانت كلّها [الأعمال] لله إذا صلحَت فیها النیّة وسلِمت منها الرعیّة... فأَعطِ الله من بدنك فی لیلك ونهارك، ووفّ ما تقرّبتَ به إلى الله من ذلك كاملاً غیر مثلوم ولا منقوص»[9]؛ أی: على الرغم من أنّ كلّ عمل تقوم به لله ویأمَن الناس ضرَرَه فهو عبادة، لكن علیك أن تخصّص أفضل أوقات یومك ولیلتك لعبادة ربّك والمناجاة معه! ثمّ یوصیه بأن لا تثلم هذه العبادة أو تنقصها! فإنّ عبادتك ربَّك فی أفضل ساعات لیلك ونهارك عبادة كاملة غیر منقوصة هی التی ستعینك على القیام بسائر المهمّات.

وطبقاً لتصنیف آخر عامّ فإنّ كلّ واحد من الاُمور المذكورة أعلاه تنقسم إلى واجب ومستحبّ[10]، حیث ینبغی – فی حالة التزاحم بینها – التخلّی عن المستحبّ لصالح الواجب. وهذا أمر واضح. لكنّ المشكلة هی عندما یحصل التزاحم بین الواجب المرتبط بالشخص، مع الواجب المتعلّق بالاُسرة أو المجتمع. فالحفاظ عل السلامة – على سبیل المثال – واجب وعلى المرء أن یهتمّ بسلامة طعامه وتعقیمه من المكروبات. أمّا فی الخطّ الأمامیّ من جبهات القتال، فلا تعود هذه القضیّة محطّ بحث؛ إذ قد یضطرّ المرء هناك أحیاناً إلى الاكتفاء بكسرة خبز شعیر أو شقّ تمرة. لكنّ السؤال المطروح هنا هو: إذا حصل التزاحم بین سلامة المرء وواجب شرعیّ أو عبادیّ كاحترام الوالدین أو الصلاة، فما الذی ینبغی صنعه؟ نفهم من ذلك أنّه حتّى فیما یخصّ الواجبات فإنّ علینا – عند التزاحم – تشخیص ما هو الأوجب.

اختلاف الظروف یمهّد لاختلاف التكلیف

إنّ بعض العوامل تكون مشتركة بین جمیع الناس فیكون للجمیع - فی ظروف معیّنة - نفس الواجبات الفردیّة والاجتماعیّة، لكنّه ثمّة عوامل تكون مثاراً لاختلاف التكلیف. فعلى سبیل المثال فإنّ تكلیف البنت التی بلغت تسع سنوات من عمرها یختلف عن تكلیف الشباب الذین بلغوا النضج والرشد الكافیین؛ إذ لا یمكن تعلیم البنت ذات السنوات التسع أحكام واجبات أو مستحبّات الصلاة - لاسیّما ما یرتبط بالنیّة - بشكل دقیق، بل قد یتعیّن أحیاناً وَعْدُها بهدیّة لتشجیعها على أداء الصلاة. أمّا بالنسبة للشباب فهل ستُقبل صلاتهم یا ترى إذا أتوا بها أملاً بالجائزة؟! وهذا الاختلاف فی التكلیف ناشئ عن اختلاف السنّ. لكنّ قد یكون الاختلاف أحیاناً بسبب الجنس أیضاً؛ فهناك تغایر بین الرجل والمرأة وإنّ بعض الأحكام تخصّ أحد الجنسین دون الآخر. كما وقد ینجم اختلاف التكلیف عن القابلیّات والمواهب الإلهیّة، بل حتّى إنّ بعض القدرات المكتسَبة قد توجب فارقاً فی التكلیف أیضاً؛ فتكلیف الكادّ من أجل لقمة عیشه مثلاً یختلف عن تكلیف مَن یكون فقره بسبب الكسل والتقاعس أو لأسباب غیر هذه. وأخیراً فإنّ بعض المسائل قد تُستحدث نتیجة بعض الظروف الاستثنائیّة كالحرب أو الزلزال أو أمثال ذلك؛ إذ من الواضح أنْ یطرأ فی مثل هذه الظروف تكلیف جدید على الأشخاص وهو ما یكون فی الغالب بصورة واجب كفائیّ؛ فإذا توفّر مَن به الكفایة، سقط عن الآخرین، أمّا إذا لم یتوفّر فإنّ على الجمیع مدّ ید العون فلا یسقط التكلیف عن كاهل أیّ امرئ.

ولما كان من الضروریّ - بغیة إعداد منهاج سلوكیّ للمرء - أخذ جمیع العوامل المذكورة بنظر الاعتبار فإنّه لابدّ – فی هذه القضیة - من استشارة مَن له إحاطة علمیّة من جهة، وقادر على فهم ظروف الناس من جهة اُخرى. فمن غیر الممكن أن نتوقّع من المبتدئ – لاسیّما الحدَث – أن یأخذ جمیع هذه الامور بنظر الاعتبار فیشخّص الواجب من الأوجب والمهمّ من الأهم. إذ یتحتّم على المتخصّصین فی مجال التربیة والأخلاق أن ینهضوا بهذه المهمّه ویرشدوا من سواهم.

هذه الاُمور تشیر بمجموعها إلى أنّ تكلیف الناس یختلف باختلاف الظروف. فقد یكون الاستیقاظ قبل صلاة الصبح بربع ساعة لأداء صلاة اللیل كافیاً لامرئ، فی حین تكون العبادة لمدّة ثلثی اللیل أو حتّى قیام اللیل كلّه حَسَنة جدّاً لمن لیس فی ذمّته عمل مهمّ أو تكلیف واجب.

والمحصّلة هی انّ لدینا تكالیفَ وواجباتٍ مختلفة، وعلینا أن نحدّد مهامّنا ومكانتنا الاجتماعیّة، وأن نحیط علماً بما تعهّدنا به من مسؤولیّات وما ینبغی أن نتعهّد به؟ علینا أن ننظر أیّ الأعمال والمسؤولیّات مهمَلة ونحن نملك القدرة على إنجازها، ثمّ نختار من بینها ما هو أهمّ لننهض به.

وفّقنا الله وإیاكم إن شاء الله 


1. سورة المزّمل، الآیة 6.

2. سورة المزّمل، الآیة 7.

3. كنز الفوائد، ج1، ص90.

4. قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی سیماء الشیعة: «صُفر الوجوه من السهر، عُمش العیون من البكاء، حدب الظهور من القیام، خُمص البطون من الصیام، ذبل الشفاه من الدعاء، علیهم غبَرة الخاشعین»، وسائل الشیعة، ج1، ص92.

5. وسائل الشیعة، ج16، ص164-165.

6. عن الإمام الكاظم (علیه السلام): «اجتهدوا فی أن یكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذین یعرفّونكم عیوبكم ویخلصون لكم فی الباطن، وساعة تخلون فیها للذّاتكم فی غیر محرّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات» (تحف العقول، ص409).

7. ویطلق على هذه الحاجات فی علم النفس بالحاجات الفسلجیّة.

8. جامع الأخبار (للشعیری)، ص139.

9. نهج البلاغة، الكتاب 53.

10. من حیث إنّه عندما یدور الكلام حول الأعمال التی ینبغی القیام بها، فإنّه لا یكون «المكروه» و«الحرام» محطّ نقاش.