فهرست مطالب

الجلسة الثانیة؛ محبّة‌الله فی نظر القرآن الكریم

تاریخ سخنرانی: 
1392/09/06

(2)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 27 تشرین الثانی 2013م نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

محبّة الله

تعریف المحبّة

محبّة الله فی نظر القرآن الكریم

 

ذكرنا أنّ إحدى القیم السامیّة فی الثقافة الإسلامیّة وأهمّ عوامل التقرّب إلى الله تعالى وفق الآیات والروایات والأدلّة العقلیّة هی المحبّة. لكنّ مثل هذا الموضوع لا یُولَى فی محافلنا العلمیّة والثقافیّة والأخلاقیّة ما یستحقّه من الأهمّیة، بل إنّ ثلّة من الناس، وباللجوء إلى تأویلات معیّنة، وعلى الرغم من أنّ دلالة بعض الآیات لا تذر أیّ فسحة للتأویل والتبریر، یتصوّرون أنّ نسبةَ المحبّة إلى الله هی نسبة مجازیّة. فی حین أنّ الباری عزّ وجلّ، من باب المثال، یقول فی آیة ترتبط بحیاتنا المعاصرة ارتباطاً وثیقاً: «یَـٰأَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُواْ مَن یَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَه»[1]؛ فالله عزّ وجلّ یحذّر فی مقام الاستغناء قائلاً: نحن لسنا بحاجة لكم، ولا تتصوّروا أنّكم بإیمانكم تمُنّون على الله. وحتّى إن ارتَدَدتم عن دینكم، فإنّكم لن تضرّوا الله شیئاً، بل إنّه سبحانه سیأتی بقوم یحبّهم ویحبّونه. وهذه الآیة تدلّ بصراحة على الحبّ المتبادل بین الله وبعض عباده، وتأبى التأویلات الواردة فی هذا الباب. ولا تختصّ هذه الآیة بالدلالة المذكورة، بل إنّ عشرات غیرها من الآیات، التی تنسب محبّة الله تعالى للصابرین، والصالحین، والتائبین، ...الخ، تشیر إلى عین هذا المعنى.

محبّة الله من وجهة نظر الروایات

لقد وردت أحادیث كثیرة فی محبّة الله، من جملتها الحدیث التالی: «المُحبّ أخلصُ الناس سرّاً لله»؛ أی إنّ الذی یحبّ الله یخلص باطنَه بشكل كامل له عزّ وجلّ، ویخصّص أعماق قلبه له، ولا یدع محلاًّ لأیّ أحد غیره فی قلبه. «وأصدقُهم قولاً»؛ فكلّ المؤمنین یتحدّثون عن محبّة الله وطاعته، والخشیة من عذاب الله وسخطه، لكنّ ادّعاءاتهم تلك لا تترجَم فی میدان العمل، أمّا المحبّ لله فهو صادق فی ادّعائه. «وأوفاهُم عهداً»؛ أی أوفى الناس فی عهده مع الله تعالى. یقول عزّ من قائل: «مِنَ الْمُؤْمِنِینَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللهَ عَلَیْهِ»[2]؛ فجمیع المؤمنین یعاهدون الله على امتثال أوامره ومجانبة أعدائه، لكنّ الذین یوفون بعهدهم ویصدقون فیه قلّة. «وأزكاهُم عملاً»؛ فعملهم أطهر وأنظف من الجمیع. «وأصفاهُم ذكراً» أی إنّ ذكرَه لله تعالى أنقى وأقلّ رتوشاً من ذكرِ غیره له عزّ وجلّ. «وأعبَدُهُم نفساً» فهو یقف كلّ كیانه على عبودیّة الله ولا ینفق ذرّة من وجوده فی غیر ذلك. «تتباهىٰ الملائكةُ عند مناجاته وتفتخر برؤیته»؛ وهذا من آثار هذه المحبّة. «وبه یعمُر الله تعالى بلادَه وبكرامته یُكْرِم الله عباده»؛ فالله جل وعلا یعمر البلدان والمدن بوجود مثل هذا المرء ویُكرِم باقی الناس بواسطة ما یَكُنّ له من احترام ویقیم له من وزن. «یعطیهم إذا سألوه بحقّه ویدفع عنهم البلایا برحمته»؛ فإن سأل الناسُ اللهَ شیئاً بحقّ هذا الإنسان، أعطاهم ما یطلبون، وهو عزّ وجلّ یدفع عنهم البلایا بما یُغدق علیه من رحمة. «ولو علم الخلقُ ما محلّه عند الله ومنزلته لدیه ما تقرّبوا إلى الله إلاّ بتراب قدمَیه»[3].

ضرورة البحث فی موضوع المحبّة

على الرغم من الأهمّیة البالغة التی تتمیّز بها محبّة الله فی أقوال أهل البیت (علیهم السلام) فإنّنا قلّما نتطرّق إلى هذا الموضوع أو نفكّر فیه. وإنّ من آفات هذه الظاهرة هو جعل محبّة الله فی مقابل محبّة أهل البیت (علیهم السلام) وعدم الاهتمام بالاُولى، وهذا من علامات ضعف الإدراك وضحالة المعرفة. فالحقیقة، على أیّة حال، هی أنّ الثقافة الدینیّة فی مجتمعنا لم تنْمُ وتنضج كما ینبغی لتشقّ هذه المعارف طریقها فی الاُمّة بقوّة وتغذّی أفئدة شباب هذا الجیل النقیّة بهذه الحقائق كی تصل إلى درجة رفیعة من التكامل. وفی واقع الأمر فإنّ تقصیرنا فی مضمار اكتساب محبّة الله یعود إلى ضحالة معرفتنا. لذا نرى من المناسب أن نتحدّث بعض الشیء عن حقیقة المحبّة، وكیفیّة ظهورها، وما یطرأ علیها من شدّة وضعف. وحیث إنّ قضیّة الحبّ هی أمر یحتكّ الناس به ویتداولونه یومیّاً عشرات المرّات، ویدركون مصادیقه بالنسبة لأنفسهم وعوائلهم وأصدقائهم وما إلى ذلك حضوریّاً، فقد یبدو - للوهلة الاُولى - أنّ المحبّة لیست بحاجة إلى تعریف. لكن مع قلیل من التمعّن نجد أنّ معرفتنا بهذه المسائل محاطة بالإبهامات ونحن لا نملك تعریفاً واضحاً لها، بل وإنّنا كثیراً ما نخطئ فی هذا المجال.

آثار الحبّ

اعتماداً على الاُسلوب المتّبَع فی علم المنطق فی تعریف مفهومٍ ما، حیث یتمّ أوّلاً تحدید خصوصیّاته ومحمولات مصادیقه، ثمّ یصار ثانیاً، وعن طریق استقصاء الصفات العارضة علیه وبالإفادة من ذاتیّاته، إلى تشخیص ذلك المفهوم ثمّ نقوم بصیاغة تعریف له من خلال ترك الصفات العارضة والاعتماد على ذاتیّاته، فمن المستحسن أن نبدأ فی تعریفنا للمحبّة من المصادیق التی نلمسها نحن حضوراً ووجداناً.

ونستهلّ بحثنا بمصداق بسیط یُعدّ أفضل وأطهر مصادیق المحبّة، ألا وهو حبّ الاُمّ لأولادها. فإنّ من آثار محبّة الاُمّ لولدها هو اهتمامها به اهتماماً بالغاً. فالمرء إذا لم یحبّ شیئاً فإنّه لا یلتفت إلیه، وسیتساوى عنده وجوده وعدمه، أمّا إذا أحبّه فإنّه سیهتمّ به بدایةً، وسیزداد اهتمامه به كلّما نَمَت محبّته له. ومن آثار المحبّة الاُخرى هی رغبة الحبیب المستمرّة فی البقاء إلى جانب محبوبه، وهی الرغبة التی تتجلّى فی شوق الاُمّ إلى احتضان ولدها، وضمّه إلى صدرها، وتقبیله. كما أنّ من الآثار الاُخرى التذاذ المرء وإحساسه بالطمأنینة جرّاء اهتمامه وتعلّقه بحبیبه؛ فالأمّ عندما تضمّ طفلها تشعر بالطمأنینة والدفء، وما إن تنفصل عنه حتّى یساورها القلق.

محبّة؛ أم لذّة؟!

ما ذكرناه فی الأمثلة آنفاً عن آثار المحبّة یرتبط بالحبّ بین موجودین. لكن أیمكن القول: إنّ المرء یحبّ نفسه؟ فقد نقول فی حواراتنا المتعارفة: إنّنی أحبّ نفسی. كما ویقال فی البحوث العقلیّة: إنّ أكثر ألوان المحبّة أصالة فی الإنسان هو حبّ الذات. وهذه البحوث تمتدّ وتتوسّع كثیراً حتّى تصل فی النهایة إلى مواطن دقیقة تثیر الكثیر من السؤالات والاستفسارات، من قبیل: لماذا نحن نحبّ الله؟ هل نحن نحبّه من باب أنّه یمنّ علینا بالنعم التی نحبّها ونلتذّ بها؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإنّ ما نحبّه أصالةً هو لذّتنا. ولعلّنا نستطیع – إلى حدّ ما - الحدیث عن هذا الضرب من المحبّة فیما یتّصل بالله أیضاً، بل إنّ هناك من الأحادیث الشریفة ما یؤیّد هذا الزعم. وقد أكون كرّرتُ هذه الروایة على مسامعكم مراراً فی نفس هذا المجلس، وهی أنّ الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى نبیّه موسى (علیه السلام) فقال: «حبِّبنی إلى خلقی وحبّب خلقی إلیّ. قال: یا ربّ كیف أفعل؟ قال: ذكّرهم آلائی ونعمائی لیحبّونی»[4]، فإنّنی قد أودعت فی بنی آدم فطرةَ حبِّ مَن أحسن إلیهم، فإنْ هم علموا مقدار إحسانی لهم ونعمائی علیهم لأحبّونی.

حبّ الإمام السجّاد (علیه السلام) لربّه

وهذه طریقة بسیطة، وسنتطرّق فی بحوثنا القادمة إلى قضیّة أنّ أسهل الطرق لتنمیة حبّنا لله هی التفكّر فی آلائه. أولیس الذی أنعم علینا بكلّ هذه النعم محبوباً؟! لكنّنا إذا حلّلنا هذا النمط من الحبّ جیّداً للاحظنا أنّنا فی هذه الحالة إنّما نحبّ لَذّاتنا بدایةً، وإنّنا نحبّ الله من حیث إنّه یعطینا ما نلتذّ به من النعماء. لكن هل یمكن أن یبلغ المرء فی هذا المضمار إلى مقام یحبّ فیه الله بما أنّه هو الله؟ فإنّنا نعثر فیما لدینا من تراث الأدعیة والمناجاة على ما نصّه: «إلهی! وعزّتك وجلالك لو قرنتنی فی الأصفاد... وأمرت بی إلى النار، وحُلْتَ بینی وبین الأبرار، ما قطعتُ رجائی منك... ولا خرج حبّك عن قلبی»[5]. لكنّ إمامنا زین العابدین (علیه السلام) هو مَن یعلن هذا اللون من الحبّ، ولیس فی میسورنا ادّعاء مثله بهذه البساطة. فلتتخیّلوا بدقّة أنّهم اقتادونا فی أوّل لیلة بعد نزولنا فی القبر أو فی یوم القیامة إلى جهنّم، فهل یا ترى أنّنا سنحبّ الله ونحن فی مثل تلك الحالة؟! لكنّ الآیات القرآنیّة وأحادیث أهل البیت (علیهم السلام) تحدّثنا عن أنّ هناك عباداً یحبّون الله تعالى من أجله هو فحسب. ولعلّ بمقدورنا، من خلال التعمّق فی الآیات والروایات والأدلّة العقلیّة، أن نشمّ ولو نسمة من كیفیّة هذا الضرب من الحبّ، وصحیح أنّ المرء مالم یصبح هكذا، فإنّه لن یدرك كُنْه هذا الحبّ، غیر أنّ مجرّد أن یبذل الإنسان جهداً لنیل ذرّة من هذه المحبّة فهو مَغْنَم عظیم.

ابتهاج الله بذاته

نعود الآن إلى تعریف المحبّة ونقول: إذا كان المراد من المحبّة هو حُبّ المرء شخصاً أو شیئاً آخر، فإنّه لا یعود لمحبّة الذات معنىً حینذاك. ولابدّ أن نُذكّر هنا بأنّ قولنا: «نحن نحبّ أنفسنا» إنّما یعود إلى أنّنا نرى نوعاً من الاثنینیّة بیننا وبین أنفسنا؛ فمرادنا من «نحن» هو روحنا المدرِكة، أمّا ما نقصده من «أنفسنا» فهو أبداننا. لكن فلنطرح هذه الشبهة بشكل آخر وبصورة أدقّ، وهو أنّ عین هذا الشخص الذی یقول إنّه یحبّ ذاته، فإنّه یحبّها حتّى وإن لم یدرك شیئاً اسمه «بدن». وهذا التساؤل مطروح أیضاً فی مراتب أعلى فیما یتعلّق بالله سبحانه وتعالى، وهو: هل یمكننا القول: «إنّ الله یحبّ ذاته»؟

لقد ذكر بعض العلماء وأهل المعقول فی هذا الخصوص: انّ أسمى لون من ألوان الحبّ فی الكون هو حبّ الله ذاتَه، وإنّ كلّ أشكال المحبّة الاُخرى إنّما هی شعاع من تلك المحبّة. یقول المرحوم الشیخ محمّد حسین الاصفهانیّ، فی حاشیته على «كفایة الاُصول» فی باب الطلب والإرادة: إنّ أعظم ابتهاج عند الله عزّ وجلّ هو ابتهاجه بذاته. ولعلّ التعبیر ﺑ «الابتهاج» یسمو قلیلاً على لفظة «المحبّة»؛ فهو لا یحبّ ذاته فحسب، بل ویبتهج بها أیضاً[6]. أجل! فقد ساق بعض عظمائنا تعابیر من هذا القبیل. لكن بالطبع هناك أیضاً من یقول فی المقابل: هذا كلام غیر صحیح، ولابدّ من القول بوجود مضافٍ محذوف أو بالمجاز. بل لقد ذكر قوم آخرون: كما جاء فی الخبر بأنّ المراد من عبارة: «آسَفُونَا»، أی «أغضَبونا»، فی قوله تعالى: «فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»[7] هو «أغضبوا أولیاءنا»، فلابدّ من القول فیما یتّصل بمحبّة الله: إنّ المقصود هو محبّة أولیاء الله تعالى، فالله لیس ممَّن یُحَبّ. لكنّه هناك مَن یؤمن أیضاً بأنّ أحَبَّ موجودٍ فی الكون هو الله جلّ شأنه، وأنّ أرقى درجات المحبّة هی محبّته جلّ وعلا لذاته، وأنّ جمیع أنماط المحبّة الاُخرى إنّما هی شعاع محدود من تلك المحبّة غیر المتناهیة التی یكنّها الله لذاته.

المحبّة والانجذاب

فی میسورنا القول إنّه: عندما یحبّ المرء شیئاً یتولّد فی نفسه إحساس یجذبه نحو ذلك الشیء. ومن هذا المنطلق یمكننا اعتبار أنّ المحبّة هی شكل من أشكال الانجذاب الروحیّ. فكما یجذب المغناطیس الأشیاء الحدیدیّة، فإنّ المحبّة هی حالة من الانجذاب تصیب قلب الإنسان فتجذب روحه وقلبه باتّجاه محبوبه. وهنا یرد سؤال مفاده: كیف تحصل للإنسان هذه الحالة من الانجذاب إلى بعض الاُمور؟ وهل هی محض صدفة، أم إنّها تستبطن حكمةً ما؟

من الجلیّ أنّ بعض الحالات لا تكون باختیار المرء؛ فحبّ الاُمّ لولدها مثلاً خارجٌ عن اختیارها كما یبدو، إذ لیست القضیّة أنّ الأمّ تفكّر بأنّه من الأفضل أن تحبّ ولدَها، ثمّ تقرّر الشروع بحبّه. فهی لا تستطیع أساساً أن لا تحبّه، بل وكأنّها هی غیر مختارة فی هذا الأمر. لكن هل یمكن أن یصنع المرء اختیاراً ما یجعله یحبّ؟ وهل بالإمكان تقویة المحبّة أو إضعافها اختیاراً؟ فعلى الرغم من أنّ الانجذاب القلبیّ هو أبسط تعبیر یمكن استعماله بالنسبة للمحبّة، لكنّه لا یفصح أحیاناً عن حقیقة المحبّة كما ینبغی، وهو لا یخبرنا عن حقیقة هذا الانجذاب وماهیّته أیضاً. فلو عثر المرء على سرّ هذا الانجذاب، لحصل على مفتاح من شأنه أن یحلّ الكثیر من المسائل الاُخرى التی سیأتی ذكرها لاحقاً.

المحبّة وإدراك اللذّة

إنّنا عندما نحبّ شیئاً، مثلما إذا كان طعاماً أو لوحة فنّیة أو زهرة جمیلة مثلاً، فذلك یعنی أنّنا سنشعر بالنشوة عند اتّصالنا بذلك الشیء أو اجتماعنا معه. فإذا كان الأمر كذلك فإنّنا سننجذب إلیه، وإلاّ فلا. فلو افترضنا أنّ أحد شخصین یحبّ لوحة فنّیة بینما لا یدرك الثانی، الذی لا یملك أیّ حسّ فنّی، مكمن الجمال فیها، فإنّ انجذاب الأوّل إلى اللوحة یعود إلى التذاذه بها، وسبب عدم انجذاب الثانی إلیها هو عدم شعوره بهذه اللذّة. وهاهنا یُطرح سؤال: لماذا یلتذّ الأوّل باللوحة ولا یلتذّ الثانی بها؟ وهذا السؤال یُطرح بالنسبة لكلّ شیء یحبّه الإنسان. فالمرء سیبنی مع ما یحبّه علاقة تؤدّی إلى التذاذه به. بالطبع إنّ محبّتنا محدودة بالاُمور التی نعرفها نوعاً ما أو نشعر بالنشوة تجاهها. وذات الشیء یصدق على عدم حبّ الناس لأمرٍ ما، وهو أنّ شعوراً كهذا لا ینتابهم؛ فإمّا انّهم لا یدركون جماله، أو إنّه – من باب الصدفة - لا ینسجم مع ذوقهم، فلا یشعرون باللذّة تجاهه. إذن لابدّ من إضافة قید اللذّة إلى تعریف المحبّة والقول: المحبّة هی انجذاب المرء إلى ما یلتذّ بوَصْله. ونُضیف أیضاً: إنّ الالتذاذ یقتضی وجود تناسب بین الـمُدرَك وبین قوى المرء الإدراكیّة. ففیما یتّصل بحاسّة الذوق مثلاً نرى أنّ بعض الناس یحبّون طعاماً معیّناً قد لا یحبّه آخرون. إذن فلابدّ من تناسبٍ بین حاسّة الذوق والطعام الـمُذاق كی تحصل اللذّة. وهنا مكمن التغایر بین الناس فی فهمهم للجمال، وهی قضیّة تصدق حتّى على الحیوانات أیضاً؛ فبعض الحیوانات قد تبعث رؤیتها الاشمئزاز فی نفوسنا، لكنّ بعضها یحبّ البعض الآخر، بل وتلتذّ لرؤیة بعضها البعض. وعلى هذا فإنّ التعریف المبسّط للمحبّة هو الانجذاب إلى ما یتناسب مع قوى الإنسان الإدراكیّة ویلتذّ المرء به.

محبّة الله والانجذاب

التعریف الآنف الذكر یختصّ بألوان المحبّة العادیّة التی یمارسها المرء. لكنّ السؤال «ما معنى انّنی اُحبّ نفسی؟» ما زال من دون إجابة، وهو سؤال یُطرح حتّى بالنسبة للباری جلّ وعلا. بل ثمّة سؤال آخر أیضاً هو: أساساً كیف یحبّ الله أمراً؟ أوَیمكن أن یشعر الله بالانجذاب؟ فالانجذاب هو انفعال وضعف وتأثّر، والله لا یقع تحت تأثیر شیء ما. فالانجذاب یصدق عندما تكون ثمّة جاذبیّة تجذب الطرف الآخر نحو الجاذب. فلو أحبّ الله شیئاً بهذه الصورة، لحصل له الانفعال، وهو محال على الله. وشبیه بهذا المضمون نقرأه فی دعاء عرفة للإمام الحسین (علیه السلام) حینما یقول: «إلهی! تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك، فكیف یكون له علّة منّی»[8]؛ وهو مبحث غایة فی علوّ المضمون. فطالما نقول فی حواراتنا: نفعل كذا لنرضی الله! لكنّ الإمام الحسین (علیه السلام) یقول فی یوم عرفة: إلهی! لا یسعنی أن أقول: إنّك ترضی نفسك، فما بالك بالقول: إنّنی اُرضیك! فإذا كانت المحبّة بمعنى الانجذاب، فهل إنّ حبّ الله شیئاً یعنی تأثّره بذلك الشیء؟! وهل ینجذب الله إلى أمرٍ ما یا ترى؟! وللردّ على مثل هذه المفاهیم العقلیّة الدقیقة هناك عادةً بضعة طرق متعارفة. أحدها هو قول بعضهم: نحن لا نفقه أیّ شیء فی هذا المجال، وعلینا التزام الصمت. وقد أراح أصحاب هذا الرأی أنفسهم من عناء البحث وألغوا الموضوع من الأساس. أمّا أصحاب الطریق الثانی فیقولون: هذه التعابیر مجازیّة. فهؤلاء یقولون بشكل من أشكال التجوّز فی هذا الباب ویلجأون إلى نمط من الفنون الأدبیّة لحلّ مشكلة الألفاظ.

وأمّا أهل الدقّة والتمعّن فی هذا الوادی فقد توسّعوا فی بحث هذه المفاهیم وقالوا: لیس لنفس الإنجذاب موضوعیّة، بل إنّ المطلوب هنا هو الاتّصال. وحتّى الاتّصال فإنّه لا یحصل إلاّ عندما یكون ثمّة اثنینیّة، أمّا عند غیاب الاثنینیّة، فتحلّ الوحدة محلّها. فالله هو وجودٌ واحد یتّسم بالكمال، وهو بذاته یحبّ ذاته.

عینیّة ذات الله وصفاته

إنّ صفات الله تعالى هی عین ذاته، ولیست خارجة عنها، وإنّ ما نشاهده نحن من التعدّد فی هذا المجال یعود إلى نقصٍ فی وجودنا. فكلّما كمُل الوجود أكثر، صار أكثر انسجاماً وبساطةً، وأصبح علمه عین حیاته، وحیاته عین قدرته. فعلم الله، ومحبّته، وكماله كلّها شیء واحد.

إذن فالمحبّة هی ضرب من الانجذاب، أو الارتباط، أو الاتّصال بموجودٍ ما؛ سواء أكان هذا الموجود ذاته، أم هو موجود آخر یُعَدّ كمال الوجود. فإذا تحقّق الكمال، التذّ به كلّ موجودٍ یمتلكه، هذا إذا عرف أنّه «كمال». من هذا المنطلق فإنّنا إذا رغِبْنا فی محبّة الله، فما علینا إلا أن نتعرّف - على قدر ما ترقى إلیه عقولنا - على كمالات الله عبر الطریق التی حدّدها هو نفسه، وأن نحاول اكتساب القدرة على إدراك الكمال. بالطبع هناك شروط اُخرى لذلك سنتعرّض لها فیما بعد.

هذه الأشكال من المحبّة هی اختیاریّة. لكنّ الله، بطبیعة الحال، قد أودع معادنها فی كیاناتنا. أمّا إیصالها إلى مرحلة الوعی، وتفجیرها، والإفادة والانتفاع منها فقد تُرك لاختیارنا نحن، وإنّه یتعیّن علینا نیلها عن طریق تقویة المعرفة وتوفیر الشروط.

رزقنا الله وإیّاكم إن شاء الله


 

[1]. سورة المائدة، الآیة 54.

[2]. سورة الأحزاب، الآیة 23.

[3]. مصباح الشریعة، ص192.

[4]. بحار الأنوار، ج2، ص4.

[5]. عدّة الداعی ونجاح الساعی، ص34.

[6]. الابتهاج هو حالة تُعدّ من لوازم المحبّة ودواعی نیلها.

[7]. سورة الزخرف، الآیة 55.

[8]. إقبال الأعمال، ص349.